في عز عزومة أول يوم العيد أبويا
في عز عزومة أول يوم العيد أبويا
في عز عزومة أول يوم العيد، أبويا رزعني ب كاس العصير في وشي لما رفضت أخلي أختي وعيالها يجوا يعيشوا معايا في شقتي! أومي وقفت تصرخ فيا وتقولي أنتِ أنانية وجحدة.. وعندك أوض فاضية ملهاش عازة!.. لقتها ب تدمي، اِبتسمت ب برود، وقمت ركبت عربيتي وطلعت على المستشفى، وأنا ب نزف بعت رسالة للمحامي بتاعي المرحلة الأولى تمت ب نجاح.. والشرطة دلوقتي في الطريق!
كاس العصير خبط في دماغي قبل ما ألمح إيد أبويا وهي ب ترميه أصلاً، في ثانية واحدة كنت قاعدة على سفرة أول يوم العيد في بيت أهلي، ب أتفرج على صواني الأكل اللي بدأت تبرد تحت نور النجفة الأصفر، وفي الثانية اللي بعدها، حاجة اِتفركت في جنب راسي ب صوت حاد ومليان غرق، سكت المكان كله في نفس اللحظة، ل نص ثانية، اِفتكرت إن السخونية اللي نازلة على وشي دي عصير، ل حد ما وصلت ل شفايفي ودوقت طعم الحديد الزفر، أمي كريمة كانت لسه واقفة في آخر السفرة وحاطة إيدها الاتنين على المفرش الستان، وب تتنفس ب الغل كأنها كانت ب تجري في مطلع، وأبويا الحاج شاكر واقف جنبها وإيده اليمين لسه متعلقة في الهوا كأن رمية الكاس لسه م خرجتش من جسمه
كله، العصير الأحمر كان ب يسيل على الحيطة ورايا، والدم ب يسيل على عرق راسي ب الوجع، بنت أختي الصغيرة حبيبة كانت واقفة متجمدة عند باب الصالة وفي إيدها طبق فوم فيه حتة بسبوسة، وأخوها الصغير كان فوق ب يعيط في الأوضة لأن أختي شيرين كانت طردت العيال فوق أول ما كلام الكبار والمشاكل بدأ، بس حبيبة نزلت تاني ب السرقة عشان التحلية.. وشافت كل حاجة، أمي قالتها ب الغل أنتِ عيلة أنانية وجحدة!، م كانتش مفرسرة، م كانتش ندمانة، ولا حتى خايفة، كانت غرقانة في غضبها وبس، وزودت عليها ب بجاحة أنتِ عندك أوض قفلاها ب المفتاح وم لكيش عازة فيها!، كأن الكلمتين دول هما المبرر ل قزاز الكاس والدم والبت اللي عندها تسع سنين وب تترعش عند الباب.
رفعت إيدي ل راسي، صوابعي رجعت مليانة دم أحمر غامق، وب تلزق وفيها فتافيت إزاز صغيرة زي البودرة، عين أبويا راحت ل إيدي، وبعدها رجعت ل وشي تاني، ولأول مرة من أول اليوم، أنا اِبتسمت! اِبتسامة صغيرة، مش بتاعة فرحة، ولا طيبة، بس كانت كفيلة تخلي أمي تبربش ب عينها ب القلق، قولت ب الحرف تمام.. كدة تمام أوي!، شيرين أختي طلعت صوت مخنوق من ورايا، وجوزها
تامر كان شكله كأن حد شفط الهوا من صدره، الراجل قضى العزومة كلها باصص في طبق الرز بتاعه وأهلي ب يفركوا فيا ويشرحوا لي ليه لازم أوافق إن مراته وعيالهم وديونهم اللي م بتخلصش يقعدوا معايا في شقتي، شقتي أنا! اللي قعدت عشر سنين من عمري ب أدفع في أقساطها وقصم ضهري عشانها، اللي بابها أزرق وفيها بلكونة واسعة مليانة زرع، والآوضة اللي قلبتها مكتب ودهنتها ب الأخضر الهادي عشان مفيش مخلوق يدخل يتحكم فيا، الشقة اللي شيرين بدأت في الفترة الأخيرة تنديهالنا ب اسم بيت العيلة الكبير لما ب تلاقيني تعبانة وم فيّاش حيل أصلح لها كلامها.
