مراتى الجديده كامله وحصريه
قصص وروايات أمانى سيد ١
مراتى الجديده كامله
أنا عايش فى محافظه ومراتى فى محافظه تانيه غير اللى انا فيها وبكون محتاج حد معايا يخدمنى ويشوف طلباتى
لما رجعت البلد وكلمت اهلى امى اعترضت وعملت معايا مشكله وقالتلى لما تاخد مراتك احنا مين يخدمنا ويشوف طلبتنا
ونصحتنى انى اتجوز واحده من المحافظه اللى انا فيها واخبى على مراتى وبعد كام سنه ابقى ابلغها وقتها اكون حطيتها قدام الامر الواقع
الموضوع عجبنى وفعلاً قررت اخد الخطوه خصوصاً إن كان فى زميله ليه فى الشغل عجبانى
بدأت اشاغلها وفعلاً قدرت اقنعها أنها توافق على الجواز وهى وافقت
واتجوزت انا وهى وبقيت هايش معاها مبسوط
عملتلها فرح وعزمت اهلى وجم من غير مايبلغوا مراتى وسافرنا شهر عسل كنا عايشين الحياه بالطول والعرض وبعد الجواز اتعلقت بيها جدا وكنت بنفذلها اى طلب تطلبه منى
فى الناحيه التانيه لما كنت بروح ازور اهلى وكنت بشوف مراتى الاولى والفرق بينها وبين التانيه كنت بنفر منها وشها معدوم من الخدمه وصحتها مش موجوده ودايما تشتكى من وجع الضهر
كنت بتحجج بتعبها عشان ماقربش منها بقيت احس بنفور رهيب ناحيتها ولما كانت تطلب تيجى معايا البلد اللى انا فيها لأن اهلها منها كنت بتحجج واسيب امى عليها واسافر
بعد شهرين مراتى الجديده بقت حامل وتعبت وشرطت عليه انها تروح البلد عشان تعرف اهلى ولو معملتش كده هتسيبنى
طبعاً ماقدرتش ازعلها ورضخت لطلبها وبلغت امى فى التليفون اننا جايين نزورها ومراتى حامل
وانى مكدبتش خير
خلت مراتى تعمل عزومه كبيره وقررت انها ماتقولش لمراتى وتسيبها مفاجأة عشان مراتى الاولى مشيره ماتغضبش وتعمل الاكل
وفعلاً مراتى حضرت عزومه كبيره كن غير ماتعرف إن اللى جايه معايا ضرتها ماسه
يوم العزومه على العصر وصلت بماسه ودخلت البيت وانا حاضنها من وسطها واهلى كلهم قاموا رحبوا بيها ومشيره اللى كانت بترص الاكل وقفت لثوانى مصدومه مش عارفه ايه اللى بيحصل
وقفت “مشيرة” في مكانها، الصدمة لجمتها لدرجة إنها مابقتش قادرة تنطق ولا كلمة. كانت شيلانا من على الأرض شيل عشان تعمل العزومة دي، واللقمة اللي تعبت فيها وقفت في زورها وهي شايفاني داخل وحاضن “ماسة” من وسطها، وبطنها المنفوخة قدامها.
الصمت ملى المكان لثواني، مكنش بيقطعه غير صوت صواني الأكل اللي بتهتز في إيد مشيرة من كتر الرعشة. عينيها كانت بتتنقل بيني، وبين إيدي اللي لفت وسط ماسة، وبين بطنها… كانت بتدور على أي تكذيب للي شايفاه، ملامحها اللي كان باين عليها الهلاك والتعب من خدمة أمي والبيت اسودّت فجأة، ودموعها نزلت في صمت رهيب من غير حتى ما تعيط بصوت.
أمي أول ما شافت المنظر، قامت بسرعة وكسرت الصمت ده بضحكة عالية وقالت: “نورتي بيتك يا حبيبتي، ألف مبروك يا غالي.. يتربى في عزك!”، وجريت على ماسة تبوسها وتحضنها. الحركة دي كانت زي السك*ينة اللي اتغرست في قلب مشيرة.
