خدامة في بيت أمي كامله بقلـم حكايات منـال علي
خدامة في بيت أمي 1 بقلـم حكايات منـال علي
“بعد وفــاة أبويا أمي حرمتني من حقي في الحــياة، ولما اتجوزت أخواتي حاولوا يهــدوا بيتي.”
بقلـم حكايات منـال علي
أول مرة حسيت إن البيت ممكن يبقى سجن… كانت بعد وفاة أبويا قبلها، كنت البنت المدللة.
مش عشان أنا أصغر واحدة… لأ، أنا كنت التالتة من خمس بنات، لكن أبويا كان بيقول دايمًا:
“دي حتة من قلبي.”
كان راجل حنين بطريقة تخلي أي هم يهون.
كل يوم قبل ما ينزل شغله يعدي عليا الأول.
“عاملة إيه يا سلمى؟”
ولو كنت زعلانة من أي حاجة، مهما كانت بسيطة، يقعد يسمعني كأن كلامي أهم حاجة في الدنيا.
كان يحسسني إن ليا ضهر.
إن فيه حد هيحارب الدنيا كلها عشاني.
ولما كنت أسمعه بيقول لأمي وهو بيضحك:
“البنت دي غالية عندي أوي.”
كنت بحس إني ملكة.
مكنتش أعرف إن كل الإحساس بالأمان ده هيختفي في لحظة.بقلـم حكايات منـال علي
اليوم اللي دفناه فيه…
رجعت البيت وأنا مستنية حضنه.
وبعدين افتكرت إنه خلاص مش موجود.
ومن ساعتها…
كل حاجة اتغيرت.بقلـم حكايات منـال علي
في الأول كنت بقول إن أمي حزينة.
يمكن الضغط خلاها عصبية.
يمكن المسئولية تقيلة عليها.
لكن الأيام كانت بتكشف الحقيقة واحدة واحدة.
أختي الكبيرة تصحى من النوم…
أمي تجيب لها الفطار لحد أوضتها.
أختي اللي بعدها ترجع من الجامعة…
تلاقي الغدا جاهز.
أما أنا…
“سلمى… اغسلي المواعين.”
“سلمى… امسحي الأرض.”
“سلمى… اغسلي هدوم أخواتك.”
“سلمى… اعملي شاي.”
“سلمى… حضري العشا.”
في الأول كنت بساعد بحب.
كنت بقول البيت بيتنا كلنا.
لكن مع الوقت…
بقيت أنا الوحيدة اللي بتعمل كل حاجة.
حتى هدوم أخواتي الداخلية كنت أنا اللي بغسلها.
ولو اتأخرت خمس دقايق…
أسمع صوت أمي يهز البيت.
“إنتي نايمة؟”
“هو البيت هينضف لوحده؟”
“هو الأكل هيستوي بالسحر؟”
كنت ببص حواليّا.
أربع بنات قاعدين.
واحدة ماسكة الموبايل.
واحدة بتتفرج على مسلسل.
واحدة خارجة مع صاحباتها.
والرابعة نايمة.
وأما أنا…
من المطبخ للغسيل للتنضيف.بقلـم حكايات منـال علي
لدرجة إن إيديا بقت كلها تشققات.
وفي مرة…
كنت تعبانة جدًا.
حرارتي عالية.
قلت لها بهدوء:
“ماما… ممكن حد يساعدني النهارده؟”
بصتلي ببرود وقالت:
“أخواتك بيتعبوا في الشغل والدراسة.”
سكت.
رغم إني كنت أنا اللي تعبانة.
ورغم إني أنا الوحيدة اللي واقفة على رجلي.
يوم ورا يوم…بقلـم حكايات منـال علي
بدأت أحس إني مش بنت في البيت.
أنا عاملة.
بدون مرتب.
بدون راحة.
بدون حتى كلمة شكر.
عدت سنة…
واتنين…
وتلاتة.
صحابي كل واحدة بدأت حياتها.
واحدة اشتغلت.
واحدة اتخطبت.
واحدة سافرت.
وأنا؟
ولا حاجة.
كل ما أقول لأمي:
“عايزة أدور على شغل.”
