ليث الريس
ليث الريس
تظاهرت الخادمه بأنها تعدل ربطة عنق الزعيم، ثم همست قرب أذنه: سائقك معه مسدس يريد التخلص منك… لا تركب السيارة…رفعت نورا السعدي عينيها.
للمرة الأولى منذ بدأت العمل في القصر الكبير في حي الزمالك بالقاهرة، نظرت مباشرة في عيني الرجل الذي يخشاه الجميع…لم تكن عينا ليث الريس تُنسى بسهولة.
عينان بلون العسل الداكن، باردتان وحادتان كآلة حاسبة.
عينان لرجل عاش سنوات طويلة في عالمٍ يبتسم فيه الناس بينما يخفون خناجرهم خلف ظهورهم.
شعرت نورا بنبض قلبها يرتفع إلى حلقها.
فكرت في ليلى، أختها الصغرى، المستلقية شاحبة في غرفة العناية المركزة في مستشفى السلام.
فكرت في الفواتير الطبية التي لا تستطيع دفعها، في عملها صباحًا في مطعم، ومساءً في آخر، منذ أن فقدت والديها في حادثٍ على طريق الصعيد.
ثم فكرت في القصر الذي تقف فيه الآن…
وفي الحراس المسلحين الذين يتجولون في الممرات…
وفي الحرب التي قد تندلع لو قتل هذا الرجل الليلة.
ومع ذلك… لم تتراجع…وضعت كفها على صدره، وكأنها تعدل ربطة عنقه الرمادية، واقتربت شفتيها من عظمة ترقوته وهمست:
— سائقك معه مسدس… كاتم صوت. أخفاه بجوار لوحة القيادة. لا تركب تلك السيارة… سمعته يخطط لقتـ لك
لثانية واحدة…لم يتحرك ليث…لم يرمش.
لم يتنفس حتى.ظ.ظثم فجأة… قبض على رقبتها.
لم تكن قبضته طويلة بما يكفي لخنقها…
لكنها كانت كافية لتجعلها تفهم أنه يستطيع فعل ذلك بسهولة…دفعها بقوة نحو خزانة خشبية منحوتة، فدوى صوت الاصطدام في الغرفة.
شهقت نورا، وانفجر الخوف أخيرًا داخلها.
في تلك اللحظة كانت متأكدة أنها ارتكبت أسوأ خطأ في حياتها.
اقترب ليث منها، عيناه تلمعان بخطورة.
قال بصوت منخفض: ماذا قلتِ للتو؟
وضعت نورا يديها على صدرها محاولة التقاط أنفاسها.
— رأيتُه في المرآة… واقتربت منه سمعته —قالت بصوتٍ متقطع
فادي… سائقك. افتح درج السيارة. ط هناك مسدس “جلوك”كاتم صوت.
وطارق ليس مريضًا… كان ذلك مجرد عذر لتأخيرك.
يريدونك أن تخرج متأخرًا… عندما يختفي الجميع من المدخل.
ظل ليث ينظر إليها بدقة مخيفة.
كان رجلًا يعرف الكذب كما يعرف الناس قراءة الصحف.
يلاحظ أدق التفاصيل: ارتجاف الشفاه… حركة العين… اختلاف النفس عن الكلمات…لكن خوف نورا لم يكن تمثيلًا…ظكان حقيقيًا… خامًا… فوضويًا.
ببطء…
خفّ ضغط يده عن عنقها.
سقطت نورا على ركبتيها تسعل بينما تحترق رئتاها بالهواء.
لم يتجه ليث نحو النافذة.
لو كان أحد يراقبهما من الخارج، فمجرد نظرة قد تكشف أنه عرف كل شيء.
بدلاً من ذلك…
عدّل قميصه بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
فتح درج مكتبه، وأخرج مسدسًا صغيرًا، فحصه بسرعة، ثم أخفاه خلف ظهره…عندما نظر إليها مرة أخرى…
اختفت الوحشية من وجهه…وحلّ محلها شيء أخطر بكثير….سألها: ما اسمك؟
— نورا السعدي.
قال وهو يتجه نحو الباب:
— اسمعيني جيدًا يا نورا..ستخرجين الآن من هذه الغرفة.
تنزلين إلى المطبخ… وتبدئين بتلميع الفضيات كأن شيئًا لم يحدث.
لا تنظري من أي نافذة… ولا تتحدثي مع أحد.
توقف لحظة ثم أضاف: وإذا سمعتِ طلقات نار…
استلقي على الأرض وغطـي رأسك.
أومأت نورا بصمت.
فتح الباب ثم قال دون أن ينظر إليها:
— إذا كنتُ ما زلت حيًا بعد عشر دقائق… سأرسل في طلبك.أما إن لم يحدث ذلك…
ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال: فاهربي لان…
صلي على محمد وال محمـد وتابع👇👇👇
خرجت نورا من الغرفة وساقاها ترتجفان كأنهما لا تحملانها حقا
كانت تشعر بأثر أصابعه حول عنقها كطوق من نار وتسمع دقات قلبها أعلى من أي صوت آخر في القصر
أغلقت الباب خلفها برفق كما أمرها ثم مشت في الممر الطويل المكسو بالسجاد الأحمر والعتمة الثقيلة
في الخارج كان كل شيء يبدو طبيعيا على نحو مرعب
لوحات زيتية مذهبة
ثريات كريستال
خدم يتحركون بصمت
وحراس يقفون عند الزوايا بوجوه جامدة
كأن القصر كله أتقن فن إخفاء الوحش داخل البدلة الرسمية
نزلت الدرج الرخامي ببطء وهي تحاول أن لا تبدو مذعورة
في كل خطوة كانت تتوقع أن تسمع صرخة أو طلقة أو أن تشعر بيد قوية تسحبها من الخلف
لكن الصمت ظل سيد المكان
ذلك الصمت المخملي الذي يسبق أحيانا الكارثة الكبرى
عندما وصلت إلى المطبخ وجدت الشيف الكبير واقفا فوق أحد العمال يصرخ لأن صلصة ما لم تبلغ القوام المطلوب
نظر إليها نظرة خاطفة ثم ألقى أمامها صينية فضية ضخمة
ابدئي بتلميعها
الضيوف المهمون سيصلون خلال ساعة
أومأت نورا بصمت وجلسـت على المقعد الخشبي قرب الطاولة الجانبية
التقطت قطعة القماش وبدأت تمررها على سطح الصينية
انعكس وجهها المرتبك على المعدن
عينان واسعتان
شفاه شاحبة
وعنق يحمل هلالا أحمر يزداد وضوحا كل ثانية
