القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابن زوجي



ابن زوجي 


أنا مانعة ابن جوزي من الضحك… أيوه مانعاه من الضحك. صوته بيستفزني بطريقة ما يتخيلهاش عقل… وبسبب ضحكته عملت فيه أسوأ حاجة ممكن تتعمل. تعالوا أحكيلكم قصتي.


أنا عمري ما تخيلت إن لحظة عصبية صغيرة ممكن تتحول لوجع يفضل جوايا العمر كله. أنا متجوزة من خمس سنين، وجوزي عنده ابن من جوازه الأول اسمه يوسف، عنده عشر سنين. أمه توفت وهو صغير، ومن يوم ما دخلت البيت وأنا بحاول أكون له أم… أو على الأقل ما يحسش إنه لوحده. يوسف طفل ذكي جدًا… لكنه عنيد. وأحيانًا بيحب يستفزني، خصوصًا لما يكون زعلان أو عايز يلفت الانتباه. أنا شخصيتي هادية في العادة… لكن عندي مشكلة واحدة: الصوت العالي. يمكن بسبب شغلي، يمكن بسبب ضغوط الحياة… لكن الضحك العالي أو الصراخ بيخليني أتوتر بسرعة. علشان كده كنت دايمًا أقول له: يا يوسف ما تضحكش بصوت عالي كده. كان ساعات يسمع الكلام… وساعات لأ. لكن اللي حصل امبارح كان مختلف. كنا قاعدين في الصالة وهو بيتفرج على فيديوهات على التابلت وفجأة بدأ يضحك بصوت عالي جدًا… ضحك متواصل وكأنه قاصد يلفت نظري. بصيت له وقلت بهدوء: يوسف وطي صوتك شوية. بص لي وضحك أكتر. قلت له تاني: خلاص يا يوسف كفاية. لكنه فضل يضحك بصوت أعلى وكأنه بيتحداني. أعصابي بدأت تتشد. قمت من مكاني وقلت له بنبرة حادة: قوم من على الكرسي. لكنه ما قامش… وابتسم ابتسامة غريبة خلتني أحس إنه بيتعمد يستفزني. في لحظة غضب مسكته من إيده علشان أقومه من على الكرسي لكن الحركة كانت أسرع وأقوى مما توقعت. يوسف اختل توازنه ووقع على الأرض. في اللحظة دي سمعت صرخة… ثم بكاء. دراعه كان مائل بطريقة غلط. قلبي وقع في رجلي. فضلت أقول: يا نهار أبيض يوسف! أنت كويس؟ لكن واضح إنه ما كانش كويس. جرينا على المستشفى فورًا. الدكتور كشف عليه وقال إن دراعه مكسور. في اللحظة دي وصلت لأقصى درجة من الندم. بعد شوية وصل جوزي ومعاه أخوه. جوزي دخل بسرعة وسأل يوسف بقلق: إيه اللي حصل يا حبيبي؟ يوسف بص لي لحظة… وبعدين قال اللي ما كنتش متخيلاه. قال بهدوء وهو بيعيط: اتزحلقت يا بابا… وأنا بنزل من على الكرسي وقعت.

تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الكلام نزل عليا زي السهم. كان ممكن يقول الحقيقة. كان ممكن يقول إن أنا اللي شدّيته. لكن ما قالش. بص لي لحظة… وكأنه فاهم إني خايفة. وكأنه قرر يحميني. جوزي قعد يطبطب عليه وقال له: خلاص يا بطل… المهم إنك بخير. وأنا كنت واقفة ساكتة… حاسة إني أصغر إنسانة في الدنيا. الدكتور حط الجبس ليوسف، وكان بيحاول يطمنه. قال له: أسبوعين أو تلاتة وهتبقى زي الفل. يوسف كان ساكت… لكنه كل شوية يبص لي. النظرة دي كانت أصعب من أي كلام. ما كانتش نظرة كره… كانت نظرة فيها سؤال. كأنه بيقول لي: ليه؟


رجعنا البيت بالليل. جوزي دخل يوسف أوضته وساعده ينام. وبعدها خرج وقعد جنبي على الكنبة. قال لي: الولد شكله كان بيلعب كتير اليومين دول. قلت له بصوت مهزوز: يمكن. بص لي وقال: الحمد لله إنها جت بسيطة. لو كان وقعة أسوأ كان ممكن يحصل حاجة أكبر. هزيت راسي بس… لكن جوايا كان في إعصار. بعد ما نام جوزي، فضلت قاعدة في الصالة لوحدي. كل ثانية بفتكر اللحظة اللي وقع فيها يوسف. صوت الصرخة. شكل دراعه. نظراته. حسيت إن صدري بيتخنق. قمت ومشيت ناحية أوضته بهدوء. الباب كان موارب. دخلت لقيته صاحي. بص لي. قلت له: يوسف… أنت صاحي؟ هز راسه وقال: آه. قعدت على طرف السرير وقلت له بصوت مكسور: أنا آسفة. ما ردش. فضلت ساكتة شوية وبعدين قلت: أنا ما كنتش أقصد أوقعك. أنا اتعصبت بس. يوسف بص في السقف وقال بهدوء: أنا عارف. الكلمة دي خلت دموعي تنزل. قلت له: طب ليه قلت لباباك إنك اتزحلقت؟ كان ممكن تقول الحقيقة. سكت شوية… وبعدين قال حاجة كسرتني: علشان ما تزعلوش مني.


سألته باستغراب: إحنا نزعل منك ليه؟ قال: علشان أنا كنت بضحك بصوت عالي. يمكن أنا غلطان. الكلمة دي كانت أقسى من أي عقاب. طفل عنده عشر سنين شايف نفسه السبب في كسر دراعه. حسيت إني فشلت. فشلت كإنسانة قبل ما أفشل كأم. قلت له بسرعة: لا يا يوسف… أنت مش غلطان. الضحك مش غلط. اللي حصل… غلطتي أنا. بص لي كأنه مش مصدق. قلت له: أنا اللي اتعصبت زيادة. أنا اللي شدّيتك. وهو سكت… لكن عينه دمعت. قال لي: أنا ما بحبش أزعلك. حسيت إن قلبي بيتقطع. قلت له: وأنا ما بحبش أزعلك برضه. فضلت قاعدة جنبه شوية… وبعدين قلت له: من النهارده أنا مش هقولك ما تضحكش. لو عايز تضحك… اضحك براحتك. حتى لو صوتك عالي. ضحك ضحكة صغيرة وقال: بجد؟ قلت له: بجد.


الأيام اللي بعدها كانت صعبة عليا. كل ما أشوف الجبس على دراعه… أفتكر إن أنا السبب. يوسف كان بيتعامل معايا عادي. بل بالعكس… بقى أقرب لي من الأول. يمكن لأنه حس إني ندمانة. مرة كنا قاعدين بنتفرج على التلفزيون… وفجأة ضحك بصوت عالي جدًا. بصيت له… وبعدين ضحكت أنا كمان. هو اتفاجئ وقال: مش هتقولي وطي صوتك؟ قلت له: لأ. ضحك براحتك. الضحكة دي كانت مختلفة. كانت أول مرة أحس إن البيت فيه حياة حقيقية.


بعد أسبوع جوزي قال لي حاجة خلتني أفكر كتير. قال: عارفة… أنا فرحان إن يوسف بقى بيضحك كتير اليومين دول. من بعد وفاة أمه وهو كان قليل الضحك. حسيت بوخزة في قلبي. يعني أنا كنت بمنعه من حاجة هو محتاجها. الضحك كان طريقته الوحيدة ينسى حزنه. وأنا كنت بوقف الطريق ده. في اللحظة دي فهمت إن المشكلة ما كانتش في ضحك يوسف. المشكلة كانت في أعصابي أنا.


بدأت أحاول أغير نفسي. بقيت لما أتوتر آخد نفس عميق. لما يحصّل حاجة تضايقني… أحاول أهدى قبل ما أتكلم. يوسف بقى يحكي لي عن مدرسته وأصحابه. وأحيانًا يقعد يحكي نكت غريبة ويضحك بصوت عالي. مرة قال لي: عارفة يا ماما… أنا بحب لما تضحكي معايا. الكلمة دي خلتني أتجمد لحظة. ماما. هو قالها ببساطة… كأنها طبيعية. حسيت إن الدموع قربت تنزل. قلت له وأنا بابتسم: وأنا كمان بحب أضحك معاك.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الجبس اتشال بعد حوالي شهر. الدكتور قال إن دراعه رجع كويس. يوسف خرج من العيادة وهو بيحرك دراعه بحماس. قال: أخيرًا! ضحكت وقلت له: خلاص بقى ما تقعش تاني. قال: لو وقعت… هقول إنك أنت اللي وقعتيني. وبعدين ضحك. ضحكته كانت عالية… ومليانة حياة. وأنا ضحكت معاه.


اللي حصل علمني درس عمره ما هيتنسي. الغضب لحظة… لكن أثره ممكن يفضل سنين. والكلمة أو الحركة اللي تطلع في لحظة عصبية ممكن تجرح قلب طفل ما يعرفش يدافع عن نفسه. يوسف سامحني… يمكن لأنه طفل. لكن أنا عمري ما هسامح نفسي بسهولة. كل ما أسمع ضحكته… أفتكر اللي حصل. بس في نفس الوقت… أحمد ربنا إن الفرصة لسه موجودة علشان أصلح اللي عملته.


دلوقتي لما يوسف يضحك بصوت عالي… ما بقاش أتضايق. بالعكس… أسيبه يضحك وأحيانًا أضحك معاه. لأن الضحك في بيت كان مليان حزن… نعمة كبيرة. ويمكن أغلى نعمة في الدنيا.


تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close