في اللحظة دي، مشيرة إيديها خانتها، وصينية الرقاق اللي كانت شايلاها وقعت على الأرض، واتشظت ميت حتة. وبصوت مبحوح ومكسور، سألتني وهي بتشاور بصابع بيترعش:
* “مين دي يا… يا جوزي؟ ومين اللي في بطنها ده؟”
كنت واقف مكاني، مش قادر أنكر ولا أداري، خصوصاً والكل حواليا بيهلل لـ “ماسة”. ملامح مشيرة المنهكة وعينيها المكسورة خلتني أحس بوخزة ذنب لأول مرة، بس نظرة ماسة ليا وثقتها في نفسها خلتني أصلب طولي وأرد ببرود حاولت أصطنعه:
* “دي ماسة.. مراتي وأم ابني اللي جاي يا مشيرة.”
مشيرة ما صرختش، ولا عملت فضيحة زي ما كنت متوقع.. هي بس رجعت خطوتين لورا، وبصت لأمي ولإخواتي اللي كانوا عارفين ومخبين عليها، وبصت للأكل اللي بقالها يومين واقفة على رجلها تعمله لضرتها وهي مش دارية. ضحكت ضحكة وجع وهستيريا وقالت:
* “يعني أنا كنت بخدمكم وبموت بالبطيء هنا.. وأنت عايش حياتك بالطول والعرض؟ وكمان جايبهالي لحد عندي عشان أخدمها وهي حامل؟”
…ولقتني بقف في وشها وبمنعها تتحرك. بصيتلها بكل برود، ومن غير ما يتهز فيا شعور واحد من منظرها المكسور ده، قولتيلها بنبرة ناشفة وباردة:
* “جرى إيه يا مشيرة؟ مالك كبرتي الموضوع وعملتيه دراما ليه؟ أنا راجل مغترب وعايش في محافظة تانية لوحدي، وكنت محتاج زوجة معايا هناك تشوف طلباتي وتاخد بالها مني، وده حقي الشرعي ومغلطتش في حاجة. وبعدين ماسة دلوقتي حامل وتعبانة، ومحتاجة حد يخدمها ويشيل عنها اليومين دول، ومفيش غيرك أنتِ وأمي هتاخدوا بالكم منها.”
مشيرة أول ما سمعت كلامي، بصتلي للحظات بذهول وكأنها مش مصدقة إن الكلام ده بيطلع من بني آدم، وفجأة سكتت وانفجرت في الضحك! ضحكة عالية ومليانة سخرية ووجع هزت جدران المكان، دموعها كانت بتنزل بغزارة وهي بتضحك من قهرتها. وقفت وبصت في عيني وقالتلي بصوت مخنوق من وسط ضحكتها الهستيرية:
* “يا برودك يا أخي! يعني أنت مش بس اتجوزت عليا وهدتني وخبيت عليا، لأ.. وكمان جايبهالي لحد عندي هنا عشان أخدمها كمان؟! بقيت أنا اللي طحنت صحتي وعمري كله في خدمة أهلك، الخدامة اللي هتقوم بطلبات ست الحُسن والجمال بتاعتك؟!”
مسحت دموعها بقسوة بكف إيدها المليان شقى وتعب، وخطت خطوة واسعة ناحيتي وعينيها فجأة ا تبدلت من الانكسار لغضب وغل طالع من سنين قهر وجع. وقفت قصادي بالظبط، وعينها في عيني وهي بتشاور بصباع بيترعش وبتقول بصوت اتجرح من كتر الوجع:
* “لما أنا كنت حامل… مين شالني يا معتز؟! مين سأل فيا ولا شال عني لقمة ولا كباية؟! كنت بلف حوالين نفسي وأموت في اليوم ميت مرة ومبلاقيش حتى اللي يطبطب عليا!”
ضحكت بمرارة وهي بتلتفت لأمي وإخواتي اللي كانوا واقفين يتفرجوا، وكملت بصوت هز البيت كله:
* “ولما كنت بتعب وأسخن وتترمي جثتي على السرير مش قادرة أرفع راسي، مين كان بيخدمي؟ كنتوا بترمونى زى الكلبه ! بترموني في الأوضة لوحدي لا لقمة بتدخل بوقي ولا حد بيعبرني بكباية مية.. كنت بموت لوحدي ومحدش فكر فيا!”
