باع زوج امي دمه
باع زوج امي دمه
فحص الحمض النووي أبو سيف ليس زوج أم سيف... بل هو والده الحقيقي.
لم أستطع أن أكمل القراءة.
كانت الورقة تحرق يدي.
قبل ثلاثة أشهر، عندما بدأ وجه أبي سيف يميل إلى الاصفرار، وعندما رأيته يتعب وهو يصعد درجتين فقط، أخذته سرًا إلى مستشفى خاص في بغداد لإجراء فحوصات كاملة. هو ظنّ أنها مجرد مراجعة عادية. أما أنا فطلبت أيضًا فحص الحمض النووي، لأنني كنت قد وجدت رسالة قديمة من أمي داخل صندوق خشبي متهالك.
رسالة لم تُرسل أبدًا.
رسالة كانت تكتب فيها
أبو سيف، سامحني لأنني تركت سيف يكبر وهو يعتقد أنه ليس ابنك.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت الوثيقة داخل درج مكتبي.
ليس لأنني كنت أشك فيه.
بل لأنني كنت أخاف أن أتأكد أن الرجل الذي أعطى دمه من أجلي لم يكن أبًا بالحب فقط، بل بالدم أيضًا، وأن أحدًا لم يخبره.
تبعت أبا سيف حتى وصل إلى مسجد صغير في زقاق هادئ قرب سوق قديم، حيث تختلط رائحة الخبز الحار برائحة البنزين وغبار الشارع.
جلس على دكة إسمنتية خارج المسجد.
خلع قبعته القديمة.
وبكى.
لم يبكِ كما يبكي الرجال حين يريدون أن يراهم أحد.
بكى بصمت، منكسراً، مطأطئ الرأس، يخفي وجهه بكلتا يديه، وكأنه حتى في وجعه يحاول ألا يزعج أحدًا.
وقفت خلف عمود قريب، والظرف في يدي.
نزلت زوجتي مريم من
السيارة ولحقت بي. كانت غاضبة جدًا.
سيف، إذا كانت هاي مفاجأة، فهي طلعت قسوة مو مفاجأة.
لم أجب.
لأنها كانت محقة.
اقتربت ببطء.
يابه.
رفع أبو سيف رأسه.
مسح عينيه بسرعة، كأنه خجل من دموعه.
لا تكلي هسه يابه يا ولدي... ترى الكلمة تكسرني أكثر.
جلست على ركبتي أمامه.
كان الناس يمرون قربنا. امرأة تحمل أكياس السوق، شاب يبيع العصير على عربة صغيرة، وطفلان يركضان بملابس المدرسة. بغداد كانت تواصل ضجيجها وحياتها، بينما عالمي كله توقف على تلك الدكة الإسمنتية.
قلت له
ما راح أعطيك دينار واحد.
أغمض عينيه.
فهمت يابا.
لا. ما فهمت.
أخرجت أول ورقة من الظرف.
ما راح أعطيك دينار واحد لأنني لن أقرضك شيئًا. لأنك لن تبيع الحلوى في الشارع حتى ترد لي المال. لأنك لن تكون مديونًا لي ولا بدينار واحد.
فتح أبو سيف عينيه.
وضعت أمامه ورقة العملية.
العملية مدفوعة بالكامل.
لم يتكلم.
ظل ينظر إلى الورقة.
شنو؟
في المستشفى. دخولك يوم الاثنين. تحدثت مع الطبيب. العملية، الفحوصات، العلاج، وفترة النقاهة... كل شيء مدفوع.
بدأت شفتاه ترتجفان.
ولدي...
وأنت لن ترجع إلى تلك الغرفة القديمة.
أخرجت سند البيت.
اشتريت لك بيتًا صغيرًا في حي هادئ. ليس قصرًا، لكنه بيت نظيف. فيه حوش، ومطبخ واسع، وغرفتان،
وقريب من الشارع الرئيسي. والبيت مسجل باسمك.
تراجع أبو سيف كأنني دفعته.
لا.
نعم.
ما أگدر أقبل.
تگدر.
لا يا سيف. هذا كثير.
ضحكت بمرارة.
