القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 وعد الملياردير:



وعد الملياردير:

أربع مرات في ليلة واحدة، سليم كان خلاص هيفقد السيطرة على نفسه.

وأربع مرات، مايا كانت بتوقفه، وصوتها بيترعش في الضلمة:

“أنا عمري ما قربت من حد كده قبل كده.”

في كل مرة، سليم الجارحي، الراجل الملياردير صاحب الشركات اللي مبيخافش من حاجة، كان بيقف. مش تردد منه، بس عشان الطريقة اللي قالت بيها الكلام ده كانت حقيقية قوي. حقيقية لدرجة تخوف. كان باين من صوتها إنها مش بتعيش معاه لحظة عابرة، دي كانت بتأتمنه على حاجة غالية وحساسة ومبتتكررش.

هو كان عارف ومأكد لنفسه إنه مش هينفع يعاملها زي أي واحدة تانية عرفها في حياته.

عشان كده في كل مرة، كان بيهدى، ويبص في عينيها، ويديها وعد:

“يبقى هخليكي عمرك ما تندمي على اللحظة دي.”

بس لما الصبح طلع، والنور الهادي بدأ يدخل من الشبابيك الطويلة، النور كشف المعنى الحقيقي للي حصل بالليل. بقعة دم خفيفة كانت باينة على الملايات البيضا، صغيرة بس واضحة ومفيش فيها شك.

في اللحظة دي، كل حاجة جوا سليم اتجمدت.

هو طول عمره باني حياته على التحكم والسيطرة، بس في حاجة اتكسرت واتفتحت جوا صدره. مكنتش رغبة، ولا كانت كبرياء. كانت حاجة أعمق بكتير، حاجة عمره ما سمح لنفسه يحس بيها قبل كده.

قعد في صمت تام، يبص على مايا وهي نايمة في سلام جنبه. ولأول مرة في حياته، محسش إنه قوي وصاحب نفوذ.

حس إنه مسؤول عنها.

والإحساس ده غير كل حاجة.

قبل الصبح ده، وقبل الشقة الفخمة، وقبل الوعد.. كان فيه المطعم.

المطعم كان هادي، بس مكنش هدوء راحة. كان من نوع الهدوء اللي بيجي مع السلطة والنفوذ. مزيكا بيانو هادية شغالة في الخلفية. الكاسات بتخبط في بعضها براحة. والمناقشات كلها بصوت واطي وموزون. كل حاجة كانت غالية، وكل حاجة كانت مثالية.

سليم كان قاعد على التربيزة اللي في النص، محاوط برجالة ببدل، وبيناقشوا أرقام ومشاريع ممكن تغير مجرى صناعات بحالها. ملامح وشه مكنتش بتحرك. كان بارد، مركز، ومش بيتهز.

وفجأة، صوت حاد كسر هدوء المكان.

كاس اتكسر.

كل الرؤوس لفت تبص.

بنت صغيرة في السن كانت واقفة ومش متزنة في الممر، إيد ساندة بيها بصعوبة على طرف تربيزة، والإيد التانية ضغطاها جامد على جنبها. نفسها كان سريع ومش منتظم، ووشها كان مخطوف ومفيش فيه نقطة دم.

لمرحلة، محدش اتحرك. في مكان زي ده، المفروض المشاكل متبقاش موجودة أصلاً، والوجع مش المفروض حد يشوفه.

بعدها، البنت خدت خطوة واحدة لقدام، ووقعت طولها على الأرض بالظبط قدام سليم.

المكان كله اتجمد. الويترية ترددوا، والزبائن بدأوا يوشوشوا بعض.

سليم مفكرش.

اتحرك فوراً.

كرسيه اتمط لورا بقوة وهو بيقوم، وقطع المسافة اللي بينهم في ثواني.

“مايا، سامعاني؟”

هو حتى مخدش باله إنه نطق اسمها. مكنش عارف هو عرف اسمها منين، بس كان فيه حاجة فيها كأنها قريبة منه، قريبة قوي لدرجة غريبة.