حاولت أن تخفيه بطرف حجابها
مرّت دقيقة
ثم دقيقتان
ثم ثلاث
كل ثانية كانت أطول من العمر كله
كانت أذنها متيقظة لأي صوت من الأعلى
خطوات مسرعة
أوامر حادة
أو أسوأ من ذلك
صمت طويل يعني أن شيئا قد حدث بالفعل
في الدقيقة الخامسة دخلت إحدى الخادمات الشابات إلى المطبخ وهي تلهث
قالت للشيف إن السيد ليث خرج من مكتبه للتو وإنه طلب القهوة العربية في الصالون الأزرق
رد الشيف ببرود وأمر أحد الصبية بحمل الصينية
أما نورا فشعرت بقشعريرة تعبر ظهرها
إذن هو ما زال حيا
على الأقل حتى الآن
لكن الارتياح لم يدم سوى لحظة
فإذا كان قد خرج من الغرفة فهو يتجه نحو الخطة التي حذّرته منها
هل سيذهب إلى المدخل
هل سيستدعي السائق
هل سيجعلهم يظنون أنه لم يعرف شيئا
أم أن الأمر صار أكبر من مجرد سائق يحمل مسدسا
عادت إلى تلميع الملاعق والسكاكين
كانت أصابعها ترتعش لدرجة أن إحدى الملاعق سقطت من يدها ورنّ صوتها على الأرض
التفت الجميع إليها
حدق الشيف في وجهها باشمئزاز
هل ستبقين خرقاء إلى الأبد يا نورا
تمتمت باعتذار سريع ثم انحنت تلتقط الملعقة
وعندما رفعت رأسها وجدت رجلا يقف عند باب المطبخ
لم يكن من الخدم
كان أحد رجال الأمن الداخلي
رجل طويل بوجه حليق وبدلة سوداء وسماعة صغيرة في أذنه
قال بصوت مسطح
نورا السعدي
السيد يطلبك
توقفت أنفاسها
مرت عشر دقائق إذا
إما أنه نجا
أو أن هذا فخ أكثر إحكاما من الموت نفسه
نهضت ببطء ومسحت يديها في المئزر
كان الشيف يرمقها بنظرة فضول ممزوجة بالحسد
فالاستدعاء المباشر من ليث الريس لم يكن أمرا يحدث لخادمة مثـلها إلا إن كانت على وشك الطرد أو الدفن
سارت خلف رجل الأمن عبر الممرات الطويلة
لكنهم لم يتجهوا نحو المكتب الذي خرجت منه قبل قليل
بل نحو الجناح الشرقي من القصر
ذلك الجناح الذي لم تطأه من قبل إلا لتنظيف المداخل الخارجية وكان ممنوعا على معظم العاملين
تضاعف خوفها
لماذا هناك
هل اكتشف أنها سمعت أكثر مما يجب
هل قرر أن يجعلها تختفي بهدوء
توقف الرجل أمام باب خشبي مزدوج ثم فتحه لها دون كلمة
ادخلي
دخلت نورا بحذر
فوجدت نفسها في غرفة واسعة تشبه مكتبة خاصة
رفوف عالية حتى السقف
مدفأة رخامية
مكتب أسود أنيق
وستائر سميكة تحجب ضوء المساء
وقف ليث قرب النافذة وهو يدير ظهره لها
وقد خلع سترته ووضعها على الكرسي
كانت ربطة العنق الرمادية ما تزال محكمة حول عنقه كأن شيئـا لم يقع
لكن الهواء كله حوله كان مشحونا بخطر بارد
أغلق رجل الأمن الباب خلفها وانسحب
فبقيت وحدها مع الرجل الذي ربما أنقذته للتو وربما سلّمت نفسها له للأبد
قال دون أن يلتفت
هل أخبرك أحد يوما أنك شجاعة جدا أو غبية جدا
لم تعرف أيهما أخطر
فقالت بصوت منخفض
لم يخبرني أحد بشيء جيد منذ وقت طويل يا سيدي
صمت لحظة
ثم استدار ببطء
كانت عيناه ثابتتين عليها
لكن شيئا جديدا استقر فيهما
شيء أقل توحشا وأكثر حسابا
قال
فتشنا السيارة
حبست أنفاسها
فتح درج المكتب وأخرج كاتم صوت أسود صغيرا ووضعه على سطح الخشب أمامه
ثم أتبعه بمسدس جلوك
ثم بطاقة تعريف تخص السائق فادي
قال
وجدنا هذا
شعرت بأن ساقيها تضعفان
لم تكن تتخيل أن يتحول ما سمعته مصادفة خلف المرآة إلى دليل حقيقي بهذا الشكل السريع
قال ليث
فادي اختفى قبل أن نستدعيه
وطارق لم يكن مريضا كما قلت
كان مكبلا في مخزن خارجي ومعه حارس مغمى عليه
ثم اقترب خطوة
هذا يعني أن من خطط الليلة ليس غبيا
بل يعرف نظام القصر من الداخل بدقة
ابتلعت نورا ريقها وقالت
أنا آسفة
لم أكن أقصد أن أتدخل
أنا فقط
قاطعها
أنقذت حياتي
تجمدت
لم تكن تتوقع منه شكرا
ولم يقله فعلا بتلك الطريقة
لكنه خرج منه كحقيقة جافة لا كامتنان
أشار إلى الكرسي المقابل
اجلسي
جلست بحذر على حافته وكأنها مستعدة للفرار في أي لحظة
سألها
كيف سمعت الكلام
أخبرته ما حدث بالتفصيل
كيف كانت تلمع المرآة في الصالون القريب من المدخل
وكيف سمعت فادي يتكلم في الهاتف بصوت منخفض
وكيف ذكر اسم ليث وموعد الخروج وتأخير السيارة وكاتم الصوت
وكيف تظاهرت بالانشغال خوفا من أن يراها
وكيف بقيت عاجزة حتى اللحظة التي وجدته فيها وحيدا في مكتبه قبل نزوله
كان يصغي دون أن يقاطع
وعيناه لا تفارقان وجهها
كأنه يقيس كل كلمة بميزان دقيق
عندما انتهت قال
ولماذا فعلت هذا
كان بإمكانك أن تصمتي
معظم الناس يفعلون
خفضت عينيها إلى يديها
وقالت بعد صمت
لأن الموت لا يجب أن يكون سهلا لهذه الدرجة
ولأن أختي في العناية المركزة
ولو مت أنت الليلة فالقصر كله سيتحول إلى حرب
وأنا لا أملك رفاهية أن أخسر عملي أو حياتي الآن
أنا فقط أردت أن أوقف شيئا أسوأ قبل أن يبدأ
ظلت عيناه عليها
ثم قال بهدوء غريب
تتكلمين كأنك رأيتِ من الخراب أكثر مما ينبغي لعمرك