كثير؟ وبيع دمك من أجل كتبي لم يكن كثيرًا؟ وأكلك الخبز والشاي حتى أشتري أنا ملابس المدرسة لم يكن كثيرًا؟ ونومك على الكرسي في محطة العلاوي يوم سافرت للجامعة لم يكن كثيرًا؟
غطى فمه بيده.
أني كنت مسؤول عنك.
لا.
فتحت الورقة الثالثة.
الفحص.
الورقة التي كنت أخافها.
كنت أبي.
تجمد أبو سيف في مكانه.
تجمد لدرجة أنني ظننت أنه لم يفهم.
وضعت الورقة في يديه.
قرأ السطر الأول.
ثم اختفى اللون من وجهه.
لا.
خرج صوته مكسورًا.
مستحيل.
ليس مستحيلًا.
أمك...
أمي كانت تعرف.
ضغط الورقة على صدره.
لا. لو كانت تعرف، كانت قالت لي.
أرادت أن تقول لك.
أخرجت الرسالة.
كانت قديمة، عليها آثار رطوبة وثنيات متعبة. وجدتها داخل صندوق صغير كانت أمي تحتفظ فيه بصور قديمة، وإيصالات، وخصلة من شعري عندما كنت رضيعًا.
لم يأخذها أبو سيف في البداية.
كان خائفًا.
وأنا أيضًا كنت خائفًا.
قلت
اقرأها.
هز رأسه رافضًا.
إذا قرأتها، كأنها تموت قدامي مرة ثانية.
قلت بصوت مرتجف
إذن دعها تتكلم أخيرًا.
جلست مريم بجانبنا من دون أن تقول شيئًا.
فتح أبو سيف الرسالة بيدين ترتجفان.
ظهر خط أمي كأنه صوت عائد من بعيد
أبو سيف، سيف ابنك. سامحني. الظروف فرّقت بيننا في الوقت الذي كان يجب أن نكون فيه معًا. وتحت ضغط العائلة اتخذت قرارات ندمت عليها طوال عمري. كبر سيف بعيدًا عن الحقيقة، بينما كنت أنت ترعاه وتعتني به وتمنحه حب الأب من دون أن تعرف أن الدم الذي يجري في عروقه هو من دمك. كل مرة كان يناديك فيها باسم أبو سيف كان قلبي ينكسر. أردت أن أخبرك مرات كثيرة، لكنني خفت أن أخسر ما تبقى من حياتنا.
أطلق أبو سيف صوتًا لم يكن بكاءً ولا صراخًا.
كان وجعًا قديمًا تأخر عشرين سنة.
همس
كنت أعرف.
تجمدت مكاني.
ماذا؟
ظل ينظر إلى الرسالة.
ليس بورقة. ولا بفحص. لكن عندما رأيتك وأنت رضيع... كانت أذناك تشبه أذني. ويداك تشبه يدي. وطريقتك في النوم ويدك مقبوضة... كانت مثلي. أمك قالت لي لا تسأل. وأنا لم أسأل.
سألته
لماذا؟
نظر إلي بعينين ممتلئتين.
لأنني لو سألت وقالت لا، كنت سأنكسر. ولو قالت نعم، ربما كنت سأغضب. فاخترت أن أحبك من دون إذن.
لم أعد أستطيع التماسك.
جلست على الأرض أمامه.
الرجل الذي باع دمه من أجلي كان يشعر طوال عمره أنني ربما ابنه، ومع ذلك لم يطالب بشيء.
ولا مرة.
ولا حتى عندما كنت مراهقًا وصرخت في وجهه وقلت له أنت لست أبي.
ولا عندما ابتعدت عنه بعد الجامعة، وكنت أتصل به مرة واحدة في الشهر على عجل، وكأن حكاياته عن السوق تأخذ من وقتي.
ولا عندما
بدأت أكسب المال وخجلت أن آخذه معي إلى مناسباتي لأن حذاءه كان قديمًا.
يا لخجلي.
كم يمكن للإنسان أن يكون فقيرًا من الداخل، حتى لو كان راتبه بالملايين.
قلت
يابه.
هذه المرة لم تكن عادة.
كانت حقيقة.
انهار أبو سيف.
احتضنني بقوة.
شممت رائحة قميصه القديم، العرق، الصابون الرخيص، ورائحة الشمس التي كانت تسكن ملابسه دائمًا. وفجأة عدت طفلًا في العاشرة، أبكي أمي، بينما هو يطبخ لي الرز والبيض ويتظاهر بأنه ليس ضائعًا مثلي.
