القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ركبت نفس الطيارة بقلم زيزي احمد



ركبت نفس الطيارة بقلم زيزي احمد

 

ركبت نفس الطيارة بالصدفة... ولقيت جوزي قاعد مع سكرتيرته، لكن السر اللي اكتشفته كان أخطر بكتير من اللي تخيلته.

على ارتفاع 30 ألف قدم، في رحلة من القاهرة لأسوان، اكتشفت مريم إن جوزها كريم مخبي عنها حاجة كبيرة بقالها شهور... لكن عمرها ما كانت تتوقع إنها هتغير حياتهم كلهم.

مريم عندها 32 سنة، مديرة تنفيذية ناجحة في شركة مقاولات كبيرة، وكريم عنده 35 سنة، مدير تجاري في شركة شحن ونقل.

جوازهم بقاله 8 سنين، ورغم ضغط الشغل، علاقتهم كانت مستقرة.

لكن آخر كام شهر، كريم بقى يسافر كتير، وكل مرة يقول إن عنده اجتماعات وصفقات.

كان متوتر على طول، ويقفل أوضة المكتب بالساعات، ولما مريم تسأله يقول

اصبري شوية... أول ما ينتهي الموضوع هتعرفي كل حاجة.

وفي يوم السفر، قالها إنه رايح إسكندرية في اجتماع مهم.

أما هي، فاتطلب منها بشكل مفاجئ تحضر مؤتمر في أسوان، فحجزت على أول طيارة من غير ما تعرف إنه على نفس الرحلة.

بعد ما الطيارة أقلعت، سمعت صوته.

الملف ده لازم يفضل معانا... وما ينفعش حد يشوفه.

بصت لقدام، ولقيت كريم قاعد في الدرجة الأولى، وجنبه سكرتيرته ندى، وبينهم حقيبة سوداء صغيرة مقفولة بقفل إلكتروني.

مكانوش بيضحكوا ولا بيتكلموا كلام شخصي.

كانوا بيتبادلوا ملفات وأوراق، وكل شوية يبصوا حواليهم كأنهم خايفين حد يراقبهم.

استغربت.

لو مجرد شغل... ليه كل السرية دي؟

وليه كدب عليها وقال إنه رايح إسكندرية؟

فضلت تتابعهم من بعيد.

بعد شوية، راجل غريب مر من جنبهم، وحط ظرف بني فوق الكرسي من غير ما يتكلم، وكمل طريقه.

كريم أخد الظرف بسرعة وحطه جوه الحقيبة.

ندى همست

لازم نسلمه قبل الساعة أربعة... وإلا هيكون فات الأوان.

في اللحظة دي، مريم حست إن الموضوع أكبر من مجرد اجتماع.

قامت بهدوء، ومشيت لحد ما وقفت قدامهم.

أول ما كريم شافها، اتصدم.

وقال

مريم؟! إنتِ هنا؟

ابتسمت وقالت

واضح


إننا رايحين نفس المكان... بس الغريب إنك قلتلي إسكندرية.

بص حواليه بتوتر، وقال بصوت واطي

مش هينفع أشرح دلوقتي.

قالت

يبقى هتشرح أول ما الطيارة تنزل... لأن واضح إن في حاجة مستخبية عني.

وقبل ما يرد...

رن موبايل كريم.

بص للشاشة، واتغير لون وشه.

الاسم اللي ظهر كان

لا ترد... إلا لو كل حاجة اتكشفت.

كريم قفل الموبايل بسرعة، لكن بعد ثواني وصلته رسالة واحدة، قرأها فاتجمد مكانه.

أما مريم، فلمحت أول سطر منها بالصدفة

لو مراتك وصلتلك... افتح الظرف فورًا. الحقيقة كلها جواه مريم فضلت واقفة مكانها، وعينيها بين كريم والظرف البني اللي كان ماسكه بإيده كأنه أغلى حاجة في الدنيا.

قالت بهدوء غريب

واضح إن في حد بيراقبك... ومش فاهمة ليه.

كريم أخد نفس طويل، وبص لندى، وكأنه بيستأذنها يتكلم.

لكن ندى هزت راسها بسرعة وقالت بصوت واطي

لأ... مش هنا.

الجملة دي زودت شك مريم أكتر.

ردت ببرود

يعني حتى الكلام بقى ممنوع؟

وقبل ما حد يرد، الطيارة دخلت في مطب هوائي خلى معظم الركاب يتمسكوا بالكراسي.

في اللحظة دي، الظرف وقع من إيد كريم واتفتح جزء صغير منه.

ورقة واحدة خرجت منه واتزلقت تحت رجل مريم.

انحنت تاخدها.

لكن كريم سبقها بسرعة وخطفها من الأرض.

لأول مرة في حياتها تشوفه بالشكل ده.

وشه شاحب... وإيده بتترعش.

قال بعصبية

متلمسيش الورق ده.

سكتت لحظة... وبعدين ابتسمت ابتسامة خلت كريم يقلق أكتر.

أنا مش محتاجة ألمسه... لأن خوفك منه قاللي إنه أهم من أي كلام.

في الوقت ده، لاحظت المضيفة التوتر، فقربت منهم وسألت

في أي مشكلة يا فندم؟

رد كريم بسرعة

لأ... كل حاجة تمام.

لكن قبل ما المضيفة تمشي، راجل كان قاعد في الصف اللي وراهم نادى عليها وقال

لو سمحتِ... ممكن تبلغي الكابتن إن الحقيبة السودا دي لازم تفضل مع أصحابها ومحدش يقرب منها.

الجملة كانت غريبة.

المضيفة استغربت، لكن هزت راسها

ومشيت.