رجعت بصتلي وعينيها بتلمع بدموع القهر اللي مكنتش قادرة توقفها:
* “ودلوقتي… عشان حبيبة القلب، الهانم الجديدة بتاعتك حامل، جايبها لحد عندي وبكل بجاحة بتقولي أخدمها؟! عشان الهانم متتعبش؟! وأنا؟ أنا اللي هديت حيلي وصحتي وعمري كله تحت رجليكم ورجلين ماسه فجأة، وبكل مهارة وتمثيل، شهقت وغمضت عينيها، ومالت بجسمها كله عليا وهي بتمسك بطنها . صرخت بصوت مخنوق ودموع تماسيح نزلت بسرعة: “آه… الحقني يا معتز، تعبانة أوي، حاسة بدوخة ومش قادرة أقف على رجلي!”
أنا، ومن غير تفكير، ومن كتر لهفتي وخوفي عليها، شيلتها بسرعة بين ذراعي، وبكل رفق وحنية، مشيت بيها خطوتين وقعدتها على أقرب كرسى في الصالة، وأنا بنحني قدامها وببص في عينيها بخوف وقلق حقيقي: “مالك يا حبيبتي؟ جرالك إيه؟ اهدي بس، اهدي.”
مشيرة وقفت تتفرج على المشهد ده بذهول، وعينيها بتتنقل بيني وبين ماسة وهي بتقعد، والشرارة اللي كانت في عينيها انطفت فجأة، وحلت محلها نظرة برود قاتلة وسخرية مريرة. ضحكت ضحكة مكتومة وباردة، وقالت بصوت واطي بس مسموع للكل:
“يا عيني على الحنية! برافو عليكي يا ماسة، شابوه على اللقطة دي.
قصص وروايات أمانى سيد ٢
مراتى الجديده
…مشيرة لفت ضهرها وسابت الصالة كلها باللي فيها. دخلت أوضتها وقفتلت الباب وراها بالمفتاح، صوت القفل وهو بيلف كان مسموع في وسط السكوت اللي حل على المكان بعد “نمرة” ماسة.
أنا اتنفست الصدا وعملت نفسي مش واخد بالي من كسرتها، وبصيت لماسة اللي كانت قاعدة على الكرسي وبتنهد بدلع ومثكنة، وقولت لأمي:
* “معلش يا أمي، تلاقيرها بس اتصدمت شوية.. بكرا تاخد على الوضع. المهم شوفي ماسة وكلّيها لقمة عشان اللحم اللي في بطنها.”
أمي حمحمت وبصت للأكل اللي على السفرة، وقالت بنبرة فيها لؤم مخلط بحيرة:
* “طب والأكل ده مين هيغرفه ويكمله يا معتز؟ الصواني لسه في المطبخ ومشيرة سابت كل حاجة واقفة!”
ماسة هنا بدأت تشتكي تاني وبصتلي بعيون تماسيح مدمعة:
* “شايف يا معتز؟ من أولها كده؟ أنا قولتلك بلاش نيجي.. أنا بطني بتوجعني ومقدرش أقف في المطبخ أعمل حاجة، وأنت قولتلي إنك جايبني ارتاح وأهلك يشيلوني في عيونهم.”
حمية الرجولة خدتني، وبقيت عايز أثبت لماسة إن كلمتي هي اللي مسموعة في البيت ده، وإن مفيش مخلوق يقدر يكسرلي كلمة أو يزعلها. قمت وقفت ومشيت ناحية أوضة مشيرة، وبقيت أخبط على الباب بكل قوتي وبعلو صوتي ناديت:
* “مشيرة! افتحي الباب ده واطلعي كملي غرف الأكل.. الهانم تعبانة ومش قادرة، وأنتِ مش هتقعدي هنا تحبسي نفسك وتسيبي البيت يضرب يقلب! اطلعي شوفي طلباتنا!”
الصوت مكنش بيطلع من الأوضة، مفيش غير صوت سكوت قاتل وبارد.. خبطت تاني وتالت وزعقت، ولما قفلت معايا خالص وكنت لسه هكسر الباب، الباب اتفتح فجأة…
مشيرة كانت واقفة، بس مكنتش مشيرة اللي سابتنا من دقيقتين. كانت غيرت هدوم البيت المتبهدلة، ولبست عباية خروج سودا وشيلت شنطتها في إيدها، وملامح وشها كانت هادية لدرجة تخوف، برود تام خالي من أي دموع أو عصبية. بصت في عيني وقالت بكلمتين اتنين بس…
* “طلقني يا معتز.”