قلت له
سامحني.
سألني
على شنو؟
قلت
لأنني تأخرت.
مسح على رأسي.
وصلت يا ولدي. أحيانًا الإنسان يتأخر حتى يصل إلى مكان كان ينتظره من زمان.
كانت مريم تبكي بصمت.
ثم ضربت كتفي بخفة وقالت
وإياك مرة ثانية تعمل تمثيلية على رجل مريض.
ضحك أبو سيف من بين دموعه.
زوجتك قوية.
قلت
أكثر من اللازم.
قال
زين. حتى أحد يرعاك لما تصير غبي.
في ذلك اليوم لم نرجع إلى شقتي الجميلة.
ذهبنا إلى ضفة دجلة.
قال أبو سيف إنه يريد أن يمشي قليلًا قبل أن يقبل فكرة المستشفى. كان يمشي ببطء، يده على ذراعي، واليد الأخرى تمسك قبعته القديمة. كان النهر ساكنًا، والهواء يحمل غبار بغداد وضجيجها، والناس حولنا يمضون في حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
مررنا قرب عائلات تجلس على الكورنيش، شباب يشربون الشاي، باعة متجولون، ورجال كبار يراقبون الماء بصمت.
توقف أبو
سيف أمام مقهى شعبي صغير.
قال
يوم انقبلت بالجامعة، كنت أريد أجيبك هنا ونشرب شاي ونحتفل... بس يومها ما كان عندي كافي.
اختنق صوتي.
قلت
اليوم عندنا كافي.
دخلنا.
جلسنا قرب النافذة.
جاء الشاي في استكانات صغيرة، ومعه صحن كليجة. نظر أبو سيف إلى الاستكان وكأنه يرى رفاهية كبيرة.
قال
ما كان لازم تشتري لي بيت.
قلت
كان لازم.
لا.
يابه، أنت دفعت حياتي كلها من جسدك وتعبك. الآن جاء دورك تسكن في بيت لا يوجعك.
سكت قليلًا.
ثم سأل
وإذا مت بالعملية؟
شدت مريم على يدي.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
تموت وأنت تعرف أن ابنك قرأ الحقيقة أخيرًا.
ابتسم بحزن.
طلعت درامي.
قلت
منك.
قال
أني مو درامي. أني عراقي.
ضحكنا.
وكانت تلك الضحكة مثل ضمادة صغيرة فوق جرح كبير.
كانت العملية يوم الاثنين.
أصر أبو سيف أن يذهب بقميص مكوي وحذاء ملمع، كأنه ذاهب لمقابلة عمل. في المستشفى، اعتذر للممرضة لأنه نحيف، واعتذر للعامل لأنه تأخر في الصعود، واعتذر للطبيب لأنه تعبهم.
كنت أريد أن أصرخ في وجه العالم أن هذا الرجل لا يتعب أحدًا.
هذا الرجل حمل حياة كاملة على كتفيه.
قبل أن يدخل غرفة العمليات، أشار لي بيده.
اقتربت منه.
قال
إذا صار شي...
قلت بسرعة
ما راح يصير.
قال
خليني أحچي. إذا صار شي، لا تتكبر. الفلوس زينة للمستشفيات، لكنها قبيحة إذا خلتك تنظر باستعلاء إلى صاحب اليد
المتعبة.
شعرت كأن كلماته أصابتني في قلبي.
قلت
أعرف.
قال
لا. أنت بدأت تتعلم فقط.
كان محقًا.
ثم قال
وشيء ثاني.
قلت
شنو؟
قال
لا تحچي أني بعت دمي بحزن. أني كنت أبيعه وأنا فرحان.
سألته بدهشة
فرحان؟
قال
لأن كل كيس دم كان قطعة مني تروح لمكان أنا ما وصلت له. لكتبك. لحذائك. للجامعة. وللمكتب الكبير اللي تشتغل بيه، واللي يمكن ما أعرف حتى أصف سيارتي قدامه.
انحنيت وقبلت جبينه.
قلت
راح آخذك له.
سأل
للموقف؟
قلت
لا. لمكتبي. أقدمك للناس.