مريم بصت للراجل لأول مرة.

كان لابس بدلة كحلي ونضارة سودة، ومن ساعة ما ركبت الطيارة وهو تقريبًا مبيتحركش.

الأغرب...

إنه كان باصص على كريم طول الوقت.

ندى همست بخوف

هو لحقنا...

رد كريم من بين سنانه

اهدَي... يمكن يكون مجرد صدفة.

لكن الراجل طلع موبايله، وبص فيه ثواني، وبعدها رفع عينه مباشرة على كريم... وعمل بإيده إشارة صغيرة جدًا، كأنها كلمة سر.

في اللحظة دي، كريم قبض على الحقيبة بقوة.

ومريم بدأت تحس إن السر اللي مستخبي جواها أخطر بكتير من أي حاجة كانت متخيلاها.

وبعد دقائق قليلة...

انطفأت كل شاشات الطيارة فجأة لثوانٍ.

ولما النور رجع...

كانت الحقيبة السوداء اختفت من تحت كرسي كريم... وكأنها تبخرت كريم اتجمد في مكانه أول ما بص تحت الكرسي.

الحقيبة... راحت فين؟!

ندى قامت واقفة وهي بتلف بعينيها في كل الاتجاهات، وصوتها بقى بيرتعش

كانت هنا... والله كانت هنا.

مريم عقدت دراعاتها وقالت

واضح إنكم ضيعتوا حاجة مهمة جدًا.

كريم لأول مرة بص لها من غير ما يحاول يبرر، وقال بنبرة كلها قلق

مريم... لو سمحتي، أيًا كان اللي هتشوفيه دلوقتي، متدخليش.

لكنها تجاهلت كلامه.

في نفس اللحظة، الراجل اللي كان قاعد وراهم قام بهدوء، وعدّى في الممر كأنه رايح الحمام.

كريم لحقه بسرعة.

ندى فضلت مكانها، لكنها كانت بتبص في ساعتها كل ثواني، وكأنها مستنية معاد معين.

مريم قررت تمشي ورا كريم من غير ما ياخد باله.

وصلت لآخر الطيارة، ولقت باب المطبخ نص مفتوح.

سمعت أصوات واطية.

الراجل الغريب قال

كنت فاكر إنك هتوصلها بنفسك.

رد كريم بغضب مكتوم

إحنا اتفقنا إنها متخرجش غير بعد ما نستلم النسخة الأصلية.

الراجل ضحك ضحكة قصيرة وقال

للأسف... الخطة اتغيرت.

وقبل ما مريم تسمع باقي الكلام، المضيفة خرجت من المطبخ فجأة، فاضطرت ترجع بسرعة لمكانها.

بعد دقائق، رجع كريم لوحده.

كان شكله مختلف.


الكرافتة مفكوكة، وجبينه عليه عرق، وإيده اليمين فيها خدش صغير كأنه اتخانق مع حد.

ندى أول ما شافته سألت بسرعة

لقيتها؟

هز راسه بالنفي.

سبقونا.

الكلمة وقعت على قلب مريم زي الحجر.

سبقونا؟

يعني في ناس تانية داخلة في الموضوع.

بعد شوية، الكابتن أعلن إن الطيارة هتتأخر في الهبوط عشرين دقيقة بسبب ازدحام المجال الجوي.

أول ما الإعلان خلص، رن تليفون الأقمار الصناعية الموجود مع أحد أفراد الطاقم.

المضيفة أخدته، ووشها اتغير وهي بتسمع.

بعدها بصت مباشرة ناحية كريم.

ومشت ناحيته وقالت بصوت منخفض

في رسالة لحضرتك.

استغرب وقال

ليّا أنا؟

ناولته ورقة صغيرة مطوية.

فتحها بسرعة...

وكل ملامحه اتبدلت.

شد الورقة وقفلها في ثانية، لكن مريم لمحَت جملة واحدة قبل ما يخبيها

متحاولش تدور على الحقيبة... لأنها وصلت لصاحبها الحقيقي.

كريم قفل عينيه للحظة، ثم لف ناحية ندى وقال

واضح إن اللعبة بدأت... وإحنا متأخرين خطوة ندى بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق

يعني هو عرف إننا على الطيارة؟

كريم رد وهو بيبص حواليه بحذر

واضح إن حد سرب خط سيرنا... وإلا مستحيل يكون سبقنا.

مريم كانت لسه مش فاهمة الصورة كاملة.

كل اللي قدامها إن جوزها مخبي عنها سر ضخم، وسكرتيرته داخلة فيه، وفي ناس تانية بتتحرك ضدهم.

لكن ليه؟

وفين الحقيبة؟

وفجأة، اتكلم صوت في سماعات الطيارة

نعتذر من السادة الركاب... هنضطر نعمل مراجعة سريعة لبعض الأمتعة قبل الهبوط، ونرجو من الجميع عدم مغادرة أماكنهم.

الكلام كان غريب.

الركاب بصوا لبعض باستغراب.

أما كريم، فوشه شحب أكتر.

همس لندى

وصلوا.

ردت بخوف

يعني هيطلعوا يدوروا؟

هز راسه وهو بيضغط على أسنانه.

بعد أقل من دقيقة، دخل اتنين لابسين زي موظفي أمن المطار، ومعاهم قائد الضيافة.

بدأوا يعدوا بين الصفوف بهدوء، لكن مريم لاحظت إنهم مش بيفتشوا كل الشنط.

كانوا بيسألوا عن أرقام مقاعد معينة بس.

لما قربوا من كريم، واحد منهم قال

أستاذ كريم منصور؟

كريم رد بثبات رغم توتره

أيوه.

الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال

ممكن حضرتك تيجي معانا

 

دقيقة؟

ندى قامت بسرعة وقالت

هو عمل إيه؟

الراجل رد باختصار

مجرد إجراء روتيني.

لكن قبل ما كريم يتحرك، راجل مسن كان قاعد في الصف المقابل قال بصوت عالي

إوعى تروح معاهم!

الكل بص عليه.

الراجل كمل

دول مش تبع المطار.

ساد صمت ثقيل.

الاتنين بصوا لبعض للحظة، وكأنهم اتكشفوا.

وفي ثانية واحدة، لفّوا وجروا ناحية مقدمة الطيارة.

وقبل ما أي حد يستوعب اللي حصل...

اتفتح باب صغير خاص بطاقم الطائرة، واختفوا من وراه.

الركاب بقوا في حالة ذهول.

المضيفات جريوا ناحية الباب، لكن كان اتقفل بالفعل.

مريم بصت لكريم وقالت لأول مرة بحدة

دلوقتي هتقولي الحقيقة؟

كريم سكت ثواني طويلة، وبعدها أخرج من جيب الجاكيت فلاشة معدنية صغيرة جدًا.

حطها في إيد مريم وهو بيقول

لو حصل لي أي حاجة بعد ما ننزل... متفتحيهاش لأي حد.

مريم بصت للفلاشة باستغراب.

إيه اللي عليها؟

كريم رد وهو بيبص من الشباك، كأنه مستني حاجة تحصل أول ما الطيارة تلمس الأرض

كل الإجابات... وكل سبب خلاني أخبي عنك الحقيقة مريم بصت للفلاشة في إيدها، وحست إنها أثقل من حجمها بكتير.

رفعت عينيها لكريم وقالت

لو كنت واثق فيا للدرجة دي... ليه مخبي كل ده من الأول؟

قبل ما يرد، ندى قالت بسرعة

لأنك لو كنتي عرفتي، كنتي هتبقي في خطر من أول يوم.

مريم لفت لها بحدة.

خطر من مين؟

ندى فتحت بقها تتكلم، لكن كريم قاطعها

كفاية.

الطيارة بدأت تقلل ارتفاعها، وصوت الكابتن أعلن

استعدوا للهبوط خلال خمس عشرة دقيقة.

في نفس الوقت، موبايل كريم اهتز.

بص للشاشة، لكن المرة دي ما حاولش يخبيها.

الرسالة كانت قصيرة جدًا

الاستقبال جاهز. البوابة رقم 3.

مريم سألت

مين اللي باعت الرسالة؟

كريم قفل الموبايل من غير ما يجاوب.

بعدها بثواني، الراجل المسن اللي حذرهم قبل شوية قام من مكانه، ومشى لحد كريم.

مد إيده وسلم عليه كأنهم يعرفوا بعض من زمان.

قال بصوت منخفض

افتكر الاتفاق...

مهما حصل، الفلاشة متطلعش من إيدها.

مريم استغربت.

حضرتك تعرف جوزي؟

الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال

أعرفه... وأعرف إنه اتحط في موقف عمره ما كان يتمنى يتحط فيه.

وقبل ما تسأله أي سؤال تاني، رجع لمكانه وكأنه ما قالش حاجة.

ندى بصت من الشباك فجأة، واتسعت عينيها.

كريم... بص!

كلهم بصوا.

كان في عربيتين سودا واقفين جنب ممر الطائرات، مع إن الطيارة لسه ما وقفتش.

الغريب إن العربيتين مكانوش تابعين لشركة الطيران، وماكانش عليهم أي شعارات.

كريم ضغط على إيد الكرسي بقوة وهمس

وصلوا أسرع مما توقعت.

مريم قلبها بدأ يدق بعنف.

ولأول مرة، حست إن اللي هيحصل بعد فتح باب الطيارة... هيكون أخطر بكتير من كل اللي حصل جواها.

وفجأة...

قبل ما الطيارة تلمس أرض المطار بثوانٍ، انطفأت الأنوار مرة تانية.

وسُمِع صوت ارتطام قوي جاي من مخزن الأمتعة أسفل الطائرة...

ثم أعقبه صوت شخص بيصرخ، رغم إن المكان المفروض ما يكونش فيه أي راكب الطيارة بدأت ترتفع من جديد، والركاب بقوا يبصوا من الشبابيك في قلق، محدش فاهم ليه الهبوط اتأجل فجأة.

مريم كانت ماسكة الفلاشة بقوة، وعينيها ما سابتش كريم.

قالت بحزم

أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف إيه اللي بيحصل.

كريم رد بهدوء

لو قلتلك دلوقتي، هتسألي مية سؤال، ومفيش وقت أجاوب.

ردت بحدة

يبقى متستناش إني أثق فيك.

قبل ما الحوار يكمل، الشاب اللي سلّم الظرف لكريم رجع خطوة لورا، وكأنه افتكر حاجة.

قال بصوت منخفض

في شخص من الركاب مش راكب بالاسم اللي في التذكرة.

ندى اتوترت وسألته

عرفتوه؟

هز راسه.

لأ... لكن عرفنا رقم المقعد.

كريم سأله بسرعة

كام؟

الشاب بص حواليه، وبعدها قال

27C.

مريم تلقائيًا بصت ناحية الصف السابع والعشرين.

كان فيه راجل لابس كاب أسود، قاعد من أول الرحلة، ولا مرة قام من مكانه.

لكن أول ما حس إن الناس بصاله...

قام بهدوء، وشال شنطته الصغيرة، واتجه ناحية دورة

المياه.

الشاب همس

متسيبهوش يختفي.

كريم جري وراه من غير تفكير.

