القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!

 احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!

 



احتفلوا بميلاد وريثهم… بينما كان طفلهم الحقيقي يُرمى في القمامة!

 

انهمرت العاصفة على المدينة كأن السماء فقدت صبرها أخيرا. شق برق الليل نصفين ودوى الرعد بغضب عتيق وغسلت الأمطار الشوارع كدموع لا تتوقف.

ومع ذلك كان هناك مكان واحد لا تستطيع أي مطر أن يطهره مكب النفايات البلدي.

بين أكياس قمامة ممزقة وبلاستيك غارق في الوحل وشظايا زجاج تلمع كأسنان مكسورة كانت فتاة صغيرة مشردة تتحرك بسرعة وحذر.

كان اسمها دانا.

لم تتجاوز الثامنة من عمرها.

لكن يديها كانتا تبدوان أكبر بكثير من سنها.

كانت ترتدي سترة رمادية واسعة أكثر من اللازم أثقلتها الأمطار وحذاءين غير متشابهينأحدهما مرقع على نحو بدائي بشريط فضي. كانت ترتجف مبللة حتى العظم لكنها لم تتوقف عن الحركة.

فالجوع لا يسمح بالراحة.

وحين يعض الجوع يتعلم حتى الطفل أن يمشي عبر الألم.

كانت دانا تبحث عما تبحث عنه دائما علبا فارغة وقطعا من أسلاك النحاس وأي شيء يمكنها بيعه.

شيء واحد فقط بعد همست لنفسها كأن هذه الكلمات قد تبقيها واقفة.

لم تأكل منذ أكثر من يوم.

لكنها لم تكن تفكر في الطعامكانت تفكر في الصباح.

والصباح يعني السوق.

والسوق يعني عملات معدنية.

والعملات قد تعني وجبة ساخنة.

كانت على وشك العودة إلى ملجئهاصندوق كرتون مقوى مخبأ في زقاقحين تغير الهواء فجأة.

لم يكن ذلك رعدا.

ولم يكن شاحنة قمامة.

كان صوتا لا ينتمي إلى ذلك المكان.

خريرا ناعما ومترفا لمحرك سيارة فاخرة.

تجمدت دانا في مكانها.

في عالمها



لليل قواعد.

ولا أحد يذهب إلى مكب النفايات في تلك الساعة لأسباب بريئة.

صرخ حدسها بالخطر.

انزلقت خلف كومة من الإطارات القديمة وتكورت على نفسها وكادت تحبس أنفاسها.

شقت الأضواء الأمامية الظلام.

توقفت سيارة سوداء أنيقة على مقربة بدت غير واقعية وسط القذارة كأنها مركبة فضائية هبطت على كوكب ميت. انطفأت الأضواء فجأة. ولثانية واحدة لم يبق سوى المطر والبرق.

فتح باب.

نزلت امرأة ترتدي معطفا مطريا طويلا وشعرها الداكن ملتصق برأسها. لم تمش بثبات بل بعجلة متوترة عجلة من يخشى أن يرى.

كانت تضم إلى صدرها حزمة ملفوفة بقماش.

سرت قشعريرة في جسد دانا لا علاقة لها بالبرد.

نظرت المرأة حولها بعصبية ثم توقفت عند فجوة بين أكوام من نفايات صناعية. أنزلت بصرها إلى الحزمة ترددت همست بشيء ابتلعه الريح

ثم كأن الحزمة تحرق يديها أفلتتها.

سقطت الحزمة بين أكياس القمامة السوداء.

سارعت المرأة إلى تكديس أكياس أصغر فوقها وسحبت صندوقا كرتونيا مبللا لتغطيها ثم ركضت عائدة إلى السيارة. زمجر المحرك وتناثرت الطين تحت العجلات

واختفت.

لم يبق سوى المطر.

والصمت.

لم تتحرك دانا في البداية.

عدت دقات قلبها.

كان الخوف يصارع الفضول.

ما الذي يمكن أن يكون فظيعا إلى هذا الحد ليرمى في منتصف الليل

مال

شيء مسروق

إن كان ذا قيمة فقد يعني طعاما. دفئا. وربما حتى فرصة.

غلبت الحاجة.

ركضت دانا نحو الكومة مزقت الأكياس ورفعت الصندوق.