عقد حاجبيه وقال
وماذا أقول لهم؟
قلت
الحقيقة. أنك كنت أول مستثمر في حياتي.
دخل غرفة العمليات وهو يضحك.
وبقيت أنا خارجها ست ساعات.
ست ساعات لم ينفعني فيها راتبي، ولا سيارتي، ولا ساعتي، ولا بطاقاتي البنكية. لم يكن هناك شيء ينفع سوى الانتظار. الدعاء وأنا لا أعرف كيف أدعو. المشي ذهابًا وإيابًا. شرب قهوة رديئة من جهاز المستشفى. والنظر إلى الباب كأن الإرادة وحدها تستطيع فتحه.
وعندما خرج الطبيب، كدت أسقط.
قال
العملية نجحت.
لم أبكِ بهدوء.
بكيت كطفل.
احتضنتني مريم.
وفكرت بأمي.
برسالتها.
وبكل ما كلفه الصمت.
استيقظ أبو سيف في اليوم التالي.
وأول جملة قالها كانت
دفعت أجرة الموقف؟ ترى هذول يسرقون أكثر من البنوك.
ضحكت مريم.
وأمسكت يده.
قلت
صباح الخير يابه.
أغمض عينيه.
ليس من الألم.
بل لأنه سمع تلك الكلمة
بكل معناها.
كانت فترة التعافي بطيئة.
كان عنيدًا كعادته، يريد أن ينهض قبل أوانه. كان يقول إن المريض يتعود على المرض إذا تركوه طويلًا في الفراش. كانت الممرضات يحببنه لأنه يضحكهن، لكنهن يوبخنه لأنه يحاول ترتيب غطاء السرير بنفسه.
وعندما خرج من المستشفى، لم آخذه إلى غرفته القديمة.
أخذته إلى البيت الجديد.
كان البيت مطليًا بلون أبيض بسيط، بباب أزرق، وحوش صغير وضعت فيه مريم كرسيين وطاولة. في المطبخ كان هناك شاي، وخبز حار، وكيس تمر أرسله أحد الجيران ترحيبًا.
وقف أبو سيف عند الباب.
لم يدخل.
سألته
شنو بيك؟
نظر إلى الجدران.
عمري كله ما مسكت مفتاح بيت مو إيجار.
أخرجت المفتاح.
وضعته في يده.
الآن صار عندك.
أغلق أصابعه عليه ببطء.
قال
مسجل باسمي، قلت؟
قلت
نعم.
سأل
ليش؟
قلت
لأنك طول عمرك وضعت اسمي قبل اسمك. جاء الوقت يصير العكس.
دخل.
لمس الطاولة.
والفرن.
وإطار النافذة.
كأنه يستأذن كل شيء قبل أن يصدقه.
في الغرفة الرئيسية رأى سريرًا جديدًا، وصورة لأمي، وصورة لنا نحن الاثنين يوم ذهبت إلى الجامعة. أنا أحمل حقيبة كبيرة، وهو يبتسم بفخر كأنه ملك الدنيا.
جلس على السرير.
قال
هنا عظامي تقدر ترتاح بدون ما تعتذر.
هذه الجملة كسرتني.
بعد أيام أخذته إلى مقر الشركة.
مررنا بين شوارع بغداد المزدحمة، أبنية عالية، مكاتب زجاجية، سيارات كثيرة، وناس يمشون ببطاقات عمل وأكواب قهوة غالية. كان أبو سيف ينظر من النافذة كأننا دخلنا عالمًا آخر.
قال
هنا تشتغل؟
قلت
نعم.
قال
يبين بارد.
قلت
هو بارد فعلًا.
قال
لازم يفتحون
كشك شاي وقيمر تحت.
قلت
أحيانًا يبيعون سلطة بسعر يخوف.
نظر إلي بصدمة.
سلطة؟ يعني خس وطماطة؟ بفلوس كثيرة؟
ضحكت.
قدمته في الشركة.
صافحه زملائي باحترام. خرج المدير لمقابلته لأنني طلبت ذلك. كان أبو سيف يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا بنيًا وحذاءه القديم المرقع، رغم أنني كنت قد اشتريت له حذاءً جديدًا.
قال لي قبل أن نخرج
هذا الحذاء يعرف طريقي.
