حكايه ياسين ونور كاملة للكاتبه سهر محمد
حكايه ياسين ونور الجزء الاول للكاتبه سهر محمد
امضي يا ياسين بيه.. الباشا الله يرحمه وصيته كانت واضحة، يا تتجوزها وتبقى شريكتك في كل حاجة.. يا الثروة والشركات كلها تتباع وتتبرع بيها للجمعيات الخيرية.. اختار.”
ياسين خبط بإيده على المكتب الإزاز لحد ما شرخ، عروق رقبته كانت نافرة وعيونه بتطلع نار وهو بيبص للمحامي:
“أنتوا اتجننتوا؟! أبويا يكتب شقى عمري وتعب السنين دي كلها باسم حتة خدامة جايبينها من الكفر؟ عايزني أنا.. ياسين الجارحي.. أتجوز دي؟!”
رفع صباعه وشاور باحتقار على البنت اللي قاعدة منكمشة على طرف الكرسي الجلد في زاوية المكتب.
كانت لابسة عباية سودا واسعة عليها، وطرحة قطن مدارية نص وشها، باصة للأرض وبترتعش زي العصفورة المبلولة، ماسكة في حتة شنطة قماش قديمة كأنها بتحمي بيها نفسها من نظراته اللي بتدبحها.
المحامي قفل الملف ببرود:
“دي أوامر والدك يا بيه. قدامك دقيقة تمضي، المأذون برا، وعقود التنازل كمان برا.”
ياسين حس إن روحه بتتسحب منه. مجهود سنينه، واسمه، ومكانته.. بقوا مرهونين بـ “حتة جاهلة” لا راحت ولا جت. أخد القلم وهو بيجز على سنانه، ومضى على قسيمة الجواز كأنه بيمضي على شهادة إعدامه.
بمجرد ما المأذون مشي، ياسين بصلها بقرف، رماها في عربيته، وساق بأقصى سرعة لحد ما وصل لفيلا قديمة مهجورة بتاعت عيلته في أطراف إسكندرية.
فتح الباب وزقها لجوا من غير رحمة.. وقعت على الأرض والشنطة وقعت من إيدها.
ياسين وطى عليها، صوته كان فحيح أفعى:
“إياكي تفتكري إن الورقة اللي اتكتبت دي هتعمل منك هانم! أنتي هنا مجرد عفش قديم في البيت ده. مش هلمح خيالك، ولا هسمع صوتك. ولما ألاقي طريقة أكسر بيها وصية أبويا، هرميكي في الشارع اللي جيتي منه.”
سابها ومشي، رزع الباب وراه ومارجعش.
ست شهور كاملين.. ياسين عايش حياته في القاهرة، بيكبر شركاته، وناسي تماماً إن ليه زوجه مرمية في فيلا مهجورة مابيبعتلهاش غير مصروف يدوب يعيشها عن طريق البواب.
لحد ما جه اليوم الموعود…
صفقة العمر. شراكة مع أكبر كيان ألماني في الشرق الأوسط. ياسين كان مجهز كل حاجة، لكنه اكتشف كارثة.. البند الأخير في وصية أبوه كان بينص إن “أي شراكة دولية لازم تمضي عليها الزوجة كشريك أساسي”.
ياسين شتم حظه، ركب عربيته وسافر إسكندرية وهو ناوي يقت*لها لو عطلته. وصل الفيلا، أخدها من غير ما يبصلها حتى، وشدها وراه على قاعة الاجتماعات الكبيرة في فندق فخم، وسط وفد ألماني كامل ومحامين كبار.
زقها تقعد على كرسي جنب المترجم، ورمى قدامها العقد و(بصامة) حبر.
ياسين اتكلم بصوت واطي من بين سنانه وهو بيبتسم للوفد:
“ابصمي هنا يالا اخلصي.. وحطي صباعك التاني هنا.. ماتفضحيناش.”
الوفد الألماني كان بيبص للبنت البسيطة دي باستغراب، والمترجم بدأ يترجم كلامهم اللي كان فيه استخفاف بالشركة وبوضع ياسين.