هي اتوجعت ووشها انكمش، وصوابعها مسكت في كم بدتله بضعف.

همست: “تعبانة.. بتألم.”

الكلمتين دول كانوا كفاية بالنسبة له.

سليم لف، وصوته طلع حاد وبيأمر:

“كلم السواق حالاً وجهز العربية.”

مفيش تردد، ومفيش نقاش. فعل وبس. لأول مرة من فترة طويلة، كان فيه حاجة أهم بكتير من السيطرة والبرود، وهو مكنش مستعد يخسر اللحظة دي.

هوا الليل البارد خبط في وشهم أول ما الأبواب اتفتحت. سليم خرج من المطعم وهو شايل مايا بين إيديه. وزنها كان خفيف، بس وجودها كان قالب كيانه.

المدينة كانت صاحية وزحمة حواليهم. العربيات بتجري، الأنوار بتنور وتطفي، والناس بتتحرك من غير ما تلاحظ أي حاجة. بس بالنسبة لسليم، كل حاجة كانت بتتحرك بالبطء الممل.

قالها بصوت واطي، صوته كان هادي وحنين المرادي: “خليكي معايا.”

هي مردتش عليه في ساعتها. راسها كانت ساندة بضعف على صدره، ونفسها كان مخنوق ومش منتظم.

العربية السودا كانت مستنية ومستعدة. بالنسبة لراجل زي سليم، الحاجات دايماً بتكون جاهزة، بس الليلة دي الإحساس مكنش إحساس سيطرة، كان إحساس لهفة وسرعة.

ركب في الكنبة اللي ورا، ولسه واخدها في حضنه ومتبت فيها والباب بيتقفل وراهم.

“على المستشفى فوراً. بسرعة.”

السواق مألتش ولا سؤال، والعربية طارت وسط الليل.

جوا العربية، مكنش فيه غير الصمت، اللي بيقطعه بس صوت نفس مايا الضعيف. سليم بص لوشها.. بص بجد المرادي.

وشها كان باهت، بس كان فيه حاجة هادية وقوية في ملامحها، حتى وهي في قمة وجعها.

سألها بحذر واهتمام: “اسمك إيه؟”

فتحت عينيها بالعافية، وبصتله بنظرة كلها تعب وضياع، وهمست بصوت مبحوح كأنه طالع من البير: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

“مايا.. اسمي مايا.”

سليم حس بقشعريرة مشيت في جسمه كله لما نطق الاسم بنفسه، ورغم إنه كان لسه قايله من شوية في المطعم من غير ما يحس، سماعه منها وهي بتأكده خلى قلبه يدق بسرعة غريبة. سكت ومردش، بس ضمها لصدره أكتر وكأنه بيطمنها إنه مش هيسيبها.

العربية فرملت بقوة قدام باب الطوارئ في المستشفى.

سليم مستانيش حد يفتحله الباب، زق الباب برجله ونزل وهو شايلها، ودخل بيها وسط الدكاترة والممرضين وصوته هز المكان:

“دكتور فوراً! جيبوا ترولي حالاً!”

الدكاترة لما شافوا سليم الجارحي داخل بنفسه والشرر بيطير من عينيه، المستشفى كلها اتأهبت. الممرضين جريوا بالسرير المتحرك، وسليم حطها عليه براحة وهو حاسس ببرودة إيديها اللي كانت متبتة في قميصه.

“يا فندم اتفضل استنى برة، مش هينفع تدخل العمليات والطوارئ،” الممرض قال بلهجة خايفة.

سليم بصله بنظرة حادة خلت الممرض يرجع خطوة لورا: “أنا واقف هنا.. ومش هتحرك.”

قعد سليم في ممر المستشفى، الراجل اللي بكلمة منه بيهز سوق المعمار والشركات، كان قاعد وحاطط راسه بين إيديه، وعينيه مش بتفارق الباب اللي دخلت منه. لأول مرة يحس إن فلوسه ونفوذه ملهمش قيمة قدام اللحظات دي.

بعد حوالي ساعتين، الباب اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة والتعب باين عليه.