الكلمتين نزلوا عليا زي الصاعقة، البيت كله سكت، حتى ماسة بطلت تآوُه وتمثيل وبصتلنا بذهول. أنا اتسمرت في مكاني، مكنتش متوقع أبداً إن مشيرة الضعيفة، المستسلمة، اللي بقالها سنين شايلانا وشايلة أمي ومبتنطقش، تاخد الموقف ده وفجأة تطلب الطلاق وهي باصة في عيني بكل القوة دي.
حاولت أداري صدمتي وربكتي وعلّيت صوتي عشان أخوفها وارجعها لحجمها:
* “أنتِ اتجننتي يا مشيرة؟ طلاق إيه وعباية خروج إيه اللي لبساها؟! أنتِ فاكرة نفسك هتلوي دراعي ولا إيه؟ ادخلي قلعي الهدوم دي واقعدي في بيتك وبلاش غسيل مخ الحريم ده!”
مشيرة مابتسمتش حتى، فضلت باصة ببرود رهيب وقالت بنبرة هادية بس كانت بتدبح:
* “أنا عقلي معايا وزي الفل.. العباية دي أنا خارجة بيها ومش راجعة تاني. بيتك وأمك والست الجديدة بتاعتك شبعانين ببعض، اخدموهم أو هاتوا اللي يخدمكم.. أنا حقي عند ربنا مش هسيبه، بس عمري وصحتي اللي باقيين مش هضيعهم تحت رجليكم ثانية واحدة تانية.”
أمي اتدخلت بسرعة، وبدل ما تهدي الموضوع، زادت النار حطب وقالت بشرشحة:
* “سيبها تغور يا معتز! فاكرة نفسها مين؟ دي بتتمرد عشان اتجوزت عليها! بكرا تروح لبيت أهلها وتعرف قيمتك وتجيلك زاحفة تبوس رجلك عشان ترجعها، ارميلها هدومها في الشارع!”
مشيرة بصت لأمي نظرة أخيرة، نظرة عتاب ممزوجة بقرف، وقالتلها:
* “كتر خيرك يا حمايا.. دي برضه آخرة خدمتي ليكي ولقمتي اللي كنت بحطهالك في بوقك وأنتِ عيانة.”
ولفت وشها ومشيت ناحية باب الشقة.. أنا هنا حسيت بجد إنها بتضيع من إيدي، وإن الموضوع مش مجرد زعل وهيروح لحاله. مشيت وراها بسرعة ومسكتها من دراعها بغضب:
* “مشيرة! أنتِ لو خرجتِ من الباب ده دلوقتي… ”
وقبل ما أكمل جملتي، نفضت إيدي من على دراعها بقوة وعنف مكنتش أتخيل إنها تملكهم، وبصتلي وعينيها بتطق شرار وقالت:
* “لو خرجت هتعمل إيه؟ هتطلقني؟ ما أنا اللي بطلبها منك أهو وبقولك طلقني برضاك بدل ما أخلعك في المحاكم وأعرّيك قدام الغريب والقريب يا معتز!”
وفجأة، فتحت باب الشقة وخرجت، ورزعت الباب وراها رقعة هزت البيت كله، وسابتني واقف في وسط الصالة، بين أمي اللي عمالة تدعي وتبرطم، وماسة اللي قاعدة تبصلي بخوف، والأكل اللي ملى السفرة وبقى ملوش أي طعم…
ساد صمت تقيل في الصالة، وصوت “رُزعة” الباب لسه بيرن في ودني. كنت واقف مصدوم، بفكر في نظرة عين مشيرة وهي ماشية، وبحاول أستوعب إنها بجد سابت البيت وخرجت.
فجأة، حسيت بإيد ناعمة بتشد كُم قميصي، وبصوت رقيق ومليان دلال مصطنع، سمعت ماسة بتقولي:
* “أنت زعلان عشانها ولا إيه يا معتز؟ أوعى تكون بتحبها!”
