سابها بتنزف في المطبخ وراح يحضر عيد ميلاد أمه…
عيد ميلاد ١
حكايات رومانى مكرم
سابها بتنزف في المطبخ وراح يحضر عيد ميلاد أمه… وبعد يومين رجع عشان ياخد ابنه، لقى قوات من الجيش واقفة قدام العمارة.
أول طلقة وجع جت لـ ندى عبدالرحمن وهي واقفة في مطبخ شقتها في مدينة نصر، ماسكة كباية مية في إيديها، ورجليها وارمة من الحمل، وكانت في الأسبوع الـ38.
الوجع كان شديد لدرجة إن الكباية وقعت من إيديها.
واتكسرت على سيراميك المطبخ.
— يا كريم… قالت وهي حاطة إيديها الاتنين على بطنها… في حاجة مش طبيعية.
لكن كريم الشناوي حتى ما رفعش عينه من الموبايل. كان واقف قدام المراية بيظبط بدلته الكحلي، وحاطط برفانه، ومسرح شعره، ومستعد ينزل يحضر عيد ميلاد أمه الحاجة سهير اللي كانت عاملة حفلة كبيرة بمناسبة عيد ميلادها الستين.
وكأن الدنيا كلها لازم تقف عشان المناسبة دي.
جالها انقباض تاني… أقوى… وأوجع.
سندت على رخامة المطبخ، وحاولت تاخد نفسها زي ما كانوا بيعلموها في كورس الولادة.
لكن الإحساس ده ماكانش طبيعي.
الدكتورة دينا فؤاد كانت منبهة عليهم أكتر من مرة إن ضغط ندى عالي جدًا، وقالتلهم بمنتهى الوضوح: لو حصل وجع شديد، أو دوخة، أو نزيف، أو زغللة في العين… لازم تروحوا المستشفى فورًا، من غير أي تأخير.
ندى بصت لجوزها وقالت بصوت متقطع:
— أنا حاسة البيبي جاي… بالله عليك خدني المستشفى بسرعة.
كريم اتنهد بضيق، كأنه طلبت منه يشيل جبل.
وقال ببرود:
— يا ندى… بلاش تبدأي دلوقتي.
بصتله وهي مش مستوعبة.
وشها كان شاحب، والعرق مغرقها، وجسمها كله بيرتعش.
قالت وهي بالعافية بتتكلم:
— أنا مش بمثل… أنا بموت من الوجع.
كريم أخد مفاتيح عربيته من على الترابيزة.
وقال وهو خارج:
— إنتي دايمًا لازم تبوظي أي مناسبة تخص أهلي.
الكلمة دي وجعتها أكتر من وجع الولادة.
لأنها ما كانتش أول مرة.
من يوم ما اتجوزوا، كانت الحاجة سهير بتعامل ندى كأنها دخيلة على العيلة.
كانت دايمًا تقول عليها:
“البنت اللي لفت ابني حوالين صباعها.”
مع إن ندى كانت محامية ناجحة، وبتصرف على نفسها، وما طلبتش من حد جنيه واحد.
لكن بالنسبة للحاجة سهير… ماكنتش أي ست تستحق ابنها.
والأسوأ…
إن كريم كان كل مرة يختار أمه.
ندى قالت وهي دموعها نازلة:
— ده ابنك إنت كمان… ابننا محتاجك.
كريم ضحك ضحكة باردة وقال:
— أمي عيد ميلادها بييجي مرة في السنة… وإنتِ لسه في الشهر التاسع، استني كام ساعة مش هتجري حاجة.
ندى اتجمدت مكانها.
وقالت برجاء:
— يا كريم… بالله عليك…
حاولت تتحرك، لكن فجأة حسّت بوجع رهيب نزل في ضهرها زي السكينة.
وقعت على ركبها فوق إزاز الكباية المكسور.
كريم فتح باب الشقة.
وقال من غير ما يبصلها:
— مش هتأخر عشان دلعك.
وقفل الباب وراه بعنف.
صوت الباب هز الشقة كلها.
ندى اتصلت بيه مرة…
واتنين…
وتلاتة…
لكن كل المكالمات كانت بتتحول للبريد الصوتي.
سمعت صوت العربية وهي بتبعد.
بصت تحتها…
ولقت دم.
مش نقط بسيطة…
نزيف حقيقي، بينزل على رجليها.
جسمها كله بدأ يترعش.
بإيد مرتعشة، لمّت الموبايل من وسط الإزاز، واتصلت بالإسعاف.
وقالت وهي بتعيط:
— جوزي سابني ومشي… أنا لوحدي… حامل… وبنزف… أرجوكم الحقوني.
موظف الإسعاف فضل يكلمها ويطلب منها ما تقفلش الخط.
لكن ندى كانت بالعافية قادرة تاخد نفسها.
زحفت ناحية باب الشقة، وهي سايبة وراها أثر دم على الأرض.
كل حركة كانت عذاب.
وكل ثانية كانت حاسة إن ابنها بيضيع منها.
بعد حوالي تسع دقايق…
وصلت عربية الإسعاف.
دخل أول مسعف، وأول ما شافها اتصدم.
صرخ لزميله:
— واضح إن في انفصال في المشيمة… بلغوا المستشفى يجهزوا أوضة العمليات فورًا.
ندى كانت سامعة الكلام بالعافية.
المسعف مسك إيديها وقال:
— استحملي يا مدام… إنتي وابنك هتقوموا بالسلامة إن شاء الله.
وقبل ما يطلعوها على النقالة…
همست بكلمة واحدة:
— بابا…
المسعف قرب منها وقال:
— نكلم مين؟
#الكاتب_رومانى_مكرم
ندى فتحت عينيها بصعوبة، وقالت آخر جملة قبل ما تغيب عن الوعي:
— اللواء أحمد عبدالرحمن… بابا… هو هيعرف يتصرف…
وبعدها…
الدنيا كلها اسودت قدام عينيها.إذا حبيت، أقدر أكمل باقي القصة بنفس الأسلوب المصري الشعبي وبنفس مستوى التشويق.و
الجزء الثاني:
على السلم، كان المسعف بيجري وهو شايل ندى على النقالة، وزميله بيتكلم في اللاسلكي مع طوارئ مستشفى الدمرداش: “حالة ولادة حرجة، انفصال مشيمة ونزيف حاد، الضغط مش مسموع، جهزوا أوضة العمليات فورًا وبنك الدم”. في نفس اللحظة، كان المسعف التاني بيطلع تليفون ندى اللي كله دم، ودور في قائمة الأسماء لحد ما لقى “بابا حبيبي”.. داس اتصال والخط فتح من تاني جرس.
جاء صوت حازم وقور، فيه هيبة السنين والمناصب:
— السلام عليكم.. أيوة يا ندى يا بنتي.
المسعف أخد نفس طويل وقال بسرعة:
— معاليك أنا مسعف.. صاحبة التليفون المدام ندى أحمد عبد الرحمن في حالة حرجة جدًا، نزيف ولادة وانفصال مشيمة، وإحنا حاليًا في الطريق لمستشفى الدمرداش.
الناحية التانية، التليفون كان هيقع من إيد اللواء أحمد عبد الرحمن. الراجل اللي قاد عمليات وواجه أزمات هزت بلد، حس إن رجليه مش شايلاه. مفيش ثانية واحدة ضاعت، صوت نبرته اتحول لـ “أمر عمليات”:
— مسافة السكة.. خمس دقايق وهكون هناك. قفل الخط وكلم السائق بتاعه وصوته بيرتعش لأول مرة: “اطلع على الدمرداش بأقصى سرعة يا ابني.. بنتي بتموت”.
في نفس الوقت ده، كانت قاعة الحفلات في التجمع الخامس منورة، وصوت الأغاني عالي، والحاجة سهير واقفة في وسط المعازيم بفستانها الدهبي، بتستقبل التهاني بمناسبة عيد ميلادها الستين. كريم كان واقف جنبها، ماسك كباية العصير وبيضحك، وكل شوية يلمس تليفونه في جيبه.. الشاشة بتنور “32 مكالمة فائتة من ندى”، ووراها رسائل صوتية. كريم اتنحنح وبص للموبايل وقال في نفسه بضيق: “برضه بتدلع عشان تبوظ الليلة.. مش هرد عليكي يا ندى لما أرجعلك”.
أمه لفت وشها ليه وقالت بنبرة فيها كبرياء:
— منور يا كيمو يا حبيبي.. سيبك من التليفون وخليك معايا، الناس كلها بتبص عليك.. أمال فين المحامية بتاعتك؟ مجتش ليه؟
كريم ابتسم بتكلف وقال:
— تعبانة شوية يا أمي في البيت.. سيبك منها دلوقتي، المهم اتبسطي إنتي.