تحتها كانت بطانية صوفية ناعمةرقيقة باهظة الثمن حتى وهي مغمورة بالماء.

لمست الحزمة.

كانت دافئة.

وتحركت.

ارتجفت يداها وهي تزيح البطانية

فاخترق الليل بكاء حاد يائس.

انهارت دانا في الوحل.

رضيع.

كان أحدهم قد ألقى بطفل كما تلقى القمامة.

دامت الصدمة ثانية واحدة.

ثم تولى الغريزة القيادة.

ركعت دانا تحدق في وجه صغير محمر وفي جسد ضئيل يرتجف تحت المطر القذر.

لا لا من الذي فعل بك هذا همست بصوت مكسور.

لم تفكر في القذارة ولا في البرد.

نزعت سترتها وضمت الرضيع إلى صدرها الصغير مانحة إياه آخر ما تبقى لديها من دفء.

أنا معك أنا معك تمتمت.

خفت بكاء الرضيع كأنه صدقها.

وأثناء تعديلها للبطانية لامست أصابعها شيئا باردا.

سلسلة فضية سميكة يتدلى منها لوح مستطيل.

أضاء برق المكان كله.

كان الاسم المنقوش واضحا.

هاريسون.

لم يكن ذلك مجرد اسم.

كان نفوذا.

وعناوين صحف.

وناطحات سحاب.

ذلك النوع من الناس الذي يستأجر الحراسة لطرد فتيات مثلها.

هل كان هذا وريثا

دار رأس دانا.

كيف يمكن لطفل من تلك العائلة أن ينتهي في القمامة

نظرت إلى وجه الرضيعلا شيء سيئ لا شيء مكسور.

مجرد حياة.

مجرد براءة.

أيا تكن قالت دانا بصوت منخفض لكنه ثابت أنت لا تستحق هذا.

أدخلت السلسلة في جيبها كعهد صامت.

وبدأت تمشي نحو المدينة.

لم يكن لديها سيارة.

ولا عائلة.

ولا بيت.

كان لديها فقط يقين واحد أن هذا الطفل لن يموت تلك الليلة.

ليس

ما دامت هي هناك.

بعد قليل عاد الرضيع إلى البكاءمن الجوع.

عرفت دانا ذلك الصوت جيدا.

توقفت تحت مظلة متجر مغلق وعدت ما لديها من مال عملات معدنية وأوراقا مجعدة ادخرتها خلال أيام من البحث.

جوارب.

همبرغر ساخن.

أن تشعر بإنسانيتها للحظة.

نظرت إلى فم الرضيع وهو يبحث.

قبضت على المال بقوة.

أنت الفائز همست.

ودخلت الصيدلية المفتوحة على مدار الساعة.

كانت تعرف ما سيحدث.

ودخلت على أي حال.

لفح الهواء الدافئ وجهها. رفع البائع نظره تحولت الشكوك إلى اشمئزاز.

اخرجي. نحن لا نعطي صدقات. ارحلي قبل أن أتصل بالشرطة.

لست أطلب قالت دانا وهي تغطي الرضيع بجسدها الصغير. أنا أشتري. معي مال.

فتحت كفها المبتلة.

بعد تردد أشار البائع إلى الخلف.

حليب الأطفال هناك. لا تحدثي فوضى.

كانت الأسعار كلكمة في صدرها.

العلبة الكبيرةمستحيل.

المتوسطةلا.

وجدت الأصغر الأرخص.

سيكلفها كل شيء.

زمجر بطنها حين رأت بسكويتا قريبا.

لثانية واحدة كادت تختار نفسها.

ثم أنين الرضيع.

ابتلعت دانا ريقها.

أنت تستطيع الاحتمال قالت لمعدتها.

عند الصندوق عدت قطعة قطعة.

كانت تنقصها خمسون سنتا.

سرقها الذعر أنفاسها.

تنهد البائع ومد يده ليعيد الأغراض

ثم توقف.

ربما كان بكاء الرضيع الخافت.

ربما كان وجه داناصغيرا إلى حد يؤلم النظر إليه.

انسي الأمر تمتم وهو يدفع الأغراض نحوها. خذيها واذهبي.

خرجت دانا مسرعة قبل أن يغير رأيه.

تلك الليلة في ملجئها الكرتوني أطعمت دانا الرضيع.