في قاعة الاجتماعات، أمام الشاشات والأرقام والناس الذين يتحدثون عن الاستثمار كأن المال يولد نظيفًا، قلت
هذا أبو سيف. أبي. درست لأن هذا الرجل باع دمه ليدفع لي الدورات، والمواصلات، والكتب، والطعام. لذلك إذا قال أحد يومًا إنني صنعت نفسي وحدي، سأقف وأخرج.
لم يتكلم أحد.
خفض أبو سيف رأسه من الخجل.
ثم رفع يده وقال
لا تصدقوه. الولد يحب المبالغة.
ضحك الجميع.
لكنني رأيت المدير يمسح عينيه.
ذلك اليوم، عندما خرجنا، قال لي أبو سيف
ما كان لازم تقول هذا الكلام.
قلت
كان لازم.
سأل
لماذا؟
قلت
حتى يسمعوني. وحتى أسمع نفسي.
مشينا حتى وصلنا إلى مقهى صغير.
توقف أمام واجهة زجاجية كبيرة.
قال
أمك كانت ستفرح بك.
ابتلعت غصتي.
قلت
وكانت ستخجل لأنها لم تقل الحقيقة.
هز رأسه.
أمك فعلت أشياء وهي خائفة. هذا لا يجعلها سيئة. يجعلها إنسانة.
قلت
سرقت منك سنوات.
قال
وتركتك لي.
لم أستطع الرد.
هناك أناس يحبون بطريقة تسكت كل حججك.
بعد أشهر أنهينا الإجراءات القانونية.
ليس لأن الورق كان لازمًا كي نحب بعضنا.
بل لأن الورق أيضًا
يداوي حين تعيش الكذبة طويلًا على أوراق الآخرين.
في دائرة الأحوال المدنية، وقع أبو سيف بيد مرتجفة. ووقعت أنا أيضًا. وعندما خرجنا، صارت أوراقي تقول ما كانت حياتي تعرفه متأخرة
سيف.
ابن أبي سيف.
نظر إلى الورقة وقال
الآن تحمل اسمي.
قلت
كنت أحمله دائمًا. فقط كان ينقصه الحبر.
ذهبنا بعدها لتناول الغداء في مطعم شعبي. طلب أبو سيف سمك مسكوف، رغم أن الطبيب منعه من الإكثار. كانت مريم تراقبه كأنها شرطية.
قال
نجوت من العملية... ولم أنج من زوجة ابني.
قالت مريم
بالضبط.
كان يحبها.
وأنا أيضًا.
مع الوقت، بدأ أبو سيف يتحسن.
لم يعد شابًا.
لا أحد يعيد للجسد ما أخذته منه سنوات الفقر.
لكنه صار يمشي صباحًا، يسلّم على الجيران، يشتري الخبز، يجادل بائع الخضار، ويتعلم أن يجلس دون أن يبحث عن شيء يصلحه.
كنت أحيانًا أجده في الحوش، ينظر إلى يديه.
أسأله
بماذا تفكر؟
يقول
أفكر أن هذه اليدين طلعت نافعة.
أقول
أكثر مما تتخيل.
فيقول
لا. بس على قدرها.
لم أعد أجادله.
كنت أجلس بجانبه فقط.
في إحدى الأمسيات أعطاني صندوقًا.
داخله إيصالات قديمة، تذاكر باص، فواتير مكتبة، شهاداتي المدرسية، صورة أول زي مدرسي لي، وورقة قديمة من بنك الدم.
سألته
لماذا احتفظت بكل هذا؟
قال
لأن الإنسان عندما لا يملك مالًا، يحتفظ بما يثبت أن تعبه كان موجودًا.
أمسكت ورقة بنك الدم.
كانت قديمة، وكلماتها بالكاد تُقرأ.
قال
هذه كانت من أجل أول دورة حاسوب أخذتها.
تذكرت الأوراق النقدية التي
كانت رائحتها مثل المستشفى.
قلت
يابه...
قال
لا تبكِ. كانت تلك الدورة تعجبك كثيرًا.
قلت
كلفتك دمك.
نظر إلى البيت.
وإلى السماء.
وإليّ.
وقال
وشوف شنو صارت.
ثم أضاف
استثمار ناجح.
احتضنته.
هذه المرة لم يرتبك.
احتضنني هو أيضًا.
