تُرك وحيدًا في حفل زفافه… فغيّر سؤال طفلة حياته إلى الأبد
تُرك وحيدًا في حفل زفافه… فغيّر سؤال طفلة حياته إلى الأبد
تُرك وحيدًا في حفل زفافه… فغيّر سؤال طفلة حياته إلى الأبد
بنى ألكسندر ستيرلينغ إمبراطوريته من العدم. ما بدأ كشركة إنشاءات متواضعة أسسها والده، تحوّل ـ بفضل رؤية ألكسندر وانضباطه الصارم الذي لا يلين ـ إلى واحدة من أقوى شركات العقارات في البلاد. كان الرجل الذي حوّل الرسومات إلى أفقٍ عامر، والأراضي الخالية إلى مدن، والمخاطرة إلى ثروة.
من الخارج، بدت حياته بلا شقوق. لكن في ذلك العصر الشتوي، وهو جالس وحده في قاعة زفاف فخمة تفيض بالورود البيضاء والثريات الكريستالية، شعر ألكسندر ستيرلينغ بأنه أكثر انكسارًا مما شعر به يومًا.
ثلاثمائة ضيف ملأوا القاعة. ثلاثمائة زوج من العيون حاولت ألّا تحدّق… ومع ذلك كان الجميع يحدّق.
كانت فرقة الوتريات قد أعادت اللحن ذاته أربع مرات. وكانت بائعة الزهور تهمس بقلق لمنسّقة الحفل. والهواتف تهتزّ بهدوء في الأيدي، بينما تنتشر الرسائل كالنار في الهشيم: لن تأتي. هناك خطبٌ ما.
مرّت ثلاث وأربعون دقيقة منذ أن دفع ألكسندر كرسيّه المتحرّك نحو المذبح. ثلاث وأربعون دقيقة من الانتظار للمرأة التي كان من المفترض أن تصبح زوجته. لكنها لم تصل.
خلف النوافذ العالية، كان الثلج يتساقط برفق، مغطّيًا العالم بالبياض. أمّا في الداخل، فكان البرد أعمق… بردٌ لا علاقة له بالطقس.
قبل ثلاثة أشهر فقط، كان ألكسندر يظنّ نفسه عصيًّا على الكسر. بدأ ذلك الصباح كسائر الصباحات: جدول مزدحم، اجتماعات، رحلة بالمروحية لتفقّد موقع تطوير جديد. ثم وقع الحادث. صرخ المعدن، تحطّم الزجاج، واختفت الجاذبية. وحين استيقظ ألكسندر في المستشفى، كان الأطباء يتحدّثون بحذر، ينتقون كلماتهم ليتجنّبوا الحقيقة… إلى أن لم يعد في الإمكان تجنّبها.
قالوا له: لن تمشي مجددًا.
لم تفقد ساقاه جسديًا، لكنهما فُقدتا وظيفيًا. ومعهما فقد إحساسه بالسيطرة والاستقلال والهوية.
غير أنّ اللحظة التي طاردته أكثر من غيرها جاءت بعد أيام. إيزابيلا. المرأة التي أحبّها، والتي تقدّم لخطبتها، والتي وعدت أن تقف إلى جانبه. عندما دخلت غرفة المستشفى ورأت الكرسيّ المتحرّك، لاحظ ألكسندر الأمر فورًا. لم تكن دموعًا، ولا خوفًا… بل نفورًا. حاولت إخفاءه. ابتسمت. قالت إن كل شيء سيكون على ما يرام. لكن ألكسندر قرأ الحقيقة في عينيها. ومنذ تلك اللحظة، مات شيء في داخله بصمت.
عاد إلى قاعة الزفاف، فاقتربت منسّقة الحفل ببطء وهي تحمل ظرفًا بيدين مرتجفتين. همست: «السيد ستيرلينغ…».
كان يعرف مسبقًا. فتح الظرف.
«لا أستطيع فعل هذا. لا أريد أن أقضي حياتي أدفع كرسيًا متحرّكًا. أنا آسفة».
بلا توقيع. بلا وداع. كلماتٌ حارقة.
ساد الصمت. بدأ الضيوف يغادرون واحدًا تلو الآخر، محرجين، لا يعرفون ماذا يقولون. حاولت والدته سيلينا الاقتراب، لكن ألكسندر رفع يده ليمنعها. خلال دقائق، فرغت القاعة. وبقي ألكسندر وحده.
رجلٌ ثري. رجلٌ مكسور. عريسٌ بلا عروس.