سليم وقف في ثانية وقرب منه: “طمني.. مالها؟”

الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله لحقناها في آخر لحظة يا سليم بيه. كان عندها انفجار في الزايدة الدودية، ومتحملة الوجع على نفسها بقالها يومين لحد ما جسمها مابقاش قادر ووقعت. لولا إنك جبتها بسرعة، كان السم انتشر في بطنها وكان الوضع هيبقى كارثي.”

سليم اتنفس لأول مرة بحرية من ساعتها، وحس جبل وانزاح من على صدره: “أقدر أشوفها؟”

الدكتور: “هي اتنقلت أوضة عادية، بس لسه تحت تأثير البنج، ساعة بالكتير وهتفوق.”

دخل سليم الأوضة، كانت الإضاءة فيها خافتة، ومايا نايمة على السرير ووشها لسه باهت بس ملامحها هديت عن الأول والوجع اختفى. قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وفضل يبص لملامحها الهادية. كانت رقيقة قوي، بريئة لدرجة تخليه يستغرب إزاي بنت بالبراءة دي تدور وسط دوامة حياته القاسية.

مرت الساعة، وبدأت مايا تتحرك براحة وتفتح عينيها ببطء، غيمت الرؤية قدامها ثواني وبعدين وضحت وشافت سليم قاعد ومثبت عينه عليها.

حاولت تقوم وهي بتتأوه: “آه.. أنا فين؟”

سليم قرب منها وبحنية أول مرة تظهر في صوته، ستح على شعرها: “اثبتي مكانك ومتحركيش.. أنتِ في المستشفى وعملتِ العملية وبقيتِ زي الفل.”

بصتله وعينيها لمعت بالدموع: “أنت.. أنت اللي أنقذتني.. أنا فاكرة لما وقعت في المطعم.”

سليم ابتسم ابتسامة خفيفة: “المهم إنك بقيتِ كويسة.”

مايا نزلت عينيها في الأرض وقالت بخجل وخوف: “أنا مش عارفة هسدد مصاريف المستشفى دي إزاي.. أنا جيت المطعم ده عشان كنت بقابل صاحب الشغل عشان يديني مرتيبي المتأخر وهو رفض وباعني، وأنا معنديش حد…”

سليم قاطعها وهو بيمسك إيديها بحزم: “مستشفى إيه ومصاريف إيه اللي بتتكلمي عنها؟ أنتِ من اللحظة دي مسؤولة مني.. ومحدش هيقدر يجي عليكي تاني.”

كلام سليم مكنش مجرد جدعنة، ده كان الوعد اللي غير حياتهم هما الاتنين، وبداية الليلة اللي مكنتش على البال، الليلة اللي سليم الجارحي نسى فيها نفوذه وسيطرته، وسلم قلبه للبنت اللي وقعت بين إيديه من غير إنذار.



مرت الأيام، ومايا بدأت تتعافى وتسترد صحتها، وطوال الفترة دي سليم مسبهاش لحظة. نقلها للجناح الخاص بتاعه في الشقة الفخمة (الپينتهاوس) اللي بتطل على النيل، ووفر لها أكبر الدكاترة والممرضات عشان يخدموها.

كانت مايا كل يوم بتكتشف جانب جديد في سليم؛ الراجل اللي برة البيت بيهز الأرض بكلمة، وبمجرد ما يدخل الأوضة عندها بيتحول لراجل تاني خالص.. حنين، وبيخاف عليها من الهوا.

وفي الليلة المشهودة.. الليلة اللي غيرت كل حاجة.

كانت مايا قاعدة في الصالون الواسع، الإضاءة كانت خافتة ومزيكا هادية شغال في الخلفية، ونور براندات القاهرة باين من الشبابيك الإزاز الطويلة. سليم دخل ولقاها واقفة بتتأمل المنظر، كانت لابة فستان بسيط مبرز رقتها وهدوءها.