بعد سنوات، عندما عاد المرض، لأن الحياة أحيانًا تطالبك بثمنها حتى لو دفعت كل شيء، لم يكن أبو سيف خائفًا.
كان في سريره داخل بيته، والنافذة مفتوحة، وصوت الشارع يدخل خفيفًا. كان يمسك مسبحة أمي بيد، ويدي باليد الأخرى.
قال
ولدي... لا تبقى تحسب ديون المحبة.
قلت
لا أستطيع.
قال
تعلّم. أنا ما ربيتك حتى ترد لي. ربيتك حتى لا تترك نفسك.
تنفس ببطء.
ثم قال
ولا تعود تقول لرجل كبير إنك لن تعطيه دينارًا واحدًا، حتى لو عندك مفاجأة. تراها توجع.
ضحكت وأنا أبكي.
قلت
كنت غبيًا.
قال
جدًا.
قلت
سامحني.
قال
سامحتك من يوم المسجد.
أغمض عينيه.
ثم فتحهما مرة أخرى.
قال
قلها مرة ثانية.
كنت أعرف ماذا يريد.
اقتربت منه.
قلت
يابه.
ابتسم.
الآن صارت كاملة.
رحل مع الفجر.
بلا صراخ.
بلا دين.
بلا غرفة مستأجرة.
رحل وله بيت باسمه، واسمه في أوراقي، وصورة أمي قربه.
في يوم دفنه، كان الهواء محمّلًا برائحة التراب والورد. جاء جيران السوق، والميكانيكيون، والحمّالون، ونساء كان يساعدهن في قضاء الحاجات، وشباب أصلح لهم دراجاتهم دون مقابل. كنت أظن أن أبا سيف كان فقيرًا.
كنت مخطئًا.
كان يملك ثروة من الناس الذين بكوه دون أن يطلب منهم شيئًا.
وعندما
جاء دوري للكلام، أخرجت ورقة بنك الدم القديمة.
رفعتها أمام الجميع.
قلت
أبي باع دمه حتى أدرس. وبعد سنوات جاء يطلب مني المساعدة، فقلت له لن أعطيك دينارًا واحدًا.
همس الناس باستغراب.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
لأن الابن لا يقرض من أعطاه حياته. الابن يرد بالبيت، والرعاية، والاسم، والحضور. ومع ذلك، لا يكفي.
نظرت إلى قبره.
أبي لم يترك لي ملايين. ترك لي شيئًا أصعب واجب ألا أنسى من أين بدأت.
اليوم أكسب أكثر مما كان ذلك الطفل في الغرفة القديمة يتخيل.
ما زلت أعمل في الشركة، بين المكاتب الزجاجية والاجتماعات الطويلة.
لكن في مكتبي، لا أضع شهادتي الجامعية في المكان الأبرز.
أضع صورة أبي سيف، بقبعته القديمة، وهو يبتسم أمام بيته الجديد.
وتحتها وضعت لوحة صغيرة
أول مستثمر في حياتي. الدفعة الأولى دم.
كلما دخل أحد وسأل، أحكي القصة.
ليس حتى يعجبوا بي.
بل حتى أخجل من نفسي إذا فكرت يومًا أنني صنعت نفسي وحدي.
لأن أبا سيف لم يكن أبي الحقيقي، هكذا قالوا جميعًا.
ثم أثبتت الورقة أنه كان كذلك.
لكن الحقيقة الأكبر لم تكن في فحص الحمض النووي.
كانت في الأوراق النقدية المهترئة.
في الزي المدرسي النظيف.
في الطعام الذي كان يضعه أمامي وهو يقول إنه لا
يشعر بالجوع.
في دكة المسجد التي بكى عليها وهو يظن أن ابنه تخلى عنه.
وفي مفتاح البيت الذي نام فيه أخيرًا دون أن يطلب إذنًا من أحد.
الأب ليس فقط من يعطي دمه مرة واحدة.
الأب هو من يعطيه مرة بعد مرة، من دون أن يطلب مقابلاً.
أبو سيف أعطاني دمه بكل الطرق الممكنة.
وأنا، ولو متأخرًا، فهمت أن هناك ديونًا لا تُسدد بالدنانير.
تُسدد حين تنطق كلمة واحدة من أعماق قلبك
يابه.


تعليقات
إرسال تعليق