القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified


 حكايات بسمه كاملة وحصريه 


حكايات بسمه

كامله

جوزي كان يخليني أعمل كل أسبوع صواني أكل لأخته المطلقة عشان «ملهاش دخل»… وبعد سنة وصلني أوردر من صفحة أكل بيتي، والصورة كانت لنفس الصينية اللي عملتها الصبح.


 


كل يوم خميس كنت بصحى من الفجر.


 


أعمل صينية مكرونة بشاميل.


 


وصينية فراخ.


 


ومحشي.


 


وساعات حلويات كمان.


 


جوزي يقوللي:


 


—معلش يا هبة… أختي ملهاش دخل، وعيالها محتاجين ياكلوا.


 


وكنت أوافق.


 


حتى لما أسعار الأكل غليت، وبدأت أوفر من مصروف بيتي عشان أكفي.


 


كنت بقول:


 


—أهي ست مطلقة وربنا يعينها.


 


فضلت سنة كاملة.


 


لحد يوم، كنت تعبانة ومش قادرة أطبخ.


 


لكن جوزي أصر.


 


—أختي مستنية الأكل.


 


قمت عملت صينية بشاميل كبيرة.


 


وزينتها بطريقة مميزة.


 


وحطيت في الركن حبتين زيتون على شكل وردة عشان بنتها الصغيرة بتحبهم.


 


بعد ساعتين، جوزي أخد الصينية ومشي.


 


بالليل، بنتي قالتلي:


 


—ماما، نطلب أكل من بره؟


 


فتحت صفحة أكل بيتي مشهورة في منطقتنا.


 


طلبت صينية بشاميل.


 


بعد نص ساعة، الأوردر وصل.


 


فتحت الكيس.


 


واتجمدت.


 


نفس الصينية.


 


نفس الطبق بتاعي.


 


ونفس حبتين الزيتون.


 


قلبت الكيس.


 


لقيت اسم صفحة مطبوع عليه.


 


دخلت صفحتهم.


 


لقيت صور أكل السنة كلها.


 


محشي.


 


فراخ.


 


حلويات.


 


كلها أكلات أنا عملتها بإيدي.


 


اتصلت بالرقم.


 


ردت سلفتي.


 


قفلت.


 


استنيت جوزي يرجع.


 


حطيت الصينية قدامه.


 


—الأكل حلو؟


 


قال:


 


—أيوه… طلبتيه منين؟


 


قلت:


 


—من عند أختك.


 


وشه اتغير.


 


—قصدك إيه؟


 


فتحت الصفحة.


 


قلت:


 


—أختك ملهاش دخل؟ دي بتبيع أكلي بقالها سنة!


 


سكت.


 


وسكوته فهمني.


 


—إنت كنت عارف؟


 


قال:


 


—كنا بنحاول نساعدها تبدأ مشروع.


 


—كنا؟!


 


صرخت:


 


—يعني أنا بطبخ، وإنتوا بتبيعوا؟


 


قال:


 


—متكبريش الموضوع… الفلوس في الآخر للعيلة.


 


تاني يوم، روحت لسلفتي.


 


لقيتها بتجهز أوردرات.


 


أول ما شافتني قالت:


 


—إنتِ جاية تعملي مشكلة؟


 


قلت:


 


—لأ… جاية آخد حقي.


 


ضحكت.


 


—حق إيه؟ أثبتي إن الأكل بتاعك.


 


طلعت موبايلي.


 


—عندي صور كل صينية قبل ما تخرج من بيتي.


 


وشها اتغير.


 


لكن قبل ما تتكلم، واحدة من العاملات خرجت من المطبخ.



أول ما شافتني قالت:


 


—إنتِ مدام هبة؟


 


—أيوه.


 


قالت:


 


—أخيرًا جيتي.


 


سلفتي صرخت:


 


—ادخلي جوه!


 


لكن البنت مدتلي ظرف.


 


—أنا مستنياكي من 6 شهور.


 


فتحته.


 


لقيت عقود توريد باسم صفحة سلفتي.


 


مطاعم.


 


شركات.


 


وحفلات.


 


بمبالغ كبيرة.


 


قلت:


 


—إيه ده؟


 


قالت:


 


—أخت جوزك مش بتبيع الأكل بس.


 


طلعت ورقة أخيرة.


 


كانت وثيقة تأمين على مشروع تجهيز وجبات.


 


واسم صاحبة المشروع كان اسمي أنا.


 


بصيت لسلفتي.


 


—إزاي؟


 


البنت قالت:


 


—لأن جوزك سجل المشروع باسمك من سنة.


 


قلبي وقف.


 


—ليه؟


 


قالت:


 


—عشان لما حصلت حالات تسمم من آخر أوردر، كل المسؤولية القانونية تبقى عليكي.


 


بصيت لجوزي اللي كان لسه داخل من الباب.


 


وقلت:


 


—إنت عملت كده؟


 


لكنه مبصليش.


 


بص لأخته وقال:


 


—إنتِ قولتيلي إن محدش هيكتشف!


 


سلفتي بدأت تعيط.


 


لكن البنت قالت:


 


—دي مش أكبر مشكلة.


 


فتحت موبايلها وورتني رسالة وصلتها الصبح.


 


—المعمل حلل عينات الأكل.


 


—وبعدين؟


 


بصتلي وقالت:


 


—الأكل اللي تسبب في التسمم مش من طبخك… حد ضاف له مادة بعد ما خرج من بيتك.


 


سألتها:


 


—مين؟


 


قبل ما ترد، سلفتي جريت ناحية الباب.


 


لكن اتنين شرطة كانوا واقفين بره.


 


والضابط دخل، بص لجوزي، وقال:


 


—محدش يتحرك… لأننا عرفنا أخيرًا مين كان بيحط المادة في الأكل، وليه اختار يسجل المشروع باسم مراته بالذات.


**الجزء الثاني:**


وقف الضابط في منتصف الغرفة، والصمت مخيم على المكان إلا من صوت أنفاس أخت زوجي (سلفتي) المتهدجة وهي تتراجع للخلف، محاولة الهروب بصريًا من المواجهة. التفت الضابط نحو زوجي الذي تيبس جسده تمامًا، وبدت علامات الرعب واضحة على وجهه بعد أن كان منذ ثوانٍ يتحدث بلهجة الواثق.


قال الضابط وهو يخرج دفتري مذكرات صغير وبعض الأوراق الرسمية:


— «الموضوع مكنش مجرد مشروع أكل بيتي يا مدام هبة. الموضوع كان خطة مرسومة بدقة من سنة كاملة. الأستاذ جوزك مكنش بيشفق على أخته ولا حاجة، الأستاذ كان مديون بمبالغ ضخمة لشركات توريد، ولما لقى إن أكلِك عليه إقبال وبتطبخي بنظافة ونفسِك حلو في الأكل، قرر يستغل ده. بس الذكاء خانهم لما فكروا في التوسع السريع وقرروا يدخلوا في مناقصات توريد لشركات ومستشفيات بمبالغ خيالية.»



نظرتُ إلى زوجي والصدمة تلجم لساني، دموعي جفت وحل محلها ذهول مرعب. صرخت فيه بصوت مخنوق:


— «تسمم؟ ومادة إيه اللي اتحطت في الأكل؟ اتكلم!»


لم ينطق، بل أدار وجهه بعيدًا، لكن الضابط تابع بقسوة وهو يوجه كلامه لزوجي:


— «مش هيرد… أنا هقولك. لما العقود كبرت وبقى مطلوب منهم كميات أكل ضخمة تفوق قدرتك على الطبخ لوحدك في البيت، بدأوا يشتروا وجبات جاهزة رخيصة من أماكن مجهولة وغير مرخصة عشان يغطوا العجز، ويحطوها في نفس الصواني والأطباق بتاعتك عشان العقد باسمك والشغل يبان جودته عالية. الأكل الرخيص ده كان فاسد وفيه بكتيريا سامة، ولما حصلت أول حالة تسمم في حفلة تابعة لشركة كبيرة والشغل بدأ يتفضح، جوزك خاف يروح في داهية هو وأخته، فبدل ما يوقفوا الشغل، فكروا في حيلة أخبث.»


تدخلت الفلّاحة الشابة، العاملة التي سلمتني الظرف، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع:


— «أنا هقولك يا مدام هبة.. هما مكنوش بيحطوا سم يموت، هما كانوا بيحطوا مادة مسهلة شديدة ومواد بتغير ريحة الأكل الفاسد عشان تداري العفن، ولما المحاميين بتوع الشركة الكبيرة هددوا بالقضايا، جوزك اتفق مع أخته إنهم يثبتوا إن التسمم حصل من “مادة مضافة” بفعل فاعل، عشان يلبسوها لعامل غلبان أو يرفعوا عن نفسهم قض*ية الإهمال التجاري ويحولوها لجناية ضد مجهول، وطبعًا بما إن ورق المشروع كله باسمك أنتِ، فالمحاضر والتعويضات والمسؤولية الجنائية كانت هتنزل على دماغك لوحدك، وهو يطلع منها بريء ويقبض فلوس التأمين على المشروع اللي قيمتها الملايين كتعويض عن “تخريب” الشغل!»


وقعت الكلمات على مسامعي كالصاعقة. زوجي، السند، الرجل الذي كنت أوفر من قوت يومي ومن مصروف بيتي لأجل “أخته المسكينة المطلقة”، كان يخطط لرميي في السجن، بل ويجعلني واجهة لجري*مة تسمم قد تنهي حياتي وحياة أبنائي، فقط لينقذ نفسه ويجني أموال التأمين.


نظرت لسلفتي وصحت فيها:


— «وأنتِ؟ وافقتي يخرب بيت أخوه عشان الفلوس؟ كنتِ بتاكلي من إيدي كل أسبوع وأنتِ بتخطي لي السجن؟»


صرخت سلفتي وهي تبكي بهستيريا، وتشير إلى زوجي:


— «هو السبب! هو اللي قالي هبة غلبانة وبتصدق، ولما القض*ية تبدأ المحامي بتاعه هيطلعها منها ثغرة قانونية على إنها “حسن نية”، بس لازم الورق يفضل باسمها عشان القروض والتأمين، هو اللي كان بياخد النسبة الكبيرة من الأرباح وسايبلي الفتات!»


هنا تحرك الضابط، وأشار للعساكر:


— «هاتوا الأستاذ وهاتوا المدام… في القسم الكل هيتكلم بالورق والمستندات.»



تقدم العسكري من زوجي وقام بوضع الكلبشات في يده. في تلك اللحظة، نظر إليّ زوجي للمرة الأولى، كانت عيناه مليئتين بالانكسار والخوف، وقال بصوت يرتجف:


— «هبة… أرجوكي… أنا عملت كده عشانكم، عشان أأمن مستقبل البنت، متسيبنيش…»


نظرت إلى يده المكبشة، ثم إلى الصينية التي كانت سببًا في كشف كل هذا الفساد، وقلت له بكل برود وقسوة لم أعهدها في نفسي من قبل:


— «أنت مأمنتش مستقبل بنتك… أنت دمرت حياتنا كلها. أنا مش هسيبك، أنا هكون أول واحدة واقفة في المحكمة… بس واقفة ضدك.»


اقتادت الشرطة زوجي وأخته إلى الخارج وسط ذهول الجيران وصدمتهم في المنطقة. بقيت أنا في المطبخ، الغرفة تدور بي، والعاملة الشابة تنظر إليّ بشفقة وتضع يدها على كتفي قائلة:


— «الحمد لله إننا لحقنا الورق ده قبل ما يتقدم للنيابة الصبح يا مدام هبة، جوزك كان ناوي يبلغ عن “سرقة وتخريب في المشغل” ويلبسك القض*ية رسمي بكره.»


أخذتُ نفسي طويلًا، ونظرت إلى الأوراق والعقود التي بين يدي. علمت أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الغد يحمل تحقيقات، ومحاكم، ومواجهات شرسة لاسترداد اسمي وحريتي التي كادت أن تضيع بسب أقرب الناس إليّ. انطلقتُ نحو بيت أبي، وأنا أجر خطاي، لكن بداخلي نارًا من الانتقام والرغبة في استعادة حقي لن تنطفئ حتى أرى العدالة تأخذ مجراها بالكامل.


حكايات بسمه ٢

كامله


**الجزء الثالث:**


دخلتُ بيت أبي والورق يرتجف بين يدي، وجسدي كله يرتعش من فرط الصدمة. ارتميت في حضن أبي وأنا أبكي بحرقة لم أعهدها في حياتي، حكيت له ودموعي تسبق كلماتي عن “صواني الخميس”، وعن صفحة الأكل البيتي، وعن الكلبشات التي طوقت يد زوجي وأخته، وعن الفخ الذي نصبه لي ليرميني في السجن ويقبض ثمن حريتي ملايين من شركة التأمين.


أبي، الذي كان دائمًا ينصحني بالصبر والتحمل، ضرب بقبضته على الطاولة وعيناه تشتعلان غضبًا، وقال بصوت حاسم:


— «الحقير… استغل طيبتك ونضافتك عشان يبيعك؟ اهدئي يا هبة، الورق اللي معاكي ده حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبته هو وأخته. من النجمة هنكون عند أكبر محامي جنايات.»


لم أستطع النوم تلك الليلة. كانت صور صواني البشاميل والمحشي والفراخ تمر أمام عيني كشريط سينمائي مرعب. كيف تحول الحب والعشرة إلى حسابات بنكية وعقود توريد مغمسة بالسم؟


في الصباح الباكر، كنا نقف أمام مكتب الأستاذ رفعت، محامي الجنايات الشهير. تفحص الأوراق والملفات التي أعطتني إياها العاملة الشابة بدقة، ونظاراته تكاد تسقط من على أنفه من فرط المفاجأة. رفَع رأسه ونظر إليّ قائلًا:


— «يا مدام هبة، ربنا بيحبك حب كبير لأنه سخر لكِ البنت الشغالة دي. الورقة دي… “وثيقة التأمين ضد مخاطر العمل” اللي جوزك عملها باسمك، كانت هي الدليل اللي هيدينك، لكن بوجود عقود التوريد المخفية والتوقيعات المذورة المنسوبة ليكي، وبوجود تقرير المعمل الجنائي اللي بيثبت إن المادة المسهلة ومغيرات الطعم اتضافت بعد الطبخ، القض*ية اتقلبت تمامًا.»


سألته وأنا أحبس أنفاسي:


— «يعني إيه يا متر؟ أنا في أمان؟»


أجابني وعلامات النصر ترتسم على وجهه:


— «أنتِ مش بس في أمان، أنتِ بقيتي المجني عليها الأولى. جوزك وأخته ارتكبوا كذا جناية: التزوير في أوراق رسمية، النصب والاحتيال، الغش التجاري وإدارة منشأة بدون ترخيص، وجناية الإضرار العمدي بحياة المواطنين. هما دلوقتي في النيابة بيقطعوا في بعض، وكل واحد بيرمي التهمة على التاني.»


بالفعل، في نفس الوقت بداخل أروقة النيابة، كانت المواجهة مشتعلة. انهار زوجي تمامًا أمام وكيل النيابة بعد مواجهته بتحريات المباحث وبصماته التي وُجدت على زجاجات المادة الكيميائية المضافة للأكل في مشغل أخته. بدأ يصرخ ويبكي:


— «أنا مكنتش عايز أأذيها! أختي هي اللي أقنعتني، قالتلي الشركات الكبيرة طالبتنا بتعويض ربع مليون جنيه بعد أول واقعة تسمم، وملقناش حل غير إننا نعمل حادثة تخريب وهمية في الأكل عشان شركة التأمين تدفع لنا التعويض ونسدد ديوننا!»



أما أخته، فكانت تصرخ من جانبها وتكيل له الاتهامات:


— «أنت اللي جيتلي برجليك وقلتلي هبة هتعملنا الأكل ببلاش ومش هتكلفنا مليم مصروف، وأنت اللي زورت إمضاءها على السجلات التجارية وقروض البنك! أنت اللي طماع وعايز تخلص من ديون القمار والشغل بتاعك على قفا مراتك!»


تم تجديد حبس زوجي وأخته خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق. وفي يوم فض الأحراز والمواجهة، طلب زوجي رؤيتي بشكل عاجل من وراء القضبان. رفضتُ في البداية، لكن أبي قال لي:


— «روحي يا هبة… بصي في عينه وشوفي ذله، عشان قلبك يقوى وميتحركش فيه عطف ليه تاني.»


ذهبتُ إلى سراي النيابة. وقف زوجي بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وجهه شاحب، ذقنه نابتة، وهيبته التي كان يتصنعها في البيت تبخرت تمامًا. أشار إليّ بيده المرتجفة وقال بنبرة متوسلة:


— «هبة… عشان خاطر بنتنا، اتنازلي عن قض*ية التزوير. لو اتنازلتي المحامي بيقول ممكن أطلع بكفالة وغرامة في الغش التجاري، وأختي تشيل الباقي. أنا جوزك وسندك، متخربيش بيتك بإيدك.»


نظرتُ إليه من خلف السلك الحديدي، وشعرت لأول مرة بنفور واشمئزاز لا حدود لهما. ابتسمتُ بسخرية وقلت له بصوت مسموع هز أركان المكان:


— «بيتي؟ أنت سبت فيه بيت يا أحمد؟ أنت كنت عايز ترميني في السجن المؤبد وتتحكم فيا وفي شرفي واسمي عشان الفلوس، ودلوقتي جاي تقولي عشان خاطر بنتك؟ بنتك دي أنا هربيها بلقمة حلال، من عرق جبيني، مش من صواني مغمسة بالغل والسم. أنا مش هتنازل، وهطلب تعويض عن كل يوم وقفت فيه على رجلي في المطبخ من الفجر عشان تبيع شقايا وتكسب من ورايا.»


تركته يصرخ باسمي وخلفه العساكر تسحبه إلى زنزانته، وخرجتُ إلى قاعة المحكمة حيث كانت الجلسة الأولى لمحاكمتهم علنيًا تقترب، وأنا أعلم أنني على أعتاب مرحلة جديدة، لن أكون فيها الضحية المستسلمة أبدًا.


**الجزء الرابع:**


جاء يوم الجلسة الأولى للمحاكمة، واكتظت القاعة بالناس؛ فالقض*ية تحولت إلى قض*ية رأي عام في المنطقة بعدما كشفت التحقيقات عن حجم الفساد والغش التجاري. جلستُ في الصفوف الأمامية وبجواري أبي والأستاذ رفعت، المحامي.


دقت المطرقة، ونادى الحاجب على المتهمين: أحمد وأخته سمر. دخلا قفص الاتهام بالملابس البيضاء، وكانت علامات الانكسار والذل بادية عليهما، سمر تخفي وجهها بملابسها، وأحمد يلتفت يمينًا ويسارًا يبحث عني بعينين زائغتين، وعندما التقت عيناه بعيني، أدرتُ وجهي عنه ببرود شديد.


بدأ وكيل النيابة يتلو أمر الإحالة بكلمات تهز القلوب، واصفًا زوجي بأنه “مجرد من مشاعر الإنسانية والعشرة، استحل شقاء زوجته وزور توقيعها ليلبسها ثوب الجري*مة، ولم يبالِ بحياة الأبرياء الذين كادوا يدفعون حياتهم ثمنًا لطمعه وجشعه”. وطالبت النيابة بتوقيع أقصى عقوبة عليهما بتهم التزوير في أوراق رسمية، والغش التجاري المقترن بالإضرار العمدي بصحة المواطنين، والنصب على شركات التأمين.



وقف الأستاذ رفعت محاميّ وفجر مفاجأة جديدة أمام هيئة المحكمة، حيث قدم مستندًا رسميًا يفيد بأن أحمد لم يكتفِ بتزوير توقيعي على أوراق المشروع والتأمين، بل إنه قام قبل شهرين فقط من اكتشاف الواقعة بوضع الصيغة التنفيذية لعقد بيع “شقتي” التي ورثتها عن والدتي باسم أخته سمر، بموجب توكيل عام قديم كنت قد وقعتُ له عليه بحسن نية لإدارة بعض المعاملات الورقية!


الجمت الصدمة الجميع في القاعة، وصرختُ في مكاني دون وعي:


— «حتى شقة أمي يا أحمد؟!»


ضجت القاعة بالصخب، ودق القاضي المطرقة طالبًا الهدوء، بينما انهار أحمد داخل القفص وجثا على ركبتيه يبكي، وصاحت أخته سمر تصرخ:


— «أنا ماليش دعوة يا سيادة القاضي! هو اللي جابلي عقد الشقة وقالي دي عشان نأمن الفلوس لو البنك حجز على حساباتنا، أنا كنت حاسة إن آخره البيت ده هتبقى خراب!»


التفت القاضي إلى المتهم الأول وسأله بحسم:


— «المتهم أحمد… هل قمت بتزوير عقود التوريد واستغلال التوكيل الممنوح لك من زوجتك لبيع ملكيتها الخاصة دون علمها؟»


صمت أحمد ثوانٍ، بدت وكأنها دهر، ثم قال بصوت متحشرج باكٍ:


— «كنت مديون يا سيادة القاضي… الديون كانت هتسجنني، والشيطان شاطر… فكرت إن هبة طيبة وهتسامحني لما الأمور تتصلح ونكسب من التأمين والعقود… أنا مستعد أرجع لها كل حاجة بس ترحمني وتتنازل.»


نظر إليه القاضي بنظرة محملة بالاشمئزاز، ثم أعلن تأجيل الجلسة للنطق بالحكم مع استمرار حبس المتهمين.


خرجنا من قاعة المحكمة، وكان الأستاذ رفعت يبتسم قائلًا:


— «خلاص يا مدام هبة، اعترافه بالتزوير وخيانة الأمانة في الجلسة ثبت التهمة عليه رسميًا، والشقة هترجع لكِ بدعوى بطلان عقد البيع. الحكم الجاي هيكون رادع ليهم وصادم لكل واحد يفكر يبيع مراته وشريكة حياته.»


لكن، وقبل أن نغادر مبنى المحكمة، استوقفتنا مفاجأة لم تكن في الحسبان. تقدمت منا سيدة أنيقة يرافقها حارس شخصي ومحامٍ، ونظرت إليّ قائلة:


— «أنتِ مدام هبة؟ أنا مديرة الشركة الكبيرة اللي حصل فيها تسمم للموظفين بسبب الأكل الفاسد اللي وردته سمر وأحمد باسمك.»


توجستُ خيفة وتراجعت خطوة للخلف، وظننت أنها جاءت لتهددني أو تطالبني بالتعويض، لكن السيدة ابتسمت برقة وقالت:


— «ماتخافيش يا مدام هبة، أنا تابعت التحقيقات وعرفت إنك ضحية زيك زينا، وعرفت كمان إن الأكل اللي أنتِ بتعمليه بإيدك هو اللي نجّح الصفحة في الأول قبل ما هما يغشوا الشغل. أنا جاية أعرض عليكي عرض.»



نظرتُ إليها باستغراب، فتابعت:


— «شركتنا عندها تعاقدات مع كذا جهة، وإحنا قفلنا مشغل سمر بالشمع الأحمر. إيه رأيك تبدأي مشروعك الحقيقي؟ أنتِ صاحبة النَفس والموهبة، وإحنا مستعدين نمولك ونوقع معاكي عقد توريد رسمي وقانوني، بس المرة دي باسمك الحقيقي، وبإدارتك أنتِ لوحدك وبمكسبك كامل.»


نظرتُ إلى أبي الذي هز رأسه مبتسمًا والدموع في عينيه مشجعة إياي. شعرت بغصة في حلقي تحولت فجأة إلى طاقة من الأمل والقوة. نظرت للسيدة وقلت لها بثقة:


— «موافقة… بس بشرط واحد، المشروع مش هيكون أكل بيتي في السر، المشروع هيكون شركة رسمية هسميها “شقا هبة”، عشان الكل يعرف إن شقايا اللي اتسرق مني سنة كاملة، رجع لي ورفع راسي من جديد.»


غادرتُ المحكمة وأنا أشعر أن القيد الذي كان يطوق روحي قد انكسر تمامًا، وبدأت في التخطيط ليوم الحكم، ويوم البداية الجديدة التي ستغير حياتي وحياة ابنتي للأبد، غير عالمة بما يخبئه القدر في الجلسة القادمة من أسرار قد تقلب الموازين مجددًا…


حكايات بسمه ٣

كامله


**الجزء الخامس:**


مرت الأيام الثقيلة وصداها يتردد في ردهات المحاكم، وكنت في تلك الفترة لا أنام إلا قليلًا. انشغلتُ مع المحامي الأستاذ رفعت في إتمام إجراءات فسخ التوكيل العام، ورفع دعوى مستعجلة لبطلان عقد بيع الشقة، وفي نفس الوقت، كنت أضع مع مديرة الشركة، المدام نجوى، اللبنات الأولى لشركتي الرسمية “شقا هبة”. شعرتُ لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس حرية، وأن كل خطوة أخطوها تعيد إليّ كرامتي المهدرة.


لكن، قبل جلسة النطق بالحكم بثلاثة أيام، تلقيتُ اتصالًا هاتفيًا من رقم مجهول. حين أجببت، جاءني صوت متهدج، باكٍ، ومألوف جدًا… كانت “حنان”، شقيقة زوجي الصغرى، والتي كانت تعيش في محافظتها بعيدًا عن مناورات شقيقها وأختها سمر.


قالت حنان وهي تنشج:


— «إلحقيني يا هبة… أنا مليش ذنب في كل اللي حصل ده، أنا بتموتوني وأنا حية!»


قلت لها ببرود محاولِة تماسك نفسي:


— «حنان، أنا مأذيتش حد. أخوكي وأختك هما اللي آذوا الكل، وأنا باخد حقي بالقانون.»


قالت بصوت مرعوب:


— «أنتِ مش فاهمة يا هبة… سمر وأحمد مش لوحدهم، أحمد مديون لناس “ثقال” قوي في السوق، والناس دي بدأت تطالبني أنا بالفلوس ويهددوا عيالي لأن أحمد كان مضيني على وصولات أمانة على بياض من سنتين عشان يشتريلي بيهم جهاز لبنتي! الناس دي دخلت مشغل سمر القديم بالليل وكسروا الشمع الأحمر، وادوروا على أوراق تانية… هما بيدوروا على دفتر حسابات سري كان أحمد كاتب فيه أسماء كل الناس اللي أخد منهم قروض ورشاوي عشان يدخلوا المناقصات!»


تسمرتُ في مكاني، وشعرت برعشة تسري في جسدي. سألتها:


— «دفتر إيه؟ وأنا مالي ومال الكلام ده؟»


قالت حنان:


— «الدفتر ده أحمد كان مخبيه في بيتك أنتِ يا هبة! في المطبخ… تحت تقفيلة الحوض في مكان سري ورا السيراميك المفكوك. الناس دي عرفت من أحمد في الحبس تحت التهديد، وهما رايحين بيتك بكره بالليل يقلبوا الشقة وياخدوه، ولو ملقتيش حل، هيأذوا بنتك ويحرقوا البيت!»


أغلقتُ الخط والوعيد يرن في أذني. لم أنتظر، اتصلت فورًا بالأستاذ رفعت وبأبي، ورويت لهما ما حدث. كان قرار أبي حاسمًا:


— «مش هنستنى لبكره يا هبة. إحنا هنروح دلوقتي مع المحامي ونبلغ المباحث، ولازم الدفتر ده يطلع بحضور الشرطة عشان يبقى حبل مشنقة جديد ليهم وللي وراهم.»


بالفعل، في منتصف الليل، توجهتُ برفقة قوة من المباحث وأبي إلى شقتي المغلقة. دخلت المطبخ الذي شهد على شقائي وتفانيّ لسنوات، وتوجهت إلى أسفل الحوض. تفحصت السيراميك حتى وجدت بلاطة تتحرك قليلًا. نزعتها بيدي المرتجفتين، ل أجد خلفها تجويفًا يحتوي على مغلف بلاستيكي أسود.



سحبه الضابط وفتحه، ليجد بداخلة دفتر حسابات دقيق وملفات ورقية، وبمجرد أن تصفح الضابط الأوراق، تغيرت ملامح وجهه تمامًا ونظر إليّ قائلًا:


— «جوزك مكنش بيعمل مشروع أكل بيتي بس يا مدام… الدفتر ده فيه حسابات غسيل أموال لشبكة تهريب لحوم وفراخ فاسدة ومنتهية الصلاحية، وكان بيستخدم اسمك والمشروع كواجهة شرعية عشان يدخل الفلوس دي البنك كأرباح للمشغل!»


دارت بي الدنيا للمرة الألف. أحمد لم يكن مجرد زوج طماع أو خائن للأمانة، بل كان عضوًا في شبكة إجرامية تتاجر بقوت الناس وصحتهم، وكان يتهيأ لجعلي كبش الفداء لكل هذه القذارة!


جاء يوم جلسة النطق بالحكم المنتظر. قاعة المحكمة كانت تغص بالصحفيين والناس بعد تسرب أنباء عن قض*ية “دفتر المطبخ السري وغسيل الأموال”. دخل أحمد وسمر إلى القفص، لكن هذه المرة كانت الصدمة قد شلت حركتهما تمامًا بعدما علما أن الشرطة قبضت على بقية أفراد الشبكة بناءً على الدفتر المسترد.


دقت المطرقة ثلاث دقات ساد بعدها صمت رهيب. اعتلى القاضي المنصة، ونظر إلى المتهمين بنظرة صارمة، ثم بدأ في تلاوة الحكم:


— «حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء: أولًا، بمعاقبة المتهم الأول أحمد… بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات وتغريمه مبلغ مليون جنيه عن تهم التزوير، والغش التجاري، وغسيل الأموال. ثانيًا، بمعاقبة المتهمة الثانية سمر… بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات كشريكة في الجنايات. ثالثًا، إحالة الدعوى المدنية المقامة من المجني عليها هبة… بشأن بطلان عقود البيع والتزوير إلى المحكمة المختصة لتنفيذ الحكم فورًا.»


تعالت الصيحات في القاعة، وانفجرت سمر في البكاء والنحيب، بينما سقط أحمد على الأرض مغشيًا عليه داخل القفص. التفتُّ إلى أبي وارتميت في أحضانه وأنا أبكي، لكنها كانت دموع انتصار وراحة، دموع غسلت كل آلام السنة الماضية.


بينما كنا نهم بالخروج من باب المحكمة، والمهنئون يحيطون بنا، استوقفني وكيل النيابة وبصحبته ضابط المباحث، وقال لي بنبرة جادة:


— «مدام هبة… مبروك الحكم، لكن لازم تعرفي إن القض*ية لسه مقفلتش تمامًا.»


نظرت إليه باستغراب وقلت:


— «ليه يا فندم؟ مش خلاص الحكم صدر والشبكة اتقبض عليها؟»


أخرج الضابط ورقة صغيرة مطوية كانت ملتصقة بالجلد الداخلي للدفتر السري، ومدها إليّ قائلًا:


— «لقينا الورقة دي مخفية بعناية… دي تفويض بنكي خارجي، ومكتوب فيها إن الحساب اللي بره مصر اللي فيه ملايين الأرباح المهملة مش باسم أحمد ولا سمر… الحساب ده متسجل باسم شخص تفتكري إنه بعيد تمامًا عن اللعبة، وشخص أنتِ بتثقي فيه جدًا وهو اللي كان بيدير الخيوط من ورا الستار!»



وقعت عيناي على الاسم المكتوب في الورقة، فشعرت ببرودة الموت تجتاح أوصالي، وتراجعت خطوتين للخلف والصدمة تشل عقلي من جديد…


**الجزء السادس (وقبل الأخير):**


تسمرت في مكاني، والورقة تهتز بين أصابعي كأنها جمرة نار. قرأت الاسم المكتوب تحت بند “المستفيد الأول والمفوض العام بالحساب البنكي” مرة.. واثنين.. وثلاثة، وعقلي يرفض تصديق الحروف المطبوعة أمامي.


كان الاسم: **(مدحت عبد الرحمن)**.. عمي الشقيق!


الرجل الذي كان بمثابة أبي الثاني بعد وفاة والدتي، الشخص الذي لجأ إليه أحمد ليطلب يدي، والذي كان يحضر كل مناسباتنا، ويجلس في صدر بيتنا يوجه النصائح لزوجي ويحثني على “طاعة زوجك وتحمل ضيق الرزق عشان بيتك وعيالك”.


التفتُّ إلى أبي وأنا أتنفس بصعوبة، ومددت يدي بالورقة إليه. بمجرد أن وقعت عيناه على الاسم، شحب وجهه تمامًا وضغط على صدره بيده الأخرى، وكأنه تلقى طعنة نافذة. صرخ بصوت مخنوق:


— «مدحت؟! أخويا أنا؟ هو اللي كان بيدير اللعبة دي كلها من ورا الظهر؟»


تدخل ضابط المباحث قائلًا بصوت خفيض:


— «التحريات السريعة اللي عملناها بعد فحص الدفتر أكدت لنا إن عمك الأستاذ مدحت هو الشريك المستتر والراس الكبيرة لشركة استيراد اللحوم الفاسدة. هو اللي كان بيسهل لأحمد وسمر عقود التوريد للشركات الكبيرة بحكم علاقاته ونفوذه، وهو اللي أشار على أحمد يسجل كل حاجة باسمك أنتِ يا مدام هبة، عشان لو حبل المشنقة اتشد، ينزل على رقبتك أنتِ وجوزك، ويفضل هو في الأمان بره الصورة، ويحول الأرباح لحسابه بره مصر أولًا بأول.»


في تلك اللحظة، انفتحت في عقلي كل الزنازين المغلقة؛ تذكرت كيف كان عمي يتدخل دائمًا في أي خلاف بيني وبين أحمد، وكيف كان يصر على أن أستمر في عمل صواني الطعام لأخته “المطلقة” كل خميس، قائلًا لي بحنان مصطنع: “ده ثوابه كبير يا هبة.. وبيرفع البلاء عن عيالك”. لم يكن يبحث عن الثواب، بل كان يضمن استمرار “الواجهة والنفس الحلو” الذي يبنون عليه إمبراطوريتهم القذرة!


التفتُّ إلى قفص الاتهام قبل أن يتم ترحيل أحمد. ركضتُ نحوه والشرطة تحاول منعي، وصرخت فيه وعيناي تشتعلان بالغل:


— «عمي مدحت؟ بعتوني لعمي يا أحمد؟ أنت وهو كنتوا بتخططوا لذبحي؟»


نظر إلي أحمد وهو يرتجف خلف السلك، وهبطت دموعه وقال بصوت ذليل:


— «هو اللي قالي يا هبة.. قالي البنوك لو قفشتنا، الشقة والمشروع هيروحوا، ولو حصلت مصيبة هبة تطلع منها عشان غلبانة وملهاش في التجارة، وهو اللي كان بياخد 70% من الفلوس ويحولها لحسابه، أنا كنت مجرد شغال عنده!»



أدار الضابط أحمد ليسحبه العساكر إلى سيارة الترحيلات، بينما التفتُّ أنا إلى أبي الذي كان في حالة انهيار تام، ليس بسبب المال، بل بسبب طعنة الأخ التي لا تبرأ. أمسكت بيده وقلت له بصوت قوي نبع من وسط ركام حطامي:


— «يا بابا.. ارفع راسك. أخوك خان الدم والعِرض، واليوم ده هو يوم حسابه. إحنا مش هنخبي عليه، إحنا اللي هنسلمه للمباحث بإيدينا.»


بالفعل، تم إصدار أمر ضبط وإحضار عاجل لعمي مدحت وترقب وصول في الموانئ والمطارات. وفي مساء نفس اليوم، وبموجب التنسيق مع المباحث، اتصلتُ به من هاتف أبي بصوت مصطنع البكاء والخوف:


— «الحقنا يا عمي.. أحمد وسمر أخدوا حكم كبير، والشرطة قالبة الدنيا، وفي ورق في المطبخ لقوه وبيدوروا عليك عشان يفهموا الشغل ماشي إزاي.. بابا تعب ونقلناه المستشفى، وأنا لوحدي ومش عارفة أتصرف والمحامي بيقول لازم تيجي البيت فورًا تلم الأوراق الباقية قبل ما الكبسة التانية تيجي!»


ابتلع عمي الطُعم، وبنبرة جشعة وخائفة قال:


— «أنا جاي حالا يا هبة.. اوعي حد يدخل المطبخ ولا يلمس حاجة.. أنا مسافة الطريق.»


ساعتان مرتا وكأنهما سنتان. كنت أجلس في صالة بيتي القديم، وبجواري قوة من رجال المباحث ملابس مدنية يختبئون في الغرف الداخلية. دوت دقات على الباب.. دقات متلاحقة ومرتبكة.


فتحتُ الباب. دخل عمي بوجهه المتجهم الذي يحاول تصنع القلق، والتفت يمينًا ويسارًا وهو يقول:


— «فين الأوراق يا هبة؟ فين الدفتر الصغير اللي كان ورا السيراميك؟ أحمد قالي عليه في المحكمة!»


نظرت إليه بكل برود، وتراجعت خطوة للخلف وأنا أقول:


— «الدفتر مع أصحابه يا عمي.. الناس اللي أنت كنت ناوي تلبسني القض*ية مكانهم.»


انفتح باب الغرفة الجانبية، وخرج ضابط المباحث ومعه القوة، مشهرين أسلحتهم:


— «الأستاذ مدحت عبد الرحمن؟ معاك أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهمة إدارة شبكة غسيل أموال والاشتراك في الغش التجاري والتزوير.»


سقطت الحقيبة من يد عمي، وتراجع للخلف وعيناه تكادان تخرجان من جحورهما وهو ينظر إليّ ثم إلى أخيه (أبي) الذي خرج من الغرفة وعيناه مليئتان بالدموع والكسرة. قال عمي بصوت متلعثم:


— «أنتِ.. أنتِ بتسلمي عمك للشرطة يا هبة؟ ده أنا لحمك ودمك!»


تقدمتُ منه حتى أصبحت المواجهة بيننا شبرًا واحدًا، وقلت له والنار تنطق من حروفي:


— «أنت اللي نسيت اللحم والدم لما كنت بتكتب اسمي على ورق السم والغش.. أنت اللي بعتني عشان الملايين بره مصر.. لحمي ودمي الحقيقي هو شقايا ونضافتي اللي عشت بيهم طول عمري، ودلوقتي.. الشقا ده هو اللي هيرميك ورا الشمس مع أحمد وأخته.»



طوقت الكلبشات الحديدية يدي عمي، وسحبته الشرطة إلى الخارج وسط صراخه وتوسلاته لأبي بأن يسامحه أو يتنازل.


أغلقتُ باب الشقة خلفهم، والتفتُّ لأبي، وحضنته بقوة. بقيت خطوة واحدة أخيرة.. خطوة أسدل بها الستار على هذه المأساة، وأعلن فيها ميلاد “شركة شقا هبة” رسميًا أمام العالم كله، ليكون يوم الافتتاح الحقيقي هو نفسه يوم النطق بالحكم النهائي على الرأس الكبيرة… في الجزء الأخير.


**الجزء السابع والأخير:**


انقشعت الغمة وأشرقت شمس الحقيقة كاملة بعد ليلة القبض على عمي مدحت. دخلت القض*ية مرحلة تحقيقات مكثفة في النيابة العامة، حيث انهار عمي أمام المستندات والتحويلات البنكية المحرزة من الدفتر السري، ولم يجد مفرًا من الاعتراف بكل شيء ليخفف الحكم عن نفسه؛ فاعترف بأنه العقل المدبر لشبكة اللحوم الفاسدة والغش التجاري، وأنه من استغل فقر زوجي وجشعه ليكون الواجهة، بينما كنت أنا “الضحية البديلة” التي يدخرونها لليوم الأسود.


وبعد عدة أشهر من المداولات والمحاكمات التي تابعتها الصحافة والرأي العام، صدر الحكم النهائي والتاريخي بمصادرة جميع الأموال المهربة في الحسابات الخارجية لعمي، وتغريمه مبالغ طائلة، مع الحكم عليه بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة، وتأييد الأحكام الصادرة بحق أحمد وأخته سمر.


أما شقتي التي سلبها زوجي مني غدرًا، فقد أصدرت المحكمة حكمًا نهائيًا ببطلان عقد البيع المزور، وعادت ملكيتها لي بقوة القانون.


في نفس اليوم الذي أسدل فيه القضاء الستار على هذه العصابة، كان هناك ستار آخر يُرفع… ولكن هذه المرة في منطقة المهندسين، حيث تجمهر العشرات من الصحفيين، والمواطنين، ومديرة الشركة المدام نجوى، وبجوارها أبي الذي ارتسمت على وجهه علامات الفخر والاعتزاز بعد انكسار طويل.


كنت أقف بملابس أنيقة، واثقة الخطى، وأنا أرفع الستار عن لافتة المقر الرئيسي والمركز التجهيزي لشركتي الرسمية والجديدة. لم تكن اللافتة تحمل اسم “أكل بيتي” عابر، بل كُتب عليها بخط عربي مذهب وعريض:


**[ شركة “شقا هبة” لتجهيز وتوريد الأغذية والوجبات الرسمية ]**


انطلقت الزغاريد والتصفيق، وتقدمت مديرة الشركة لتقطع معي شريط الافتتاح، وقالت لي وهي تبتسم:


— «مبروك يا مدام هبة.. من النهاردة مفيش صواني بتخرج في السر، ومفيش حد بيكسب من ورا عرقك، النهاردة اسمك لوحده علامة تجارية مسجلة بالجودة والنضافة.»


دخلتُ إلى المطبخ المركزي الجديد؛ كان واسعًا، مجهزًا بأحدث الأجهزة الحديثة، ويفوح منه النقاء والتعقيم. وقفت وسط الفتيات والعاملات اللاتي قمت بتعيينهن—وعلى رأسهن الفتاة الشابة التي أنقذتني بالملفات ورفضت التستر على الظلم—وقلت لهن بصوت قوي وثابت:



— «إحنا هنا مش بنطبخ بس.. إحنا بنقدم لقمة حلال ونضيفة، شقا وتعب حقيقي، والأهم.. إن المكان ده قايم على إن مفيش ست حقها يتهدر أو يتسرق تعبها وهي مغمضة العينين.»


ربطت مئزر الطبخ حول خصري، وأمسكت بأدواتي بنَفَس جديد. تذكرت كل فجر خميس كنت أستيقظ فيه تعبة ومجهدة لأصنع الطعام وأنا أظنني أواسي “مطلقة بلا دخل”، وتذكرت صدمة حبتين الزيتون على شكل وردة التي كانت سببًا في نجاتي.


نظرت من نافذة المطبخ الكبيرة إلى السماء، وابتسمت وأنا أرى ابنتي تقف بجوار أبي وتلوح لي بسعادة. مسحت دمعة فرت من عيني، لكنها كانت دمعة شكر لله الذي يمهل ولا يهمل، والذي أخرجني من ظلمات الغدر إلى نور النجاح.


لقد ذهب الخائنون إلى حيث يستحقون وراء القضبان، وبقيت أنا هنا.. قائمة على قدمي، أصنع مجدي بيدي، وأثبت للعالم كله أن “الشقا” إذا كان مخلوطًا بالأمانة والشرف، فلا بد أن يعود لصاحبه يوماً ما، ليرفع رأسه أمام الجميع وبأعلى صوت: **هنا شقا هبة.. الحقيقي والكامل.**


 


 



 


تعليقات

التنقل السريع
    close