ندى لحقته.

أما مريم، ففضلت مكانها ثانيتين، وبعدها قررت تمشي وراهم.

لما وصلوا عند باب دورة المياه...

كان الباب مقفول من جوه.

كريم خبط عليه بعنف.

افتح!

محدش رد.

خبط مرة تانية.

برضه مفيش أي صوت.

المضيفة جريت عليهم وهي بتقول

في إيه؟

كريم قال

افتحوا الباب حالًا.

جابت المفتاح الاحتياطي، وفتحت الباب...

الحمام كان فاضي.

مفيش حد.

المضيفة شهقت.

مستحيل... أنا واقفة هنا من دقيقة، محدش خرج.

ندى بصت للأرض، ولاحظت حاجة.

ورقة صغيرة مطوية جنب قاعدة الباب.

التقطتها بسرعة.

فتحتها...

ولون وشها اتغير تمامًا.

كريم خطف الورقة من إيدها.

قرأ أول سطر...

وسكت.

مريم حاولت تشوف المكتوب، لكنه قفلها بسرعة.

قالت بغضب

كل شوية ورقة ورسالة! إيه اللي مكتوب؟

كريم رفع عينه ناحيتها، وكانت أول مرة مريم تشوف فيها الخوف الحقيقي في عينيه.

قال بصوت بالكاد بيتسمع

هو سبقنا بخطوة كمان...

ثم فتح الورقة مرة تانية، وكانت آخر جملة فيها كفيلة إنها تخلي ندى تقعد على أقرب كرسي وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة...الصرخة خلت الركاب كلهم ينتفضوا.

المضيفات بصوا لبعض في ارتباك، وإحداهم رفعت السماعة الداخلية بسرعة تتواصل مع قائد الطائرة.

بعد ثواني، جه صوت الكابتن هادي لكنه حازم

برجاء من السادة الركاب الالتزام بمقاعدهم وربط الأحزمة... في إجراء فني بسيط قبل الهبوط.

لكن نبرة صوته كانت بتقول إن الموضوع أبعد بكتير من إجراء فني.

مريم لاحظت إن كريم مركز مع صوت جاي من آخر الطيارة.

كأنه مستني إشارة معينة.

وفجأة...

اتفتح باب صغير خاص بطاقم الخدمة، وخرج منه عامل تحميل أمتعة، وشكله مرهق وهدومه عليها تراب.

المضيفة جريت عليه بدهشة.

إنت إزاي هنا؟! إحنا لسه في الجو!

العامل بص حواليه بخوف، وقال وهو بيحاول ياخد نفسه

في حد كان مستخبي تحت... أول ما حس إن الطيارة

هتهبط حاول يخرج.

الجملة وقعت على الركاب زي الصاعقة.

همهمات وتعليقات بدأت تعلى في كل مكان.

مريم بصت لكريم.

لقته قافل عينيه للحظة، وكأنه كان متوقع يسمع الخبر ده.

ندى همست

يبقى هو وصل قبلنا.

رد كريم من غير ما يبصلها

أو يمكن... عمره ما خرج من الطيارة أصلًا.

العامل كمل كلامه وهو بيشاور ناحية مخزن الأمتعة

ملحقتش أشوف وشه... أول ما لمحني دفعني وقفز ناحية الممر الخلفي.

في اللحظة دي، اتفتح باب الممر الخلفي فعلًا.

لكن اللي خرج منه ماكانش الشخص اللي العامل بيتكلم عنه.

خرج شاب في أواخر العشرينات، لابس جاكيت أسود، وفي إيده بطاقة تعريف خاصة بالمطار.

بص مباشرة على كريم وقال

أخيرًا لقيتك.

مريم استغربت.

إنت مين؟

الشاب تجاهل سؤالها، ومد ظرف أبيض ناحية كريم.

دي آخر نسخة... والباقي اتحرق.

كريم أخد الظرف بسرعة، لكن قبل ما يفتحه، سمعوا صوت ارتطام جديد من أسفل الطيارة.

المرة دي كان أقوى.

لدرجة إن الطيارة كلها اهتزت هزة خفيفة.

الكابتن أعلن فورًا

تم إلغاء الهبوط مؤقتًا... هنضطر نلف دورة إضافية فوق المطار.

كل اللي على الطيارة اتوتر.

أما كريم، فبص للظرف الأبيض، ثم للفلاشة اللي مع مريم، وقال بصوت خافت

واضح إن حد مش عايز الحقيقة توصل لحد... مهما كان الثمن مريم سحبت إيدها بسرعة، واتراجعت خطوة.

الإيد اللي ظهرت من تحت الكرسي كانت لابسة جوانتي أسود.

وصاحبها خرج بهدوء، وكأنه واحد من الركاب العاديين.

كان راجل في الأربعينات، لابس جاكيت رمادي، ووشه هادي بشكل مستفز.

رفع الكيس الأسود في إيده وقال بابتسامة خفيفة

واضح إنكم تعبتوا عشان توصلوله.

كريم اتقدم خطوة.

سيبه... الموضوع انتهى.

الراجل هز راسه بالنفي.

بالعكس... لسه ابتدى.

ندى همست لمريم

أنا أول مرة أشوفه.

لكن كريم كان واضح إنه يعرفه.

قال من بين سنانه

إنت اتأخرت.

ابتسم الراجل وقال

وأنت استعجلت.

الركاب اللي حواليهم بدأوا يحسوا إن في حاجة مش طبيعية، لكن محدش كان فاهم اللي بيحصل.

الراجل حط الكيس تحت دراعه، وبص لمريم لأول مرة.

وقال

أنتِ تبقي مدام كريم، صح؟

مريم ما ردتش.