ترد بسرعة:
“شغل إيه؟”
“البيت أولى.”
ولما أقول:
“أنا خلصت جامعة.”
تقول:
“إنتي مش ناقصك حاجة.”
لكن الحقيقة…
كان ناقصني حياة كاملة.
وفي يوم…
لقيت واحدة من صحباتي بتكلمني.
قالتلي:
“في شركة طالبة موظفين.”
قلبي طار من الفرحة.
حضرت الورق.
ولأول مرة بعد سنين…بقلـم حكايات منـال علي
حسيت إن فيه أمل.
دخلت على أمي وأنا مبتسمة.
“ماما… عندي إنترفيو بكرة.”
حتى ما بصتش في وشي.
قالت وهي بتقلب في التليفزيون:
“مش هتروحي.”
افتكرت إنها بتهزر.بقلـم حكايات منـال علي
ضحكت.
“ليه يعني؟”
ردت بمنتهى البرود:
“عشان أنا قلت كده.”
قلت لها:
“بس ده مستقبلي.”
بصتلي بنظرة عمري ما هنساها.
وقالت:
“مستقبلك هنا.”
وأشارت بإيدها ناحية المطبخ.
الكلمة دي كسرتني.
لأول مرة…
حسيت إني ماليش قيمة.
إني مجرد إيد بتشتغل.
عديت الليلة كلها بعيط.
وفي الصبح…
صحيت بدري.
لبست هدومي.
ولسه همسك الشنطة…
سمعت صوتها.بقلـم حكايات منـال علي
“لو خرجتي من الباب ده… ما ترجعيش.”
وقفت مكاني.
كنت محتاجة الشغل.
لكن مكنش عندي مكان أروحله.
ولا فلوس.
ولا حد يسندني.
قلعت الطرحة.
ورجعت أوضتي.
اليوم ده…
كان أول يوم أحس فيه إني اتدفنت وأنا عايشة.
بعدها بسنة تقريبًا…
دخلت أمي أوضتي وقالت:
“قومي البسي.”
استغربت.بقلـم حكايات منـال علي
“ليه؟”
قالت:
“ناس جاية تشوفك.”
قلبي دق بسرعة.
مكنتش مصدقة.
بعد كل السنين دي…
فيه حد متقدملي؟
العريس كان محترم جدًا.
كلامه هادي.
ونظراته كلها احترام.
وأهله كانوا ناس بسيطة وطيبين.
ولأول مرة…
حسيت إن حد شايفني كبنت.
مش كخدامة.
بعد ما مشيوا…
فضلت طول الليل بدعي.
وأقول:
“يارب… تكون بداية جديدة.”
لكن تاني يوم…
سمعت أمي بتتكلم في التليفون.
“إحنا مش موافقين.”
جريت عليها.
“ليه يا ماما؟”
قفلت المكالمة.
وقالت بمنتهى الهدوء:
“مش هتتجوزي.”
اتجمدت.
“يعني إيه؟”
قالت:
“لما أخواتك يتجوزوا الأول.”
قلت:
“بس أنا اللي اتقدملي.”
قالت ببرود أشد من التلج:
“ومين هيعمل شغل البيت لو مشيتي؟”
…
الكلمة دي…
كانت أول مرة أفهم فيها الحقيقة كاملة.
أنا بالنسبالها…
مش بنت.
أنا الخدامة اللي خايفة تخسرها.
وقبل ما أستوعب الصدمة…بقلـم حكايات منـال علي
رن جرس الباب.
ولما فتحت…
لقيت الشخص الوحيد اللي كان لسه شايفني إنسانة…
خالي.
دخل البيت وهو باين عليه الغضب، وبمجرد ما بص في وشي فهم إن في حاجة كبيرة حصلت.
قال بصوت هادي:
“مالك يا سلمى؟”
وقبل ما أجاوب…بقلـم حكايات منـال علي
سمع صوت أمي وهي بتقول من جوه:
“قولتلها خلاص… الجوازة دي مش هتتم.”
ساعتها… خالي وقف مكانه، وبص لها نظرة عمري ما هنساها.
وقال جملة واحدة…
خلت ملامح أمي كلها تتغير….
يتبع….