ياسين كان مستنيها تبصم وهي بترتعش زي عادتها.. لكن فجأة!
البنت زقت علبة الحبر بعيد.. مدت إيدها الرقيقة اللي بقت بيضا وناعمة جداً، سحبت قلم دهبي من قدام المحامي الألماني.
رفعت راسها لأول مرة.. الطرحة كانت راجعة لورا، كشفت عن وش هادي بملامح قوية وعيون بتلمع بذكاء حاد.
ياسين اتصدم وهو شايفها بتقلب في صفحات العقد المكتوب باللغة الإنجليزية المعقدة.. عينيها بتمسح السطور بسرعة مذهلة.
وقفت.. وبصت لرئيس الوفد الألماني، واتكلمت بلغة إنجليزية بلكنة بريطانية ولا أروع، وبنبرة فيها ثقة زلزلت القاعة:
“البند رقم ١٤ في الصفحة السابعة فيه تلاعب قانوني صريح يديكم الحق في الاستحواذ على ٦٠٪ من الأسهم في حالة تعثر التوريد.. وده شيء إحنا، كشركاء في مجموعة الجارحي، نرفضه تماماً. العقد ده مش هيتمضي إلا بشروطنا.”
الصمت نزل على القاعة كأن على روسهم الطير.. الوفد الألماني فتح بقه من الصدمة، والمترجم القلم وقع من إيده.
أما ياسين… ياسين حس إن الأرض بتلف بيه، مشلول في مكانه، عينيه مبرقة وهو بيبصلها كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته…
دي مش البنت الجاهلة اللي رماها ست شهور! دي مش الخدامة اللي أبوه فرضها عليه!
ياترى مين دي؟ وإزاي بتعرف تتكلم كده؟ وليه أبوه أصر يكتبلها كل ثروته؟ وإيه اللي حصل في الست شهور اللي فاتوا؟!
حصري للكاتبه #سهر_محمد
الصمت اللي نزل على قاعة الاجتماعات كان تقيل لدرجة إن صوت أنفاسهم كان مسموع. رئيس الوفد الألماني “مستر هوفمان” فضل باصص للبنت اللي واقفة قدامه لثواني، قبل ما ملامحه المصدومة تتحول لابتسامة إعجاب واسعة.
مسك المايك بتاعه وقال بالإنجليزية:
“واو.. لم أتوقع أن مجموعة الجارحي تمتلك سلاحاً سرياً بهذا الدهاء. يبدو أننا قللنا من شأنكم يا سادة. سيتم تعديل البند فوراً.”
طول الوقت ده، ياسين كان قاعد على كرسيه زي الصنم. عينيه متثبتة عليها، بياخد نفسه بصعوبة، كأن حد ضربه على دماغه بمطرقة. إزاي؟ إمتى؟ ومين دي أصلاً؟!
عدلوا العقد، ولما جه وقت التوقيع، البنت سحبت العقد ناحيتها، وبدل ما تبصم زي ما كان متوقع، مسكت القلم ومضت بخط رقعة انسيابي وثابت: “نور الدين محمود”.
الاجتماع خلص، والوفد الألماني ودعهم باحترام شديد، وخصوصاً لـ “نور”. بمجرد ما باب قاعة الاجتماعات اتقفل وبقوا لوحدهم في الممر، ياسين فقد السيطرة تماماً.
هجم عليها، مسك دراعها بعنف وشدها ناحيته، عينيه كانت بتطلع شرار وصوته فحيح مرعب:
“انتي مين؟! انطقي! حتة الجاهلة اللي رميتها في الخرابة من ست شهور راحت فين؟ إزاي بتعرفي إنجليزي؟ وإزاي فهمتي عقد قانوني معقد زي ده؟! انطقي بدل ما أدفنك هنا!”