قال بهدوء

صدقيني... وجودك هنا بوظ حسابات ناس

 

كتير.

كريم صاح فيه

ابعدها عن الموضوع!

ضحك الراجل وقال

هي أصلًا بقت في قلب الموضوع.

وأخرج من جيبه بطاقة صغيرة، وحطها على أقرب كرسي.

لو عايزين تعرفوا الحقيقة... ابدأوا من العنوان ده.

قبل ما كريم يلحق ياخد البطاقة، الطيارة اهتزت هزة قوية بسبب مطب هوائي جديد.

الأنوار رمشت.

ولما الكل رجع يبص ناحية الراجل...

كان اختفى من مكانه.

أما البطاقة، فكانت لسه على الكرسي.

مريم مدّت إيدها وخدتها.

كان مكتوب عليها اسم مكان واحد فقط...

المخزن رقم 17.

وتحت الاسم، بخط صغير جدًا

هناك بدأت القصة... وهناك اختفى أول مستند ندى كانت بتتنفس بسرعة، وإيديها بتترعش.

مريم قربت منها وقالت

إيه اللي مكتوب؟

ندى بصت لكريم، وكأنها مستنية إذنه.

لكنه كان واقف ثابت، وعينه على الورقة.

بعد لحظات، طواها وحطها في جيبه.

قال

مش دلوقتي.

مريم فقدت أعصابها لأول مرة.

يعني من ساعة ما شوفتك وإنت بتقول مش دلوقتي! إيه اللي بيحصل؟

قبل ما يرد، اتفتح باب قمرة القيادة، وخرج كبير المضيفين.

كان بيدور بعينه على حد معين.

أول ما شاف كريم، مشي ناحيته بسرعة وقال

الكابتن طالب حضرتك.

مريم استغربت.

الكابتن يعرفه؟

كبير المضيفين رد

دي أوامر مباشرة.

كريم بص لمريم وقال

خليكي مع ندى... ومهما حصل، متسيبيش الفلاشة.

وسابهم ومشي.

مريم استنتش.

بعد ما اختفى في مقدمة الطيارة، لفت ناحية ندى وقالت

دلوقتي هتتكلمي.

ندى فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت

أنا اشتغلت مع كريم من أربع سنين... وعمره ما طلب مني أخبي عنك حاجة.

أمال دلوقتي؟

تنهدت ندى وقالت

من حوالي شهرين، وصل الشركة ملف قديم... محدش كان يعرف إنه موجود.

ملف إيه؟

ملف لو وقع في الإيد الغلط... شركات كبيرة هتخسر ملايين.

مريم عقدت حواجبها.

وإيه علاقة كريم؟

ندى ردت

لأنه الوحيد اللي قدر يثبت إن الملف ده ناقص... وإن أهم مستند فيه اختفى من سنين.

قبل ما تكمل، رجع كريم بخطوات سريعة.

كان ماسك جهاز لوحي صغير.

حطه قدام مريم.

بصي.

على الشاشة

كانت خريطة الطيارة.

وفيها نقطة حمرا بتتحرك من مؤخرة الطائرة ناحية المقدمة.

مريم سألت باستغراب

دي إيه؟

رد كريم

دي إشارة جهاز التتبع اللي كان جوه الحقيبة.

ندى شهقت.

يعني الحقيبة لسه على الطيارة؟

كريم هز راسه.

لأ... الحقيبة اتفتحت.

إزاي عرفت؟

لأن الجهاز كان متثبت في قاعها... وحد فصله منها.

النقطة الحمراء فضلت تتحرك ببطء.

وفجأة...

وقفت.

بالظبط عند الصف اللي كانت قاعدة فيه مريم من أول الرحلة.

الثلاثة بصوا لبعض في صدمة.

مريم قامت بسرعة وفتحت المكان فوق كرسيها.

مفيش حاجة.

بعدين بصت تحت الكرسي...

ولمحت طرف كيس أسود صغير مدسوس بعيد.

مدت إيدها علشان تطلعه...

لكن في نفس اللحظة، إيد تانية خرجت من تحت الكرسي المقابل، ومسكت الكيس قبلها بجزء من الثانية كريم قلب المفتاح في إيده أكتر من مرة، وكأنه بيتأكد إنه مش بيتخيل.

السواق مد إيده وقال بهدوء

لو سمحت يا فندم... المفتاح.

لكن كريم ماادهوشوله.

سأله مباشرة

مين اللي بعتك؟

السواق ابتسم ابتسامة خفيفة وقال

الشخص اللي مستنيكم في المخزن رقم 17.

أول ما سمع الاسم، كريم سكت.

أما مريم فبصتله باستغراب.

إنت كنت عارف إننا هنروح هناك؟

السواق رد قبل كريم

هو عارف كل خطوة هتعملوها من قبل ما تفكروا فيها.

ندى بلعت ريقها.

يبقى هو لسه بيراقبنا.

في اللحظة دي، تليفون مريم رن.

رقم غريب.

كانت هتقفل المكالمة، لكن صوت كريم وقفها.

ردي.

فتحت الخط، وماحدش اتكلم.

بعد ثانيتين، جه صوت راجل كبير في السن.

لو معاكم المفتاح... يبقى معاكم نص الطريق.

مريم سألت بسرعة

إنت مين؟

الراجل تجاهل السؤال وقال

المخزن رقم 17 هيفضل مفتوح ساعة واحدة بس.

وقف لحظة، وبعدين كمل

ولو اتأخرتوا... اللي جواه هينقل لمكان محدش هيوصله.

وقفل الخط.

الثلاثة فضلوا ساكتين.

ندى قالت بصوت منخفض

إحنا لازم نتحرك.

كريم هز راسه، لكنه فجأة بص حواليه بسرعة.

فين السواق؟

لفوا كلهم.

السواق كان واقف قدامهم من ثواني...

دلوقتي اختفى.

لا العربية

موجودة...

ولا هو.

كأن الأرض انشقت وبلعته.

وقبل ما يستوعبوا اللي حصل، وقف قدامهم تاكسي أبيض قديم.

السواق نزل الإزاز وقال

أستاذ كريم؟

كريم اتردد.

أيوه.

السواق قال

في راجل إداني ظرف وقال أسلمهولك أول ما أشوفك.

طلع ظرف صغير من درج العربية.

كريم فتحه بحذر.

كان جواه خريطة مرسومة بإيده.

وعليها طريق واحد واصل للمخزن رقم 17.

لكن اللي شد انتباهه مش الخريطة...

كان تعليق صغير مكتوب بالقلم الأحمر في آخرها

ادخلوا من الباب الخلفي... لأن اللي مستنيكم عند الباب الرئيسي، مستني شخص تاني.

كريم رفع عينه لمريم وقال

واضح إن في حد بيحاول يساعدنا...

ندى ردت بسرعة

أو بيحركنا زي قطع الشطرنج.

مريم أخدت نفسًا عميقًا، وبصت للخريطة.

في أسفلها كان فيه رقم مكتوب داخل دائرة سوداء...

17ب

ولأول مرة من بداية الرحلة، قال كريم جملة خلت مريم تعرف إنهم لسه في أول الطريق

المخزن رقم 17... فيه أكتر من باب، لكن الباب 17ب عمره ما كان موجود على أي خريطة رسمية مريم قلبت البطاقة بين صوابعها.

مفيش أي شعار... ولا اسم شركة... ولا حتى رقم تليفون.

بس عبارة واحدة مكتوبة على الضهر

ادخلوا واحد واحد... وإلا هتضيع النسخة الأصلية.

ندى اتوترت وقالت

هو عايز يسحبنا لفخ.

كريم أخد البطاقة منها وبصلها كويس، وبعدين قال

لأ... دي نفس العلامة اللي كانت على الملفات القديمة.

مريم سألته

إيه هو المخزن رقم 17؟

قبل ما يجاوب، الطيارة بدأت أخيرًا في الهبوط للمرة التانية.

الكابتن أعلن

خلال دقائق هنكون وصلنا مطار أسوان.

لكن الغريب إن أول ما عجلات الطيارة لمست الأرض، محدش اتحرك.

الطيارة فضلت ماشية على الممر فترة أطول من المعتاد.

مريم بصت من الشباك.

كان في عربيات أمن واقفة بعيد، وعربيتين سودا نفس اللي شافتهم قبل كده.

لكن أول ما الطيارة وقفت...

العربيتين اختفوا كأنهم ماكانوش موجودين.

الباب اتفتح، والركاب بدأوا ينزلوا.

كريم بص لمريم وقال

خليكي جنبي... ومتتكلميش مع أي حد.

ندى

نزلت وراهم وهي كل شوية تبص وراها.

لما خرجوا من صالة الوصول، لقوا واحد ماسك لافتة مكتوب عليها

أ. كريم منصور.

كريم استغرب.

أنا ماطلبتش حد يستقبلني.

الراجل أول ما شافه قرب وقال

اتفضلوا بسرعة... العربية مستنياكم.

مريم لاحظت إن كريم مش مرتاح.

سألت الراجل

حضرتك تبع مين؟

ابتسم وقال

أنا مجرد سواق.

لكن قبل ما يكمل كلامه، شاب جري من آخر الصالة، وخبط فيه جامد، فاللافتة وقعت على الأرض.

وفي ثانية، الشاب همس في ودن كريم

متروحش معاه... العربية دي مش اللي بعتناها.

وقبل ما مريم تستوعب اللي بيحصل، الشاب اختفى وسط الزحمة.

السواق حاول يتصرف بطبيعية وقال

يلا يا فندم... الوقت ضيق.

لكن كريم رجع خطوة لورا.

وبص للسواق نظرة طويلة.

وفجأة مد إيده، وخطف منه مفتاح العربية.

بص للميدالية المعلقة في المفتاح...

ولون وشه اتغير.

لأن الميدالية كان محفور عليها نفس الرمز الغامض اللي شافه قبل كده على الظرف... وعلى البطاقة... وكأن كل الخيوط بدأت تتجمع في مكان واحد، لكن الصورة لسه ناقصة ركبوا التاكسي من غير ما حد فيهم ينطق.

السواق كان سايق بهدوء غريب، ولا سألهم رايحين فين، ولا حتى بص في المراية غير مرة واحدة.

بعد حوالي نص ساعة، خرجوا من المدينة، والطريق بقى فاضي.

ندى بصت للشباك وهمست

إحنا دخلنا المنطقة الصناعية.

السواق رد من غير ما يبصلها

فاضل خمس دقايق.

مريم لاحظت إن معظم المخازن مقفولة، وبعضها مهجور، والأرقام مكتوبة بخط كبير على البوابات الحديد.

13...

14...

15...

16...

وفجأة وقف التاكسي.

قدامهم كان مخزن ضخم، بابه الرئيسي مقفول بسلسلة حديد، وفوقه لافتة صدئة مكتوب عليها

17

كريم نزل بسرعة، وبص يمين وشمال.

الخريطة قالت الباب الخلفي.

لفوا حوالين المبنى، وبعد دقايق لقوا باب صغير حديد مستخبي بين شجرتين قدام سور قديم.

لكن الغريب...

