توام ضائع
توام ضائع
“مـامـا… الولـد ده شبـهـي بالظبـط!” قالها ابـني الصغير وهو بيشاور على ولد واقف في الشارع.
أنا اسمي ريم… وابني يوسف عنده خمس سنين.
ولادتي كانت صعبة جدًا… والدكاترة قالوا إني كنت حامل في توأم، لكن واحد منهم مات وقت الولادة.
عمري ما قلت ليوسف الحقيقة دي… طفل صغير زيه مش المفروض يشيل وجع زي ده.
عشان كده… حطيت كل حبي وروحي فيه… وكنت بحبه أكتر من نفسي.
كان عندنا عادة بنحبها… كل يوم جمعة نتمشى في جنينة قريبة من بيتنا في مدينة نصر. وهناك… حصل اللي عمري ما كنت أتخيله.
يوسف شاور على ولد صغير قاعد على المرجيحة مع أمه وقال: “ماما… هو كان معايا في بطنك.”
قالها بثقة غريبة… أكبر بكتير من سنه.
حسيت نفسي مخنوقة… وكأن الهوا وقف في صدري.
بصيت على الولد.حكـايات أسمـا السيـد
هدومه كانت قديمة ومقطوعة… وشكله بسيط جدًا… بس اللي جمد الدـ,ـم في عروقي مش شكله ولا حالته.
كان وشه.
نفس الشعر البني المجعد… نفس رسمة الحواجب… نفس شكل المناخير… حتى نفس العادة… لما يركز يعض شفته من تحت.
وعلى دقنه… علامة صغيرة…
نفس علامة يوسف بالظبط.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
الدكاترة كانوا متأكدين إن الطفل التاني… توأم يوسف… مات وقت الولادة.
يبقى إزاي…؟
إزاي الاتنين شبه بعض بالشكل ده؟
“هو ده… أنا شفته في أحلامي قبل كده.” قال يوسف بإصرار.
“يوسف، بلاش كلام فارغ…” حاولت أتماسك. “يلا نمشي.”
“لأ يا ماما… أنا عارفه.”
ساب إيدي فجأة… وجري عليه.
كنت عايزة أصرخ فيه يرجع… لكن صوتي اختفى.
الولد رفع عينه أول ما يوسف وصل له.
وقفوا قدام بعض… ساكتين… بيبصوا لبعض كأنهم بيعرفوا بعض من زمان.حكـايات أسمـا السيـد
بعدها… الولد مد إيده.
يوسف مسكها.
والاتنين ابتسموا… نفس الابتسامة بالظبط.
جريت عليهم بسرعة… وكلمت الست اللي واقفة جنب الولد.
“لو سمحتي… أكيد في سوء تفاهم… الولدين شبه بعض بشكل غريب…” لكن كلامي وقف فجأة.
أنا عرفت الست. حكـايات أسمـا السيـد
أول ما سمعت صوتها…
رجلي ما بقتش شايلاني.
لأنها كانت… حكايات اسما السيد
الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادتي…. صلي على محمد وال محمد وتابع 👇👇
الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادتي… نفس العيون… نفس الملامح اللي حاولت أنساها سنين، بس أول ما شوفتها رجعت كل حاجة فجأة كأنها حصلت امبارح، حسيت قلبي بيتسحب مني وأنا واقفة قدامها مش قادرة أتكلم، وهي كمان كانت باصة لي بنفس الصدمة، للحظة حسيت إن الزمن وقف، يوسف ماسك إيد الولد التاني ومبسوط كأنه لقى حاجة ضايعة منه من زمان، وأنا واقفة بين الماضي والحاضر مش فاهمة إيه اللي بيحصل، أخدت نفس بالعافية وقولت بصوت مهزوز: “إنتي… إنتي كنتي في المستشفى يوم ولادتي، صح؟”، الست بلعت ريقها وبصت حواليها كأنها خايفة حد يسمع، وقالت بهدوء مصطنع: “أنا مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه”، لكن صوتها فضحها، نفس النبرة، نفس الارتباك، نفس الكذبة اللي باينة قبل ما تتقال، قربت منها خطوة وأنا بحاول أسيطر على رعشة إيدي: “الولد ده… اسمه إيه؟”، سكتت شوية وبعدين قالت: “اسمه آدم”، الاسم وقع عليا زي الصدمة، يوسف بصلي وقال بحماس: “ماما! شوفتي؟ أنا قولتلك!”، كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا، ركعت قدام الولدين وبصيت في وش آدم عن قرب أكتر، نفس التفاصيل، نفس النظرة، حتى طريقته وهو بيبتسم كانت نسخة من يوسف، مستحيل ده يكون شبه عادي، ده مش شبه…