أبويا زعق ب الغل لما رجعت الكرسي ل ورا وقومت أنتِ رايحة فين يا بت؟، رجلين الكرسي عملت صوت تزييق قوي على البلاط، والصوت ده صحى البت حبيبة من تجميدها، الطبق الفوم وقع من إيدها والبسبوسة اِتقلبت على السجادة، قولت وصوتي طالع ب الغرابة؛ هادي، وراسي، وكأني ب أتكلم ب الأصول رايحة أشوف الجرح ده هيعوز كام غرزة، أخدت شنطتي من على ضهر الكرسي، وعين أمي ضيقت ب الغيظ إياكِ تعملي لنا فيها حكاية وفيلم هندي يا سلوى!، ده كان اسمي؛ سلوى Donovan، عندي اتنين
وتلاتين سنة، صاحبة شقة ب اسمي، ب أدفع ضرائبي، مديرة مشاريع في شركتي، وبنت عاقة وم ب يثمرش فيها الخيرده ب بناءً على كلام عيلتي لما ب يحكوا حكايتي للناسطلعت موبايلي من الشنطة، وبصمتي سابت علامة دم حمراء على الشاشة، أبويا خطى خطوة ناحيتي، رفعت الموبايل ب الخفة في وشه، مش ب أهدده، بس ب أفكره إن الجهاز ده موجود وب يسجل، قولت لهم كتر خيركم يا جماعة.. دي ب الظبط الحاجة اللي كنت مستنياها من زمان، غضبهم اِتحول ل غباء وذهول في ثانية، ودي كانت أول لحظة أشوف في عينيهم الخوف ب حق وحقيق، مش عشان عوروني؛ هما ب يعملوا أكتر من كدة من سنين وب يناموا زي الفل، هما خافوا لأن رد فعلي م كنش زي ما هما متعودين؛ م عيطتش، م اِتأسفتش، وم وعدتش إني هفكر في مصيبة شيرين وعيالها، مشيت من جنب أختي، ومن جنب جوزها، وعديت من جنب حبيبة اللي وشوشت ب صوت يقطع القلب يا خالتو سلوى؟.. الصوت ده كان هيكسرني، كنت عوزة أقف، وأركع قدامها وأقولها إن مفيش أي حاجة من دي ذنبها، بس الدم كان ب ينزل على ياقة قميصي، ودماغي بدأت تنبض ب الوجع، وعارفة إن لو وقفت، أمي هتلاقي طريقة تقلب بيها اللحظة دي وتطلعني
أنا الست المفترية اللي معندهاش قلب، ف كملت مشي ل برة.
برة البيت، الهوا بتاع المغربية كان ريحته حلوة، الشارع كان هادي ب الجو بتاع أول يوم العيد؛ اللبس الجديد، والعربيات المركونة، والعائلات اللي ب يمثلوا إنهم م ب يصوتوش ورا الأبواب المقفولة، ركبت عربيتي، وإيدي م بدأتش تترعش غير لما قفلت السنتر لوك وجنزت الأبواب كلها!
يا ترى سلوى هتعمل إيه ب محضر الشرطة وتقرير المستشفى ضد أبوها، وإزاي المرحلة الأولى اللي بعتتها للمحامي هتهد عيلتها كلها فوق دماغهم وتخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يسرقوا شقتها؟ وإيه السر المرعب اللي سلوى مخبياه وهيقلب الطاولة على شيرين وجوزها؟
سلوى فضلت قاعدة جوة العربية دقايق طويلة.
إيديها على الدركسيون.
والدم بينزل ب البطء على رقبتها.
لكن جواها
كان فيه هدوء مرعب.
النوع اللي بييجي بعد سنين من الكسر.
لما الإنسان يبطل يوجعه الضرب
ويبدأ يوجعه إنه صدق إن اللي قدامه أهل.
فتحت تليفونها.
وبعتت للمحامي رسالة قصيرة
المرحلة الأولى تمت.
وبعدها مباشرة
طلبت النجدة.
بعد نص ساعة
كانت قاعدة في مستشفى خاصة.
الدكتور بيحط لها خمس غرز في جانب راسها.
والظابط واقف قدامها ب دفتر المحاضر.
مين اللي اعتدى عليكي؟
سلوى ردت من غير تردد والدي.
الظابط
رفع عينه بدهشة بسيطة.
وسأل عاوزة تثبتي الاتهام رسمي؟
سلوى افتكرت صوت الكاس وهو بيتكسر في وشها.
افتكرت سنين الذل.
وإزاي من وهي صغيرة، أي حاجة تملكها كانت لازم تبقى للعيلة.
مرتبها.
دهبها.
عربيتها.
حتى شقتها.
كل حاجة لازم تتاخد منها تحت اسم الواجب.
رفعت عينيها وقالت أيوه رسمي.
في نفس الوقت
في بيت الحاج شاكر، الدنيا كانت مقلوبة.
أمها ماشية رايحة جاية البنت دي مجنونة! هتفضحنا!
شيرين كانت مرعوبة أنا قولت لكم سيبوها الليلة دي.
لكن أبوها كان لسه منفعل تعمل محضر لأبوها؟! دي قليلة الرباية!
وفي اللحظة دي
جرس الباب رن.
الحاج شاكر فتح بعصبية.
واتصدم أول ما شاف الشرطة.
الظابط قال ب الرسمية أستاذ شاكر فيه بلاغ اعتداء جسدي.
أمها شهقت يا نهار إسود!
شيرين بدأت تعيط يا سلوى عملتي فينا كدة ليه؟!
لكن اللي خضهم بجد
إن الشرطة طلبت يشوفوا عقد الشقة.
لأن دي كانت المرحلة التانية.
والحقيقية.
بعد يومين
المحامي قعد قدام سلوى في مكتب هادي.
وحط قدامها ملف تخين.
أنا خلصت كل حاجة.
سلوى سألته شيرين كانت عارفة؟
المحامي فتح ورقة.
أختك وجوزها كانوا بيحاولوا يعملوا إثبات إقامة في شقتك من ورا ضهرك.
عين سلوى لمعت ب البرود.
كنت حاسة.
المحامي كمل وفيه كمان توكيل مزور كانوا مجهزينه
عشان ياخدوا قرض بضمان الشقة.
سلوى سكتت.
ولأول مرة
عينيها دمعت.
مش من الوجع.
من الصدمة.
أختها
اللي كانت بتعيط وتتحايل عليها طول الشهور اللي فاتت
كانت بتخطط تسرق بيتها كله.
رجعت البيت بالليل.
شقتها كانت هادية.
ريحة اللافندر اللي بتحبها مالية المكان.
وقفت في نص الصالة تبص للمكتبة.
للزرع.
للركنة اللي تعبت عشان تجيبها.
وفجأة افتكرت جملة أمها
عندك أوض فاضية ملهاش عازة.
ضحكت.
ضحكة قصيرة موجوعة.
لأنهم عمرهم ما شافوا البيت.
هما شافوا الغنيمة.
بعد أسبوع
العيلة كلها كانت مجتمعة في مكتب محامي كبير.
الحاج شاكر وشه مجهد.
أمها منهارة من العياط.
وشيرين قاعدة ساكتة، مكسورة.
أول ما سلوى دخلت
أمها قامت هتسجني أبوكي يا بنت الكلب؟!
المحامي ضرب القلم على المكتب لو سمحتي يا مدام.
سلوى قعدت بهدوء.
وبعدين طلعت ملف تاني.
وقالت ده تقرير التزوير.
شيرين وشها اصفر.
تامر حاول يتكلم إحنا كنا مضغوطين
قاطعتهم كنتوا هتسرقوا شقتي.
الحاج شاكر زعق دي أختك!
سلوى بصت له طويلاً.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرتهم وأنا بنتك يوم ما ضربتني بالكاس نسيت دي؟
السكوت نزل على الأوضة.
ثقيل.
خانق.
حتى أبوها معرفش يرد.
المحامي بدأ يشرح مدام سلوى عندها تسجيلات وواتسابات ومحاولة إثبات إقامة مزورة وده
كافي لحبس.
أمها جريت تمسك إيد سلوى يا بنتي إحنا أهلك!
سلوى سحبت إيدها بهدوء.
وقالت أهلي؟
ضحكت بمرارة.
الأهل ميبقوش مستنيين فرصة ياكلوا تعب بنتهم.
وفي اللحظة دي
شيرين انفجرت في العياط.
أنا كنت مرعوبة!
الكل بص لها.
وقالت ب انهيار تامر عليه ديون وكان بيهددني ياخد العيال لو مجبتش فلوس.
تامر زعق اخرسي!
لكن سلوى فهمت كل حاجة.
شيرين مكنتش بريئة.
بس كانت غرقانة.
ومستعدة تبيع أختها عشان تنجو.
بعد جلسة طويلة
سلوى تنازلت عن محضر الضرب.
لكن بشرط واحد.
تامر يبعد نهائي عن حياتها.
وأي محاولة يقرب من شقتها أو أملاكها
تتحول القضية لجنائية كاملة.
أما أبوها
فخرج من المكتب راجل تاني.
أصغر.
أضعف.
لأن لأول مرة
بنته وقفت قدامه ومخافتش.
بعد شهور
سلوى كانت قاعدة في بلكونة شقتها.
الزرع حوالينها.
والهوا بيدخل هادي.
تليفونها رن.
كانت حبيبة.
بنت أختها.
خالتو هو أنتِ زعلانة مني؟
سلوى حسّت قلبها وجعها.
وقالت بسرعة لأ يا حبيبتي.
البنت همست أنا وحشتيني.
سلوى غمضت عينيها.
لأن الأطفال
هم الوحيدين اللي مكنوش جزء من الحرب.
وفي يوم عيد جديد
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت أبوها واقف.
شايل علبة كحك صغيرة.
وشه كبر عشر سنين.
بصلها وقال ب انكسار ممكن أدخل؟
سلوى سكتت ثواني طويلة.
وبعدين فتحت الباب.
لكن المرة دي
بشروطها هي.
لأن البنت اللي خرجت يوم العيد والدم على وشها
م رجعتش نفس الإنسانة.
رجعت ست فهمت إن الرحمة حاجة
وإن كرامتها حاجة تانية خالص.


تعليقات
إرسال تعليق