بصيتلها، كانت بتبصلي بنظرة كلها شك ودهاء، وكملت وهي بتقرب مني أكتر وتتكلم بصوت واطي ومسموم:
* “مش إنت اللي قولتلي إنك مخليها على ذمتك بس عشان تخدم أهلك؟ أهي جت منها وغارت في داهية.. ريحتك وريحتنا. طلقها بقى يا حبيبي وخلصنا، ووفر القرشين اللي كنت بترميهم لها دي.. أنا والبيبي أولى بيهم، والفلوس اللي كنت بتضيعها عليها دي أولى بيها أنا وأنت وابننا اللي جاي.”
كلمة “أولى بيهم” رنت في ودني زي الجرس، وبدأت مشاعر الندم على مشيرة تتبخر وتتحول لمصلحة بحتة.. حسيت إن كلام ماسة منطقي، وإن اللي حصل ده فرصة عشان أبدأ حياة جديدة بفلوسي وراحتي من غير ما حد يطالبني بـ “حقوق” أو وجع دماغ. هزيت راسي إيجاباً وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده الصح، وبصيت لأمي اللي كانت واقفة بتبصلي بانتظار رد فعل، وكأنها بتقولي “مسمعتش كلامها ليه؟”، وبدأت فعلاً أقتنع بفكرة ماسة…
بصيت لماسة وهي بتتكلم بالطريقة دي، ولقيت كلامها بيلمس حتة جوايا كنت بحاول أداريها. الشيطان شاطر، وزين لي كلامها في ثانية؛ قولت لنفسي فعلاً.. هي اللي مشيت برجلها، وهي اللي اختارت تسيب البيت وتطلب الطلاق وتتخلى عني وعن أمي في وقت كنا محتاجينها فيه.
نفضت كُم قميصي براحة وبلعت ريقي وأنا بحاول أظهر بمظهر الراجل القوي اللي مفيش حاجة تكسره، وقولت لماسة وأنا بطبطب على كتفها:
* “عندك حق يا ماسة.. اللي يبيعنا نبيعه، وأنا مفيش واحدة تكسر كلمتي ولا تلوى دراعي. هي اللي اختارت تمشي وتخرب على نفسها.”
التفت لأمي اللي كانت واقفة متابعة الحوار وعينيها بتلمع بانتصار وقالت:
* “أيوا كدة يا واد يا معتز، ده أنا ربيتك راجل وسيد الرجالة! سيبك منها بكرا تندم وتعرف إن الله حق.. المهم دلوقتي ادخل ارتاح أنت ومرتك، وأنا هلم الأكل ده وأشيله في التلاجة، والصباح رباح.”
دخلت الأوضة مع ماسة، بس السرير مكنش مريح زي كل مرة. كنت نايم وجنب السرير التاني المزين بالدلع، بس كان فيه صوت جوايا مكتوم.. صوت مشيرة وهي بتصرخ “لما أنا كنت حامل مين شالني؟!” وصوت ضحكتها الهستيرية اللي وجعت قلبي غصب عني. حاولت أطرد الأفكار دي من دماغي وأنا بضم ماسة ليا وبقول لنفسي: “المهم ابني اللي جاي.. المهم حياتي الجديدة.”
عدى أسبوعين، ورجعت شغلي في المحافظة التانية واخدت ماسة معايا. كنا عايشين حياتنا، بس الدنيا مابقتش وردي زي الأول. حمل ماسة بدأ يتقل بجد، ومبقتش قادرة تعمل كوباية مية لنفسها، وكل شوية تشتكي وتتأفف وتطلب دليفري أو تطلب مني أقف أنا اطبخ وأغسل المواعين بعد ما أرجع من شغلي هلكان.
في يوم وأنا واقف في المطبخ بوقفتي المهدودة وبغسل المواعين بعد يوم شغل طويل، افتكرت مشيرة.. افتكرت إني عمري ما شوفتها ماسكة مقشة وبتشتكي، عمري ما طلبت مني أساعدها في لقمة، كانت بتعمل كل حاجة وهي ساكتة وراضية، وبلقمتها الحلوة كانت بتستقبلني بابتسامة رغم تعبها.
وقفتي دي قطعتها رنة تليفوني.. كان رقم غريب. مسحت إيدي في الفوطة بسرعة ورديت:
* “ألو.. مين معايا؟”
جالي صوت راجل وقور وجاد جداً على الناحية التانية وقال:
* “معتز معايا؟ أنا الأستاذ مجدي المحامي، موكل من مدام مشيرة.. وببلغك إننا رفعنا قض*ية خلع ونفقة، وبنطالب بكافة حقوقها الشرعية والمؤخر، بالإضافة لقض*ية تبديد منقولات زوجية لأننا عرفنا إنك نقلت حاجتها في بيت أهلك من غير علمها.”