ترك الرسالة تسقط على الأرض. تمتم: «أنا مجرد مليونير مُقعَد… لا أكثر».
حينها، اخترق الصمت صوتٌ صغير: «لماذا تبكي في حفلتك؟».
رفع ألكسندر رأسه. كانت أمامه طفلة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات. عينان واسعتان فضوليتان، فستان أحمر، ولا خوف. لا شفقة. براءة فقط.
قالت ثانيةً: «لماذا؟». كان اسمها أورورا.
بعد لحظات، أسرعت والدتها مذعورة: «أنا آسفة جدًا، لقد ابتعدت قليلًا…».
لكن ألكسندر لم يكن يستمع. للمرة الأولى في ذلك اليوم، لم ينظر إليه أحد بنفور. كانوا يتحدّثون إليه… فحسب.
سأل الطفلة: «ما اسمك؟».
قالت بفخر: «أورورا».
وسأل المرأة: «وأنتِ؟».
قالت دون تردّد: «فالنتينا».
لم يكن في صوتها ارتباك ولا شفقة مصطنعة. نظرت إليه كما لو كان رجلًا يجلس أمامها، لا حالةً تُثير الحرج.
شدّت أورورا كمّ ألكسندر وقدّمت له ورقة. كانت رسمة: رجل على كرسيّ متحرّك… يبتسم. لا حزن، لا مأساة. سعادة فحسب.
ضاق حلق ألكسندر. للمرة الأولى منذ الحادث، رأى نفسه كاملًا… لا مكسورًا. اعتذرت فالنتينا مجددًا
وحاولت الانصراف، لكنه فاجأ نفسه قبل أن يفكّر: «هل… تبقين؟».
أومأت. جلسوا في صمت بينما كانت أورورا تلوّن على الأرض. ولم يكن الصمت مؤلمًا. كان هادئًا.
ثم بدأت الموسيقى. رقصة الزفاف. اللحن الذي كان ينبغي أن يكون رقصته الأولى.
نهضت فالنتينا، اقتربت منه، ومدّت يدها: «هل ترقص معي؟».
ظنّ أنها تمزح. قال بصوتٍ خافت: «لا أستطيع الرقص».
ابتسمت، لا بحزن ولا شفقة، بل بثقة: «الرقص ليس بالساقين… بل بالأرواح».
وقبل أن يمنع نفسه، أمسك يدها.
دفعت كرسيّه ببطء عبر القاعة. كانت أورورا تدور حولهما ضاحكة. وضحك ألكسندر أيضًا. للمرة الأولى منذ أشهر.
في صباح اليوم التالي، استيقظ ألكسندر بشعورٍ غريب في صدره. ليس ألمًا… بل أملًا.
بحث عن فالنتينا. وما اكتشفه هزّه. كانت أمًا عزباء. هجرها زوجها السابق حين حملت. وذلك الرجل… كان شخصًا يعرفه ألكسندر جيدًا. رجلًا خانه في العمل ذات يوم. وكأن القدر أعاد الخيوط إلى مواضعها.
لم يتردّد ألكسندر. قاتل. من أجل فالنتينا. من أجل أورورا. من أجل عائلة لم يظنّ يومًا أنه يستحقها.
كانت هناك دعاوى قضائية، وتهديدات، ومعارضة عائلية. لكنه وقف ثابتًا. قال لفالنتينا: «أختارك». وكان يعنيها.
تزوّجا بعد أشهر. بلا ثريات. بلا كاميرات. بلا ترف. حبّ فقط.
وعندما انطلقت الموسيقى، ابتسمت فالنتينا وسألته: «هل ترقص يا زوجي؟».
هذه المرة لم يتردّد. رقصا. ليس تلك الليلة فحسب… بل كل يوم بعدها.
لم يُنقذ الحبّ ألكسندر لأنه غنيّ، بل لأنه إنسان. لأن أحدهم رآه إنسانًا قبل أي شيء آخر. وأحيانًا، لا يلزم لتغيير حياة كاملة سوى سؤالٍ واحد: «هل ترقص معي؟».
انتهت الرقصة. خفتت الموسيقى. سقطت أورورا على الأرض ضاحكة حتى كادت تختنق. أفلتت فالنتينا يدي ألكسندر برفق، كأنها تخشى أن ينكسر المشهد إن تحرّكت بسرعة.
كانت القاعة شبه خالية. لكن شيئًا ما تغيّر. لا في المكان… بل في داخله.
للمرة الأولى منذ الحادث، لم يشعر بأنه رجلٌ أُنقذ. بل رجلٌ اختير.