إن الباب ماكانش عليه رقم.

كان عليه نفس الرمز اللي شافوه على المفتاح والبطاقة.

كريم طلع المفتاح اللي أخده من السواق الأول.

جربه في القفل.

أول مرة... مدخلش.

تاني مرة... برضه.

في المرة التالتة، لف المفتاح بسهولة.

وسمعوا صوت تك.

الباب اتفتح لوحده.

الجوه كان ضلمة، والهواء مليان تراب.

مريم شغلت كشاف موبايلها.

شافوا ممر طويل، وعلى

 

الجانبين أرفف حديد فاضية، كأن المكان متساب من سنين.

مشوا بحذر.

كل خطوة كانت بتعمل صدى في المكان.

وفجأة...

سمعوا صوت جهاز بيشتغل لوحده.

بيب... بيب... بيب...

الصوت كان جاي من آخر الممر.

لما قربوا، لقوا مكتب قديم فوقه جهاز لابتوب شغال.

الشاشة كانت منورة، رغم إن المكان كله مقطوع عنه الكهربا.

ندى قربت وهمست

إزاي اللابتوب شغال؟

كريم مد إيده يقفل الشاشة.

لكن قبل ما يلمسها...

اشتغل فيديو تلقائي.

ظهر راجل وشه مش واضح، وصوته متغير إلكترونيًا.

قال

لو أنتم بتشوفوا الرسالة دي... يبقى وصلتوا قبلهم.

التلاتة سكتوا.

الراجل كمل

قدامكم عشر دقايق بس... بعدها المخزن هيبقى أخطر مكان ممكن تقفوا فيه.

ثم رفع ظرف أصفر قدام الكاميرا وقال

المستند اللي بتدوروا عليه... مش هنا.

وسكت ثانيتين...

وأضاف

لكنه قريب جدًا منكم... لدرجة إن واحد فيكم لمسه بإيده أكتر من مرة، من غير ما يعرف مريم وكريم وندى بصوا لبعض في نفس اللحظة.

أول واحدة اتكلمت كانت مريم.

يعني إيه واحد فينا لمسه؟

الفيديو كمل لوحده.

الصوت الإلكتروني قال

فكروا كويس... من أول ما ركبتوا الطيارة، كام حاجة اتبدلت؟ كام ظرف اتسلم؟ كام شنطة اختفت؟

وبعدين الشاشة اسودت فجأة.

ساد صمت تقيل.

ندى قالت وهي بتحاول تفتكر

إحنا شوفنا الظرف البني... والظرف الأبيض... والبطاقة... والمفتاح...

كريم قاطعها

لا... في حاجة تانية.

مريم افتكرت فجأة.

الكيس الأسود!

كريم هز راسه.

اختفى.

ندى قالت

يبقى هو اللي كان فيه المستند.

لكن كريم فضل ساكت، وعينه على المكتب.

مد إيده وفتح درج صغير.

كان فاضي...

إلا من دفتر ملاحظات قديم.

أول صفحة مكتوب فيها تاريخ راجع لأربع سنين.

وآخر صفحة فيها جملة واحدة بخط كبير

لو وصلتوا لحد هنا، متدوروش على الورق... دوروا على الشخص اللي خباه.

وفجأة...

سمعوا

صوت باب حديد بيتقفل بقوة.

رجعوا جري ناحية المدخل.

الباب اللي دخلوا منه كان اتقفل.

مريم حاولت تفتحه.

مفيش فايدة.

ندى بدأت تقلق.

إحنا اتحبسنا.

في نفس اللحظة، اشتغلت لمبات صفراء قديمة في سقف المخزن، واحدة ورا التانية.

نور خافت كشف عن حاجة ماكانوش شايفينها في الضلمة.

على كل رف من الأرفف كان فيه صندوق خشب مقفول.

وكل صندوق عليه رقم.

1...

2...

3...

لحد...

17.

لكن الصندوق رقم 17 كان الوحيد المفتوح.

ولما كريم قرب منه...

لقاه فاضي.

بس في قاعه كانت فيه ورقة صغيرة مطوية.

فتحها ببطء.

مريم وندى قربوا يشوفوا.

كان مكتوب فيها

تأخرتوا سبع دقائق.

وتحتها مباشرة

لكن لسه عندكم فرصة أخيرة... لو قدرتوا تعرفوا مين فيكم اتراقب من أول يوم.

في اللحظة دي، سمعوا خطوات بطيئة جاية من آخر المخزن.

خطوة...

ثم خطوة تانية...

ثم صوت عصاية بتخبط في الأرض بإيقاع ثابت.

لكن الشخص اللي كان بيقرب منهم... لسه ما ظهرش من بين الأرفف الخطوات كانت بتقرب ببطء شديد...

تك...

تك...

تك...

كل خبطة عصاية كانت بتعمل صدى في المخزن، لحد ما ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ولابس بدلة رمادي قديمة.

وقف على بعد كام متر منهم، وبص لهم واحد واحد.

الغريب إنه أول ما شاف كريم، ابتسم وقال

كنت متأكد إنك هتوصل... بس مكنتش متوقع توصل متأخر.

مريم اتقدمت خطوة.

حضرتك مين؟

الراجل تجاهل السؤال، وبص على الفلاشة اللي في إيدها.

لسه معاكي... كويس.

كريم قال بحزم

إحنا نفذنا كل اللي اتطلب.

الراجل هز راسه.

لأ... أنتم نفذتوا نص اللي اتطلب.

وبعدين شاور على الصندوق رقم 17.

فتحتوه؟

أيوه.

ولقيتوا الورقة.

أيوه.

ابتسم الراجل وقال

يبقى الرسالة وصلتلهم قبلكم.