قرب منها ووقف وراها بالظبط، أنفاسه الدافية لمست كتفها، ومايا حست بكهربا مشيت في جسمها. لفت براحة وبصت في عينيه، والضلمة المحيطة بيهم كانت بتزيد المشهد جرأة وغموض.

سليم مابقاش قادر يقاوم أكتر من كده، القرب ده كان بيلغي كل السيطرة اللي اتعود عليها طول حياته. مد إيده ولمس وشها براحة، وصوته طلع دافي ومكتوم: “مايا.. أنا مش قادر أبعد عنك أكتر من كده.”

مايا حست بقلبها هيقف من الدق، دي كانت أول مرة تقرب من راجل بالشكل ده، وأول مرة تحس بمشاعر حقيقية ومزلزلة ناحية حد. جسمها بدأ يترعش، وبصت في عينيه بخوف طفولي وهمست:

“سليم.. أنا عمري ما قربت من حد كده قبل كده.. أنا خايفة.”

الكلمة دي لجمت سليم.

لأول مرة، الراجل الملياردير اللي مبيعملش حساب لأي حد في الدنيا، يقف ويفكر. مش خوف، ولا تردد، بس الكلمة طلعت من مايا حقيقية وصادقة لدرجة لمست حتة جوا قلبه عمره ما سمح لحد يدخلها. حس إنها مش مجرد بنت بتعيش معاه ليلة عابرة، دي بتسلمه نفسها وبتثق فيه ثقة عمياء.

سليم هدي خالص، وبص في عينيها الشبه مدمعة، وقرب باس راسها ونزل لشفايـ..ـفها بحنية مفرطة، وقالها وهو بيطمنها:

“يبقى هخليكي عمرك ما تندمي على اللحظة دي.. ثقي فيا.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وفي الليلة دي، أربع مرات كاملة سليم كان هيفقد السيطرة فيها من كتر رغبتها، وفي كل مرة كانت رشة الخوف والرعشة اللي في صوتها بتخليه يهدى، ويبطأ، ويعاملها كأنها حتة زجاج غالية وخايف تتكسر بين إيديه. كان بيصنع معاها ذكريات ليلة عمرها ما هتتنسي.

لحد ما الصبح طلع..

والنور الهادي بدأ يتسلل من الشبابيك الطويلة، ويكشف تفاصيل الأوضة. سليم صحي الأول، وبص جنبه لقى مايا نايمة في سلام تام، وشعرها مفرود على المخدة وكأنها ملاك.

ولما جه يقوم عشان يغطيها، عينه جت على الملايات البيضا.

هناك، كانت فيه بقعة دم خفيفة.. صغيرة، بس واضحة زي الشمس ومفيش فيها شك.

في اللحظة دي، سليم اتسمر في مكانه. كل أفكاره وقفت، والسيطرة اللي بنى عليها حياته كلها اتهدت في ثانية. الصدمة مكنتش صدمة ضيق، دي كانت صدمة حقيقة هزت كيانه من الجذور؛ البنت دي كانت خام، بيضا، ومحدش لمسها قبله، وهو كان الأول والوحيد في حياتها.

محسش بنشوة انتصار ولا كبرياء.. بالعكس، حس بحمل ومسؤولية كبيرة قوي ان رميا فوق كتافه. البنت دي سابت الدنيا كلها وأتمنته على شرفها وحياتها.

سليم قعد على طرف السرير في صمت تام، يبص للملاية ويبص لمايا اللي بدأت تتقلب وتفتح عينيها براحة.

أول ما مايا شافت نظراته وبصت على السرير، وشها احمر جداً وبان عليه الخوف، واستطت بالغطا وهي بتترعش وفاكرة إنه ممكن يفهم غلط أو يتخلى عنها.

لكن سليم فاجأها.. قرب منها، وأخدها في حضنه جامد وفضل يطبطب عليها، وقال بصوت مليان ثقة وقوة:

“جهزي نفسك يا مايا.. كتب كتابنا الأسبوع ده. أنتِ بقيتِ مراتي قدام ربنا، وهتبقى مراتي قدام الدنيا كلها.”


تمت 


تعليقات

التنقل السريع
    close