رفعت عينيها إليه
قالت
عندما يموت الأب والأم في طريق معتم وتبقين أنتِ المسؤولة عن طفلة أصغر منك بأحد عشر عاما
تصيرين أكبر مما يجب يا سيدي
مر شيء خاطف في وجهه
شيء يشبه الفهم أو الذكرى
لكنه اختفى بسرعة
قال
كم عمر أختك
اثنا عشر
وما حالتها
قال الأطباء إن لديها نزيفا في الرئة ومضاعفات حادة بعد التهاب لم نعرفه مبكرا
المستشفى يرفض أن يكمل بعض الإجراءات إلا بعد سداد جزء من المبلغ
صمت
ثم اتكأ على حافة المكتب
من دفع مصاريف دخولها إلى المستشفى
قالت
استلفت من كل من أعرفهم
وبعت ذهب أمي
ولم يبق شيء
ظل ينظر إليها
ثم سأل سؤالا آخر بدا أكثر غرابة
هل أخبرتِ أحدا بما سمعته غيري
هزت رأسها
لا
أحد يراك تدخلين مكتبي
لا أظن
أحد يعلم أنك سمعت فادي
لا
أومأ ببطء
جيد
ثم ضغط زر الهاتف الداخلي
بعد ثوان دخل رجل خمسيني ببدلة داكنة وملامح جامدة
قال له ليث
هذا هو سامر
رئيس الأمن الخاص بي
من هذه اللحظة نورا تحت حمايتك المباشرة
لا تبتعد عنها عين واحدة
ولا يقترب منها أحد دون إذني
اتسعت عيناها
تحت حمايته
هل بلغ الخطر هذا الحد
قال سامر بجدية
أمرك سيدي
ثم نظر إليها نظرة دقيقة حفظ فيها وجهها كما لو كان يصور ملامحها في ذاكرته
أضاف ليث
وانقلوا أختها الليلة إلى مستشفى النخبة الخاص
جناح كامل
وأفضل فريق
وكل التكاليف على حسابي
نهضت نورا من الكرسي كأنها لم تسمع جيدا
قالت بلهفة مشوبة بعدم تصديق
ماذا
أعاد بصوت أبرد
سمعتِني
امتلأت عيناها بالدموع رغما عنها
حاولت أن تتكلم لكن الكلمات خانتها
هذا الرجل الذي كاد يخنقها قبل دقائق يصدر الآن قرارا قد ينقذ ليلى من الموت
كان الأمر أكبر من قدرتها على الفهم
قال دون أن يلين صوته
لا تبكي الآن
ليس لدينا وقت
مسحت دموعها بسرعة
نعم
فتح سامر ملفا صغيرا في يده
قال
هناك ثلاثة احتمالات
إما أن فادي عمل لصالح خصم خارجي
أو لصالح شخص من العائلة
أو لصالح جهة داخلية تخترق الأمن من القصر نفسه
وفي الحالات الثلاث وجودك أصبح خطرا على من خطط للأمر
قالت نورا
لأني سمعت
قال سامر
ولأنك أفسدت المحاولة
أردف ليث
ومن يحاول قتلي مرة لن يترك الشاهد الوحيد يمشي حيا بسهولة
شعرت بأن الهواء يبرد أكثر
كانت تعرف أن قصص الرجال ذوي النفوذ لا تنتهي عند المال والسيارات الفاخرة
لكنها للمرة الأولى تجد نفسها في قلب لعبة من هذا النوع
لعبة لا تبدو فيها الخادمة الصغيرة أكثر من عود ثقاب في غرفة ممتلئة بالغاز
قال ليث
من هذه اللحظة لن تعودي إلى سكن العاملات
ستبقين في جناح الضيوف الداخلي
سامر سيضع امرأتين للحراسة خارج الباب
وسيتم تغيير هاتفك
قالت بسرعة
لكن أختي
قال
سيتم نقلها خلال أقل من ساعة
وستذهبين لرؤيتها عندما أقول لك إن الطريق آمن
ارتبكت
أنا لا أفهم
لماذا تساعدني
اقترب منها خطوة
لأنك أنقذت حياتي
ولأنني لا أحب أن أبقى مدينا لأحد
ولأن من يهاجم رجلي في عقر داري يجب أن يفهم أنني أحمي من يختار الوقوف في صفي
شعرت بأن الجملة الأخيرة أثقل من الأولى
في صفي
كأنها لم تعد مجرد خادمة
بل قطعة دخلت رقعة شطرنج لا تعرف قواعدها
وقبل أن ترد دوّى صوت انفجار مكتوم في مكان بعيد من القصر
ثم تبعه صراخ قصير
انتفضت نورا في مكانها
بينما تحول وجه سامر إلى صخر
وأخرج مسدسه في ثانية واحدة
قال ليث بهدوء قاتل
بدأت الليلة أخيرا
التفت إلى سامر
السطح الغربي أم المرآب
رفع سامر سماعته الصغيرة في أذنه وأصغى لثوان
ثم قال
المرآب الخلفي
حارس مصاب
وشخصان يحاولان الهرب
فتح ليث درج المكتب مرة أخرى وأخرج مسدسا آخر أكبر حجما ثم ثبت المخزن بإتقان واضح
لم تكن هذه المرة حركة رجل مهدد فقط
بل حركة رجل اعتاد أن يصبح الخطر جزءا من تنفسه
قال لنورا
ستبقين هنا
لا تفتحي الباب لأي أحد إلا سامر أو أنا
قالت بارتجاف
وأنت
لمع شيء بارد في عينيه
سأعود
ثم خرج هو وسامر بسرعة
وبقيت نورا وحدها في المكتبة الكبيرة
وحولها صمت لا يقل رعبا عن صوت الرصاص
مرت دقائق لا تعرف عددها
جلست على طرف الكرسي ثم نهضت ثم عادت تجلس
كانت تسمع عبر الجدران الثقيلة أصواتا مكتومة
خطوات سريعة
أوامر بعيدة
ضجة انكسار زجاج
ثم سكون
ثم جهاز إنذار قصير انطفأ فجأة
اقتربت من الباب
لكنها تذكرت أمره فتراجعت
اقتربت من النافذة ثم تجمدت في منتصف الطريق
لا تنظري من أي نافذة
هكذا قال
وكأن مجرد النظر قد يقتلها
راحت تتلفت حولها حتى وقعت عيناها على صورة قديمة فوق الرف
رجل شاب يقف إلى جوار امرأة ترتدي ثوبا أبيض
وعلى الجانب طفل في نحو العاشرة يحمل ملامح ليث نفسها لكن بنظرة أقل قسوة
اقتربت دون وعي
هل هذه أمه
هل هذا هو صغيرا قبل أن تصير عيناه بتلك البرودة
ما الذي يصنع رجلا كليث الريس
الخيانة
الفقد
السلطة