فضل خالي واقف في نص الصالة، وباصص لأمي من غير ما يرمش.
وقال بهدوء، لكن نبرة صوته كانت كلها غضب:
“هو إيه اللي سمعته ده؟ يعني إيه مش هتتجوز عشان مين هيعمل شغل البيت؟”
أمي عقدت دراعاتها وقالت ببرود:
“دي بنتي… وأنا حرة فيها.”
رد عليها من غير ما يرفع صوته:
“لأ… دي مش ملكك. دي إنسانة، وليها حق تعيش وتتجوز وتشتغل. وإنتِ هتتحاسبي قدام ربنا على اللي بتعمليه فيها.”
حسيت لأول مرة من سنين إن حد بيتكلم بالنيابة عني.
لكن أمي ما سكتتش.
قالت وهي بتبصلي باحتقار:بقلـم حكايات منـال علي
“هي اللي لعبت في دماغك؟ ولا هي مستعجلة على الجواز؟”
خالي قال بحزم:
“اللي مستغربه إنك أم، والمفروض تكوني أول واحدة تفرحي لبنتك.”
سكتت لحظة… وبعدين قامت دخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف.
افتكرت إن الموضوع انتهى.
لكن ده كان أول الحرب.
…
بعد يومين، خالي كلمني وقال إن أهل العريس لسه متمسكين بيا، وإنهم مستعدين يجوا مرة تانية.
قلبي دق من الفرحة والخوف في نفس الوقت.
قلتله:
“بس ماما؟”
قال بثقة:
“سيبيها عليا.”
وفعلًا، جُم.
المرة دي الجو كان متوتر.
أمي كانت قاعدة، لكن ولا مرة بصت في وش حد.
كانت كل إجاباتها بكلمة.
“ماشي.”
“براحتكم.”
“اللي تشوفوه.”
وأول ما الناس مشيت…
انفجرت.
“إنتِ فاكرة إنك هتسيبيني وتمشي؟”
فضلت ساكتة.بقلـم حكايات منـال علي
قالت:
“البيت ده هيتخرب من غيرك.”
وقتها خرجت مني أول كلمة اعتراض بعد سنين.
“وأنا؟”
بصتلي باستغراب.
كأني لأول مرة أتكلم.
قلت وأنا دموعي بتنزل:
“مين فكر فيا كل السنين دي؟”
“مين سأل أنا تعبانة ولا لأ؟”
“مين قال لي كلمة حلوة؟”
“أنا بني آدم يا ماما… مش ماكينة شغل.”
رفعت إيدها…
وكانت أول مرة في حياتها تحاول تضربني.
لكن خالي مسك إيدها قبل ما توصلني.
وقال بغضب:
“كفاية!”
…
بعد أسبوع تمت الخطوبة.بقلـم حكايات منـال علي
ولا كأن فيه فرحة في البيت.
أخواتي كانوا بيبصولي وكأني سرقت منهم حاجة.
الكبيرة قالت وهي بتضحك بسخرية:
“هنشوف هتكمل كام شهر وترجع.”
والتانية قالت:
“أكيد مستحملهاش.”
كنت بسمع وأسكت.
مش ضعف…
لكن عشان كنت نفسي أبدأ حياة جديدة.
…
بدأنا نجهز للجواز.
ووقتها اكتشفت حاجة وجعتني أكتر.
أي فلوس كان جدي أو عمامي يبعتوهالي…
أمي تاخده.
ولما أسألها:
“الفلوس راحت فين؟”
ترد بمنتهى البرود:
“حطيتهم في البنك.”
“ليه؟”
“لأخواتك.”
فضلت أبصلها مش مستوعبة.
“يعني فلوسي… لأخواتي؟”
قالت:
“إنتِ هتتجوزي، إنما هما لسه.”
في اللحظة دي حسيت إن ماليش أي حق في أي حاجة.
حتى حقي البسيط…
كان بيتاخد مني.
…
خالي لما عرف، ما اتكلمش كتير.
راح اشترى الأوضة.
وجاب الأجهزة.
وجاب كل حاجة كنت محتاجاها.
كل مرة كنت أقوله:
“حرام عليك… كفاية.”
