بنتي قالتلي ماما… كل ليلة ست بتدخل أوضتكم بعد ما تنامي.بتمشي ببطء أوي
بنتي قالتلي ماما… كل ليلة ست بتدخل أوضتكم بعد ما تنامي.بتمشي ببطء أوي… وبابا بيقفل عينيه لما تدخل، بس عمره ما بيتكلم معاها.
بنتي قالتلي ماما… كل ليلة ست بتدخل أوضتكم بعد ما تنامي.بتمشي ببطء أوي… وبابا بيقفل عينيه لما تدخل، بس عمره ما بيتكلم معاها.
الجزء الأول — بنتي قالت إن ست بتدخل أوضتنا كل ليلة
بنتي عمرها ما كانت طفلة بتكدب.
ملك عندها ٨ سنين، ولسه بتسلّم على القمر من شباك العربية لأنها مقتنعة إنه بيروح وراها مخصوص. كانت تعتذر للنمل لو دست عليه بالغلط، وتعيّط في الكرتون لما الحيوانات تبعد عن أمها.
عشان كده… كلامها جمّد الدم في عروقي الصبح ده.
قالت وهي باصة من شباك العربية:
“ماما… كل ليلة ست بتدخل أوضتكم بعد ما تنامي.”
إيدي ارتخت على الدريكسيون.
بصيتلها بسرعة:
“إنتِ قولتي إيه؟”
الشمس كانت مالية التابلوه، والزحمة ماشية ببطء في شوارع القاهرة، وملك قاعدة بهدوء شنطتها الوردية في حضنها.
وقالت بنفس البراءة:
“بتمشي ببطء أوي… وبابا بيقفل عينيه لما تدخل، بس عمره ما بيتكلم معاها.”
ماكانش في خوف في صوتها.
وده اللي خوّفني أكتر.
باقي الطريق حسّيته كأنه حلم سخيف.
كنت مستنية تضحك وتقولي إنها بتتخيل.
لكنها فضلت تدندن بهدوء وكأنها ما هدّتش جوايا تسع سنين جواز.
أنا ويوسف كنا متجوزين بقالنا تسع سنين.
تسع سنين فواتير مشتركة، أكلة
اتحرقت، خناقات على حاجات تافهة، أفلام بالليل، وقُبل سريعة قبل الشغل.
حياة عادية جدًا.
أو على الأقل… ده اللي كنت فاكراه.
بعد ما وصلت ملك المدرسة، فضلت قاعدة بالعربية شوية طويلة.
إحساس بارد استقر جوا صدري.
بدل ما أروح الشغل…
رجعت البيت.
يوسف كان واقف في المطبخ زي كل يوم.
فنجان القهوة جنبه، والشمس داخلة من الشباك.
بصلي وابتسم:
“رجعتي بدري؟”
ولأول مرة من يوم جوازنا…
ماعرفتش أبصله.
كنت عايزة أواجهه فورًا.
كنت عايزاه يضحك ويقولي إن ملك فهمت غلط.
لكن بدل كده…
ابتديت ألاحظ حاجات كنت بتجاهلها بقالها شهور.
الهالات تحت عينيه.
إصراره يلبس كم طويل حتى في الحر.
الارتباكة الصغيرة لما أقرب منه فجأة.
التوتر في إيده.
قال بهدوء:
“إنتِ كويسة؟”
ابتسمت بالعافية:
“نسيت حاجة.”
وكدبت.
اليوم كله بقى خانق.
كل سكوت بقى تقيل.
كل نظرة بقت مشبوهة.
كنت ماشية في بيتي كأني غريبة.
وفجأة…
تليفونه اهتز على الرخامة.
خطفه بسرعة.
بسرعة زيادة.
لف ضهره ودخل أوضة الغسيل.
وما لحقتش أسمع غير جملة واحدة قبل ما يوطي صوته:
“الليلة… بعد ما تنام.”
معدتي اتقبضت بعنف.