نور مابينتش أي ذرة خوف. عينيها اللي كانت بتبص للأرض من ست شهور، دلوقتي بتبصله بتحدي وبرود ثلجي. بصت لإيده اللي ماسكة دراعها، وبعدين رفعت عينيها لعينيه وقالت بنبرة هادية جداً بس تقطع زي الموس:
“نزل إيدك يا ياسين بيه.. عشان لو اتمدت تاني، هقطعها لك. زمان العصفورة المكسورة اللي كنت بتستقوى عليها خلص، أو بالأصح.. كان مجرد مسرحية أبوك الله يرحمه طلب مني أمثلها عليك.”
ياسين ساب دراعها من الصدمة، ورجع خطوة لورا:
“مسرحية؟ أبويا؟! انتي بتقولي إيه؟”
نور عدلت ياقة عبايتها ببرود وكملت:
“أبوك كان عارف إن الغرور عماك. كان عارف إنك هتاخد فلوسه وتضيعها وتبيع الناس اللي وثقوا فيه. كان لازم يسيبلك (لجام) يمسكك بيه.. وللأسف، أنا اللجام ده. الست شهور اللي رميتني فيهم في الفيلا، كنت فكرك بتعاقبني؟ تؤ تؤ.. أنا اللي كنت بدرس كل خطوة بتعملها، كل صفقة بتخسرها من ورا غرورك، وكنت بصلح وراك في الخفاء بصفتي الشريك الأساسي.”
ياسين حس إن كرامته بتنداس على الأرض. الدم غلى في عروقه، شدها من إيدها للمرة التانية وسحبها وراه لحد الجراج. رماها في عربيته وقفل الأبواب، وساق بأقصى سرعة كأنه هينتحر بيهم.
طول الطريق محدش نطق كلمة. ياسين كان بيحرق الأرض بالعربيات لحد ما وصل للفيلا المهجورة في أطراف إسكندرية. نفس الفيلا اللي رماها فيها من ست شهور.
نزل وفتح بابها وشدها، كسر قفل الباب الرئيسي ودخل. كان متوقع يشوف تراب، عنكبوت، ومكان متبهدل.. لكن اللي شافه خلاه يتصلب في مكانه!
الفيلا من جوا كانت متغيرة تماماً. أجهزة كمبيوتر حديثة جداً، شاشات عرض كبيرة متعلقة على الحيطان، ملفات متطورة، وفي النص.. سبورة قزاز كبيرة مكتوب عليها تفاصيل كل شركات الجارحي، أسماء المنافسين، ثغرات مالية، وأرقام صفقات ياسين كان فاكر إن محدش في الدنيا يعرف عنها حاجة!
ياسين مشي في المكان كأنه في حلم، مش مستوعب. لف وبصلها:
“إيه ده؟ إنتي بتشتغلي مع مين؟ لحساب مين بتراقبيني؟”
نور قربت من السبورة، ومسكت قلم ماركر، وعملت دايرة حمرا على تاريخ بكرة، وقالت بابتسامة غامضة:
“بشتغل لحساب إمبراطورية الجارحي.. اللي أنت كنت هتهدها بكرة الصبح لو مضيت العقد ده بشروطهم.”
ياسين كان لسه هيزعق ويفجر غضبه، فجأة تليفونه رن. بص في الشاشة، لقى المتصل المحامي القديم بتاع العيلة (متر أسامة).
رد ياسين بصوت مخنوق: “ألو.. أيوة يا متر.”
صوت المحامي كان بيرتعش على الناحية التانية، كأنه شايف شبح:
“ياسين بيه.. أنا.. أنا لازم أبلغك حاجة ضرورية. أنا لسه واصلي تقرير سري من البلد اللي جبنا منها عروستك.”
ياسين عقد حواجبه وبص لنور اللي كانت بتبصله بثبات غريب:
“تقرير إيه؟ اخلص يا متر!”
المحامي بلع ريقه وقال جملة وقفت الدم في عروق ياسين:
“البنت.. البنت اللي الباشا والدك كتب كتابك عليها بالتوكيل.. بنت الخدامة اللي اسمها (نور).. أهل البلد هناك لسه مبلغين إنها ماتت غرقانة في الترعة من سبع شهور يا بيه! يعني قبل ما الباشا يموت وقبل ما تتجوزها بشهر كامل!”
ياسين التليفون وقع من إيده اترزع على الأرض…
عينيه اتسعت برعب وهو بيبص للبنت اللي واقفة قدامه بكل شموخ وهدوء وسط الأجهزة والشاشات..
إذا كانت (نور) الحقيقية ماتت من سبع شهور…
أومال مين دي اللي هو متجوزها وعايشة معاه باسمها؟! ومين اللي حطها في طريقه؟!
…يتبع…في الجزء الثاني
حكايه ياسين ونور الجزء الثاني للكاتبه سهر محمد
التليفون وقع من إيد ياسين اترزع على الأرض، الشاشة اتكسرت مية حتة.. بس الكسرة الحقيقية كانت جواه هو.
الصمت في الأوضة كان مرعب، مفيش غير صوت أزيز الأجهزة وصوت أنفاس ياسين اللي بتطلع وتدخل بصعوبة كأنه بيغرق. رفع عينيه ببطء.. بصلها من فوق لتحت. العباية السودا اللي لابساها، الطرحة اللي واقعة على كتافها، ملامحها الهادية اللي مفيهاش ذرة رعب من الموقف.. كل حاجة فيها بتصرخ إنها مش مجرد بنت عادية.
”أنتي.. أنتي مين؟” الكلمة طلعت من حنجرته مجروحة، مهزوزة، كأنها بتخربش في حلقه. “المتر بيقول إن نور ماتت.. ماتت غرقانة من سبع شهور.. قبل ما أبويا يكتب كتابي عليها! أنتي مين يا شيطانة؟ ودخلتي حياتي إزاي؟!”
البنت فضلت واقفة مكانها، عينيها بتلمع ببرود ثلجي. ميلت راسها شوية وابتسمت ابتسامة جانبية خلت الدم يغلي في عروق ياسين أكتر.
“مش مهم أنا مين يا ياسين بيه.. المهم أنا هنا ليه.”
ياسين فقد آخر ذرة عقل باقية فيه. هجم عليها زي الأسد الجريح، كان ناوي يمسكها من رقبتها ويخنقها لحد ما تنطق بكل حاجة. بس اللي حصل في الكسر من الثانية اللي بعده خلاه يتأكد إنه قدام كارثة حقيقية!
بمجرد ما إيده قربت منها، مسكت معصمه بحركة سريعة جداً ما لحقش يشوفها، لفت دراعه ورا ضهره، وبضربة خفيفة بس مركزة ورا ركبته، وقعته على الأرض على ركبه وهي تانية دراعه وراه بمنتهى القوة والاحترافية.
ياسين صرخ بألم، حاول يقاوم بس مسكتها كانت حديد.. حرفياً حديد!
صوتها نزل على ودنه هادي وبارد زي الموت:
“أنا حذرتك.. قولتلك نزل إيدك وماتختبرش صبري. العصفورة المبلولة اللي كنت بتشتمها وتهينها دي كانت مجرد قناع. أنا لو عايزة أأذيك، كنت خلصت عليك في أول ليلة نمت فيها في الفيلا هنا وسبتني ومشيت.”
سابت دراعه وزقته لبعيد. ياسين قام وقف وهو بينهج، بيبص لدراعه اللي كاد يتكسر، وبعدين بصلها برعب حقيقي:
“أنتي جاسوسة؟ حد باعتك عشان تدخلي عيلة الجارحي وتستولي على الثروة؟ أبويا كان مخرف لما صدقك وكتبلك كل حاجة.. بس أنا مش هسيبك، هسجنك بتهمة انتحال شخصية وتزوير أوراق رسمية!”
البنت ضحكت.. ضحكة رنة استهزاء قلبت المكان:
“تزوير؟ أوراق رسمية؟” لفت وراها، ومشت ناحية السبورة القزاز، داست على زرار مخفي في المكتب، فجأة الإضاءة في المكان اتغيرت، والشاشة الكبيرة اللي في النص نورت.
”شوف بنفسك مين اللي جابني، ومين اللي زور الأوراق، ومين اللي حطني في طريقك.”
ياسين لف وشه ناحية الشاشة، وقلبه كان هيقف..
الصورة اللي ظهرت على الشاشة.. كانت لأبوه! “عثمان الجارحي”.. قاعد على كرسي مكتبه، وشه شاحب، باين عليه التعب والمرض، بس عينيه فيها نفس القوة والصرامة بتاعت زمان.
”أبويا؟!” ياسين همس بصدمة ودموعه اتجمعت في عينيه.
صوت عثمان الجارحي طلع من السماعات، قوي ومزلزل:
“ياسين.. لو بتشوف الفيديو ده، يبقى السر انكشف، ويبقى (الملاك الحارس) اللي أنا زرعته في حياتك اضطرت تكشف ورقها عشان تحميك.. وتحمي إمبراطورية الجارحي.”
ياسين قرب من الشاشة وهو بيترعش، مش قادر يصدق.
أبوه كمل كلامه في الفيديو وهو بياخد نفسه بصعوبة:
“أنت فاكرني مُت موتة طبيعية يا ياسين؟ فاكر إن أزمة القلب اللي جاتلي كانت قضاء وقدر؟ غبي.. غبي ومغرور زي ما طول عمرك كنت. أنا اتسممت يا ياسين.. اتسممت بالبطيء على إيد أقرب الناس ليا.. الناس اللي أنت دلوقتي حاطط إيدك في إيدهم ومأمنلهم على ثروتك وشركاتك.”
ياسين رجع خطوة لورا كأنه خد طلقة في صدره: “اتسمم؟!”
الفيديو كمل: “لما اكتشفت اللعبة، كان فات الأوان.. السم كان دمر أجهزتي. كنت عارف إن دورك جاي، وإنهم بيستغلوا طمعك وغرورك عشان يوقعوك. كان لازم ألاقيلك حماية من برا الدايرة.. حد ملوش وجود، ملوش اسم، ومحدش يقدر يشتريه.. دورت كتير، لحد ما لقيت (عقرب)..”
أبوه في الفيديو سكت لحظة وبص للكاميرا كأنه بيبص في عين ياسين بالظبط:
“البنت اللي واقفة معاك دي مش (نور).. نور بنت الخدامة الحقيقية ق*تلوها لما عرفوا إني ناوي أكتب كتابك عليها، عشان يمنعوا الجوازة. بس هما ماكانوش يعرفوا إني كنت مجهز البديل.. (عقرب).. أقوى وأذكى بنت ممكن تقابلها في حياتك. دفعتلها كل ثروتي، وكتبت كل حاجة باسمها، مش عشان أسرقك.. عشان أحميك! طول ما الثروة باسمها، هما مش هيقدروا يق*تلوك أنت.”
ياسين كان بيسمع وهو حاسس إن دماغه هتنفجر.. بص للبنت اللي واقفة مربعة إيديها وبتبص للشاشة بجمود.
أبوه في الفيديو كح جامد، ومسح دم من على بقه، وكمل بصوت بيحشرج:
“اسمع كلامها يا ياسين.. سلمها قيادة حياتك لو عايز تعيش وتجيبلي حقي. أنا مامتشت.. أنا اتق*تلت.. والقاتل هو….”
فجأة.. الشاشة شوشت!
الصوت قطع.. الصورة بقت عبارة عن خطوط بيضا وسودا.
ياسين صرخ بهيستريا وضرب الشاشة بإيده: “مين؟! القاتل مين يا أبويا؟! انطق!!”
بس قبل ما يستوعب اللي بيحصل، إنذار حريق مرعب ضرب في الفيلا كلها.. النور الأساسي قطع، واللمبات الحمرا بتاعة الطوارئ اشتغلت وخلت المكان كله لونه أحمر دموي.
البنت (اللي كان اسمها نور) ملامحها اتغيرت فوراً لتركيز قاتل. داست على زراير بسرعة على الكيبورد، الكاميرات اللي برا الفيلا ظهرت على شاشة تانية..
تلات عربيات جيب سودا كسروا البوابة الحديد بتاعة الفيلا، ونزل منهم أكتر من خمستاشر راجل مسلحين برشاشات، ووشوشهم متغطية.
ياسين بص للشاشة برعب: “إيه ده؟! مين دول؟!”
البنت مدت إيدها تحت المكتب، سحبت شنطة سودا، فتحتها بسرعة.. كانت مليانة أسلحة وذخيرة. سحبت مسدسين، رمت واحد لياسين اللي تلقفه وهو بيرتعش، وعمرت التاني بصوت رنة معدنية خطفت قلب ياسين.
بصتله بعيون بتلمع في النور الأحمر وقالت بصوت خالي من أي مشاعر:
“دول اللي أبوك كان عايز يقولك اسمهم من شوية.. وعشان الشاشة اللي اشتغلت دي متوصلة بسيرفر رئيسي، هما لقطوا الإشارة وعرفوا إننا هنا.”
خطوات تقيلة وباب الفيلا الخارجي بيتكسر بقوة…
ياسين بلع ريقه وهو ماسك المسدس ومش عارف يمسكه إزاي: “وهنعمل إيه دلوقتي؟ دول جيش!”
البنت رفعت المسدس في مستوى نظرها ناحية باب الأوضة، وابتسمت ابتسامة مرعبة وقالت:
“أنت تستخبى ورا المكتب وماتطلعش صوت… وأنا هوريهم ليه أبوك سماني (عقرب)!”
وفجأة… باب الأوضة اتفجر!
…يتبع…
حكايه ياسين ونور الجزء الاخير للكاتبه سهر محمد
باب الأوضة اتفجر حتت، وسحابة من الدخان والتراب ملت المكان. ياسين كتم نفسه وهو متكوم ورا المكتب العريض، قلبه كان بيدق بسرعة كأنه هيخرج من ضلوعه، وإيده ماسكة المسدس بتترعش.
من وسط الدخان، دخلوا تلات رجالة ضخام رافعين أسلحتهم الآلية، بيمسحوا الأوضة بنظراتهم. مفيش ثانية عدت، وكانت “عقرب” بتتحرك بخفة مرعبة. نطت من فوق ترابيزة الكمبيوتر، وبضربتين في منتهى الدقة من مسدسها، اتنين من الرجالة وقعوا على الأرض قبل ما يلحقوا يضغطوا على الزناد.
الراجل التالت لف س*لاحه ناحيتها وهو بيصرخ، لكنها لفت حوالين نفسها زي الإعصار، ضربته برجلها طيرت الس*لاح من إيده، وفي الكسر من الثانية كانت لفة دراعه ورا ضهره وضرباه بمقبض المسدس على دماغه، فوقع فاقد الوعي.
ياسين كان بيبص من ورا المكتب مذهول.. دي مش بني آدمة، دي آلة قتال متحركة!
صوت خطوات تقيلة تانية بدأت تقرب من الممر. “عقرب” بصت لياسين وعينيها بتلمع في النور الأحمر:
“خليك مكانك وماتتحركش إلا لو قولتلك!”
رمت قنبلة دخان صغيرة ناحية الباب، وانسحبت في الظلمة تستخبى ورا عمود خرساني. الرجالة دخلوا وهما بيكحوا من الدخان، بيضربوا نار بعشوائية. “عقرب” كانت بتصطادهم واحد ورا التاني بطلقات دقيقة في مناطق تشل حركتهم من غير ما تق*تلهم.
بس وسط الفوضى دي، واحد من المهاجمين لمح خيالها، رفع س*لاحه الآلي وكان على وشك يفرغ خزنته في ضهرها. ياسين شافه… في اللحظة دي، الغرور والخوف وكل حاجة جواه اختفت، ومبقاش فاضل غير إحساس واحد: لازم يحميها!
طلع من ورا المكتب، رفع المسدس اللي في إيده وبكل قوته صرخ: “حااااسبي!” وضغط على الزناد.
الطلقة جات في كتف الراجل، صرخ ووقع س*لاحه. “عقرب” لفت بسرعة وخلصت عليه بضربة سريعة، وبصت لياسين بنظرة كان فيها لأول مرة لمحة من الاحترام.
المواجهة وكشف الخائن
فجأة، ضرب النار وقف تماماً. المكان بقى هادي هدوء مرعب، مفيش غير صوت أنين الرجالة اللي على الأرض.
من بين الدخان اللي بدأ يتبدد، ظهر ظل راجل طويل، بيمشي بثقة، وبيسقف بإيديه ببطء واستفزاز.
”براڤو… براڤو بجد! عمي عثمان طول عمره داهية، حتى وهو بيموت عرف يلعبها صح ويجيبلك حراسة خاصة.”
ياسين اتصلب مكانه. الصوت ده هو حافظه أكتر من صوته. الدخان خف، وظهر وش الراجل اللي كان بيبتسم بسخرية…
“طارق؟!” ياسين نطقها بصوت مهزوز مكسور. طارق ابن عمه، دراعه اليمين، وصاحب عمره اللي مأمنه على ماله وروحه!
طارق ضحك بسخرية وهو رافع مسدسه ناحية ياسين:
“أيوة طارق يا ياسين بيه. طارق اللي طول عمره عايش في ضلك. عمي عثمان ماسك كل حاجة، ولما كبرت، سلمك إنت الخزنة والشركات، وسابلي أنا الفتات. كان لازم أخلص منه، السم البطيء كان الحل المثالي.. بس العجوز طلع ناصح وكتبلك كل حاجة.”
ياسين عينيه دمعت من الخذلان وصرخ: “أنت اللي ق*تلت أبويا يا خاين؟! أنا كنت معتبرك أخويا!”
”أخوك؟!” طارق زعق بغل: “أنا اللي كنت بشيل قرفك وبصلح صفقاتك الخسرانة عشان غرورك. ولما حاولت أضرب صفقة الألمان عشان أوقعك وأستحوذ على الأسهم، طلعتلي البتاعة دي من العدم وبوظت كل حاجة!” شاور بمسدسه ناحية “عقرب”.
طارق كمل بابتسامة شيطانية:
“بس خلاص، اللعبة خلصت. أنا هق*تلكم أنتوا الاتنين هنا، وهقول إن عصابة مسلحة هجمت عليكم، وبصفتي الوريث الوحيد لعيلة الجارحي، كل حاجة هتبقى بتاعتي.”
رفع مسدسه عشان يضرب نار على ياسين.. لكن قبل ما يضغط على الزناد، سمع صوت “عقرب” البارد بيتردد في القاعة:
“أنت ناسي حاجة مهمة أوي يا طارق بيه.”
طارق بصلها باحتقار: “إيه هي يا حلوة؟”
ابتسمت ومسكت تليفونها الصغير اللي كان منور، ورفعته في الهوا:
“أنا مسجلة البث ده لايف، ومبعوت من خمس دقايق على سيرفرات مديرية الأمن اللي أنا تابعة ليها سراً. اعترافك بقت*ل عثمان الجارحي ومحاولة ق*تل ابنه متوثق صوت وصورة.. والبوليس اللي أنت مش سامع صوته ده، زمانه محاوط الفيلا.”
وفي نفس اللحظة اللي خلصت فيها جملتها، كشافات قوية جداً نورت شبابيك الفيلا من برا، وصوت سارينات الشرطة شق سكون الليل، ومكبرات الصوت بدأت تدي أوامر لرجال طارق بالاستسلام.
طارق وشه جاب ألوان، إيده اترعشت والمسدس وقع منها. وقع على ركبه وهو مش مصدق إن خطة عمره كلها اتهدت في ثواني.
نهاية البداية
الشرطة قبضت على طارق وكل رجالته. الإسعاف نقلت المصابين، والفيلا اللي كانت مهجورة رجعت للهدوء، بس المرة دي هدوء نظيف، خالي من أي أسرار أو سموم.
ياسين كان قاعد على باب الفيلا، وشه مليان تراب وهدومه متقطعة، بس عينيه كانت بتلمع بصفاء لأول مرة من سنين. الغرور انكسر، والعمى اللي كان مخليه مش شايف الحقيقة راح لحاله.
سمع صوت خطواتها الهادية بتقرب. وقف وبصلها. كانت لسه بنفس شموخها، بتمسح التراب من على هدومها، وماسكة شنطتها الصغيرة.
”المهمة خلصت يا ياسين بيه.” قالتها بصوت هادي، مفيش فيه القسوة بتاعت الكام ساعة اللي فاتوا. “الخطر زال، طارق اعترف بكل حاجة، وفلوسك وشركاتك رجعتلك بأمان. المحامي بتاعي هيتواصل معاك بكرة الصبح عشان ننقل كل الأملاك باسمك ونتمم إجراءات الطلاق، زي ما كان متفق مع الباشا الله يرحمه.”
ياسين بصلها، حس إن قلبه بيتخطف. الكام ساعة اللي فاتوا عاش فيهم عمر كامل. شاف فيها القوة، والذكاء، والتضحية، والأهم.. شاف نفسه على حقيقتها.
”انتي ماشية؟” سألها بصوت خافت.
ابتسمت بهدوء: “أيوة.. أنا (عقرب)، مهمتي الحماية وقت الخطر، ولما الخطر بينتهي، برجع للظل تاني.”
ياسين بلع ريقه، وقرب منها خطوة وقال بتردد مكنش متعود عليه:
“أنا.. أنا حتى معرفش اسمك الحقيقي.”
بصتله بعمق وقالت: “ليلى… اسمي ليلى.”
ياسين ابتسم ابتسامة باهتة بس صادقة جداً:
“طيب يا ليلى.. أنا مش ياسين المغرور اللي رميتي له الورق الصبح. أنا النهاردة اتولدت من جديد بفضلك وبفضل أبويا. أنتي أنقذتي حياتي، وأنقذتي اسم عيلتي.”
سكت لحظة، وبص في عينيها بثقة جديدة:
“أنتي بتقولي إن مهمتك خلصت.. بس أنا شايف إن مهمتنا إحنا الاتنين لسه بتبدأ. إمبراطورية الجارحي محتاجة شريك حقيقي، مش مجرد ورقة في درج. وأنا.. أنا محتاج العقل اللي يوزنني، والقلب اللي يقدر يواجهني بعيوبي من غير ما يخاف.”
ليلى رفعت حاجبها باستغراب: “أنت تقصد إيه؟”
ياسين مد إيده ليها، كأنه بيعاهدها قدام نفسه وقدام الدنيا:
“أقصد إن المأذون اللي جابوه من ست شهور ده ملوش لازمة.. أنا عايز أكتب كتابي عليكي من أول وجديد. مش وصية من أبويا، ولا مهمة حماية.. أنا بطلب إيدك يا ليلى، تبقي شريكتي في الجارحي جروب، وشريكتي في حياتي اللي جاية. تقبلي تبدئي معايا من الصفر الحقيقي؟”
ليلى بصت لإيده الممدودة، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت بتنطق بالصدق والرجاء. لأول مرة من سنين، درع “عقرب” الحديدي نزل، وظهرت ابتسامة رقيقة جداً، ابتسامة بنت لقت السند الحقيقي اللي كانت طول عمرها بتحمي الناس وتتمناه لنفسها.
حطت إيدها في إيده وقالت بصوت دافي:
“لو جاهز للمواجهة كل يوم يا ياسين.. فأنا موافقة.”
ياسين ضحك من قلبه لأول مرة من يوم ما أبوه مات، وشد على إيدها بقوة:
“جاهز.. جاهز جداً.”
وسط نور الفجر اللي بدأ يشق السما فوق إسكندرية، خرجوا هما الاتنين من الفيلا. مش سايبين وراهم ماضي مكسور، لأ.. سايبين وراهم أوهام، ورايحين يبنوا إمبراطورية جديدة، أساسها القوة، الذكاء، والحب اللي اتولد من قلب العاصفة.
تمت للكاتبه سهر محمد


تعليقات
إرسال تعليق