كان المطر قد خف قليلا لكن البرد ظل قاسيا يتسلل من الفجوات الصغيرة في الكرتون كما لو كان يبحث عن

 

أي ضعف. جلست دانا القرفصاء تضم جسدها الصغير حول الرضيع تحاول أن تصنع منه جدارا بشريا يصد عنه الريح.

شرب الرضيع الحليب بلهفة كما لو أن كل قطرة هي معركة انتصار جديدة.

وكأن حياته تعتمد على ذلك.

ولأنها كانت كذلك فعلا.

كانت عيناه الصغيرتان نصف مغمضتين وأصابعه الدقيقة تلتف حول طرف البطانية كأنها تخشى أن يسحب الدفء فجأة. ومع كل رشفة كان جسده يرتخي قليلا حتى هدأ أنينه وتحول إلى تنفس منتظم ثم غفا أخيرا.

نام الرضيع.

أما دانا فلم تنم.

جلست مستندة إلى الجدار الكرتوني عيناها مفتوحتان تحدقان في الظلام. كانت قد نسيت طعم النوم منذ زمن لكن تلك الليلة لم تكن كغيرها. لم يكن الجوع هو ما يبقيها مستيقظة ولا البرد ولا الخوف من أن يطردها أحد من مكانها.

كان التفكير.

قبضت على السلسلة الفضية بإحكام حتى غاصت حوافها في كفها الصغير. شعرت ببرودتها بثقلها بما تحمله من معنى يفوق وزنها بكثير.

اسم واحد.

لكنه اسم يفتح أبوابا مغلقة.

اسم يكتب في العناوين وتبنى حوله الأسوار وتصنع له الحراسة.

غدا همست بصوت بالكاد يسمع سنذهب إلى ذلك البيت الكبير. وسأحصل على إجابات.

لم تكن تعرف كيف.

ولا ماذا سيحدث.

لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط الصمت لم يعد خيارا.

في الصباح كانت الأمطار قد توقفت لكن المدينة بدت كأنها ما زالت تلتقط أنفاسها بعد ليلة طويلة.


كانت الأرض رطبة والهواء مشبعا برائحة الطين والإسفلت المغسول.

حملت دانا الرضيع وبدأت السير.

لم تركب حافلة.

لم يكن معها مال لذلك.

سارت على قدميها عبر الشوارع التي تعرفها ثم عبر شوارع لم تطأها من قبل. كلما ابتعدت تغير المشهد. اختفت الجدران المتشققة وظهرت الأرصفة النظيفة. تلاشت النوافذ المحطمة وحلت مكانها بوابات حديدية لامعة.

سارت ساعات طويلة نحو التلال حيث يسكن الأثرياء.

كان الرضيع يستيقظ أحيانا فيبكي فتتوقف دانا تهدهده تهمس له ثم تتابع السير. لم تشك قدماها رغم الألم. كانت تشعر أن التعب صار شيئا ثانويا لا يستحق الانتباه.

وحين وصلت أخيرا إلى قصر آل هاريسون توقفت.

لم يكن ما صدمها جمال المكان.

ولا اتساع الحديقة.

ولا النوافذ العالية التي تعكس الشمس.

بل الحفل.

كان هناك عالم كامل يقام خلف تلك الأسوار.

عالم لا يعرف العتمة التي نامت فيها دانا لسنوات ولا رائحة المطر المختلطة بالقمامة ولا برد الأرصفة حين تصبح الليل بيتا. عالم مصقول بعناية كما لو أن الواقع فيه لا يسمح له أن يتصدع.

زهور مرتبة بعناية مفرطة تتفتح في أوان فاخرة كأنها لم تسمع يوما عن الذبول ولا تعرف أن كل جمال مآله الفناء. بتلاتها نقية وسيقانها مشدودة تسقى في مواعيدها وتقص بعناية حتى لا تخرج عن الشكل المطلوب.

سيارات فاخرة تصطف عند المدخل سوداء


وفضية لامعة كمرآة تعكس السماء. كانت مصطفة كما لو أنها استعراض صامت للقوة تقول لكل من يراها هنا يسكن من لا ينتظر ولا يخشى ولا يعتذر.

موسيقى ناعمة تنساب في الهواء لا تجرح الأذن ولا توقظ الأسئلة. موسيقى خلقت لتكون خلفية للحياة لا جزءا منها. بلا هم بلا خوف بلا تاريخ.