كان يبتسم ويقول:
“أنا بعمل اللي كان أبوكي هيعمله.”
الجملة دي كانت بتخليني أعيط كل مرة.
…
كل ما ميعاد الفرح يقرب…بقلـم حكايات منـال علي
تصرفات أمي كانت بتبقى أغرب.
كل يوم خناقة.
كل يوم إهانة.
كل يوم كلام يوجع.
وفي ليلة…
سمعتها بتتكلم مع واحدة من قرايبنا.
كانت بتقول:
“الجوازة دي لازم تقف.”
وقلبي وقع.
فضلت واقفة ورا الباب أسمع.
وفجأة قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي…
“ولو اضطريت أقول كلام يبوظ سمعتها… هقوله.”
وقتها… عرفت إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
يتبع…
خدامة في بيت أمي 2 بقلـم حكايات منـال علي
الليلة دي ما نمتش.
فضلت قاعدة على سريري، وكل كلمة سمعتها من أمي بتلف في دماغي.
“ولو اضطريت أقول كلام يبوظ سمعتها… هقوله.”
هو ممكن أم تعمل كده في بنتها؟
فضلت أقنع نفسي إنها كانت متعصبة، وإنها مستحيل تنفذ اللي قالت عليه.
لكن للأسف…بقلـم حكايات منـال علي
كنت غلطانة.
تاني يوم الصبح، صحيت على رنات تليفوني ورا بعض.
لقيت واحدة من قرايبنا بتكلمني.
أول ما رديت قالت بتردد:
“هو… في حاجة حصلت بينك وبين خطيبك؟”
استغربت.
“لأ… ليه؟”
سكتت ثواني وقالت:
“أصل… خالتك… أقصد والدتك… بتقول كلام مش كويس.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قفلت المكالمة وأنا جسمي كله بيرتعش.
بعدها بدقائق، لقيت خطيبي بيتصل.
أول ما رديت، حسيت من صوته إنه متضايق.
قال بهدوء:
“إنتِ كويسة؟”
قلت وأنا بحاول أمسك دموعي:بقلـم حكايات منـال علي
“في إيه؟”
رد:
“في كلام بيتقال علينا.”
قلبي وقع.
“إيه الكلام؟”
سكت لحظة، وكأنه مش قادر ينطقه.
وبعدين قال:
“بيقولوا إننا بنقابل بعض في السر… وإنك خرجتي معايا قبل الخطوبة، وإن في حاجات ما ينفعش تتقال.”
صرخت من غير ما أحس:
“كدب!”
قال بسرعة:
“أنا عارف إنه كدب… وعشان كده كلمتك.”
فضل يبص لي بعقله قبل قلبه، وده كان أول موقف خلاني أحترمه أكتر.
قال:
“أنا واثق فيكي… لكن لازم نعرف مين اللي بيعمل كده.”
وأنا كنت عارفة.
عارفة كويس.
لكن لساني كان رافض ينطق.
إزاي أقول إن أمي هي اللي بتنشر الكلام ده؟
…بقلـم حكايات منـال علي
بعدها بيوم، خالي عرف باللي بيحصل.
دخل البيت وهو غضبان لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
وقف قدام أمي وقال:
“إنتِ بتعملي إيه؟”
قالت بمنتهى البرود:
“أنا معملتش حاجة.”
قال:
“الناس كلها بتتكلم… والكلام طالع من عندك.”
ردت وهي رافعة حاجبها:
“أنا بقول اللي أعرفه.”
خالي زعق:
“يعني بتشوهي سمعة بنتك؟”
قالت ببرود غريب:
“أهو يمكن العريس يسيبها.”
ساعتها حسيت إن قلبي اتكسر.
ماكنتش مصدقة إن الجملة دي خرجت من أم.
خالي خرج من البيت وهو بيقول:
“من النهارده… سلمى مسؤوليتي أنا.”
…
رغم كل اللي حصل، أهل خطيبي تمسكوا بيا.
وأمه مسكت إيدي وقالت:بقلـم حكايات منـال علي
“إحنا عرفنا أخلاقك… ومش هنسمع كلام حد.”
يومها بكيت لأول مرة من الفرحة.
كان فيه حد مصدقني.