العشا عدى بالعافية.
ملك بتحكي عن الإملاء.
يوسف بيضحك في
الوقت الصح.
وإحنا بنغسل الأطباق كأننا عيلة طبيعية.
لكن كان في حاجة سودا دخلت حياتنا بالفعل.
قبل النوم وقفت عند أوضة ملك.
وسألتها:
“حبيبتي… إنتِ فعلًا شفتي الست دي كل ليلة؟”
هزت راسها:
“أيوه.”
“كانت بتعمل إيه؟”
“بتجيب شنطة سودا.”
قلبي خبّط جامد.
“وبابا كان بيعمل إيه؟”
فكرت شوية وقالت:
“كان شكله حزين.”
الكلمة دي كان المفروض توقفني.
لكن الغيرة والخوف كانوا أعلى من أي عقل.
يوسف دخل الأوضة حوالي ١١ بالليل.
ريحته كانت شاور وصابون…
لكن تحتهم كان في ريحة غريبة.
ريحة مستشفيات.
ريحة مطهرات.
قعد جنبي وسأل:
“أخدتي الحباية؟”
هزيت راسي.
دخلت الحمام…
وفتحت الحنفية…
ورميت الحباية في الحوض.
رجعت السرير وتظاهرت بالنوم.
يوسف كمان كان بيتظاهر.
نفسه كان منتظم زيادة عن اللزوم.
كأنه صاحي ومستني.
الساعات عدت ببطء.
لحد ما…
الساعة ١:١٤ بالليل…
باب الأوضة اتفتح بالراحة.
ست دخلت…
لابسة أسود…
وشايلة شنطة طويلة.
جسمي كله اتخشب.
قربت ناحية يوسف.
وهمست:
“مش هتاخد دقيقة.”
يوسف هز راسه بهدوء.
الغضب انفجر جوايا.
الخيانة.
القرف.
الإحساس إن حياتك كلها بتقع وإنت عاجز.
لكن بعدها سمعت صوت غريب.
صوت جوانتي
لاتكس.
ريحة كحول ومطهرات.
الشنطة اتفتحت.
ويوسف شد كم القميص لفوق.
ولما الست طلعت حقنة طويلة لمعت تحت نور القمر…
عرفت إني يا إما هكشف خيانة…
يا إما هكشف كارثة أسوأ بكتير.
لأن إيدي كانت بالفعل رايحة ناحية الأباجورة…
…………..
الجزء التاني — السر اللي عايش وسط جوازنا
شغلت النور فجأة.
الأوضة غرقت ضوء.
قمت من السرير بعصبية وأنا مستعدة أصرخ.
لكن اللي شوفته…
ماكانش خيانة.
الست كانت لابسة سكرابز دكتورة.
لابسة جوانتي.
وجنبها حقنة وأدوات طبية معقمة.
يوسف كان قاعد وكمه مرفوع.
جلده متعقم بمطهر.
ورابط على دراعه رباط طبي.
همس بتعب:
“ليلى… اطفي النور.”
صوتي اتكسر:
“إيه ده؟!”
بصيت للست:
“مين حضرتك؟ وإيه اللي بيحصل في أوضتي؟”
قلعت الجوانتي بهدوء:
“أنا الدكتورة نادين.”
دكتورة.
الكلمة خبطتني أقوى من الخيانة نفسها.
يوسف بصلي بنظرة عمري ما شفتها.
ماكانش ذنب.
كان خوف.
خوف حقيقي.
قال بصوت واطي:
“أنا تعبان.”
الأوضة سكتت.
“إيه؟”
“بقالي ست شهور.”
كل حاجة غريبة حصلت السنة اللي فاتت رجعت مرة واحدة.
الكوبايات اللي كانت تقع من إيده.
الصداع.
الأرق.
الشرود.
الكم الطويل.
أنا شفت كل ده…
وتجاهلته.
سألته
بصوت مرتعش:
“عندك إيه؟”
بص بعيد.