التليفون كان هيفلت من إيدي، والدم هرب من عروقي فجأة…سكتّ لثواني والتليفون على ودني، والمحامي كمل كلامه وحذرني إن قدامي أيام قليلة قبل ما الإجراءات الرسمية تبدأ في المحكمة. قفلت السكة وأنا حاسس إن جبل نازل فوق دماغي، والبيت كله بيلف بيا. قض*ية خلع؟ وتبديد منقولات؟! مشيرة اللي كانت مابتفتحش بوقها بكلمة، هتقف قصادي في المحاكم وتجرجرني؟!
طلعت من المطبخ وأنا وشي جايب ألوان، ولقيت ماسة قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على بطنها وبتتأوه بوجع وعياط مصطنع:
* “آه.. الحقني يا معتز، أنا مش قادرة خالص، ضهري هينقسم نصين والبيبي عمال يتحرك ويتعبني.. أنت سايبني تعبانة كدة وواقف في المطبخ بتعمل إيه كل ده؟!”
قبل ما أنطق ولا أقولها على مصيبة المحامي، تليفوني رن تاني، بس المرة دي كانت أمي. رديت وأنا مخنوق:
* “أيوة يا أمي.. خير؟”
أمي أول ما سمعت صوتي، قالتلي بنبرة كلها أمر ولؤم:
* “جرى إيه يا معتز، صوتك عامل كدة ليه؟ سيبك من الهم دلوقتي واسمعني.. أنا كنت قاعدة بفكر في مرتك ماسة، البت لسه صغيرة وبكرية، وحملها تقيل عليها في الغربة لوحدها وأنت طول النهار في الشغل. هتعمل إيه هناك وتخدمك إزاي؟”
بلعت ريقي وقولتيلها:
* “طب والعمل يا أمي؟ ما أنا واخد بالي منها أهو على قد ما أقدر.”
أمي زعقت وقالت:
* “تاخد بالك منها إيه يا خايب! أنت راجل وراك شغلك.. اسمع الكلام، أنت تجيب ماسة وتيجي تقعد معايا هنا في البلد. البيت واسع، وأنا هقعد معاها، تخدمها وتريحها من تعب الحمل ده لحد ما تقوم بالسلامة، وأهو بالمرة اللقمة اللي نعملها ناكلها سوا بدل بهدلتك في الغربة دي لوحدك.”
ماسة كانت سامعة صوت أمي العالي من التليفون، وفجأة عينيها لمعت والوجع اختفى، وشاورتلي بإيدها وهي بتبتسم وبتقولي من غير صوت: “أيوة.. وافق بسرعة!”.
أنا حسيت إن كلام أمي جالي من السماء؛ قولت لنفسي فعلاً، أهو ماسة ترتاح هناك وأمي تشيلها، وأنا أفضى للمصيبة اللي طبّت فوق دماغي من ناحية مشيرة ومحاميها، وأعرف أتصرف في حكاية العفش والقواضي دي من غير ما ماسة تقعد تزن فوق دماغي هنا.
بصيت لماسة وقولت لأمي في التليفون:
* “ماشي يا أمي، كلامك صح.. أنا هلم الهدوم وهجيب ماسة ونيجي على أول الأسبوع، أهو تكوني جنبها وتريحيها فعلاً.”
قفلت مع أمي، وماسة قفزت من مكانها وفرحت وقالت: “يا حبيبي يا معتز! أهو كدة كتر خيرها حماتي، هروح هناك أتصيت وأرتاح والكل يخدمني!”.. مكنتش تعرف، ولا أنا كنت داري، إن الخطوة دي هي بداية الهدد الحقيقي، وإن أمي اللي كانت بتدلعها وهي ضيفة، حساباتها هتتغير تماماً لما تعيش معاها في بيت واحد…
واللى انا مكنتس اعرفه إن لكل واحدة فيهم حسابات تانيه خالص وانى هكون ضحيتهم
قصص وروايات أمانى سيد ٣
مراتى الجديده
نزلت البلد وأنا حاسس إن الأرض بتلف بيا، القواضي والمحاكم والمحامي اللي كل شوية يتصل يهددني بـ “حجز” و”حبس” خلوا ركبي تخبط في بعضها. قولت لنفسي: “أنا مش حمل فضايح، ولا حمل قواضي تهد مستقبلي، وشغلي اللي في المحافظة التانية مش هعرف أركز فيه طول ما الس*كينة على رقبتي كدة.. أنا لازم أخلص من قصة مشيرة دي بأي ثمن عشان أفضى لماسة وابني اللي جاي، وأمي تشيل ماسة هناك في البلد وأنا دماغي تروق”.