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ده توأم، رفعت عيني للست تاني وقلت بصوت مليان اتهام: “هو ابني… مش كده؟”، ساعتها وشها اتغير، الخوف بقى واضح، وسكتت، وسكوتها كان كفاية، مسكتها من دراعها بقوة: “انطقي! حصل إيه يوم ولادتي؟”، حاولت تفلت وقالت: “سيبيني يا مدام… إنتي فاهمة غلط”، لكني صرخت فيها: “أنا مش غبية! الدكاترة قالوا إن ابني مات! إزاي ده يبقى قدامي دلوقتي؟!”، الناس حواليّ بدأت تبص، يوسف وآدم واقفين ماسكين إيد بعض ومش فاهمين حاجة، الست بصت حواليها بقلق وبعدين قالت بصوت واطي: “مش هنا… مش قدام الناس”، وابتدت تمشي بسرعة وهي بتشد آدم، يوسف حاول يجري وراهم وأنا مسكته بالعافية، قلبي كان بيتقطع، مش هسيبهم، مش بعد ما عرفت الحقيقة، جريت وراها وأنا بنادي: “استني!”، وقفت أخيرًا عند طرف الجنينة وبصتلي بعصبية: “إنتي عايزة إيه؟”، قلت وأنا بلهث: “عايزة الحقيقة… ابني مات ولا لأ؟”، سكتت شوية، وبعدين قالت جملة خلت الدنيا كلها تقع فوق دماغي: “هو مات… بالنسبة لكم”، حسيت إني بتخنق: “يعني إيه بالنسبة لينا؟!”، قعدت على أقرب دكة كأنها خلاص استسلمت، وحطت إيدها على وشها: “أنا غلطت… بس ماكنتش لوحدي”، قلبي وقع: “احكي”، قالت وهي بتبص لآدم: “يوم ولادتك… كان في ست تانية في نفس المستشفى… ست غنية جدًا… وكانت بتولد في نفس الوقت… ابنها مات فعلاً… وهي انهارت”، سكتت لحظة وأنا جسمي كله بيتجمد، كملت: “جوزها كان راجل كبير وواصل… رفضوا يخرجوا من المستشفى من غير طفل… الدكتور اتكلم معايا ومع ممرضة تانية… وقال إن في طفل تاني… توأم… محدش يعرف عنه حاجة غيرنا”، شهقت وأنا مش مصدقة: “إنتي بتقولي إنكم… سـ,ـرقتوا ابني؟!”، دموعها نزلت: “أنا كنت محتاجة فلوس… ضغطوا علينا… قالوا إن الطفل التاني مات… وكتبوا التقرير…
وخدوه”، كنت سامعة صوتي بيصرخ جوايا: “وأنا؟! وأنا عشت سنين فاكرة إن ابني مـ,ـات؟!”، قالت وهي بتبكي: “أنا ندمت… والله العظيم ندمت… بس ماقدرتش أعمل حاجة… بعدين الست دي ماتت من سنتين… وأنا خدت الطفل وربّيته”، بصيت لآدم، لابني، اللي عاش بعيد عني خمس سنين، حسيت بوجع أكبر من أي حاجة عدت عليا، يوسف شد في إيدي: “ماما… هو أخويا؟”، بصيتله ودموعي نازلة: “آه يا حبيبي… أخوك”، الولدين بصوا لبعض تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه وابتسموا كأنهم فاهمين كل حاجة من غير شرح، رجعت بصيت للممرضة وقلت ببرود: “أنا هاخد ابني”، اتوترت وقالت: “مستحيل… أنا اللي ربيته”، صرخت فيها: “وهو ابني! دمي! حقي!”، سكتت لحظة وبعدين قالت: “طيب… خلي القانون يحكم”، ضحكت بمرارة: “قانون؟ بعد اللي عملتوه؟”، طلعت موبايلي وقلت: “أنا هبلغ دلوقتي”، ساعتها انهارت تمامًا: “استني… بالله عليكي… أنا هقول كل حاجة… بس متحرمنيش منه”، كنت محتارة… بين حقي ووجعها… بس أنا أم… وحق ابني يرجعلي، الأيام اللي بعد كده كانت حرب، بلاغات، تحقيقات، رجوع لملفات قديمة، تحليل DNA أكد كل حاجة، الحقيقة ظهرت… والكل اتكشف، الدكتور اتحبس، والممرضة اتحاكمت… بس بسبب تعاونها وتربيتها للطفل الحكم كان مخفف، وأنا؟ كنت واقفة بين ابنين… واحد ربيته وخفت عليه… والتاني اتحرمت منه واتسـ,ـرق مني، أول ليلة رجع فيها آدم معايا البيت، كان قاعد جنب يوسف على السرير، الاتنين بيضحكوا ويلعبوا كأنهم طول عمرهم سوا، وأنا واقفة أبص عليهم وقلبي بيتقسم نصين… نص سعيد ونص موجوع، قربت منهم وضمّيتهم الاتنين في حـ,ـضني، وقلت وأنا بعيط: “سامحوني… سامحوني إني ماقدرتش أحميكم”، يوسف قال ببراءة: “ماما إحنا خلاص سوا”، وآدم بصلي لأول مرة وقال: “ماما”، الكلمة كسرتني ورجعتني للحياة في نفس اللحظة، عرفت إن ربنا رجعلي حقي… حتى لو بعد سنين، وإن اللي اتسـ,ـرق ممكن يرجع… بس الوجع بيفضل شاهد على كل حاجة، ومن يومها… ما بقتش بخاف من الحقيقة… لأن أسوأ حاجة مش الحقيقة… أسوأ حاجة هي الكذبة اللي بنعيش فيها سنين واحنا فاكرينها أمان…
— نهاية —

تعليقات
إرسال تعليق