حد شايف الحقيقة.
…
بدأنا نجهز للفرح.
لكن أمي كانت كل يوم تعمل مشكلة.
مرة ترفض تدخل الناس البيت.
ومرة تخبي الورق.
ومرة تقول إنها مش هتحضر.
وأخواتي كانوا بيزودوا النار.
كل واحدة تقول كلمة تسمم اليوم.
“لسه قدامها… الجوازة دي مش هتكمل.”
“هنشوف هتفرح قد إيه.”
كنت كل ليلة أنام وأنا بدعي:
“يارب… عدّي اليوم ده على خير.”
…
وقبل كتب الكتاب بثلاثة أيام…بقلـم حكايات منـال علي
دخلت أوضتي لقيت الدولاب مفتوح.
وكل هدومي مرمية على الأرض.
ودهبي البسيط اللي خالي كان جايبهولي… اختفى.
جريت على أمي.
قلت:
“دهبي فين؟”
ردت بمنتهى الهدوء:
“معرفش.”
قلت:
“البيت مفيهوش غيرنا.”
قالت وهي بتبصلي باستهزاء:
“يبقى دوري عليه.”
في اللحظة دي…
بدأ الشك يدخل قلبي.
لكن ماكنش عندي دليل.
رجعت أوضتي، وأنا حاسة إنهم مستعدين يعملوا أي حاجة… بس الفرح ما يتمش.
لكن اللي ماكنتش أعرفه…
إن يوم كتب الكتاب نفسه، كان مخبّيلي صدمة أكبر بكتير…
يتبع…
صحيت يوم كتب الكتاب قبل الفجر.
أول مرة من سنين أقوم وأنا حاسة إن قلبي فيه أمل.
فضلت أبص في السقف وأقول لنفسي:
“خلاص يا سلمى… النهارده بداية حياة جديدة.”
قمت اتوضيت، وصليت، ودعيت من كل قلبي إن اليوم يعدي على خير.
لكن من أول دقيقة… حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
البيت كان هادي بشكل يخوف.
ولا أمي كلمتني.
ولا واحدة من أخواتي قالت لي حتى “مبروك”.
كل واحدة كانت ماشية كأني مش موجودة.
دخلت المطبخ أعمل لنفسي كوب شاي.
لقيت أمي داخلة، بصتلي من فوق لتحت وقالت ببرود: بقلـم حكايات منـال علي
“لسه قدامك فرصة… لو مش عايزة تفضحي نفسك قدام الناس.”
بصيت لها بعدم فهم.
“يعني إيه؟”
ابتسمت ابتسامة خلت جسمي يقشعر.
وقالت:
“الجوازة دي مش هتكمل.”
وسابتني ومشيت.
فضلت واقفة مكاني، وحاسة إن قلبي بيتقبض.
لكن قررت أكمل.
بعد ساعات، جه خالي ياخدني.
أول ما شاف وشي قال:
“متخافيش… أنا معاكي.”
الكلمتين دول كانوا كفاية يرجعولي شوية قوة.
وصلنا القاعة الصغيرة اللي هيتكتب فيها الكتاب.
أهل خطيبي كانوا موجودين، وكلهم بيستقبلوني بابتسامة.
أما من ناحيتي…بقلـم حكايات منـال علي
كنت ببص على الباب كل شوية.
يمكن أمي تدخل.
يمكن تيجي في آخر لحظة.
يمكن حضن واحد منها ينسيني كل اللي فات.
لكن الباب فضل مقفول.
بدأ المأذون يجهز الورق.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف.
دخلت أمي، ووراها أختين من أخواتي.
كل الناس بصت عليهم.
افتكرت إنها جت تبارك.
لكن أول جملة قالتها خلت القاعة كلها تسكت.
“الجوازة دي باطلة… والبنت دي مش محترمة.”
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
المكان كله اتجمد.
وأهل خطيبي بصوا لبعض في صدمة.بقلـم حكايات منـال علي
فضلت أمي تتكلم، وترمي اتهامات وكلام يجرح، وكأنها بتتكلم عن واحدة غريبة، مش بنتها.
أنا كنت واقفة مش قادرة أنطق.
ولا حتى أبكي.