ندى سألت بتوتر

مين هما؟

قبل ما الراجل يرد، سمعوا صوت محرك عربية وقف برة المخزن.

بعده بثواني...

نور كشافات قوية

دخل من شبابيك المخزن المكسورة.

الراجل الكبير بص من الشباك، واتغيرت ملامحه.

وقال بهدوء

واضح إن ضيوفنا وصلوا.

كريم جري ناحية الشباك، وبص برة.

كان فيه تلات عربيات سودا وقفت قدام البوابة الرئيسية.

نزل منها كذا شخص، وكل واحد ماسك جهاز اتصال.

لكن اللي لفت نظر مريم...

إن واحد منهم كان شايل ملف أزرق.

نفس اللون اللي شافته في إيد كريم مرة قبل كده وهو في البيت، قبل شهور، ولما سألته عنه قال لها إنه مجرد أوراق شغل.

الراجل الكبير لف ناحيتهم بسرعة وقال

اسمعوني كويس... من اللحظة دي، أي كلمة هتتقال لازم تتحسب.

وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير جدًا، مختلف عن الأول.

وحطه في إيد مريم.

وقال

لو حصل أي حاجة... أوعي تدي المفتاح ده لحد.

مريم سألته

بيفتح إيه؟

رد وهو بيبص ناحية باب المخزن اللي بدأت حدوده تتحرك من بره

ده... اللي الكل بيدور عليه.

وفي نفس اللحظة، دوى صوت خبط عنيف على الباب الرئيسي...

مرة...

واتنين...

وتلاتة...

ثم سمعوا صوت حد بيصرخ من الخارج

افتحوا الباب... إحنا جايين قبل ما يوصلوا!

التلاتة بصوا لبعض في حيرة.

لأنهم كانوا شايفين العربيات قدام الباب...

لكن الصوت اللي بينادي عليهم... كان جاي من الناحية التانية تمامًا للمخزن النهاية

مريم بصت ناحية الصوت، ثم للعربيات اللي واقفة قدام الباب الرئيسي.

قال الراجل الكبير بسرعة

لو فتحتوا الباب الغلط... كل حاجة هتضيع.

كريم أخد نفسًا عميقًا وقال

أنا هروح أشوف.

مسكه الراجل من دراعه.

لأ... المرة دي القرار لمريم.

مريم استغربت.

أنا؟

هز رأسه وقال

من أول يوم وإنتِ الوحيدة اللي محدش قدر يتوقع هتكوني موجودة. علشان كده كل الخطة اتغيرت.

وقفت مريم لحظة، وافتكرت كل اللي حصل من أول ركوب الطيارة... الرسائل، الظرف، الفلاشة، المفتاح، والمخزن.

وفجأة فهمت.

بصت لكريم وقالت

كل

ده ماكنش علشان مستند... صح؟

ابتسم الراجل لأول مرة.

أخيرًا.

أخذ الفلاشة من إيد مريم، ووصلها باللابتوب الموجود على المكتب.

ظهرت عشرات الملفات.

لم تكن تحويلات أموال ولا صفقات سرية.

كانت عقود مزورة، وفواتير مضروبة، وتسجيلات تثبت أن مجموعة من كبار الموظفين في أكثر من شركة كانوا بيستغلوا أسماء الشركات لسرقة ملايين الجنيهات على مدار سنين، بينما المديرين الحقيقيين لا يعلمون شيئًا.

كريم كان أول واحد اكتشف التلاعب.

ولأنه رفض يشاركهم، بقى هدفًا لهم.

أما ندى، فكانت بتساعده تجمع الأدلة وتحافظ عليها بعيد عن أعين المتورطين.

ولذلك كان كريم بيكذب على مريم في السفر، مش لأنه بيخونها...

لكن لأنه كان عارف إن أي حد يقرب منه هيبقى في خطر.

في اللحظة دي، الراجل الكبير ضغط زرًا في اللابتوب.

خلال ثوانٍ، ظهرت رسالة

تم إرسال جميع الملفات إلى الجهات المختصة بنجاح.

في الخارج، سمعوا أصوات العربيات وهي بتتحرك بسرعة.

المتورطون فهموا إن اللعبة انتهت.

هربوا قبل ما توصل قوات الأمن بدقائق.

بعد أقل من ربع ساعة، وصلت الجهات المختصة للمخزن، واستلمت النسخ الأصلية والملفات.

وخلال أسابيع، تم القبض على عدد كبير من المسؤولين المتورطين، واتفتحت أكبر قضية فساد شهدها القطاع من سنوات.

رجعت مريم البيت مع كريم، لكن الصمت كان بينهم طويل.

وقف كريم قدامها وقال

أنا غلطت لما خبيت عنك... حتى لو كنت بعمل كده أحميكي.

ردت مريم وهي تبصله

الثقة مش معناها إننا نعرف كل حاجة... لكن معناها إننا منخليش اللي بنحبه يعيش في شك.

مد إيده لها وقال

تديني فرصة أصلح اللي اتكسر؟

ابتسمت بعد لحظة صمت، ومسكت إيده.

وقالت

المرة دي... من غير أسرار.

وبعد سنة...

كانوا واقفين مع بعض في افتتاح شركة جديدة، أسسوها بعد ما قرر كريم يسيب شغله القديم.

أما ندى، فبقت شريكة في إدارة الشركة بعد ما اتكرمت على شجاعتها ومساعدتها في كشف الحقيقة.

ومريم كل ما تفتكر الرحلة دي، تبتسم وتقول

أغرب رحلة في حياتي بدأت بشك... وانتهت بكشف حقيقة أنقذت ناس كتير.

تمت.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close