والدكتورة فتحت التابلت.
صورة مخ ظهرت عليها بقع بنفسجية غريبة.
“ده إيه؟”
قالت بحذر:
“فيروس عصبي تجريبي.”
بصيت ليوسف:
“إنت شغال إداري…”
هز راسه ببطء:
“مش من الأول.”
وسكت شوية قبل ما يكمل:
“كنت شغال في الأبحاث.”
برد غريب سرى في جسمي.
قال:
“كنت فاكر إننا بنطور علاج للأعصاب…”
“وبعدين؟”
صوته اتكسر:
“حوّلوه لسلاح.”
ماقدرتش أتنفس.
كل ذكرياتنا بقت شكلها مختلف فجأة.
أعياد الميلاد.
الصور.
الضحك.
كل حاجة.
الحقن؟ كانت بتثبّت حالته مؤقتًا.
الحبوب؟ عشان ماصحاش.
والست اللي ملك كانت بتشوفها؟
الدكتورة نادين.
إيدي بدأت تترعش.
بنتي كانت عارفة قبلي.
شايلة الرعب لوحدها.
وفجأة…
الدكتورة اتجمدت.
شدت الستارة بسرعة.
وفي الشارع…
كانت عربية سودا واقفة.
من غير نمر.
جواها نور شاشات أزرق.
ونزل منها رجالة لابسين أسود.
يوسف شحب فجأة.
“لقونا.”
بصيتله برعب:
“مين؟!”
قال:
“مش جايين عشاني…”
الخوف زاد في عينيه.
“جايين عشان ملك.”
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت خطوات صغيرة فوق.
ملك.
كانت المفروض نايمة.
وبعدين البيبي مونيتور فرقع بصوت خفيف…
وصوتها طلع منه:
“ماما… الموسيقى رجعت تاني…”
الجزء الأخير — الحقيقة اللي كانت مدفونة تحت حياتنا كلها
البيبي مونيتور شوش تاني.
وصوت ملك طلع منه وهي شبه نايمة:
“ماما… الصوت أعلى النهارده…”
يوسف جري برا الأوضة قبل أي حد.
طلعنا وراه على السلم.
فتحنا أوضة ملك بسرعة…
السرير
فاضي.
البطانية مرمية على الأرض.
والشباك مفتوح سنة صغيرة.
الهوا البارد داخل يحرك الستارة.
وعلى حافة الشباك…
كان في جهاز معدني صغير بينور أحمر.
الدكتورة نادين شحبت فورًا:
“لا…”
يوسف خطفه بسرعة:
“إزاي وصلوا لهنا؟!”
سألت بخوف:
“ده إيه؟!”
قالت وهي بتتنفس بسرعة:
“جهاز تتبع صوتي… الأطفال بيسمعوا تردده كموسيقى.”
ركبي كانت هتقع.
“يعني أخدوها؟!”
هزت راسها بسرعة:
“لا… هما بس وجّهوها.”
جرينا برا البيت.
عدينا الجنينة.
وأسوار الجيران.
ووصلنا للأرض الفاضية اللي ورا المدرسة.
القمر كان منور المكان بلون فضي مخيف.
ولقيناها.
ملك.
ماشية حافية ببطء.
لابسة البيجامة الزرقا.
وعينيها شبه مقفولة.
يوسف وصلها الأول.
وقع على ركبته وحضنها جامد:
“بابا هنا… خلاص.”
فتحت عينيها ببطيء:
“بابا… الموسيقى كانت بتناديني.”
وفجأة…
كشافات قوية نورت علينا من وسط الشجر.
رجالة لابسين أسود خرجوا ناحية الأرض.
من غير أي شعارات.
ولا أسماء.
واحد منهم رفع جهاز وقال بصوت آلي:
“تم تحديد الهدف.”
التلج جرى في دمي.
يوسف وقف قدام ملك فورًا.
وقال
بصوت هادي:
“هما بيراقبوني من سنين… الشغل… البيت… حياتنا كلها كانت متراقبة.”
الدكتورة نادين قربت منه:
“لسه في وقت.”
بصلها وقال:
“المعمل السفلي؟”
هزت راسها:
“B4.”
صرخت:
“حد يفهمني إيه اللي بيحصل!”
يوسف بصلي أخيرًا:
“العلاج تحت الشركة.”
كل اللي حصل بعد كده كان كأنه فيلم.
دخلنا من طريق خلفي تحت شركة الأدوية اللي كان شغال فيها.
أنفاق طويلة تحت الأرض.
لمبات حمرا بتنور وتطفي.
وأبواب حديد تقيلة.
لحد ما وقفنا قدام باب ضخم مكتوب عليه:
B4
يوسف وقف قدامه وقال:
“مش هيفتح ببصمتي.”
وبص لملك.
الدكتورة قالت بهدوء:
“هي المفتاح.”
بصيت لبنتي برعب:
“ملك؟!”
يوسف قرب منها ومسح على شعرها:
“إنتِ أشجع حد في الدنيا.”
نقطة دم صغيرة اتحطت على الجهاز.
والباب اتفتح.
اللي جواه كان مرعب.
أنابيب مليانة سائل بنفسجي منور.
ملفات تجارب.
أسامي ناس.
تواريخ.
وحياة بشر متحولة لأرقام.
وفي النص شاشة كبيرة مكتوب عليها:
“العلاج النهائي جاهز.”
الدكتورة جريت على الأجهزة.
أما يوسف فوقف قدام لوحة تحكم كبيرة.
صرخت:
“إنت هتعمل إيه؟!”
بصلي بهدوء
لأول مرة من شهور.
“هأنهي كل ده.”
وفجأة…
الإنذارات اشتغلت.
السيرينات علت.
والنور الأحمر ملأ المكان.
قلت بدموع:
“يوسف… تعالى معانا.”
ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة.
وقال:
“الشركة خيّرتني زمان بين الحقيقة وبين عيلتي…”
حط إيده على زر كبير.
“المرة دي… هختار عيلتي.”
الأرض بدأت تهتز.
التراب وقع من السقف.
ملك كانت بتعيط:
“بابا…”
راح ناحيتها بسرعة وحضنها جامد.
كأنه بيحاول يحفظ إحساسها جواه للأبد.
وبعدين باس راسها.
وحطها في حضني.
وقال بصوت متقطع:
“خديها وامشي.”
صرخت:
“لا!”
لكن الدكتورة شدتني ناحية الباب.
يوسف وقف لوحده قدام الأجهزة.
وبص ناحيتنا آخر مرة.
وقال:
“أنا كدبت في كل حاجة…”
عينه لمعت بالدموع.
“إلا حبي ليكم.”
باب المعمل بدأ يقفل ببطء.
ملك مدت إيدها وهي بتصرخ:
“باباااا!”
وشه اختفى تدريجيًا ورا الحديد.
وآخر كلمة سمعناها منه كانت:
“اجري.”
الباب اتقفل.
وبعدها بثواني…
المكان كله انفجر.
الأرض اتهزت تحت رجلينا.
والنور انطفى.
وكل الأسرار اللي كانت مدفونة تحت الشركة…
اختفت للأبد.
بعد أسابيع…
الشركة
وقعت.
والتحقيقات بدأت.
والملفات السرية كلها اتكشفت.
والعلاج نجح.
الدكتورة نادين عاشت.
لكن حياتنا عمرها ما رجعت زي الأول.
في ليلة هادية…
كانت ملك قاعدة تبص للقمر من الشباك.
وهمست:
“ماما… هو بابا لسه شايفنا؟”
حضنتها وبست راسها.
وبره…
القمر كان ماشي ورانا زي ما كانت دايمًا بتقول.
غمضت عيني وهمست:
“أيوه يا حبيبتي…”
“هو عمره ما سابنا.”


تعليقات
إرسال تعليق