خالي وقف قدامها وقال بغضب:
“اتقي الله… إنتِ بتقولي إيه؟”
لكنها كانت مصممة تكمل.
ساعتها…
خطيبي قام من مكانه لأول مرة.
بص لها بكل هدوء وقال:
“أنا أعرف بنت حضرتك كويس… وواثق فيها أكتر من أي كلام بيتقال.”
ثم بص للمأذون وقال:بقلـم حكايات منـال علي
“كمّل يا شيخ.”
الجملة دي رجعتلي روحي.
وأول مرة أحس إن الراجل اللي اخترته هيكون سند حقيقي.
حاولت أمي تعطل كتب الكتاب، لكن معظم الموجودين وقفوا ضدها، لأنها ماكانش معاها أي دليل، وكل كلامها كان مجرد اتهامات.
في النهاية…
اتكتب الكتاب.
وأنا بقيت على اسم جوزي.
لكن أمي خرجت من القاعة وهي بتبصلي نظرة كلها كره.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت بصوت عالي:
“والله ما هتشوفي يوم عدل.”
الجملة دي فضلت ترن في ودني.
افتكرتها مجرد دعوة من أم غاضبة.
ماكنتش أعرف…
إنها كانت بداية سلسلة مصايب أكبر بكتير.
لأن بعد أيام قليلة…بقلـم حكايات منـال علي
في ليلة الحنة، حصلت حاجة قلبت فرحتي كلها، وخلت كل اللي حضروا يتكلموا عن اللي حصل بدل ما يفرحوا بيا.
يتبع…
خدامة في بيت أمي 3 بقلـم حكايات منـال علي
بعد اللي حصل في كتب الكتاب، كنت متخيلة إن أمي خلاص عملت كل اللي تقدر عليه.
قلت لنفسي:
“أسوأ حاجة عدت.”
لكن الحقيقة…
كانت لسه جاية. بقلـم حكايات منـال علي
بدأت أجهز لليلة الحنة، وأنا بحاول أفرح حتى لو فرحة ناقصة.
صحابي كانوا مصممين ينسوني كل اللي حصل.
كل واحدة كانت بتكلمني وتضحكني، وتقولي:
“اللي فات خلاص… ركزي في فرحتك.”
وكنت فعلًا بحاول.
لبست فستان بسيط، وقعدت وسط البنات، ولأول مرة من شهور ضحكت من قلبي.
لكن الضحكة دي…
ما كملتش عشر دقايق.
فجأة، باب القاعة اتفتح بعنف.
دخلت أمي، ووراها أختي الكبيرة وأختي اللي بعدها.
وشها كان كله غضب.
قبل ما أي حد يفهم في إيه، بدأت تزعق بأعلى صوتها:
“الفرح ده مش هيكمل!”
كل البنات سكتوا.
المزيكا وقفت.
والأنظار كلها بقت علينا.
جريت عليها وأنا بقول:
“ماما… بالله عليكي، مش النهارده.”
زقت إيدي بعنف وقالت:
“إنتِ خلاص ما بقتيش بنتي.”
حسيت إن قلبي اتقطع.
لكن اللي وجعني أكتر…
إنها بدأت تطرد صحابي.
“يلا… امشوا من هنا.”
“مفيش حنة.”
صحابي حاولوا يهدوها، لكنها كانت بتزعق في الكل.
واحدة من صحباتي مسكت إيدي وهي بتعيط.
وقالت:
“إحنا هنفضل معاكي.”
لكن أمي فضلت تصرخ لحد ما معظم البنات خرجوا وهم مصدومين.
خلال دقائق…
المكان اللي كان مليان ضحك، بقى فاضي.
وقعدت أنا على الكرسي أبكي.
خالي دخل بعد ما سمع اللي حصل.
بص حواليه، وفهم كل حاجه
فضل خالي واقف يبصلي وأنا قاعدة بعيط، ومش لاقية حتى كلمة أقولها.
قرب مني وربت على كتفي وقال:
“ارفعي راسك يا بنت أختي… والله العظيم هييجي يوم تفتكري اللي حصل ده وتعرفي إن ربنا نجاكي.”