أم اجتماعها كلها في قلب واحد
قبل أن تكمل الفكرة سمعت طرقا خفيفا على الباب
حبست أنفاسها
ثم جاء صوت نسائي من الخارج
أنا سعاد من الأمن الداخلي
معي أمر من الأستاذ سامر
ترددت
لكن الصوت كان هادئا ومقنعا
اقتربت من الباب دون أن تفتحه وقالت
ماذا تريدين
جاء الرد بسرعة
سننقلك إلى الجناح الآمن الآن
الوضع في هذا الممر لم يعد آمنا
مدت يدها إلى المقبض ثم توقفت
شيء ما لم يعجبها
سامر قال امرأتين للحراسة خارج الباب
فلماذا لا تسمع إلا صوت امرأة واحدة
ولماذا لم يأت هو بنفسه أو يذكر كلمة يتأكد بها
قالت عبر الباب
انتظري حتى يتصل بي الأستاذ سامر
سكت الصوت للحظة
ثم جاء أكثر حدة
افتحي الباب يا بنت
مش كل حاجة هتتفهم لك
تراجعت نورا خطوتين وقلبها يضرب صدرها بعنف
في اللحظة التالية دوى صوت رصاصة في الممر
ثم صرخة مكتومة
ثم وقع جسد على الأرض
شهقت ووضعت يدها على فمها
أعقب ذلك طرق سريع على الباب
ثم جاء صوت سامر الحقيقي هذه المرة
نورا افتحي حالا
فتحت الباب بيد مرتجفة
فوجدت سامر أمامها وإلى جواره امرأة ترتدي بدلة سوداء وتحمل مسدسا صغيرا
وعلى الأرض قرب الحائط سقطت امرأة أخرى بزي خادمة لكن تحت المئزر ظهرت قبضة سكين طويلة
قال سامر بسرعة
أغلقي الباب خلفك وتعالي
لم تستطع حتى النظر مطولا إلى الجسد
سارت معهم عبر ممر جانبي ضيق يقود إلى درج خدمة خلفي
كانت خطواتهم سريعة ومدروسة
وفي الأسفل فتح سامر بابا معدنيا لا تعرف بوجوده أصلا خلف خزانة زينة كبيرة
دخلوا إلى ممر سري بارد مضاء بإضاءة خافتة
قالت وهي تكاد تلهث
كانت تريد قتلي
قال سامر
كانت تريد خطفك على الأرجح
الميت لا يتكلم
أما المخطوف فيتكلم كثيرا قبل أن يموت
شعرت بالغثيان
ما الذي دخلت فيه
قبل ساعات كانت تفكر فقط في ثمن الدواء وإيجار الغرفة الصغيرة قرب المستشفى
والآن تمشي داخل ممرات سرية في قصر رجل قد يشتعل من حوله انقلاب حقيقي
أوصلوها إلى جناح صغير في قلب الجناح الداخلي
غرفة نوم فاخرة وصالة ضيقة وحمام رخامي
لا نوافذ إلا واحدة عالية ضيقة مصفحة
قالت المرأة المرافقة إن اسمها هناء وستبقى عند الباب مع زميلتها الأخرى
ثم جاءها هاتف جديد وثياب نظيفة وطعام لم تستطع لمسـه
كانت معدتها معقودة بالخوف والقلق على ليلى
مرت ساعة كأنها ليلة كاملة
ثم دخل سامر أخيرا
كان على كمه أثر دم
لكن وجهه ظل باردا كما هو
نهضت فور رؤيته
ليلى
هل نقلتموها
قال
نعم
وصلت إلى المستشفى الجديد منذ نصف ساعة
والطبيب المناوب بدأ الإجراءات
هذه صورة من الاستقبال
مد لها الهاتف
فرأت أختها على سرير طبي جديد تحيط به أجهزة حديثة وممرضة تراجع الملف
ثم لقطة أخرى لاسم المستشفى
ثم ورقة قبول تحمل ختم الإدارة
تهدج صوتها وهي تهمس
الحمد لله
أعاد الهاتف إلى جيبه
أما بخصوص القصر فقد انتهت الجولة الأولى
نظرت إليه
جولة
قال
أحد المهاجمين قُتل
والثاني ابتلع كبسولة سم قبل القبض عليه
والخادمة المزيفة التي جاءت لبابك تعمل تحت هوية مزورة منذ شهر
لم نستخرج بعد من أدخلها
سألته بصوت منخفض
والسيد ليث
أجاب
مصاب بخدش في الذراع فقط
ويطلب رؤيتك
تجمد قلبها مرة أخرى
لم تعرف لماذا ارتاحت أنه بخير
ربما لأنه الوحيد القادر الآن على تفسير الجحيم حولها
أو لأنه رغم قسوته كان الخيط الذي يمنع كل شيء من الانهيار
قادها سامر هذه المرة إلى غرفة علاج خاصة داخل القصر
كانت أشبه بعيادة مصغرة
دخلت فوجدت ليث جالسا على حافة السرير الطبي بينما يلف الطبيب شاشا أبيض حول ذراعه اليسرى
قميصه الأسود مفتوح عند الساعد وقد لطخته بقع دم داكنة
لكن ملامحه ظلت هادئة على نحو مستفز
كأن الإصابة مجرد توقيع صغير في يوم مزدحم
رفع الطبيب رأسه عندما دخلت نورا ثم أنهى عمله وانسحب بصمت
بقيت واقفة قرب الباب لا تعرف ماذا تقول
فقال ليث
اقتربي
تقدمت ببطء
رأت على وجهه إرهاقا خفيا تحت الصلابة
وتحت عينه اليسرى خطا أحمر رفيعا كأن زجاجا مر قريبا جدا منها
قال
أنت بخير
أومأت
بفضلك
ابتسم ابتسامة قصيرة لا تحمل دفئا حقيقيا
لا
بسبب حدسك
لو فتحتِ الباب قبل قليل لكنت الآن في صندوق أو على طاولة تشريح
تصلبت ملامحها
قالت
أنا لم أفعل شيئا كبيرا
نظر إليها نظرة طويلة
هذا ما يقوله الناس الذين يفعلون أشياء كبيرة دون أن يخططوا لها
جلس مستقيما وقال
تعرفين ماذا يعني هذا الهجوم
هزت رأسها
لا
يعني أن من أراد قتلي مستعد لإشعال القصر كله ليصل إلي
ويعني أن الدائرة ضاقت
فالاختراق ليس من الخارج فقط
بل من الداخل
من شخص يعرف تحركاتي الخاصة وغرفي السرية وتوقيت خروجي وتبديلاتي الأمنية
سكت لحظة ثم أضاف
ويعني أنني لا أستطيع أن أثق إلا في عدد قليل جدا من الناس
وأنت أصبحت واحدة منهم رغما عني ورغما عنك
شعرت بثقل الجملة يهبط على كتفيها
قالت بهدوء مرتجف
أنا مجرد خادمة يا سيدي
رد
لم تعودي كذلك فقط
ثم أشار إلى كرسي أمامه
اجلسي
أريد أن أسألك عن شيء آخر
جلست
قال
قبل يومين
هل رأيت شيئا غريبا في الجناح الغربي
شخصا يدخل غرفة المحفوظات أو يقترب من مكتب والدي القديم
فكرت قليلا
ثم تذكرت
قالت
منذ يومين وأنا أبدل الزهور في الممر الخلفي
شفت الأستاذة كارما خارجة من هناك
تغيرت عيناه قليلا
كارما
قالت
نعم
كانت تبدو متوترة
وعندما رأتني سألتني بحدة ماذا أفعل هناك
أطرق لحظة
ثم قال
كارما زوجة عمي
صمتت
أكمل
وزوجة عمي تحب المال أكثر من الهواء
لكنها لا تملك الشجاعة وحدها لهذا النوع من اللعب
يعني أن هناك اسما أكبر
ثم نظر إليها فجأة
هل تخافين مني يا نورا
فاجأها السؤال
ارتبكت ثم قالت الحقيقة
نعم
رفع حاجبه
جيد
الخائف ينتبه أكثر من المطمئن
ثم مال قليلا نحوها وقال بصوت أخفض
لكن عليك أن تعرفي أيضا أنني إذا قررت حمايتك فلن يقترب منك أحد
كان صوته ثابتا
إلا أن شيئا فيه جعل قلبها يضطرب على نحو غير مريح
ليس لأنه ناعم
بل لأنه واثق إلى حد خطير
وهي تعرف بالفطرة أن الرجال الذين يقولون مثل هذه الجمل لا يقدمون الوعود بخفة
قالت
أنا لا أريد سوى إنقاذ أختي ثم أخرج من هذا كله
رد من غير تردد
هذا لم يعد خيارا بسيطا
من الليلة صار اسمك مرتبطا بهذه المحاولة
والأشخاص في الخارج لن ينسوا أنك السبب في فشلهم
انخفض صوتها
إلى متى
قال
حتى ننتهي منهم أو ينتهوا منا
كان الجواب صادما في صراحته
لكنها لمست فيه أيضا شيئا غريبا
هو لا يجمّل لها الواقع
لا يعدها بأن كل شيء سيكون بخير
بل يرميها مباشرة في الحقيقة كما هي
حادة وباردة وخطرة
طرق سامر الباب ودخل
قال
وصلت نتيجة فحص البصمات على سلاح فادي
وهناك تسجيل من كاميرا خارجية معطل جزئيا لكنه يظهر سيارة سوداء عند البوابة الخلفية قبل الهجوم
اللوحة تعود لشركة تابعة لرامي الريس
تجمد الجو في الغرفة
سألت نورا بعفوية
من رامي
قال ليث دون أن ينظر إليها
ابن عمي
وشريكي السابق
وعدوي الحالي
ثم نهض من السرير رغم اعتراض سامر
كان يلف ذراعه المصابة بحركة سريعة عملية
وقال
إذن قرر رامي أن يحسمها الليلة
فشل
وسيحاول مرة أخرى بطريقة أكثر قذارة
التفت إلى سامر
أريد ملف العقود القديمة وصفقات الميناء
واستدع لي كارما فورا لكن من دون ضجة
واجعلوا خبر الهجوم يخرج للإعلام بنسخة واحدة فقط
محاولة سرقة فاشلة في القصر
لا شيء عن الاغتيال
قال سامر
أمرك
ثم نظر ليث إلى نورا
وأنت
سترافقينني
اتسعت عيناها
أنا
قال
نعم
لأن الشخص الذي ظن أنك خادمة عابرة سيفاجأ عندما يجدك إلى جواري
ولأنني أريد أن أرى وجوه من ينزعجون من ذلك
حاولت الاعتراض
لكنني لا أعرف شيئا عن عالمكم
قال وهو يتجه إلى الباب
لهذا السبب بالضبط ستكونين مفيدة
العين التي لم تتعود القذارة تراها أسرع
تركها مع العبارة المربكة وخرج
فأسرعت تلحق به بعد إشارة سامر
بعد ساعة فقط كانت نورا جالسة في غرفة اجتماع صغيرة ملحقة بمكتب داخلي آخر
حول الطاولة جلس أربعة رجال وامرأتان
أحدهم محام ضخم
والآخر مستشار مالي
والثالث مدير شركات المجموعة
أما المرأة الأولى فكانت أنيقة جدا ذات شعر أسود مصفف بعناية وعطر ثقيل
عرّفها سامر بصوت منخفض
كارما
نظرت كارما إلى نورا من رأسها حتى قدمها ثم إلى ليث
وقالت بنبرة ناعمة تخفي سمّا خفيفا
منذ متى تشاركنـا الخادمات الاجتماعات العائلية
أجاب ليث وهو يجلس على رأس الطاولة
منذ صارت بعض أفراد العائلة تعمل مع القتلة
ساد صمت مشدود
وتغير لون وجه كارما للحظة
لكنها تماسكت بسرعة
هذه مزحة سيئة يا ليث
ألقى أمامها الكاتم الأسود وصورة من تسجيل السيارة
وقال
مزاحتي اليوم كادت تقتلني
تدخل الرجل الضخم
ليث اتهمك خطير
رد ببرود
والخيانة أخطر
راحت الأنظار تتحرك بين الوجوه
أما نورا فجلست في طرف الطاولة تشعر أنها دخيلة على مشهد أكبر كثيرا من قدرتها
لكنها كانت تراقب
تماما كما طلب منها
لاحظت أن كارما رغم محاولتها الثبات كانت تضغط إبهامها بشدة على خاتمها الماسي
ولا تنظر مباشرة إلى صورة السيارة
ولاحظت أيضا أن المستشار المالي المدعو نادر كان أكثر الناس هدوءا بشكل مريب
بل وكان يراقب ليث لا كارما
كأنه يقيّم المسافة لا الصدمة
دار الحديث بحدة
اتهامات
إنكار
أسئلة عن الحسابات
عن العقود
عن الشركة التابعة لرامي
ثم فجأة قالت كارما
وأين دليلك الحقيقي
غير خادمة تقول إنها سمعت شيئا
في تلك اللحظة التفت الجميع إلى نورا
شعرت بحرارة الوجوه فوقها
لكن ليث لم يتح لها الوقت لتنهار
قال بصوت قاطع
هذه الخادمة كما تسمينها أنقذت حياتي
وكلمتها عندي أثمن من كثير من توقيعاتكم
كان وقع الجملة كصفعة على الطاولة
غير أن نورا لم تكن تنظر إلى كارما في تلك اللحظة
بل إلى نادر
الذي تحركت شفتاه بابتسامة خاطفة صغيرة جدا عندما ذكر ليث إنقاذ حياته
ابتسامة لم تناسب الجو أبدا
ابتسامة شخص يعرف أن اللعبة لم تنته بعد
وعندما انتهى الاجتماع وأمر ليث بحجز كارما داخل الجناح لحين انتهاء التحقيق خرج الجميع تحت رقابة الأمن
لكن نورا اقتربت من ليث وهمست
ليس هي وحدها
نظر إليها بسرعة
من
قالت
نادر
كان يبتسم
ضيق عينيه
متى
عندما قلت لهم إنني أنقذت حياتك
لم يبدُ خائفا أو متفاجئا
بدا وكأنه يفكر في شيء آخر
وأثناء الكلام عن السيارة لم ينظر إليها إلا مرة واحدة
كان يراقبك أنت
سكت لثوان
ثم قال بهدوء أخطر من الغضب
ممتاز
أشار إلى سامر دون أن يشرح
فتحرك الرجل فورا خلف نادر الذي كان قد وصل إلى نهاية الممر
بعد دقائق دوى صياح مكتوم من بعيد
ثم عاد سامر ومعه هاتف محمول صغير وبطاقة ذاكرة وسكين رفيع
قال
كان يحاول حذف ملفات من الحمام الداخلي
ووجدنا هذه في حذائه
فتحوا الهاتف
فوجدوا رسالة غير مرسلة إلى رقم مجهول
النص قصير
المحاولة الأولى فشلت
الشاهدة مع ليث الآن
سأتصرف
رفع ليث عينيه إلى نورا
ولأول مرة منذ عرفته رأت فيها شيئا يشبه الاحترام الصريح
قال
لو لم تكوني هنا لضاع نصف الليل في الاتجاه الخطأ
أطرقت مرتبكة
لم تعتد أن يثني عليها أحد
فكيف إذا جاء الثناء من رجل مثله
لكنها رفعت رأسها بسرعة عندما تذكرت شيئا آخر
قالت
إذا كان نادر سيخبر أحدا عني
فمعنى ذلك أنني ما زلت في خطر
قال
صحيح
ولهذا لن أتركك وحدك بعد الآن
تجمدت قليلا عند العبارة
لكنه أكمل عمليا
ستنتقلين إلى الجناح الملاصق لجناحي
والحراسة ستتضاعف
وغدا صباحا ستزورين أختك برفقتي
قالت بدهشة
برفقتك أنت
نظر إليها
هل لديك اعتراض
تلعثمت
لا
لكن الناس
قاطعها
أنا لا أسأل الناس عندما أقرر شيئا
أخفضت عينيها
ذلك الرد كان متوقعا منه تماما
ومع هذا شعرت بحرارة غير مريحة في قلبها
لأن جزءا منها لم يعد خائفا منه فقط
بل صار واعيا جدا لحضوره
لطريقته في النظر
للثقة الخطرة التي يمشي بها
ولأنه أنقذ أختها وربما أنقذها هي أيضا أكثر من مرة في ليلة واحدة
حلّ الفجر على القصر أخيرا
فجر شاحب بارد بعد ليل يشبه الحرب
تم توقيف نادر وكارما
واختفى رامي من شقته الخاصة قبل مداهمتها
ما يعني أن أحدا ما لا يزال يسرب الأخبار إليه
أما نورا فنقلت إلى جناح جديد أكبر من غرفتها القديمة مرات عديدة
كانت تشعر أنها تمشي في حياة ليست لها
حاولت أن تنام لكنها لم تستطع
كلما أغمضت عينيها رأت فادي قرب السيارة
ورأت المرأة المتنكرة عند الباب
وشعرت مجددا بقبضة ليث على عنقها ثم بيده نفسها وهي تنتشل حياتها من الفوضى
يا له من رجل
يمكنه أن يكون التهديد والنجاة في اللحظة نفسها
عند التاسعة صباحا طرق بابها طرقا خفيفا
دخلت هناء ومعها فستان بسيط أنيق بلون كحلي وحجاب نظيف وحذاء جديد
قالت
أمر السيد أن ترتديه لزيارة المستشفى
ترددت نورا
ليس لي
قالت هناء بابتسامة صغيرة
من اليوم أشياء كثيرة لن تعودي تقولين عنها ليست لي
عندما خرجت وجدت ليث ينتظر في الممر مرتديا بدلة فحمية اللون دون ربطة عنق
وقد غطى الجرح في ذراعه بقميص مفصل بعناية
لكنه بدا متعبا بشكل خافت
كأن الليل ترك أثره تحت الجلد لا على الوجه
نظر إليها للحظة طويلة ثم قال
هكذا أفضل
احمرّ وجهها من غير سبب واضح
وقالت
شكرا
نزل الاثنان ومعهما سامر ورجلان من الحراسة إلى سيارة مصفحة مختلفة
طوال الطريق إلى المستشفى لم يتحدث ليث كثيرا
كان ينظر من النافذة أحيانا ثم يعود إلى شاشة هاتفه يرسل أوامر قصيرة
أما هي فكانت تقبض على طرف مقعدها وتعد الثواني حتى ترى ليلى
عندما دخلت جناح العناية الخاصة كادت دموعها تسقط من أول خطوة
كانت أختها على سرير جديد نظيف
لون وجهها أفضل قليلا
والأجهزة حولها حديثة
وعلى الطاولة باقة صغيرة من الزهور البيضاء
سألت الممرضة عن الحالة فقالت إن التدخل السريع أمس أوقف تدهورا خطيرا وإن فرص التحسن ارتفعت كثيرا
اقتربت نورا من السرير وأمسكت يد ليلى برفق
همست لها بكلمات لا تسمعها إلا القلوب المتعبة
أنا هنا
لن أتركك
سنخرج من هذا كله
أعدك
وعندما رفعت رأسها وجدت ليث يقف عند باب الغرفة يراقب بصمت
لم يقترب
ولم يقطع لحظتها الخاصة
فشعرت بشيء يلين داخلها دون إذنها
بعد أن خرجت من الغرفة سألته بصوت ممتن خانق
لماذا تفعل كل هذا من أجلي
أجاب وهو يسير معها في الممر
لأنني إذا تركت منقذتي تغرق فسأكون أحمق
ولأن أختك لا ذنب لها في شيء
ولأنني أفي بوعدي
ثم توقف فجأة
كانت عيناه قد ثبتتا على نهاية الممر حيث ظهر رجل يرتدي معطف طبي ويحمل ملفا
شيء ما في وجه ليث تغير فورا
دفعة واحدة صار جسده أكثر تيقظا
قال بصوت منخفض
ارجعي إلى الداخل الآن
لم تفهم
لكن نبرته لم تترك مجالا للسؤال
عادت خطوة إلى الوراء
وفي اللحظة نفسها ألقى الرجل الطبي الملف أرضا وأخرج مسدسا صغيرا بكاتم
حدث كل شيء بسرعة مرعبة
اندفع سامر من الجانب
ورمى أحد الحراس نفسه أمام ليث
انطلقت رصاصة مكتومة
ثم ثانية
ثم صرخات
أمسك ليث بنورا من خصرها ودفعها خلف الجدار قبل أن تتمكن من الصراخ
التصق جسدها به لحظة خاطفة
كانت تشعر بقلبه يدق بقوة حقيقية هذه المرة
قوة رجل لا يخاف الموت بقدر ما يطارد من يرسله
دوّى صوت اشتباك قصير
ثم سكون
تلاه صوت سامر
تمت السيطرة
أبعدها ليث عنه ببطء لكنه لم يترك كتفيها فورا
كانت عيناه تمشطان وجهها وعنقها وذراعيها
هل أُصبتِ
هزت رأسها وعيناها متسعتان من الصدمة
لا
أنزل يديه عنها ببطء
لكن أثر لمسته بقي يشتعل في جلدها أكثر من أي خوف
قال سامر بعد لحظات
المهاجم ممرض مزيف
ولديه حبوب سم أيضا
لكننا قبضنا عليه قبل أن يبتلعها
مرر ليث يده على جبينه ثم قال ببرود قاس
إذن رامي يائس فعلا
جيد
اليائسون يخطئون
التفت إلى نورا
الزيارة انتهت
سنعود إلى القصر
قالت وهي ما تزال تحت وقع الصدمة
إلى متى سيستمر هذا
نظر إليها لثانية طويلة
ثم قال
حتى أصل إلى رأس الأفعى
وعندما عادا إلى القصر كان بانتظارهما خبر آخر
تم تتبع آخر إشارة لهاتف نادر قبل القبض عليه إلى مخزن قديم على أطراف القاهرة مملوك لشركة وهمية مرتبطة برامي
أصدر ليث أوامره بالتحرك فورا
لكنه قبل أن يغادر التفت إلى نورا فجأة وقال
ستبقين هنا
قالت بعناد مفاجئ حتى نفسها
لا
أنا سمعت أسماءهم وأنا أميز بعض الوجوه
وإذا كان رامي يعرفني أصلا فبقائي هنا وحدي ليس أمانا
نظر إليها بحدة
المكان قد يكون فخا
قالت
وأنا لست أضعف مما تتصور
تبادل معها النظرات لحظة
ثم قال شيئا لم تتوقعه
هذا ما أخشاه
ساد بينهما صمت قصير غريب
ثم تنهد سامر كأنه لا يريد إضاعة الوقت
وأخيرا قال ليث
حسنا
لكن تلتزمين حرفيا بما أقوله
أومأت
انطلقت القافلة إلى المخزن قبيل الغروب
سيارات سوداء
رجال مدججون بالسلاح
سماء ملبدة بلون رمادي ثقيل
وكانت نورا تجلس في المقعد الخلفي قرب ليث تشعر أنها ابتعدت آلاف الأميال عن تلك الفتاة التي كانت بالأمس تنظف المرآة في صالون القصر
عندما وصلوا كان المخزن المهجور صامتا من الخارج
لكن سامر أكد أن هناك حركة حرارية داخله
انتشر الرجال حول المكان
وأمر ليث نورا بالبقاء داخل السيارة
هذه المرة لم تعترض
كانت تعرف أن حدود الشجاعة لا تعني الغباء
مرت دقائق مشحونة
ثم دوى إطلاق نار حقيقي هذه المرة
عنيف وسريع
تطاير زجاج من النوافذ العلوية
واختلطت الأوامر بالصراخ
رأت رجال ليث يقتحمون من جهتين
ورأت شخصين يحاولان الهرب من الباب الخلفي فيسقط أحدهما فورا
أما الآخر فركض نحو الساحة المفتوحة
وركبت سيارة سوداء فجأة وانطلقت كالسهم
صرخ سامر باسم رامي
ثم اندفع وراء السيارة
وفي اللحظة نفسها التفت ليث إلى الطريق الآخر ورأى شيئا جعل وجهه يتجمد
شخص ثالث كان يخرج من الجهة الجانبية حاملا بندقية موجهة مباشرة نحو السيارة التي تجلس فيها نورا
لم تره هي إلا عندما فتح ليث الباب بعنف وسحبها إلى الخارج بقوة
لف جسده حولها في اللحظة نفسها
ثم دوى الرصاص
سقط الاثنان أرضا خلف الحاجز الإسمنتي
كانت أنفاسها محبوسة
وشعرت بثقل جسده فوقها
ثم دفء سائل يلامس يدها
همست بفزع
ليث
رفع رأسه قليلا
وكان وجهه شاحبا لأول مرة
قال بصوت خافت
أنا بخير
لكن الدم كان ينزف من جانبه بوضوح
لم تمهله ليكمل
الرجل المهاجم سقط بعد رصاصتين من رجال الأمن
وجاء سامر راكضا
تم إسعاف ليث بسرعة داخل السيارة نفسها
بينما قبضوا على رجلين آخرين أحياء
أما رامي فاختفى مرة أخرى
لكنهم وجدوا في المخزن ملفات وأجهزة وتحويلات مالية تكفي لإسقاط نصف الشبكة
في المستشفى رفض ليث أن يُنقل إلى جناح عام
واختار العودة إلى القصر بعد استخراج الرصاصة السطحية وإغلاق الجرح
كان الألم واضحا في عينيه هذه المرة مهما حاول إخفاءه
وعندما دخل جناحه ليلا وجد نورا تنتظره في الصالة الصغيرة وقد بدت عليها آثار البكاء الصامت
قال بصوت متعب
ظننتك نائمة
أجابت
وأنت تنزف بسببي
قال وهو يخلع سترته بصعوبة
ليس بسببك
بسبب رجل أرعن أخطأ الهدف
اقتربت منه دون وعي ثم توقفت
قالت
كنت ستُقتل
ابتسم ابتسامة مرهقة
للمرة الثانية تنقذينني من فكرة سيئة
الأولى حين حذرتني
والثانية حين أجبرتني على إحضارك معي
فلو بقيت في السيارة دون أن أراك ربما لم أنتبه لذلك الرجل بهذه السرعة
امتلأت عيناها مجددا
وقالت بصوت منخفض
لا تتكلم كأن الأمر عادي
حدق فيها طويلا
ثم قال بهدوء غير مسبوق
ليس عاديا يا نورا
منذ سنوات لم أخف على أحد بهذه الطريقة
تجمدت في مكانها
كان التعب قد نزَع من صوته بعض دروعه المعتادة
فخرجت الجملة أكثر صدقا وخطورة
قالت بعد صمت
وأنا منذ سنوات لم أثق بأحد بهذه السرعة
وهذا يخيفني أيضا
اقترب خطوة رغم الألم
حتى صار بينهما مسافة نفس واحد
قال
يجب أن يخيفك
أنا لست رجلا آمنا
همست
أعرف
ثم لم يعرف أيهما اقترب أولا
هي أم هو
لكن اللحظة انكسرت عندما دوى هاتف سامر بإشارة عاجلة
دخل الرجل فورا من الباب الخارجي وقال
وجدنا رامي
ابتعد ليث عنها ببطء
وعاد الجليد إلى ملامحه العملية
أين
في المرسى الخاص على النيل
يحاول الهرب بالقارب
لم يتردد ثانية
التقط سلاحه رغم اعتراض سامر والأطباء
ونظر إلى نورا
ستبقين هنا هذه المرة
وإذا لم أعد قبل الفجر
قاطعته بنظرة حادة دامعة
لا تقلها
سكت لحظة
ثم قال بصوت أخفض
سأعود
خرج تاركا خلفه أثره كله في الهواء
وبقيت نورا وحدها تسمع قلبها وتنتظر الفجر الذي طال كالعذاب
راحت تمشي في الجناح جيئة وذهابا
تدعو
تبكي
تتخيل
ثم تدعو من جديد
حتى بدا لها أن الليل لن ينتهي أبدا
لكن قبل الأذان بقليل فُتح الباب
دخل سامر أولا
ثم دخل ليث خلفه
متعبا ومبللا بماء النيل والعرق والدم
لكن حيا
وقفت مكانها غير مصدقة
قال سامر باقتضاب
انتهى الأمر
رامي قُبض عليه
واعترف نادر قبل ساعات بعد مواجهة الأدلة
كانت خطة طويلة لانتزاع السيطرة على الشركات وتصفية الأستاذ ليث
وفادي مجرد أداة
أغلق الباب وانسحب ليتركهما وحدهما
ظل ليث واقفا ينظر إليها لحظة
ثم قال بصوت خافت متعب
انتهت الحرب الأولى
اقتربت منه هذه المرة بلا خوف
وقالت
والثانية
رد وهو يترك السلاح على الطاولة
الثانية ستكون أصعب
سألته
أي حرب
نظر في عينيها مباشرة
الحرب التي تبدأ عندما تنجو من الموت فتكتشف أن قلبك اختار التوقيت الأسوأ ليفعل ما يشاء
لم تستطع الكلام
فهو أكمل
أنتِ دخلتِ حياتي كتحذير هامس عند ربطة عنق
ثم قلبتِ كل شيء
وهذا لا يريحني
لكنه صار حقيقة
انخفض صوتها وهي تكاد ترتجف
أنا خادمة من حي شعبي وأنت رجل يخشاه الجميع
ما الذي يمكن أن يبدأ بين عالمين كهذين
قال
شيء لا يعجب الناس
لكنه لا يطلب إذنهم
وفي الخارج بدأ أذان الفجر يرتفع فوق القاهرة
هادئا
مضيئا
كأنه يغسل آخر بقايا الليل
كانت المدينة نفسها تستيقظ من كابوس طويل
أما داخل الجناح فكانت نورا تشعر أنها على حافة عمر جديد لا يشبه شيئا مما عرفته
بعد أسابيع تحسنت ليلى وخرجت من العناية إلى غرفة عادية
وكُشف ملف الاغتيال كاملا في المحاكم
وسقطت أسماء كبيرة مع رامي
أما القصر فقد تغيرت فيه وجوه كثيرة
ورحلت منه وجوه أكثر
لكن اسم نورا لم يعد يقال همسا في الممرات كاسم خادمة فقيرة
بل كاسم المرأة التي سمعت جملة واحدة قرب مرآة فغيّرت بها مصير رجل وقصر وإمبراطورية كاملة
ومع ذلك لم يكن طريقها سهلا
الصحافة لاحقت
والنميمة انتشرت
والعائلة القديمة لم تغفر بسهولة
لكن ليث كان كلما اشتدت العاصفة يقف أمامها بذلك الهدوء القاسي نفسه
ويقول إن من نجا من الرصاص لا يهزه كلام الصالونات
وفي ليلة هادئة بعد أشهر
وقفت نورا في شرفة الجناح المطل على النيل
لم تعد ترتدي مئزر الخادمات
بل ثوبا بسيطا أنيقا اختاره هو ولم تعترض هذه المرة
كان النسيم خفيفا
والمدينة تلمع تحتها كأنها تفتح صفحة جديدة
جاء ليث ووقف إلى جوارها
قال
ما الذي تفكرين فيه
ابتسمت لأول مرة بلا خوف
أفكر أن كل شيء بدأ من ربطة عنق
نظر إليها ثم ضحك ضحكة قصيرة حقيقية نادرة
وقال
لا
كل شيء بدأ من امرأة قررت أن تهمس بدل أن تهرب
التفتت إليه
وسألته
ولو هربت
قال
لكنّت ميتا
أو أسوأ
حيّا وسط خيانة لم أكتشفها
ثم مال قليلا نحوها
وأنتِ
لو هربتِ
لكنْتِ وحيدة تحملين الدين والخوف والمستشفى
أما الآن
سكت عمدا
قالت
أما الآن ماذا
رفع يدها إلى شفتيه وقبّل أطراف أصابعها برفق يناقض تماما الرجل الذي سحق عنقها في أول ليلة
ثم قال
أما الآن فأنتِ في قلب الحرب وفي قلبي أيضا
ولن أسمح أن تُنتزعـي من أي منهما
اتسعت عيناها ثم ضحكت والدموع تلمع فيهما
كانت تعرف أن الطريق ما زال صعبا
وأن رجال السلطة لا يتحولون إلى ملائكة
وأن ليث الريس سيظل خطرا حتى وهو يَعد بالحماية
لكنها عرفت أيضا أن بعض القصص لا تولد من الأمان
بل من النار
من الخوف
من الهمسة التي تقال في اللحظة المناسبة
ومن قلبين تعارفا أولا على حافة الاغتيال
وهكذا
في القصر الكبير في الزمالك
حيث كانت الخناجر تبتسم خلف الظهور
لم تعد نورا السعدي مجرد خادمة تعدل ربطة عنق الزعيم
بل المرأة التي أنقذت حياته وكسرت حصونه
وجعلته للمرة الأولى منذ سنوات طويلة
عندما ينظر إلى المستقبل لا يبحث فقط عن الأعداء
بل عن وجه واحد ينجو لأجله ويقاتل لأجله
ويعود حيّا كل مرة لأجله وحده
تمت


تعليقات
إرسال تعليق