استيقظ ألكسندر مبكرًا في الصباح التالي، قبل شروق الشمس. كانت صباحاته منذ أشهر تبدأ بالألم والصمت وإدراكٍ ثقيل لكل ما فقده.
لكن ذلك الصباح كان مختلفًا. كان فيه فضول. وكان الأمل مخيفًا أكثر من اليأس.
أعاد في ذهنه تفاصيل الليلة: صوت فالنتينا الهادئ، ضحكة أورورا، النظرات التي لم تره مكسورًا. مدّ يده إلى هاتفه، توقّف، ثم كتب:
«صباح الخير. لا أعرف كيف أقول هذا دون أن أبدو أحمق… لكنني أودّ أن أراكما مجددًا».
جاء الرد بعد دقائق: «نحن أيضًا نودّ ذلك».
ابتسم.
لم تتحوّل علاقتهما إلى عناوين عريضة. نمت بهدوء. إفطار بدل العشاء، حدائق بدل الحفلات، وحديثٌ طويل بينما تبني أورورا قلاعًا من أوراق الشجر والحجارة.
لم تحاول فالنتينا إبهاره. كانت صادقة، بسيطة، واضحة الحدود. قالت له ذات مرة: «لست بحاجة إلى من ينقذني، ولا أريدك أن تتظاهر بأنك لا تحتاج إلى مساعدة».
أخافه صدقها… وثبّته.
قبلته أورورا فورًا. لا بديلًا ولا بطلًا… بل ألكسندر.
تعلّمت كيف تقفل مكابح كرسيّه، وتعلّم هو كيف يجدل الشعر ـ على نحوٍ سيئ في البداية. وضحكوا كثيرًا.
لم يكن الجميع سعيدين. كانت عائلته مهذّبة… ببرود. همست أخته يومًا: «هذه مرحلة. أنت هشّ الآن».
تساءل المستثمرون. وطرح الأصدقاء أسئلة محرجة. ثم ظهر الرجل الذي لم يتوقّع ألكسندر رؤيته مجددًا: والد أورورا البيولوجي. الرجل نفسه الذي هجر فالنتينا حين حملت، والذي خانه ألكسندر في العمل من قبل.
طالب بالحضانة. لا بدافع الحبّ، بل بدافع الكبرياء. قال في المحكمة: «إنه يتلاعب بها بالمال».
نظر إليه ألكسندر بهدوء: «لم أقع في حبّ فالنتينا لأنها تحتاج إلى مساعدة، بل لأنّها لم تعاملني يومًا كما عاملتُ نفسي».
ساد الصمت.
كانت المعركة القانونية قاسية. محامون، همسات إعلامية، ضغط عائلي.
سألته والدته ذات مرة بهدوء: «هل يستحق هذا المخاطرة بكل ما بنيته؟».
أجاب دون تردّد: «نعم». لأن حياته، للمرة الأولى، لم تُبنَ على الخوف، بل على الحبّ.
فازوا بالحضانة. لا لأن ألكسندر غنيّ، بل لأن أورورا كانت آمنة، محبوبة، مزدهرة.
لم يكن الشفاء خطًّا مستقيمًا. بعض الليالي كان يستيقظ غاضبًا من جسده، من الحادث، من الرجل الذي كانه. في تلك الليالي، لم تحاول فالنتينا إصلاحه. كانت تجلس بقربه فحسب وتمسك يده.
ذات مرة، زحفت أورورا إلى السرير وهمست: «لا يجب أن تكون سعيدًا دائمًا… يكفي أن تبقى». صارت تلك الجملة مرساته.
كان زفافهما الحقيقي بعد عام. بلا ثريات. بلا كاميرات. بلا توقّعات. حديقة صغيرة، كراسٍ قليلة، وأقدام حافية على العشب.
قادتهما أورورا ممسكةً بيديهما معًا. وعندما بدأت الموسيقى، همست فالنتينا: «هل ترقص… مجددًا؟».
ضحك ألكسندر: «دائمًا».
بعد سنوات، كان الناس يسألون ألكسندر كيف نجا من فقدان كل شيء. فيصحّح لهم:
«لم أفقد كل شيء. فقدت ساقيّ… ووجدت حياتي».
وفي كل شتاء، حين يتساقط الثلج برفق خلف النافذة، كانت فالنتينا تمسك يده، وتدور أورورا حولهما، ويتذكّر ألكسندر تلك الليلة التي ظنّ أن قصته انتهت فيها… فإذا بها الليلة التي بدأت فيها حقًا.


تعليقات
إرسال تعليق