هزيت راسي وأنا بمسح دموعي، لكن وجعي كان أكبر من أي كلام يهون.
تاني يوم كان الفرح.
دخلت الفستان الأبيض، وكل بنت بتحلم إنها تشوف نفسها أجمل عروسة في الدنيا.
بصيت لنفسي في المراية، وافتكرت أبويا.
لو كان عايش… كان هيكون أول واحد واقف جنبي، وهيضحك وهو بيقول:بقلـم حكايات منـال علي
“عروستي كبرت.”
الكلمة دي خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.
خالي شافني، فقال بابتسامة حزينة:
“بلاش دموع النهارده… أبوكي أكيد نفسه يشوفك فرحانة.”
مسكت نفسي بالعافية.
وخرجت.
الفرح عدى بهدوء، لكن كان ناقصه أهم ناس كنت أتمنى يكونوا معايا.
ولا أمي حضرت.
ولا أخواتي.
كأنهم قرروا يمحوا وجودي من حياتهم.
…
بعد الفرح، روحت بيتي الجديد.
أول مرة أدخل مكان وأحس إنه بتاعي.
شقة بسيطة، مش كبيرة، لكن كانت بالنسبة لي قصر.
كنت ألف فيها وأنا مبتسمة.
وجوزي كان بيبصلي ويضحك.
قال:
“مبسوطة؟”
بصيت حواليّ وقلت:
“أوي… أول مرة أحس إن عندي بيت.”
ابتسم وقال:
“ومن النهارده… محدش هيكسرك.”
الجملة دي خلتني أعيط.
لكن كانت دموع راحة.
…
تاني يوم الصبح…
صحيت على صوت خبط على الباب.
فتحت.
لقيت خالي واقف، وفي إيده أكياس أكل.
ابتسم وقال:
“أكيد محدش فيكم هيعرف يطبخ النهارده.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دخل وقعد معانا شوية، وفضل يوصينا على بعض.
وقبل ما يمشي، حضني وقال:
“لو احتجتي أي حاجة… اعتبريني أبوكي.”
فضلت أبكي بعد ما نزل.
…
لكن الفرحة ما طولتش.
بعدها بساعات، تليفوني رن.
كان رقم أختي الكبيرة.
استغربت إنها بتكلمني.بقلـم حكايات منـال علي
رديت بسرعة.
لقيتها بتقول بحدة:
“انتي قاعدة مرتاحة؟”
قلت باستغراب:
“في إيه؟”
قالت:
“أمي تعبانة.”
من غير تفكير، لبست هدومي وجريت.
أول ما وصلت البيت، لقيت أمي نايمة على السرير، ونفسها طالع بالعافية.
قربت منها.
مسكت إيدها.
كانت أول مرة ألمس إيدها من شهور.
فتحت عينيها بالعافية، وبصتلي.بقلـم حكايات منـال علي
وشفايفها كانت بتتحرك.
حاولت أسمع.
كانت بتقول كلمات متقطعة… مش مفهومة.
لكن وسط الكلام، سمعتها بتردد اسمي.
“سلمى…”
ولأول مرة من سنين…
شفت دموع في عينيها.
في اللحظة دي، قلبي ضعف.
قلت يمكن… يمكن كانت عايزة تعتذر.
يمكن ندمت.
لكن قبل ما أسمع منها أي كلمة واضحة…
جسمها سكن فجأة.بقلـم حكايات منـال علي
والأجهزة بدأت تصدر صوتًا متواصلًا…
والدكتور جري ناحيتها وهو بيصرخ:
“اطلعوا برة بسرعة!”
يتبع…
وقفت برة الأوضة، رجليا مش شيلاني.
رغم كل اللي شوفته منها…
ورغم كل الدموع اللي نزلت بسبـبها…
كنت بدعي من قلبي:
“يارب تقوم بالسلامة.”
بعد دقائق، الدكتور خرج وهو مطأطئ راسه.
وقال بهدوء:
“البقاء لله.”
حسيت إن الدنيا وقفت.
أمي ماتت… من غير ما أعرف هي كانت فعلًا عايزة تعتذر، ولا كانت عايزة تقول أي حاجة تانية.
فضل السؤال ده عايش جوايا.