في المستشفى، كانت الممرات بتشهد حالة طوارئ مش طبيعية. ندى دخلت أوضة العمليات، والدكتورة دينا فؤاد استدعوها من بيتها وجت بتجري. النزيف كان شديد وضغط ندى واطي جدًا، لدرجة إن ضربات قلب الجنين بدأت تقل. الدكتورة صرخت في الممرضين: “بسرعة.. بنك الدم يبعت فصيلة (O-) فورًا.. لازم نفتح حالا عشان ننقذ الطفل والأم”.
بعد عشر دقائق، وصل اللواء أحمد عبد الرحمن. دخل المستشفى بهيبته، وراه طقم الحراسة بتاعه، ووشه خالي تمامًا من التعبيرات، لكن عينيه كان فيها شرار. سأل عن أوضة العمليات وطلع جري. وقف قدام الباب، لقى المسعف اللي جابها لسه واقف، وفي إيده تليفون ندى المحطم وعليه آثار الدم.
اللواء أحمد قرب من المسعف، أخد منه التليفون، وبص للبقع الحمراء اللي عليه، وسأل بصوت متحشرج:
— جوزها فين؟ كريم الشناوي فين؟
المسعف طأطأ راسه وقال بخوف:
— يا فندم، إحنا لما دخلنا الشقة كانت لوحدها تمامًا.. الشقة كانت مقفولة وهي كانت زاحفة لحد الباب، ومكنش معاها أي حد.
الكلمة نزلت على اللواء أحمد كأنها طلقة. بنته.. محاميته الناجحة، الطفلة اللي كبرها على الغالي، تتساب بتموت في بركة دم لوحدها عشان جوزها يروح حفلة؟ مسك تليفونه وطلب رقم كريم.
في القاعة، التليفون رن في جيب كريم.. شاف اسم “حمايا اللواء أحمد”.. كريم حس بقرصة في قلبه، وطلع برة القاعة بسرعة ورد بصوت مهذب:
— أيوة يا سيادة اللواء.. مساء الخير.
صوت اللواء أحمد كان هادي.. هدوء ما قبل العاصفة الـمُدمرة:
— إنت فين يا كريم؟
كريم ارتبك وقال:
— أنا.. أنا في مشوار تبع الشغل بسرعة كدة وراجع البيت عل طول.. ندى كويسة؟
اللواء أحمد قفل الخط من غير ما يرد. وبص للحرس بتوعه وقال بلهجة حاسمة: “هاتولي كريم الشناوي من تحت الأرض.. دلوقتي حالا”.
جوة أوضة العمليات، كانت المعركة حامية. الدكتورة دينا فؤاد عرقت وهي بتحاول توقف النزيف، والطفل اتولد.. صرخة ضعيفة جدًا طلعت منه، والممرضة جرت بيه على حضانة الأطفال المبتسرين لأن حالته كانت غير مستقرة بسبب نقص الأكسجين. لكن المشكلة الأكبر كانت في ندى.. قلبها وقف لمدة دقيقة كاملة.
الدكتورة بدأت تعمل إنعاش قلبي رئوي يدوي: “واحد.. اتنين.. تلاتة.. اضربي الصدمات الكهربائية بسرعة!”.
اللواء أحمد من برة كان سامع صوت الأجهزة وهي بتصفر صفرة مستمرة.. صفرة توقف القلب. حط راسه على الحيطة ودموعه نزلت لأول مرة من سنين، ودعى ربنا: “يارب.. خد من عمري واديها.. مليش غيرها يا رب”.
بعد نص ساعة من الرعب، طلعت الدكتورة دينا ووشها شاحب. اللواء أحمد جرى عليها:
— بنتي يا دينا؟ بنتي جرى لها إيه؟
الدكتورة دينا تنهدت وقالت:
— الحمد لله.. رجعنا النبض، ودخلت في غيبوبة مؤقتة بسبب نقص الدم الحاد.. الطفل حاليًا في الحضانة تحت الملاحظة، بس الوضع لسه حرج جدًا يا فندم.. الساعات الـ 48 اللي جايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.
مرت الليلة، وكريم رجع البيت الفجر بعد ما الحفلة خلصت. دخل الشقة، لقى النور منور، وبص على الأرض.. اتصدم لما شاف بقع الدم الناشفة على السيراميك، وإزاز الكباية المكسور، وأثر زحف ندى لحد الباب. كريم ركبه سابت.. تليفونه رن، كان رقم غريب.. رد بسرعة وصوته بيرتعش:
— أيوة.. مين؟
جاء صوت راجل ناشف:
— كريم الشناوي؟ ابنك في حضانة مستشفى الدمرداش.. ومرتك بين الحيا والموت. لو راجل فكر تقرب من المستشفى. وقفل الخط.
كريم جاله هبوط، قعد على الكرسي ومش مستوعب حجم الكارثة اللي عملها.. الخوف تملكه، وخاف يروح المستشفى يواجه اللواء أحمد. فضل مستخبي في شقة أمه لمدة يومين.. يومين كاملين وتليفونه مقفول، وأمه تقوله: “يا بني سيبك منهم، تلاقيهم بيمثلوا عشان يلووا دراعك.. بكره ترجع زاحفة”.
بعد يومين.. يومين بالتمام والكمال، كريم حس إن الأمور ممكن تكون هديت، أو إن ندى قامت بالسلامة وهيعرف يتصرف. لبس هدومه ونزل وهو ناوي يروح المستشفى ياخد ابنه ويمشي، أو يروح شقته في مدينة نصر الأول يشوف الوضع.
أول ما وصل قدام عمارته في مدينة نصر.. العربية بتاعته وقفت فجأة.
كريم فتح عينه على آخرهم، والدم هرب من وشه.
قدام مدخل العمارة.. كانت واقفة عربيتين جيب عسكريين باللون الزيتي، وعدد من جنود وضباط القوات المسلحة واقفين بسلاحهم الميري، ومطوقين المدخل تمامًا، والناس في الشارع واقفة بتتفرج في رعب وزهول.
كريم نزل من عربيته ورجليه بتخبط في بعضها، وبدأ يقرب بخطوات مرعوبة.. أول ما العساكر شافوه، الظابط الكبير شاور عليه وقال بنبرة هزت الشارع كله:
— هو ده.. اقبضوا عليه!
عيد ميلاد ٢
رومانى مكرم
في ثوانٍ معدودة، كان كريم متثبت مكانه، دراعاته ملوية ورا ضهره، وكلبش حديد بارد بيقفل على معصمه بعنف. حاول يصرخ، صوته طلع مخنوق ومرعوب وسط نظرات سكان العمارة والمنطقة اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليه بذهول:
— في إيه؟ إنتوا واخديني على فين؟ أنا معملتش حاجة! أنا رايح المستشفى لمراتي وابني!
الضابط ما ردش عليه بكلمة واحدة، وبإشارة حاسمة من إيده، العساكر زقوا كريم جوة ظهر العربية الجيب العسكرية، وقفلت الأبواب وراهم بقوة سدت النور عن عينه. العربية مشيت بأقصى سرعة، وجواها كريم كان بيترعش بالكامل، عرق الخوف مغرقه، والندم والعبث اللي عمله بدأ يظهر قدام عينه زي شريط سينما.. افتكر ضحكته الباردة وهي بتقع على الإزاز، وافتكر جملة أمه: “بيمثلوا عشان يلووا دراعك”.
بعد مسافة سكة مكنش عارف هي قد إيه، العربية وقفت. الباب اتفتح، وزقوه برة لقى نفسه في ممر طويل ونظيف جدًا، في نهايته باب خشبي ضخم. العساكر مشيوا بيه لحد الباب، والضابط خبط ودخل، وزق كريم جوة.
كريم رفع عينه.. الأوضة كانت مكتب فخم وهادي، وفي آخر المكتب كان واقف اللواء أحمد عبد الرحمن ببدلته العسكرية كاملة، مدي ضهره للباب وبيبص من الشباك الكبير على الجنينة برة. هدوء المكتب كان مرعب أكتر من صوت السلاح.
الضابط أدى التحية العسكرية وقال:
— تمام يا فندم، المتهم كريم الشناوي موجود.
اللواء أحمد ما لفش وشه، شاور بإيده للضابط:
— اتفضل إنت يا ابني، وسيبنا لوحدنا.
الباب اتقفل، وفضل كريم واقف، الكلبش في إيده، ورجليه مش شايلينه. قال بصوت منهار وبيترعش:
— سيادة اللواء.. أنا.. أنا والله ما كان قصدي.. أنا افتكرتها تعب عمالي زي كل مرة.. أنا كنت في مشوار ضروري وجيت عل طول.. ندى عامله إيه؟ وابني فين؟
اللواء أحمد لف ببطء شديد. وشه كان زي الصخر، مفيش فيه أي تعبير، لكن عينيه كان فيها نظرة تذبح. مشي بخطوات بطيئة ووقورة لحد ما وقف قدام كريم مباشرة، المسافة بينهم مكنتش تكمل نص متر. بص في عين كريم وقال بنبرة واضحة، حادة، وكل كلمة فيها بتنزل زي المطرقة:
— ندى في غيبوبة.. بقالها 48 ساعة على الأجهزة، بين الحياة والموت.. والدكاترة مش عارفين هتقوم منها ولا المخ اتأثر بنقص الأكسجين والدم. وابنك.. ابنك نزل برئة مش مكتملة، وقاعد في الحضانة تحت خراطيم الأجهزة عشان يتنفس.. ده كله وإنت فين؟ وإنت نايم في حضن أمك بتدارى زي الفأر بقالك يومين وتليفونك مقفول!
كريم نزلت دموعه وبدأ يبرر وهو بينهار:
— أنا خفت.. خفت من حضرتك.. والدم في الشقة رعبني.. أنا والله بحب ندى ومستعد أعمل أي حاجة.. أرجوك يا سيادة اللواء..
قبل ما يكمل كلمته، اللواء أحمد رفع إيده وبمنتهى القوة ضربه قلم على وشه هز كيانه كله، القلم سمّع في الأوضة الواسعة. كريم اترمى لورا وسند على الحيطة وهو بيبكي بنشيج مكتوم.
اللواء أحمد صوته علي لأول مرة، وبان فيه وجع الأب المكسور على بنته الوحيدة:
— حب؟ إنت تعرف إيه عن الحب يا دكر؟ الست اللي تتوجع وتموت في مطبخها وتسيب وراها أثر دم وهي بتزحف عشان تحمي ابنك، وإنت خارج متشيك وحاطط برفانك عشان رايح حفلة؟ بنتي أنا.. اللي كانت رافضة تتجوز أي حد عشان تبني بيت وتعمل عيلة مع راجل يصونها، تتساب زي الكلب في شقة مقفولة؟
اللواء أحمد رجع لورا وقعد ورا مكتبه، أخد نفس طويل، ورجعت ملامحه للبرود القاتل تاني، وقال:
— إنت فاكرني جايبك هنا عشان أنتقم منك عسكريًا؟ ولا فاكر إني هقتلك؟ لاء يا كريم.. أنا راجل قانون قبل ما أكون راجل جيش. إنت جايبك هنا عشان ندى.. ندى وهي بتغيب عن الوعي، مأمنتش حد غيري، وقالت للمسعف “بابا هيعرف يتصرف”.. وأنا هعرف أتصرف يا كريم، بس بالقانون اللي مراتي وبنتي المحامية علموهوني.
اللواء أحمد فتح درج المكتب وطلع ملف وحطه قدامه:
— المحضر اللي معمولك دلوقتي في النيابة بتهمة الإهمال الجسيم المؤدي إلى خطر الموت، والامتناع عن مساعدة شخص في حالة خطر.. ده غير قضية جنائية تانية برفعها عليك حالًا بحق الجنين. إنت مش هتشوف الشارع يا كريم.. وكل دقيقة بنتي عاشتها في الرعب والوجع على بلاط المطبخ، هتدفع تمنها أيام وسنين جوة الزنزانة.
كريم صرخ وهو بيبوس إيد اللواء أحمد من بعيد:
— أبوس رجلك يا فندم بلاش مستقبلي.. بلاش السجن.. أنا هعيش تحت رجليها بس تقوم بالسلامة.
اللواء أحمد داس على جرس المكتب، الباب اتفتح ودخل الضابط ومعاه عسكريين. اللواء أحمد قال وهو مش بيبص لكريم أصلاً:
— خلوه يدوق حيطان الحجز لحد ما النيابة تطلبه الصبح.. ومش عايز اسمع صوته.
العساكر سحبوا كريم وهو بيصرخ ويبكي، ورجليه بتتسحل على الأرض.. في نفس اللحظة دي، في مستشفى الدمرداش، وتحديدًا في أوضة العناية المركزة.. الأجهزة الموصلة بجسم ندى بدأت تطلع أصوات غريبة، ومؤشر ضربات القلب بدأ يتحرك بشكل عشوائي وسريع.. الممرضة جرت على برة وهي بتصرخ: “دكتورة دينا.. الحقي حالة ندى عبد الرحمن.. الضغط بيقع والنبض بيضيع!”.
الجزء الرابع:
أصوات الأجهزة في أوضة العناية المركزة كانت زي ضربات طبول مرعبة. الدكتورة دينا فؤاد دخلت الأوضة بتجري، وراها طاقم التمريض بالكامل. مؤشر ضربات القلب على الشاشة كان بيترسم في خطوط عشوائية نازلة وطالعة بسرعة جنونية، والضغط وصل لـ 50 على 30.
— بسرعة! الدكتورة دينا صرخت وهي بتركب سماعة الطبيب على صدر ندى… “جهّزوا جهاز الصدمات الكهربائية (الدي سي) على 200 جول! مفيش وقت، البنت بتضيع مننا!”
الممرضة حطت الجل بسرعة على صدر ندى الشاحب، والدكتورة مسكت المقابض الحديدية وقالت بصوت قوي هز الأوضة: “ابعد عن السرير… اضرب!”
جسم ندى اتنفض لفوق ورجع نزل على السرير تاني كأنه جثة هامدة. الشاشة لسه بتصفر الصفرة المستمرة المرعبة.
— شحنة تانية على 300! صرخت دينا وعرقها بينزل بغزارة… “ابعد… اضرب!”
مرة تانية اتنفض الجسم، وفجأة، الخط المستقيم بدأ يتحرك ببطء… “طوط… طوط… طوط…” النبض رجع بس ضعيف جدًا. الدكتورة دينا سحبت نفسها لورا، ورفعت إيديها وهي بتنهج وقالت: “زودوا نسبة الأكسجين في جهاز التنفس الصناعي، وعلقوا كيس دم تاني فورا.. البنت دي متمسكة بالحياة عشان ابنها، مش لازم نسيبها”.
في نفس اللحظة، في مبنى حجز قسم الشرطة، كان كريم الشناوي مرمي في ركن ضلمة. هدومه الكحلي اللي كان بيظبطها قدام المراية اتبهدلت، وبرفانه غطت عليه ريحة الحجز القاسية. كان قاعد ضامم ركبه لتربيعة صدره، والكلبش لسه معلم في إيده. المساجين اللي معاه في الحجز كانوا بيبصوا له بنظرات استحقار بعد ما عرفوا قضيته من أمين الشرطة؛ لأن حتى في عالم المجرمين، الست اللي بتنزف وبتولد ليها حرمة.
واحد من المسجونين، راجل عجوز ووشه مليان جروح، تف على الأرض وبص لكريم وقال بنبرة قرف:
— بقى في دكر يسيب مراته بتموت في دمها ورايح يهيص في عيد ميلاد؟ ده إنت لو وقعت في إيد أبوها اللواء برة، مش هيخلي فيك حتة سليمة.. ادعى ربنا البنت تقوم، لأنها لو جرى لها حاجة، إنت هتدفن هنا.
كريم حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بهيستريا. لأول مرة يحس بالندم الحقيقي، مش عشان ندى، لكن عشان نفسه ومستقبله اللي ضاع في لحظة طيش وأنانية. تذكر شكل شقته، والدم اللي كان مالي المطبخ، وصوت الباب وهو بيقفله بعنف.. كل حاجة كانت بتطارده في الضلمة.
تاني يوم الصبح، الشمس لسه بتطلع، كانت عربية ترحيلات تابعة للنيابة واقفة قدام القسم. العساكر سحبوا كريم وهو دايخ ومش قادر يقف على رجليه، وركبوه العربية عشان يتعرض على وكيل النيابة.
وفي مكتب وكيل النيابة، المفاجأة الكبيرة كانت مستنياه.
كريم دخل والكلبش في إيده، لقى محامي واقف مستنيه، بس مش أي محامي.. ده كان الأستاذ رفعت، أكبر محامي جنايات في مصر، وصديق مقرب للواء أحمد. وجنب المكتب، كانت قاعدة الحاجة سهير، أم كريم، وشها كان مقلوب باكي وفستانها الدهبي اتبدل بعباية سودا، وأول ما شافت ابنها صرخت:
— يا حبيبي يا كريم! عملوا فيك إيه يا ابني؟ بقى الحتة المحامية دي تحبسك وتعمل فينا كدة؟
وكيل النيابة خبط على المكتب بعنف:
— اسمعي يا مدام! إحنا في جهة تحقيق، كلمة تانية وهعملك محضر تشويش وإهانة للمحكمة وتتحبسي جنب ابنك!
الست اتكتمت وخافت وقعدت تعيط في صمت. وكيل النيابة بص لكريم وقال بلهجة حاسمة:
— اسمك وسنك ووظيفتك.. وإنت متهم بالامتناع العمدي عن إغاثة شخص في حالة خطر داهم، والإهمال الجسيم الذي أدى إلى تدهور حالة المجني عليها ندى أحمد عبد الرحمن وجنينها. تهمتك جناية يا كريم، إيه قولك؟
كريم صوته كان طالع بالعافية:
— يا فندم أنا جوزها وبحبها، ومكنتش أعرف إن حالتها خطيرة كدة، أنا افتكرت انقباضات عادية.. وأمي كانت عاملة حفلة ومكنش ينفع ماسافرش معاها التجمع..
المحامي رفعت اتدخل وقدم حافظة مستندات لوكيل النيابة وقال بنبرة قانونية صارمة:
— سيادة الوكيل، معانا تقرير طبي صادر من الدكتورة المتابعة للحالة قبل الحادثة بأسبوع، ومثبت فيه إن المتهم استلم نسخة منه ومكتوب فيه نصًا (الحالة معرضة لتسمم حمل وانفصال مشيمة في أي لحظة ويحظر تركها بمفردها). يعني المتهم كان على علم كامل بالخطر، وتعمّد تركها قاصدًا إهمالها. وبناءً عليه، بنطلب توقيع أقصى عقوبة وحبسه على ذمة التحقيقات.
وكيل النيابة قرا الورق، وبص لكريم بنظرة كلها اشمئزاز، وقال:
— قررنا نحن وكيل النائب العام، حبس المتهم كريم الشناوي أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد في الميعاد القانوني، مع استعجال تقرير الطب الشرعي النهائي لحالة المجني عليها ندى عبد الرحمن. خده يا عسكري.
سهير صرخت: “ابني يا فندم! ابني هيضيع!”، لكن العسكري سحب كريم برة المكتب وسط صراخ أمه ودموعه اللي مابقتش تجيب ولا تودي.
بعد الظهر، في مستشفى الدمرداش، اللواء أحمد كان قاعد على الكرسي قدام زجاج الحضانة. جوة، كان الطفل الصغير، حته لحمة حمرا، متوصل بأنابيب وخراطيم في أنفه وصدره، وجهاز التنفس الصناعي بيتحرك بانتظام عشان يضخ الأكسجين لرئته الضعيفة. اللواء أحمد حط إيده على الزجاج، ودموعه نزلت وهو بيبص لحفيده: “هتقوم يا بطل.. هتقوم عشان أمك ملهاش غيرك.. وعشان أنا أعيش وأربيك”.
الدكتورة دينا فؤاد جت وقفت جنبه، وبصت للطفل وقالت:
— الحمد لله يا سيادة اللواء، المؤشرات الحيوية للبيبي بدأت تستقر، والرئة بدأت تستجيب للعلاج.. الولد عنيد وزي أمه، بيعافر.
اللواء أحمد لف ليها وسألها بلهفة:
— وندى؟ ندى عاملة إيه يا دينا؟ الغيبوبة لسه؟
الدكتورة دينا أخدت نفس طويل وقالت بصوت فيه أمل وخوف في نفس الوقت:
— إحنا شيلنا أجهزة الإنعاش وبدأنا نقلل المهدئات.. ندى حاليًا في مرحلة الإفاقة التدريجية.. المخ سليم والحمد لله النزيف وقف تمامًا.. بس الغريب يا فندم.. إن ندى من ساعة ما بدأت تفوق وهي بتردد اسم واحد بس.. ومش اسم كريم.
اللواء أحمد عقد حواجبه وسألها:
— اسم مين؟
وفي نفس اللحظة دي، جوة أوضة العناية المركزة، صوابع إيد ندى بدأت تتحرك ببطء فوق الملاية البيضا.. شفايفها الشاحبة بدأت تتحرك وصوتها طلع زي الهمس المخنوق:
— سيف… سيف… متسبنيش يا سيف…
عيد ميلاد ٣
رومانى مكرم
مر أسبوع كامل على الأحداث. أسبوع كانت جدران مستشفى الدمرداش فيه شاهدة على معركة صامتة وقاسية.
ندى بدأت تسترد وعيها بالكامل، ورغم ضعف جسمها وشحوب وشها، إلا أن نظرة عينيها كانت اتغيرت.. مابقاش فيها الخوف والانكسار اللي عاشت بيهم مع كريم، حل محلهم قوة غريبة، قوة أم حاربت الموت عشان ترجع لابنها.
اللواء أحمد كان قاعد جنب سريرها، ماسك إيديها وبيقرا لها قرآن بصوت واطي وخاشع. ندى فتحت عينيها وبصت لأبوها، وابتسامة ضعيفة اترسمت على شفايفها:
— بابا.. البيبي عامل إيه؟ شوفته؟
اللواء أحمد باس إيديها وطمنها بصوت حنين:
— شوفته يا قلب بابا.. بطل وزي أمه، الدكاترة شالوا من عليه خراطيم الأكسجين النهاردة، ورئته بقت تمام.. نقلوه أوضة الرعاية العادية، ويومين تلاتة كدة ويخرج في حضنك.
دموع الفرحة نزلت من عين ندى، وحاولت تتعدل في سريرها. اللواء أحمد سندها بالراحة، وبعدين سكت شوية، ملامحه وقرت وبص في عينيها مباشرة وقال بنبرة هادية بس فيها فضول الأب:
— ندى يا بنتي.. وأنتي في أصعب لحظات الإفاقة والغيبوبة، شفايفك مكنتش بتنطق غير اسم واحد.. كنتي بتنادي على “سيف”.. مين سيف يا ندى؟ وليه الاسم ده بالذات اللي كان حبل النجاة ليكي وأنتي بين الحياة والموت؟
ندى اتنهدت نفس طويل، وبصت للبعيد وكأنها بتسترجع ذكريات قديمة مدفونة، وقالت بصوت هادي:
— سيف المنشاوي يا بابا.. زميل دراستي في حقوق، وأول قصة حب في حياتي.. الشخص اللي كريم عمل كل المكايد عشان يبعده عني ويقنعني إنه سافر وسابني.. سيف اللي اكتشفت بعد جوازي بكام شهر إن كريم زور رسايل باسمه وهدده بنفوذ عيلته عشان يختفي من طريقي.. سيف كان الراجل اللي بجد يا بابا، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، وفي عز وجلوسي على بلاط المطبخ والدم حواليا، م جاش في بالي كريم.. جه في بالي سيف وهو بيقولي “أنا ضهرك وأمانك”.. حسيت روحي بتنده عليه.
اللواء أحمد سمع الكلام وعينيه وسعت بالدهشة، لكنه ضغط على إيد بنته وقال:
— كل شيء بأوان يا بنتي.. المهم دلوقتي صحتك، والماضي هنعرف نفتش فيه كويس.. بس الأول، لازم ننضف حياتنا من القذارة اللي كانت فيها.
في نفس الوقت، في قاعة تجديد الحبس بمحكمة مصر الجديدة، كان المشهد يقطع القلب.. بس لأي حد غير اللي يعرف حقيقة كريم.
كريم كان واقف في قفص الاتهام، دقنه نبتت وبقت سودا ومشوهة، هدومه بقت دبلانة وريحتها حجز، ووشه بقى خالي تمامًا من الكبرياء والغطرسة.
على الناحية التانية، كانت الحاجة سهير واقفة برا القفص، بتعيط وتندب حظها، وتزعق في المحامي رفعت اللي كان واقف بكل برود ووقار.
سهير صرخت في المحامي:
— يعني إيه التجديد 15 يوم كمان؟ إنتوا مش واخدين ملايين عشان تخرجوا ابني؟ كريم هيموت جوة! كريم مهندس محترم مش بتاع سجون!
المحامي رفعت بصلها ونزل نظارته الطبية وقال بنبرة قانونية حاسمة:
— يا مدام، ابنك متهم بجناية إهمال طبي جسيم وترك شخص في حالة خطر داهم أدى لشروع في قتل جنين وإصابة مستديمة للأم.. التقرير الطبي الشرعي المبدئي وصل النيابة النهاردة، ومكتوب فيه إن ندى عبد الرحمن جالها تهتك جزئي في جدار الرحم بسبب تأخر التدخل الجراحي والنزيف الحاد، وده ممكن يمنعها من الخلف تاني.. إنتي مستوعبة حجم الكارثة؟ المحكمة مش هترحم ابنك، والقاضي حالًا هيصدر قرار التجديد، والنيابة بتجهز لـ إحالته لمحكمة الجنايات محبوسًا!
كريم سمع كلمة “محكمة الجنايات” و”إصابة مستديمة”، ومسك في قضبان القفص الحديدية وبدأ يصرخ بهيستريا:
— لاء! أنا ماليش دعوة! أمي هي السبب! هي اللي قالت لي سيبها دي بتموت في الدلع عشان تبوظ الحفلة! أمي هي اللي كانت بتكرهها وعايزاني أكسر مناخيرها! يا سيادة القاضي أنا بريء.. أمي هي اللي دمرتني!
الحاجة سهير اتصدمت، لفت وشها لابنها وحطت إيدها على صدرها ومش مصدقة إن ابنها، حبيبها اللي ضيعت مراته عشان خاطره، بيبيعها في أول محطة عشان ينقذ نفسه:
— إنت بتقول إيه يا كريم؟ أنا السبب؟ ده أنا كنت بعمل كل ده عشانك وعشان أحافظ على برستيجك قدام الناس! بتبيع أمك يا كريم؟
العساكر جوة القاعة صرخوا: “بس يا متهم! هدوء في القاعة!”، ودخل الحاجب ونادى: “محكمة!”.
القاضي قعد على منصته، وبص في الأوراق، وبعدين بص لكريم الشناوي بنظرة كلها حزم وقرف، وقال كلمته اللي نزلت زي الصاعقة:
— بعد الاطلاع على الأوراق، وتقرير الطب الشرعي، وتوافر أركان الجريمة وثبوت علم المتهم بالخطر الداهم.. قررت المحكمة تجديد حبس المتهم كريم الشناوي خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، مع سرعة إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بدائرة قضايا أمن الدولة والطوارئ. رُفعت الجلسة!
صوت الشاكوش خبط على المنصة، ومع الخبطة دي كريم انهار تمامًا على أرضية القفص، وبدأ يلطم على وشه زي الحريم، والعساكر بيسحبوه لكلبش الترحيلات وهو بيصرخ باسم أمه اللي دارت وشها عنه وخرجت تجري من القاعة وهي بتعيط من قهرتها وصدمتها في ابن عمرها.
بعد يومين، ندى كانت واقفه قدام مراية أوضتها في المستشفى، لابسة هدوم خروج واسعة ومبتسمة.. دخل اللواء أحمد وهو شايل في إيده “البيبي”، الولد الصغير اللي بقى زي القمر، وعينيه واسعة وذكية. ندى أخدته في حضنها، وشمّت ريحته، ودموعها نزلت من الفرحة.. خلاص، كابوس كريم انتهى، وابنها في حضنها.
اللواء أحمد بص لندى وقال بابتسامة فيها سر كبير:
— ندى.. في حد برة مستأذن يدخل يشوفك ويطمن عليكي.. وأنا الصراحة مقتنع إن وجوده مهم ليكوا إنتوا الاتنين دلوقتي.
ندى عقدت حواجبها باستغراب:
— مين يا بابا؟ الدكتورة دينا؟
اللواء أحمد ما ردش، فتح الباب وشاور للشخص اللي واقف برة..
دخل شاب طويل، أسمر، ملامحه رجولية وجادة، ولابس بدلة أنيقة.. أول ما ندى شافت وشه، قلبها دق بسرعة جنونية، وعينيها وسعت من الصدمة، والموبايل اللي كان في إيدها وقع تاني على الأرض.. بس المرة دي مش من الوجع، المرة دي من المفاجأة.
كان سيف المنشاوي.. واقف قدامها بشحمه ولحمه، وعينيه مليانة دموع ولهفة! ملحوظه مهمه لو عاوزه القصص كامله بدون مقاطعه اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم
الجزء السابع:
سيف كان واقف عند باب الأوضة، عينه منزلتش من على ندى. ملامحه اللي كانت دايماً قوية وجادة، دلوقتي كانت مهزوزة ومليانة مشاعر مكبوتة بقالها سنين. ندى كانت بتبص له وهي مش مصدقة، حاسة إنها في حلم أو إن الغيبوبة لسه مأثرة على مخها. حضنت ابنها أكتر كأنها بتستمد منه القوة عشان تتأكد إنها صاحية.
سيف أخد خطوة واحدة لجوة الأوضة، صوته طلع دافي ومتحشرج:
— حمد الله على سلامتك يا ندى.. كدة تخضيني عليكي؟
ندى دموعها نزلت من غير ما تحس، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان واقف مبتسم بهدوء، وبعدين رجعت بصت لسيف وقالت بصوت يادوب مسموع:
— سيف؟ إنت بجد هنا؟ أنا مش بحلم؟ إنت سافرت وسبتني.. كريم قالي إنك..
سيف قاطعها بسرعة وهو بيقرب من السرير، وعينيه لمعت بالندم والغضب:
— كريم كداب يا ندى.. كريم وعيلته عملوا عليا فخ مطلعش منه غير وأنا برة البلد وممنوع أدخلها. زوروا قضايا وشغلوا نفوذهم عشان يهددوا أبويا الله يرحمه في لقمة عيشه وصحته. أنا مسافرتش بإرادتي، أنا اتهجرت من حياتي ومنك.. وكنت فاكر إنك بقيتي مبسوطة وعايشة حياتك، لحد ما سيادة اللواء كلمني من يومين وحكالي على كل حاجة.
اللواء أحمد حط إيده على كتف سيف وبص لندى:
— سيف مسبكيش يا ندى. سيف لما عرف باللي حصل، ساب كل شغله في دبي ونزل على أول طيارة. الراجل بيبان في الشدائد يا بنتي.. وكريم الشناوي كان لازم يتعرى قدامنا كلنا عشان الحقيقة تظهر. أنا هسيبكم دلوقتي تتكلموا، وعندي مشوار مهم في النيابة لازم أخلصه.
اللواء أحمد خرج وقفل الباب وراه، وساد الهدوء في الأوضة. سيف قعد على الكرسي اللي جنب السرير، عينه راحت للطفل الصغير اللي في حضن ندى، وابتسم بحنان:
— ما شاء الله.. شبهك جدًا يا ندى. مسميتيهوش إيه؟
ندى مسحت دموعها وابتسمت وسط دموعها:
— لسه مسميتهوش.. كنت مستنية أقوم بالسلامة. بس شكلي هسميه “أحمد” على اسم بابا.. هو اللي أنقذ حياتنا.
سيف هز راسه بالموافقة:
— عاشت الأسامي.. يتربى في عزك وعز سيادة اللواء. ندى.. أنا مش جاي عشان أفرض نفسي على حياتك دلوقتي، أنا عارف إنك خارجة من كارثة. أنا بس جاي أقولك إن الضهر اللي كريم هدهولك، أنا موجود عشان أبنيه من تاني.. ومش هتحرك من مصر غير وأنا مطمن إن حقك رجع بالكامل، وإنك بقيتي في أمان.
في نفس الوقت، في مكان تاني تمامًا.. وتحديدًا في سجن طره.
كريم الشناوي كان قاعد في زنزانة الترحيلات وسط المجرمين والمسجلين خطر. شكله بقى يصعب على الكافر؛ وشه متبهدل، ودقنه كبرت، وعينيه بقت حمرة من قلة النوم والخوف.
دخل السجان وخبط على الحديد بصوت عالي:
— المتهم كريم الشناوي! عندك زيارة.. اخلص.
كريم قام بيجري كأنه غريق وشاف قارب نجاة. افتكر إن أمه جابت واسطة كبيرة عشان تخرجه، أو إن المحامين لقوا ثغرة في القضية. خرج بسرعة وراه العسكري لحد أوضة الزيارة اللي يفصلها سلك حديد ضخم.
أول ما دخل، لقى اللي قاعدة مستنياه مش أمه.. دي كانت الدكتورة دينا فؤاد، وبجوارها الأستاذ رفعت محامي اللواء أحمد، ومعاهم ضابط تنفيذ أحكام.
كريم اتصدم ورجع لورا:
— إنتي؟ جاية ليه؟ فين أمي؟ فين المحامين بتوعي؟
الدكتورة دينا بصت له بنظرة احتقار شديدة، وطلعت من شنطتها ورق وحطته على السلك:
— مفيش أم ومفيش محامين يا كريم. أنا جاية هنا بصفتي الطبيبة اللي كانت متابعة حالة ندى، وبصفتي شاهدة إثبات رئيسية في القضية الجنائية اللي مرفوعة عليك. أنا جيت أقولك إن شهادتي في النيابة النهاردة اتقفلت.. وأنا قدمت كل الرسايل والتحذيرات اللي بعتهالك على تليفونك، وقدمت تقرير الطوارئ اللي بيثبت إنك كنت قاصد تسيبها تموت.
المحامي رفعت اتدخل بصوت جهوري وهادي:
— ومش بس كدة يا باشمهندس.. أنا جاي أسلمك الإعلان ده بصفتي وكيل عن الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن.. قضية خلع وتنازل عن الولاية التعليمية والوصاية على الطفل، مع حرمانك من الرؤية لحين صدور حكم نهائي في قضية الشروع في القتل والإهمال. إنت انتهيت يا كريم.. رسميًا وقانونيًا.
كريم بدأ يضرب على السلك الحديدي بهيستريا ويصرخ:
— مش هطلق! مش هسيبها تاخد ابني! دي مراتي! أنا معملتش حاجة.. أمي هي اللي قالتلي! روحوا قبضوا على أمي!
الضابط اللي واقف جنب المحامي قاله ببرود:
— والدتك الحاجة سهير متقدم فيها بلاغ حاليًا بالتحريض والمشاركة في جريمة تعريض حياة مواطنة وجنينها للخطر، وقوة من مباحث مدينة نصر رايحة تفتش شقتها دلوقتي عشان تطلبها للتحقيق.. يعني مفيش حد برة هيشيلك يا كريم، إنتوا الاتنين هتحصلوا بعض جوة.
كريم ركبه سابت تماماً واقعد على الأرض جوة القفص وهو بيصرخ ويبكي، والعساكر سحبوه لداخل الزنزانة وصوت صريخه مالي الممرات.
بعد يومين.. ندى خرجت من المستشفى أخيرًا.
العربية وقفت قدام فيلا اللواء أحمد في التجمع الخامس.. المكان اللي هتبدأ فيه حياتها الجديدة. سيف كان هو اللي سايق العربية، ونزل بسرعة فتح الباب لندى، وشال عنها الشنط وهو بيطمن عليها في كل خطوة.
ندى دخلت الفيلا وهي شايلا ابنها “أحمد”، وحست لأول مرة بنسمة هوا نضيفة تدخل صدرها بعد سنين من الخنق والتحكم والإهانة.
اللواء أحمد جمعهم كلهم في صالون الفيلا، وبص لسيف وندى وقال بنبرة حاسمة:
— القضية هتنزل أول جلسة جنايات الأسبوع الجاي.. وكريم وأمه هيتحاكموا محاكمة عادلة وهياخدوا جزاءهم. بس أنا عايز يقين نفسي لبنتي.. عايزها تبدأ حياتها وهي عارفة إن اللي جاي ملوش علاقة باللي فات.
سيف بص لندى وقال وعينيه مليانة صدق:
— وأنا مستعد أستنى العمر كله يا سيادة اللواء.. المهم ندى ترجع تقف على رجليها وتفتح مكتبها من تاني.. وأنا هكون أول واحد واقف في ضهرها.
ندى بصت لسيف، ولأول مرة تحس إن قلبها بيطمن بجد، وإن الوجع اللي عاشته على بلاط المطبخ كان هو التمن الباهظ عشان تخرج من سجن كريم وترجع لحضن الأمان.
لكن.. في نفس اللحظة دي، وتحديدًا في شقة الحاجة سهير في مدينة نصر..
القوة الأمنية كانت واقفة قدام الباب المقفول، والضابط بيخبط بعنف: “افتحي يا مدام سهير.. معاكي أمر ضبط وإحضار من النيابة!”.
جوة الشقة.. كانت الحاجة سهير قاعدة في الضلمة، وشها شاحب كأنه جثة، وفي إيدها تليفونها وبتبص على صور ابنها كريم وهي بتترعش. فجأة، سمعت صوت كسر الباب الخارجي ودخول العساكر.. الست قامت مفزوعة، وبصت من شباك البلكونة لقت عربيات الشرطة مالية الشارع والناس بتبص لفوق.
سهير مسكت قلبها وحست بوجع رهيب، نفس الوجع اللي ندى حست بيه وهي في المطبخ.. وجع غريب ومفاجئ، ووقعت على سجادة الصالون وهي مش قادرة تاخد نفسها، وعينيها بتلف في الأوضة الفاضية.. وهي بتهمس باسم ابنها اللي ضيعته وضيعها معاها.
عيد ميلاد ٤
حكايات رومانى مكرم
الجزء الثامن:
العساكر كسروا باب الشقة ودخلوا والأسلحة في إيديهم، لكن أول ما الضابط خطى جوة الصالون، وقف مكانه واتصدم. الحاجة سهير كانت مرمية على السجادة، إيدها قابضة على صدرها بعنف، وتليفونها اللي عليه صورة كريم واقِع جنب راسها. وشها كان أزرق وعينيها مفتوحة على الآخر وبتبص للسقف بذهول، والنفس خارج منها بصعوبة وزي الحشرجة.
الضابط وطى عليها بسرعة، حط صوابعه على رقبتها يشوف النبض، وصرخ في العساكر:
— اطلبوا الإسعاف فورًا! الست دي بتجي لها جلطة في القلب!
المشهد كان فيه عدالة إلهية غريبة ومخيفة؛ الست اللي سابت ندى تنزف وتموت لوحدها عشان “برستيج” حفلتها، كانت دلوقتي بتموت لوحدها في شقتها، والشرطة اللي جاية تقبض عليها هي اللي بتحاول تنقذها. عربية الإسعاف جت وشالتها ونقلوها على مستشفى عين شمس التخصصي تحت حراسة مشددة. الدكاترة دخلوا بيها على الرعاية المركزة، والتقرير المبدئي قال: “احتشاء حاد في عضلة القلب (جلطة) نتيجة ضغط عصبي شديد، والحالة غير مستقرة”.
في نفس الوقت، وتحديدًا بعد مرور أسبوع، كانت محكمة جنايات القاهرة في التجمع الخامس مقلوبة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها بالصحفيين والمحامين، لأن القضية بقت قضية رأي عام، والكل بيتكلم عن “مهندس مدينة نصر اللي ساب مراته الحامل بنزيف عشان يحضر عيد ميلاد أمه”.
كريم الشناوي دخل القفص الحديدي، وكان في حالة يرثى لها. شعره المحلوق ميري، وجسمه اللي خس النص، والكلبش اللي رابط إيده بإيد عسكري الحراسة. كان بيبص حواليه برعب، لحد ما عينه جت على المقاعد الأمامية في القاعة.
هناك.. كانت قاعدة ندى عبد الرحمن.
لابسة فستان أسود أنيق، ووشها رجع له النور والصحة، وجنبها كان واقف سيف المنشاوي ببدلته، واللواء أحمد عبد الرحمن قاعد بهيبته ووقاره في أول صف. ندى بصت لكريم نظرة واحدة.. مكنش فيها غل ولا انتقام، كانت نظرة “قرف وشفقة”، كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة في حياتها. كريم أول ما شافها، دموعه نزلت وصاح من ورا القضبان بصوت مكسور:
— ندى! سامحيني يا ندى! أنا اتدمرت جوه.. أبوس إيدك تنازلي عن القضية.. أنا ابننا محتاجني!
ندى لفت وشها الناحية التانية ببرود تام، وسيف حط إيده على كتفها عشان يطمنها ويثبتها.
“محكمة!”.. صرخ الحاجب، والكل وقف في ثانية. دخل المستشار رئيس المحكمة ووعلى يمينه ويساره اليمين واليسار من القضاة الأجلاء.
بدأت الجلسة، ووقف الأستاذ رفعت، محامي ندى، وفجر مفاجأة قانونية جديدة هزت القاعة. وقف قدام المنصة وقال بصوت جهوري:
— سيادة الرئيس، نحن لا نطالب فقط بتطبيق مواد قانون العقوبات الخاصة بالامتناع عن الإغاثة والإهمال، بل نطالب بتعديل القيد والوصف في القضية إلى “جناية الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار”! المتهم كان يعلم يقينًا خطورة حالة المجني عليها، وباعترافه في تحقيقات النيابة، قال إنه أراد “تأديبها” لأنها أرادت إفساد حفل والدته.. والتأديب بترك امرأة تنزف حتى الموت هو شروع في قتل صريح!
قاعة المحكمة ضجت بالهمسات، وكريم بدأ يصرخ ويبكي:
— لاء يا فندم! أنا مكنتش عايز أموتها! أنا بس سبتها كام ساعة!
القاضي خبط بالشاكوش بعنف:
— سكوت في القاعة! المتهم يتكتم خالص وإلا هحكم عليه بطرد من القلسة بتهمة إهانة الهيئة!
في نفس الجلسة، اتطلب شهادة الدكتورة دينا فؤاد، اللي وقفت وقالت بكل أمانة طبية إن التأخير لو كان زاد عن 10 دقائق كمان، كانت ندى وابنها هيبقوا في عداد الأموات، وإن الرحم بتاع ندى اتهتك بالكامل. المستشار رفع عينيه وبص لكريم وقال له:
— لسه متمسك بأقوالك يا متهم؟
كريم انهار تمامًا وقعد على ركبته في أرضية القفص وهو مخبي وشه بين إيديه ومش بيرد.
بعد ساعات من المداولة الساخنة، القاضي رفع الجلسة للقرار. وفي الاستراحة، سيف قرب من ندى وقال لها بحنان:
— خلاص يا ندى.. كابوسك بيقفل بابه الأخير النهاردة. حقك وحق ابنك بيرجع قدام عيون مصر كلها.
ندى أخدت نفس عميق وقالت:
— أنا مش فارق معايا هو هياخد كام سنة يا سيف.. أنا اللي فارق معايا إن ابني أحمد يكبر وهو عارف إن أبوه الحقيقي مش الراجل اللي في القفص ده.. أبوه هو اللي صان أمه ووقف جنبها.
سيف بص في عينيها وقال بنبرة مليانة وعد:
— وأنا هكون له الأب والظهر يا ندى.. من بكره مكتب المحاماة بتاعك هيتفتح من تاني، وأنا هكون أول شريك ليكي في كل خطوة.
رجع القاضي للمنصة، وساد صمت رهيب في القاعة لدرجة إن صوت أنفاس كريم المكتومة كان مسموع. القاضي مسك ورق الحكم، ونظارته على طرف مناخيره، وقرأ بصوت هز جدران المحكمة:
— بعد الاطلاع على المواد القانونية، وبناءً على ما استقر في يقين المحكمة وثبوت الأركان الجنائية وبشاعة الجرم الذي يتنافى مع كل القيم الإنسانية والدينية.. حكمت المحكمة حضوريًا على المتهم كريم الشناوي بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات.. غيابيًا على المتهمة سهير الشناوي بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات بتهمة التحريض والمساعدة.. مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة. رُفعت الجلسة!
خبطة الشاكوش الأخيرة كانت بمثابة إعلان وفاة لكريم، اللي صرخ صرخة مرعبة واغمى عليه جوه القفص، والعساكر سحبوه كأنه جثة هامدة لزنزانة الترحيلات ومنها لسجن ليمان طره عشان يقضي عقوبته.
خرجت ندى من المحكمة وهي ماسكة في إيد أبوها اللواء أحمد، وإيد سيف الناحية التانية. الشمس كانت حامية، لكن ندى حست إن الهوا النهاردة طعمه مختلف.. خلاص، العدالة اتحققت.
بعد يومين.. ندى كانت قاعدة في صالون فيلا أبوها، بتلاعب ابنها أحمد اللي بدأ يكبر وصحته بقت ممتازة. التليفون رن، لقت المتصل المستشفى التخصصي. ردت، وجاء صوت الطبيب المعالج للحاجة سهير:
— أيوة يا فندم.. الأستاذة ندى؟ إحنا بنبلغ حضرتك إن المريضة سهير الشناوي فاقت من الغيبوبة بعد جلطة القلب.. وحالتها شبه مستقرة، لكن الجلطة سابت أثر.. جالها شلل نصفي كامل وفقدت القدرة على النطق.. وهي حاليًا بتشاور بـ إيدها وعايزة تشوفك أنتي وابن كريم.. تحبي تيجي؟
ندى مسكت التليفون، وبصت لابنها الصغير اللي بيضحك في حضنها، وبصت لسيف اللي كان لسه داخل من الباب ومعاه ورد وشنطة أوراق قضية جديدة بيجهزوها سوا..
ندى سكتت ثواني، وأخدت قرارها اللي هيغير مسار الحكاية كلها..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم للقصص الكامله
الجزء التاسع (وقبل الأخير):
ندى فضلت ماسكة التليفون، وصوت الدكتور على الناحية التانية مستني ردها. بصت لسيف اللي كان داخل بابتسامته الدفية وفي إيده الورد، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان بيراقبها بنظراته الحكيمة الوعية.
أخدت نفس طويل، وقالت للدكتور بنبرة هادية بس حاسمة:
— لاء يا دكتور.. مش هاجي، والبيبي مش هيشوفها. أنا مش شمتانة في مرضها، ربنا يتولاها ويسامحها.. بس الست دي وابنها خرجوا من حياتي وحياة ابني بلا رجعة. اللي يفرط في روح طفل وفي حياة بني آدم عشان كبريائه، ملوش مكان في دنيتنا. شكرًا لحضرتك.
قفلت ندى الخط، وحست بوزن جبل عتيق بيتشال من فوق صدرها. سيف قرب منها، حط الورد على الترابيزة وقعد جنبها، وبص للبيبي أحمد اللي كان بيناغي وبيتحرك بخفة:
— في حاجة حصلت يا ندى؟
ندى ابتسمت وبصت في عين سيف:
— كابوس الماضي اتقفل بضبت ومفتاح يا سيف.. دلوقتي وبس، أنا بقيت جاهزة للمستقبل.
بعد مرور شهرين.. الأوضاع اتغيرت تمامًا.
في سجن ليمان طره، كان كريم الشناوي لابس البدلة الزرقا، قاعد في ورشة السجن وشه باهت وعينيه مطفية. المهندس اللي كان بيتقال له “يا باشمهندس” وبيتمنظر ببدله وعربياته، بقى مجرد نمرة في دفتر السجن. الأيام بتعدي عليه كأنها سنين، وكل ليلة لما النور يطفي، بيسمع في ودنه صوت كسر الكباية وصراخ ندى وهي بتقول له: “أنا بموت من الوجع”.. والندم بياكل في قلبه، بس ندم بعد فوات الأوان. وأمه، الحاجة سهير، اتنقلت لدار رعاية تابعة للمستشفى تحت حراسة عسكرية، عايشة على الأجهزة، مشلولة ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بتدوق من نفس كاس الوحدة والعجز اللي سابت ندى فيه.
في نفس الوقت، كان شارع شريف في وسط البلد منور. يافطة نحاسية ضخمة وجميلة كانت بتتعلق على باب عمارة عريقة، مكتوب عليها بماء الذهب:
**”مكتب الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن والأستاذ سيف المنشاوي — للمحاماة والاستشارات القانونية”**
المكتب كان مليان ورد، والمهنئين من رجال القانون والمحامين وأصدقاء العمر مالين المكان. ندى كانت واقفة في وسط المكتب ببدلة عمل أنيقة، ملامحها قوية وواثقة، وجنبها سيف اللي كان بيبص لها بفخر مش سايعه.. سيف رجع فتح مكتبه في مصر، وقرر يدمج شغله مع شغل ندى عشان يكونوا إيد واحدة في كل قضية.
اللواء أحمد دخل المكتب، وشايل على إيده أحمد الصغير اللي بقى عنده حوالي تلات شهور، ولابس بدلة صغننة شبه بدل جده.
اللواء أحمد بابتسامة وقورة قال:
— مبروك يا سيادة المستشارة.. مبروك يا سيف يا ابني. المحكمة دي مكانك الطبيعي يا ندى، وإنتي اتخلقتي عشان تجيب حوق الناس.. والنهاردة حقك وحق ابنك هو أول قضية كسبتيها في حياتك الجديدة.
ندى باست إيد أبوها، وأخدت منه أحمد اللي أول ما شاف أمه ضحك ضحكة منورة ملأت الأوضة طاقة وأمل. سيف قرب منهم، وبص لندى وقال بصوت واطي مليان مشاعر وعود صادقة:
— ندى.. أنا استنيت سنين، وعديت بحور عشان اللحظة دي. أنا مش عايز أضيع ثانية واحدة تانية من عمري بعيد عنك وعن أحمد.. سيادة اللواء عارف بكل كلمة هقولها دلوقتي، وأنا بطلب إيدك قدام ربنا وقدام أبوكي.. تقبلي تتجوزيني يا ندى؟ وتقبلي تخليني أكمل عمري ضهر وأمان ليكي ولابننا؟
الكل سكت في المكتب، والعيون كلها اتجهت لندى اللي قلبها كان بيدق بسرعة.. بس المرة دي دقات فرحة، دقات حياة جديدة بتولد من وسط الرماد. بصت لأبوها اللي هز راسه بالموافقة والارتياح، وبصت لسيف اللي عينيه كانت مليانة صدق وأمان ملمستهوش مع حد تاني.
ندى ابتسمت والدموع لمعت في عينيها وقالت:
— موافقة يا سيف.. موافقة أبدأ معاك من جديد.
الفرحة ملأت المكان، والزغاريد اشتغلت من سكرتارية المكتب، والكل كان بيبارك ويهني.. لكن وسط الفرحة دي كلها، وتحديدًا بعد الجواز بأسبوع واحد وبداية الاستقرار..
ندى كانت قاعدة في مكتبها بالليل، بتراجع أوراق قضية جنائية كبيرة، وسيف كان في الأوضة التانية بيجهز مذكرات الدفاع. فجأة، تليفون ندى الشخصي رن.. الرقم كان غريب ومش مسجل، ومكتوب عليه “اتصال دولي من خارج مصر”.
ندى استغربت وفتحت الخط:
— ألو.. السلام عليكم.. مين معايا؟
جاء صوت راجل غريب، نبرته حادة وفيه بحة مرعبة، وقال بجملة واحدة جمدت الدم في عروق ندى:
— الأستاذة ندى عبد الرحمن؟ مبروك عليكي المكتب الجديد والجوازة الجديدة.. بس افتكري إن كريم الشناوي ليه إخوات من أبوه عايشين بره مصر.. وإلي اتعمل في كريم وأمه مش هيمر بالساهل.. وابنك أحمد، إحنا أولى بيه!
وقبل ما ندى تنطق بكلمة، الخط اتقفل!
الجزء العاشر والأخير:
ندى حست إن الأكسجين هرب من الأوضة، والتليفون وقع من إيدها على مكتبها الخشب. جسمها كله بدأ يرتعش، وبصت للخط المقفول وهي مش مصدقة.. هل الكابوس لسه مخلصش؟ هل الشجرة الملعونة دي لسه ليها فروع برة مصر وعايزة تنهش في حياتها وحياة ابنها؟
سيف دخل الأوضة وفي إيده كباية قهوة، أول ما شاف وشها الشاحب وعينيها الزايغة، حط الكباية بسرعة وقرب منها:
— ندى! في إيه؟ مالك يا حبيبتي وشك عامل كدة ليه؟
ندى صامدة وبتحاول تطلع صوتها:
— سيف.. في مكالمة جتلي دلوقتي.. مكالمة دولي. واحد بيقول إن كريم ليه إخوات من أبوه بره مصر، وبيتنططوا وبيقولوا إن حق كريم وأمه مش هيضيع.. ويهددوني بـ أحمد ابني!
سيف ملامحه اتحولت في ثانية للغضب والجدية، أخد التليفون وشاف الرقم، وضم قبضة إيده بقوة. لكنه أخد نفس طويل وبص في عين ندى بكل ثبات وأمان:
— ندى.. بصيلي هنا. كريم الشناوي انتهى، واللي بره دول لو كانوا يقدروا يعملوا حاجة مكنوش استخبوا ورا تليفون دولي ماسكينه وجايين يهددوا بيه ست في مكتبها. إنتي مش لوحدك، إنتي معاكي سيف المنشاوي، ومعاكي اللواء أحمد عبد الرحمن. وزي ما دوقنا كريم الأدب بالقانون، أي حد هيفكر يمس شعرة منك أو من ابننا.. هندفنه مكان ما هو واقف.
في نفس الليلة، سيف بلغ اللواء أحمد بالمكالمة. اللواء أحمد مأخدش الموضوع باستهتار، وخلال 24 ساعة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والإنتربول الدولي، اتعرفت هوية صاحب الرقم.. طلع أخو كريم من أبوه، عايش في دولة عربية وهربان من قضايا شيكات ونصب هناك. وبأمر سيادي، تم إدراج اسمه على قوائم الترقب والوصول، وبقى ممنوع يدخل مصر، واتعملت عليه قضية تهديد وترويع دولي.. وبكدة، اتقطعت آخر فروع الشجرة دي قبل ما تفكر تنبت من تاني.
بعد مرور خمس سنين..
الزمان: يوم مشمس وجميل في حديقة فيلا اللواء أحمد.
المكان: حفلة عيد ميلاد صغيرة ومبهجة، بس مش زي حفلات زمان.. دي كانت حفلة مليانة حب حقيقي ودفا.
أحمد الصغير بقى عنده خمس سنين، لابس قميص أبيض وبنطلون جينز، وعينيه بتلمع بالذكاء والشقاواة، وعمال يجري ورا الكورة في الجنينة ويضحك بصوت عالي:
— بابا سيف! شوت الكورة يلا يا بابا!
سيف كان بيجري وراه وبيضحك من قلبه، وشاط له الكورة وأخده في حضنه ورفعه لفوق في الهواء، وأحمد بيضحك وصوت ضحكته مالي المكان. اللواء أحمد كان قاعد على كرسي هزاز، لابس نظارته وباصص لهم وابتسامته واصلة لقلبه، حاسس إنه أدى الأمانة وصان بنته وحفيده.
ندى كانت واقفة بره البلكونة، ماسكة كباية عصير، ولابسة فستان رقيق.. بطنها كانت بارزة شوية، لأنها كانت حامل في الشهر الخامس بـ “بنت”، وسيف صمم يسميها “ندى” على اسم أمها. ندى بصت لأحمد وهو في حضن سيف، واضايقت للحظة لما افتكرت الماضي، بس بسرعة الابتسامة رجعت لوشها.. لأنها عرفت إن ربنا عوضها بـ “الراجل” اللي بجد، اللي شال ابنها في قلبه وعينه قبل ما يشيله على إيده.
وفي زاوية ضلمة من الدنيا.. وتحديدًا في مصحة الرعاية الحكومية، كانت الحاجة سهير قاعدة على كرسي متحرك، مشلولة تمامًا، عينيها متبتة في الحيطة، ومش قادرة حتى تذوب دبانة عن وشها، تفتكر ابنها اللي في السجن، وتبكي دموع عاجزة من غير صوت. وكريم، جوه زنزانته، لسه بيعد الأيام والسنين اللي باقية من عقوبته، وحيد، منبوذ، وضاعت حياته وهيبته تحت حيطان ليمان طره.
سيف ساب أحمد يجري، وقرب من ندى، حط إيده على كتفها وبص معاها على ابنهما وهو بيلعب:
— بتفكري في إيه يا سيادة المستشارة؟
ندى سألت راسها على كتفه وأخدت نفس عميق من الهوا النظيف:
— بفكري في حكمة ربنا يا سيف.. وفي الطريق اللي مشيناه.
### الحكمة من القصة:
> **”البيوت لا تُبنى بالوجاهة الاجتماعية والبدل الأنيقة، بل تُبنى بالمودة والرحمة والصون في أوقات الشدة.”**
> إن الرجولة ليست مجرد كلمة أو مظهر خارجي يُزين المرايا، بل هي “مواقف وأمان”. المرأة قد تتحمل الفقر، وقد تتحمل قسوة الظروف، لكنها أبداً لا تنسى “الرجل” الذي تركها تنزف وحيدة ليشتري رضا كبريائه وأنانية أهله.
> والعدالة الإلهية بطيئة لكنها حاسمة؛ فمن ترك نفسًا تموت عجزًا ووحدة، دارت الأيام وسقاه الله من نفس الكأس ليذوق مرارة العجز والوحدة وهو حي يرزق. حقق الله العدالة لندى، ليس فقط لأن أباها لواء، بل لأن دموع المظلوم في جوف الليل هي أسرع سهم يصل إلى عرش الرحمن.
>
**تمت القصة.** الكاتب رومانى مكرم


تعليقات
إرسال تعليق