وعند المدخل كانت هناك لافتة كبيرة معلقة بعناية مكتوبة بخط أنيق وواثق تقول

مرحبا بليام هاريسون

تحيط بها بالونات زرقاء وذهبية تتمايل بخفة تحت الضوء كأنها تعرف أنها خلقت للاحتفال فقط. ألوانها زاهية بلا أثر لليلة باردة ولا لسماء غضبت بالأمس.

احتفال.

ميلاد يحتفى به.

ضحكات وتهاني وكؤوس ترفع.

بينما كان الرضيع الحقيقي قد كاد يتجمد في صندوق من كرتون تحت مطر لم يسأل عن الأسماء ولا عن الثروات.

في تلك اللحظة شعرت دانا بشيء يتغير داخلها.

لم يكن خوفا هذه المرة.

كان غضبا.

غضبا حارقا بدأ كنقطة صغيرة في صدرها ثم تمدد واتسع حتى ابتلع كل ارتعاش عرفته من قبل. غضب أذاب الخوف كما تذيب النار الجليد ولم يترك مكانا للتردد.

لم تفكر دانا في العواقب.

لم تسأل نفسها عما سيحدث بعد ذلك.

كان جسدها يتحرك قبل أفكارها.

تسلقت السور بصعوبة كانت حجارته باردة وزلقة من أثر المطر خدشت ركبتها وشعرت بالدم يسيل دافئا على ساقها لكنها لم تتوقف. لم تلتفت. الألم كان تفصيلا صغيرا لا


يستحق التوقف.

انزلقت بين الشجيرات تمزق ثوبها أكثر علقت أوراق في شعرها وخدشت الأشواك ذراعيها لكنها واصلت حتى بلغت نافذة ضخمة تطل على القاعة الرئيسية.

وقفت للحظة.

نظرت إلى الداخل.

وكان ذلك كافيا ليهتز عالمها من أساسه.

رأت توماس هاريسون ببدلته الأنيقة يقف في مركز الاهتمام. كان يبتسم ابتسامة واثقة ابتسامة من اعتاد أن يصفق له لا أن يسأل. حوله رجال ونساء بملابس فاخرة وجوههم مرتاحة أصواتهم منخفضة كل شيء في مكانه الصحيح.

وإلى جانبه كانت زوجته إليزابيث.

ابتسامتها مصقولة مدروسة كأنها تمرنت عليها طويلا أمام المرايا. كانت تحمل رضيعا نظيفا ملفوفا بالبياض ناعم الملامح دافئا كأنه لم يعرف المطر ولا الوحل ولا البرد. كأنه ولد مباشرة في هذا الضوء في هذا الأمان.

تحطم شيء ما في صدر دانا.

شيء لم تكن تعرف اسمه.

ثم رأتها.

خادمة تتقدم بخطوات محسوبة تحمل صينية فضية.

زي أسود.

مئزر أبيض.

خطوات مألوفة.

تجمدت دانا للحظة.

لم تحتج إلى التفكير.

عرفتها فورا.

إنها المرأة التي في المكب.

المرأة التي نظرت حولها بخوف ثم رمت الرضيع.

أوليفيا.

في تلك اللحظة انتهى كل شيء.

لم تفكر دانا.

لم تخطط.

فتحت النافذة ودخلت.

كان صوت الزجاج الخافت كافيا ليجعل القاعة كلها تلتفت.

ساد الصمت.

ليس فقط بسبب الحذاء الموحل والملابس الممزقة والشعر المبلل

بل


لأن الجميع رأوا فتاة صغيرة بالكاد تبلغ الثامنة أو التاسعة تقف هناك تحمل رضيعا


 

آخر بين ذراعيها بعينين لا تعرفان الخضوع ولا تطلبان إذنا.

سارت دانا إلى المنتصف.

كل خطوة كانت إعلانا.

كل خطوة كانت تحديا لعالم لم يعترف بوجودها من قبل.

ثم صرخت.

صرخة واحدة.

لكنها شقت البذخ كما يشق الزجاج.

كيف تحتفلون بعد أن رميتم طفلا في القمامة!

انفجر المكان.

تعالت الأصوات.

تحرك الناس في كل اتجاه.

تراجع بعضهم بدهشة.

وصرخت أوليفيا وقد شحب وجهها تتراجع خطوة ثم أخرى تطلب الأمن تصف دانا بالمجنونة بالكاذبة بالخطيرة.

اندفع الحراس.

أمسكوا بدانا من ذراعيها.

طفلة صغيرة جسدها نحيل ترتجف غضبا وخوفا لكنها لم تفلت الرضيع. كانت ذراعاها كقفل بشري تحميه رغم القبضات رغم الصراخ رغم الفوضى.

بيأس وبحركة واحدة حاسمة أدخلت دانا يدها في جيبها.

وألقت


السلسلة.

لم تكن رمية قوية.

لكن الصوت الذي أحدثته وهي تسقط على الأرض الرخامية كان أعلى من كل شيء.

انزلقت السلسلة قليلا حتى توقفت عند قدمي إليزابيث.

هاريسون.

خفضت إليزابيث نظرها.

رأت الاسم.

شعرت بشيء ينهار في داخلها.

ثم نظرت إلى الرضيع بين ذراعيها.

كان عنقه عاريا.

بلا سلسلة.

بلا لوحة.

بلا اسم.

في تلك اللحظة توقف الزمن.

لم تعد هناك موسيقى.

ولا بالونات.

ولا كلمات جاهزة.

انسكبت الحقيقة ثقيلة قاسية بلا تجميل.

اعترفت أوليفيا.

اعترفت بالحسد الذي أكلها ببطء.

بالغضب الذي جعلها ترى الطفل عبئا لا روحا.

اعترفت بأنها استبدلت الطفلين.

وبأنها حين شعرت أن الأمور خرجت عن سيطرتها وحين خافت أن تكشف اختارت أسهل طريق

التخلص من الرضيع.

لم يكن في صوتها


ندم.

بل شيء أقرب إلى الكراهية وربما الفراغ.

ثم تكلمت دانا.

لم تصرخ.

لم تبك.

رفعت رأسها وقالت بصوت منخفض لكنه كان أثقل من كل الصراخ في القاعة

لا أملك شيئا. نمت في صندوق مبتل. جعت لأشتري الحليب. أنا أفقر منكم جميعا لكنني لن أؤذي طفلا قط من أجل المال. الفقر لا يجعلك قاسيا. الاختيار هو الذي يفعل.

ساد صمت طويل.

صمت لم يجرؤ أحد على كسره.

ثم اقتادوا أوليفيا وهي تجر تصرخ تقاوم لكن صوتها بدا بعيدا كأنه لا يخص أحدا بعد الآن.

شدت إليزابيث رضيعها الحقيقي إلى صدرها باكية لا تعرف هل تبكي خوفا أم ذنبا أم فقدان صورة كانت تعيش فيها.

وحين سألت دانا بصوت مرتجف عن ابن أوليفيا خيم الصمت من جديد.

نظر توماس هاريسون حوله ثم قال بصوت خافت لكنه واضح


كأنه قرار لا رجعة فيه

لن يكون أحد وحيدا اليوم.

بعد أشهر كان ضوء الشمس يملأ حديقة واسعة.

لم تكن الحديقة فخمة كما في ذلك اليوم.

لم تكن هناك لافتات.

ولا بالونات.

لكنها كانت حقيقية.

ضحكات الأطفال لم تكن معدة للعرض.

والوجوه لم تكن مصقولة.

كانت دانا هناك.

نظيفة.

مرتبة.

تضحك.

تحمل الرضيع ديفيد بين ذراعيها وقد كبر قليلا وبدأ يتعرف على العالم بعينين فضوليتين بلا خوف.

لم تعد دانا تنام في صندوق.

لم تعد تخاف من الليل.

لكنها لم تنس.

جلست على العشب تنظر إلى ديفيد وشعرت لأول مرة أن صدرها خفيف.

وفهمت أخيرا ما لم تفهمه طوال حياتها

أحيانا لا تنقذك الحياة بالمعجزات.

وأحيانا تنقذك بعناد طيب لشخص لا يملك شيئا

ويرفض بكل بساطة أن يصبح قاسيا.

والسؤال


الحقيقي ليس

ماذا تملك

بل

من اخترت أن تكون عندما كان بإمكانك أن تكون قاسيا


 

تعليقات

التنقل السريع
    close