يمكن لحد النهارده.بقلـم حكايات منـال علي
…
عدى يوم الدفن، وعدى العزا.
كنت بحاول أعمل اللي يرضي ربنا.
أقرأ لها قرآن، وأدعيلها بالمغفرة، وأقول لنفسي إن الحساب عند رب العالمين.
لكن اللي حصل بعد الدفن بثلاثة أيام…
مكنتش أتخيله أبدًا.
أخواتي الأربعة جم بيتي.
استقبلتهم باحترام.
افتكرت إنهم جايين يفتحوا صفحة جديدة.
لكن أول ما قعدوا…
قالت أختي الكبيرة:
“إحنا اتفقنا على حاجة.”
قلت:
“خير؟”
قالت بمنتهى البرود:
“تطلقي.”
افتكرت إني سمعت غلط.
“إيه؟”
قالت:
“وترجعي تعيشي معانا.”
بصيت لها بعدم استيعاب.
“أرجع ليه؟”
ردت من غير أي كسوف:
“البيت واقف.”
أختي التانية كملت:
“إحنا مش هنلحق على شغل البيت كله.”
في اللحظة دي…
ضحكت.
أول ضحكة من سنين.بقلـم حكايات منـال علي
لكنها كانت ضحكة وجع.
قلت:
“يعني بعد كل اللي حصل… لسه شايفيني خدامة؟”
قالت الكبيرة:
“ده واجبك.”
وقفت، وبصيت في وشهم واحدة واحدة.
وقلت لأول مرة من غير خوف:
“لا… مش واجبي.”
“أنا عندي بيت.”
“وعندي جوز.”
“وعندي حياة.”
“والسنين اللي ضاعت… مش هتضيع الباقي منها.”
وشهم كله اتغير.
وقاموا ومشيوا وهم بيتوعدوني.
…
بعدها بيومين، كنت أنا وجوزي في العزا عند واحد من قرايبنا.
العزا خلص، والناس بدأت تمشي.
وفجأة…
أختي الصغيرة صرخت وسط الناس.
“ألحقوني… جوزها اتحرش بيا.”
الدنيا اتقلبت في ثواني.بقلـم حكايات منـال علي
الكل بص لجوزي.
وأنا حسيت إن قلبي هيقف.
لكن جوزي ما اتكلمش.
كل اللي قاله بهدوء:
“هاتوا الكاميرات.”
صاحب المكان فتح تسجيل الكاميرات.
وقفنا كلنا نتفرج.
وكانت الحقيقة واضحة.
جوزي كان بعيد عنها تمامًا.
ولا لمسها.
ولا حتى قرب منها.
ساعتها، الناس كلها فهمت الكذب.
وأختي نزلت راسها من الكسوف.
أما أنا…
فوقفت أبص لهم، وحسيت إن آخر خيط كان بيربطني بيهم اتقطع.
…
رجعنا البيت.
كنت ساكتة طول الطريق.
جوزي مسك إيدي وقال:
“من النهارده… محدش منهم يدخل حياتنا.”
بصيتله.
قال بحزم:
“أنا استحملت عشان خاطرك… لكن خلاص.”
هزيت راسي وأنا بعيط.
لأول مرة، حسيت إن عندي سند حقيقي.
…
مرت الشهور.
وربنا رزقني بحمل.
ويوم ما شلت بنتي بين إيديا…
حضنتها جامد، ووعدتها بوعد واحد.
“عمرك ما هتحسي إنك أقل من حد… وعمرك ما هتدوري على الحنان برا بيتك، طول ما أنا عايشة.”
في اللحظة دي افتكرت أبويا.بقلـم حكايات منـال علي
وافتكرت حنيته.
وعرفت إن الإنسان ممكن يخسر ناس كتير…
لكن ربنا قادر يعوضه بأشخاص يكونوا وطن كامل.
سامحت أمي بيني وبين نفسي، ودعيت لها بالرحمة.
أما أخواتي…
فسيبتهم لاختيارهم.
لأن أوقات، أفضل انتقام مش إنك ترد الأذى…
أفضل انتقام إنك تعيش سعيد، وتبني الحياة اللي حاولوا يمنعوك منها.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق