قصه خمس سنین جواز
قصه خمس سنین جواز
خمس سنين جواز، مكنتش فيهم مجرد زوجة، أنا كنت "ترس" في مكنة عيلة جوزي. الترس اللي بيضمن إن المكنة تفضل شغالة من غير ما تطلع صوت.
مفيش حد سكن معايا في شقتي، بالعكس، شقتي كانت هي "المقر الرسمي" لكل مناسباتهم. عزومة أول شهر رمضان؟ عندي. عيد ميلاد حماتي؟ أنا اللي بعمل التورتة وبجهز العشا. أخت جوزي ولدت؟ أنا اللي باخد أجازة من شغلي عشان أقف معاها في المستشفى وأطبخ لها أول أسبوع.
كنت دايماً بقول لنفسي: "دي أصول، ودول أهلي التانيين، والكلمة الطيبة بتكبر". وجوزي كان دايماً يبتسم ويقولي: "أمي بتدعيلك، وإنتي عمود العيلة". الكلمة دي كانت بتخليني أبلع أي تعب، وأتجاهل أي تعليق سخيف من أخته على نضافة البيت، أو طلبات حماتي اللي مابتخلصش وبتتقال بصيغة الأوامر.
لحد ما جه اليوم اللي "العمود" ده وقع فيه.
كان يوم تلات، الساعة 2 الضهر. تليفون جالي من أخويا الصغير وهو بيبكي: "بابا وقع في الشغل ونقلوه العناية المركزة، الدكاترة بيقولوا جلطة".
الدنيا لفت بيا. حسيت إن رجلي مش شيلاني. اتصلت بجوزي
وأنا بنهج من العياط وقولتله يجيلي فوراً عشان نروح المستشفى.
كان يوم الأربعاء (تاني يوم) هو الميعاد الثابت لعزومة عيلته عندي.. عادة أسبوعية بقالها سنين.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
رد عليا وهو بيحاول يهدي صوته عشان زمايله في الشغل: "يا حبيبتي ألف سلامة عليه، إن شاء الله خير. أنا هخلص ميتينج وأجيلك على المستشفى بالليل. بس بقولك إيه..."
سكت ثانية، وكمل بنفس نبرة الصوت الهادية العقلانية:
"بلاش نلغي عزومة بكرة عشان أمي متزعلش وتفتكرنا بنتحجج.. تبلي اللحمة واعملي صينية المكرونة قبل ما تنزلي، وسيبي الباقي على أختي لما تيجي بكرة تكمله."
التليفون كان على ودني، بس أنا مكنتش سامعة غير صوت أنفاسي.
أبويا بين الحياة والموت، وجوزي كل اللي شاغله إزاي جدول العيلة ميتلخبطش، ومين هيعمل صينية المكرونة؟
الرد مكنش فيه قسوة متعمدة، مكنش بيزعق ولا بيشتم.. وده اللي خلاه مرعب أكتر. هو كان شايف إن ده "العادي". أنا مجرد ماكينة شغالة، حتى لو الموت بيخبط على باب أبويا، الماكينة لازم تخلص شغلها الأول.
سألني: "ألو؟ إنتي معايا؟"
رديت
بصوت ميت، مفيهوش أي انفعال: "معاك.. حاضر."
وقفلت السكة.
في اللحظات اللي زي دي، العقل بيفصل عن العواطف تماماً وبيبقى عامل زي الجراح. دخلت المطبخ.. بصيت على أكياس اللحمة اللي مطلعاها تفك من الصبح. مسكتها، ورجعتها الفريزر تاني.
دخلت أوضتي، لميت هدوم تكفيني أسبوع في شنطة صغيرة، وخدت كل أوراقي المهمة.
وأنا طالعة، وقفت قدام باب الشقة وكتبت ورقة صغيرة لزقتها على التلاجة:
"أنا في المستشفى مع أبويا.. المطبخ عندك، واللحمة في الفريزر. تصرفوا."
نزلت وروحت المستشفى. يومها بالليل جوزي جالي، كان باين عليه الإحراج لأن عيلتي كلها كانت هناك. مجبش سيرة الورقة، وأنا متكلمتش معاه غير في تفاصيل حالة بابا.
تاني يوم (يوم العزومة العائلية)، تليفوني رن الساعة 4 العصر. كانت حماتي.
رديت، وكنت متوقعة إنها بتسأل على أبويا.
قالتلي بصوت مليان لوم وزعل: "كده يا بنتي؟ نسيبك في ظروفك دي، نيجي نلاقي البيت يضرب يقلب، وأخوكي سايب لنا المطبخ يضرب يقلب لا أكل ولا شرب؟ هو إحنا غُرب؟"
اكتشفت إن جوزي مقدرش يقولهم
إن أنا اللي مشيت ومطبختش، فقالهم إني كنت تعبانة وما لحقتش!
بكل هدوء، وإيدي فيها كوباية قهوة بلاستيك في كافتيريا المستشفى، رديت عليها:
"أنا مطبختش يا طنط، ولا هطبخ. ولو العزومة أهم من إن أبويا في العناية المركزة، يبقى الغُرب أحسن منكم."
وقفلت السكة، وعملت بلوك لرقمها، ورقم بنتها.
بعدها بساعتين، جوزي بعتلي رسالة: "إنتي إزاي تكلمي أمي كده؟ إنتي بتهدي البيت عشان تفاهات؟"
مرديتش عليه.
أنا مكنتش بهد البيت، البيت كان مهدود من زمان، أنا بس بطلت أسنده بضهري.
الکاتبه نور محمد
عدت الأيام اللي بعدها تقيلة، بطيئة، بس كانت كاشفة لأبعد حد.
أبويا فضل في العناية المركزة ١٠ أيام. في العشر أيام دول، جوزي زارنا مرتين.. زيارة "تأدية واجب"، يقف ربع ساعة، يبص في ساعته، ويقول كلمتين عن ضغط الشغل ويمشي. طول الفترة دي، مفيش رسالة واحدة منه بتسأل "إنتي كويسة؟" أو "محتاجة حاجة؟". رسايله كلها كانت بتدور في فلك واحد: "إمتى هتخلصي الدراما دي وترجعي بيتك؟" ، "أمي زعلانة ومستنية منك اعتذار" ، "البيت من
غيرك يضرب يقلب، مفيش قمصان مكوية ليا".
رسايله مكنتش بتوجعني، بالعكس، كانت بتأكد لي إني أخدت القرار الصح. أنا مكنتش زوجة غايبة عن بيتها، أنا كنت "موظفة خدمة عملاء" سابت الشفت بتاعها، والعملاء غضبانين.
لما حالة أبويا استقرت ونقلوه أوضة عادية، بدأت أسترد جزء من طاقتي. كلمت جوزي وقولتله: "نتقابل بكرة في كافيه كذا، الساعة ٥". اخترت مكان محايد، مكان عام مفيهوش ريحة التضحيات اللي قدمتها، ولا ذكريات العزومات اللي هدت حيلي.
لما قعدنا، كان باين عليه الثقة المفرطة. طلب قهوته، وبص لي بنظرة أب بيعاتب بنته المتمردة وقال: "ها؟ هديتي؟ عرفتي إنك كبرتي الموضوع وعملتي مشكلة من لا شيء؟"
بصيت في عينه، وبكل هدوء الدنيا، هدوء مرعب أنا شخصياً استغربته، قولتله:
"أنا مكنتش غضبانة، ولا كنت منفعلة.. أنا بس أخيراً شفت الصورة من غير فلاتر. إنت سألتني أنا بهد البيت عشان تفاهات؟ بالنسبة لك، أبويا وهو بين الحياة والموت كان 'تفاهة' قدام صينية مكرونة المفروض أعملها عشان أمك متزعلش."
حاول يقاطعني ويدافع عن نفسه، بس رفعت إيدي ووقفته:
"اسمعني للآخر. أنا مش بلومك لوحدك، أنا بلوم نفسي قبلك. أنا اللي عودتكم إن
طاقتي ووقتي ومجهودي مش ملكي، ملككم أنتم. أنا اللي خليتكم تتعاملوا مع تضحياتي على إنها 'حق مكتسب' مش 'فضل'. لما كنت باجي على نفسي عشان أرضيكم، مكنتوش بتشوفوني ست أصيلة، كنتم بتشوفوني 'مضمونة'. والشيء المضمون مبنخافش نخسره، ومبنبذلش مجهود عشان نحافظ عليه."
ارتبك.. نبرة الصوت دي كانت جديدة عليه. متعودش مني على المنطق البارد، كان متعود على العياط، العتاب، وفي النهاية الرضوخ.
كملت كلامي: "عارف إيه اللي كسرني بجد؟ مش إن أمك كلمتني تلومني يومها، اللي كسرني إنك إنت اللي كنت المفروض تحميني في أضعف لحظات حياتي، بس إنت اخترت تحمي 'شكل العيلة' وتتجنب زعلهم، على حساب حزني أنا. إنت مكنتش شريك حياة.. إنت كنت مدير، وأنا كنت مجرد ترس في مكنتك."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
طلعت من شنطتي ورقة.. مكنتش ورقة طلاق وقتها، كانت حاجة أهم. كانت "قائمة حدود".
قولتله: "أنا مش راجعة الشقة النهارده. أنا هقعد مع أبويا لحد ما يخف. ولما أقرر أرجع، لو رجعت، دي هتكون شروطي:
١- العزومة الأسبوعية دي انتهت للأبد. اللي عايز يزورنا أهلاً بيه كضيف خفيف في الوقت اللي يناسبني أنا كمان.
٢- أنا مش مسؤولة عن
تلبية طلبات عيلتك، أنا مسؤولة عن بيتي ده بس.
٣- الاحترام متبادل، الكلمة اللي هتتقال لي هرد عليها، واللي هيزعل من رد فعلي، يراجع فعله الأول."
بص للورقة وضحك بسخرية: "إنتي بتملي عليا شروط؟ إنتي فاكرة إني هقبل أعيش مع ست بتتمرد على أهلي وبتقطع رحمي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت الورقة من قدامه، وقطعتها نصين قدام عينه.
"لا، إنت مش هتقبل.. وأنا كمان مش هقبل."
فتحت شنطتي، طلعت دبلتي، وحطيتها على الترابيزة بالراحة.
"الورقة دي مكنتش عشانك، دي كانت اختبار أخير ليا أنا. كنت بشوف لو لسه فيك أمل تفهم يعني إيه جواز ومشاركة. بس إنت أثبتلي إنك بتدور على 'بديل لأمك'، مش على 'زوجة'. وأنا قدمت استقالتي من الوظيفة دي."
قمت من على الترابيزة، وسيبته قاعد مذهول، عينه متعلقة بالدبلة اللي بتلمع تحت نور الكافيه. لأول مرة من خمس سنين، ضهري كان مفرود، وخطوتي كانت خفيفة.
النهاية والخلاصة (الدرس المستفاد):
بعد شهور من اليوم ده، الانفصال تم بهدوء. هو حاول يرجعني لما لقى البيت فعلاً انهار من غيري، بس محاولاته كلها كانت عشان "نرجع المكنة تشتغل"، مش عشان "يصالحني".
في رحلة التعافي، اتعلمت دروس غالية جداً، بكتبها لكل ست (أو راجل) عايشين نفس الاستنزاف:
الاحتراق لا يولد التقدير: إنك تحرقي نفسك عشان تدفي اللي حواليكي مش هيخليهم يحبوكي أكتر، هيخليهم يعتادوا على الدفا، ولما تخلصي، هيشتكوا من البرد ويدوروا على حطب غيرك.
العشم السام: في شعرة بسيطة بين "الأصول" و"الاستغلال". الأصول بتبقى متبادلة وفيها تقدير، الاستغلال بيبقى طريق اتجاه واحد، مليان أوامر ومفروش باللوم.
أول تنازل هو الأخطر: لو سكتّي على حقك في مساحتك ووقتك أول مرة بحجة "مفيش بينا فرق"، إنتي كده بتكتبي العقد اللي هيحاسبوكي عليه بقية حياتك. الحدود مش قلة ذوق، الحدود هي اللي بتحمي العلاقات من إنها تتحول لسجن.
محدش هيحترمك أكتر ما بتحترمي نفسك: اللحظة اللي جوزي وعيلته شافوا فيها إني قادرة أقول "لا"، وأنفذها، وأمشي من غير ما ألتفت.. دي كانت أول مرة في حياتهم يشوفوني فيها كإنسانة لها كيان، مش كأداة.
البيت اللي بنيته على حساب صحتي وأعصابي وقع في ثانية.. بس لما وقع، اكتشفت إني كنت محتاجة الهدد ده، عشان أبني نفسي أنا من أول وجديد، بس المرة دي، على أساس متين من حب الذات واحترامها.


تعليقات
إرسال تعليق