كلمت المحامي وقولتله: “أنا هجيلكم المكتب، مشيرة وادوا لها كل اللي هي عايزاه.. المؤخر، النفقة، العفش، مش عايز من ريحتها حاجة، بس نخلص ودي من غير محاكم”.
يوم المقابلة في مكتب المحامي، دخلت وأنا عامل نفسي مش هاممني، بس أول ما شفت مشيرة قلبي انقبض. كانت قاعدة بكل هدوء وثقة، وشها اللي كان دبلان من الخدمة والتعب في بيتنا، ردت فيه الروح وبقى صافي ومرتاح، وكأن الهم انزاح عن كتافها. مابصتليش ولا حتى نظرة عتاب واحدة، كانت بتتعامل كأني حتة جماد واقف في الأوضة.
المحامي حط الورق قدامي، ورق تنازلات وإقرارات بـ استلام كافة الحقوق والمؤخر، وورق تاني يضمن إني أمضي على كل مليم وكل حق ليها، ومعاهم ورقة الطلاق. بصيت للورق وبصيت لمشيرة، وعلّيت صوتي ببرود مصطنع عشان أداري كسرتي قدام المحامي:
* “أهو يا مشيرة.. كل حقوقك ومؤخرك وفلوسك هتاخديها اهي فوق الجزمة، عشان تعرفي بس إن معتز مابياكلش حق حد، وإنك أنتِ اللي خسرتِ بيتك وجوزك بغبائك”.
مشيرة ماردتش عليا، ملامحها ما تهرتش ولا اتهزت، بصت للمحامي وقالتله بصوت هادي وقوي:
* “خليه يمضي يا أستاذ مجدي.. خليه يمضي على كل ورقة، ويمضي إنه طلقني طلقة بائنة لا رجعة فيها، عشان مشوفش وشه تاني لا في حلم ولا في علم”.
مسكت القلم وإيدي كانت بترتعش غصب عني، بس كبريائي وعمايا خلوني أمضي وراقة ورا ورقة.. مضيت على المخالصة، ومضيت على المؤخر، ومضيت على قسيمة الطلاق اللي بتقطع أي خيط يربطني بيها تاني.
أول ما حطيت القلم، مشيرة قامت وقفت، لمّت ورقها وحطته في الشنطة بكل هدوء. وقبل ما تخرج من الباب، لفت وشها وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة شفقة وشماتة في نفس الوقت، وقالتلي بابتسامة باردة:
* “مبروك عليك الست الجديدة يا معتز.. مبروك عليك الشقا اللي هتشوفه، أنت وأمك. وافتكر الكلمة دي كويس: اللي يظلم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله.. أشوف وشك بخير يا طليقي”.
سابتني وخرجت، وأنا واقف مكاني حاسس بنغزة في قلبي، والورق اللي في إيدي حسيت فجأة إنه بقى تقيل.. قولت في بالي: “خلاص، غارت.. المهم دلوقتي ماسة وراحتها”. مكنتش أعرف إن في نفس اللحظة دي، في بيت أمي، ماسة كانت بدأت تستلم أول درس من حماتها…
رجعت البيت وأنا شايل هموم الدنيا وفرحان في نفس الوقت إني قفلت صفحة مشيرة خالص، وقولت خلاص كدة الدينا هتصفى لي. أول ما دخلت، لقيت الجو في البيت غريب ومشحون، مكنش هو ده الهدوء اللي كنت مستنيه.
أمي كانت قاعدة في الصالة، ووشها مقلوب، وأول ما شافتني دخلت، بدأت تبرطم وتشتكي من وجع رجليها وضهرها. الحقيقة اللي مكنتش عايز أشوفها بدأت تظهر؛ أمي مكنش هدفها تريح ماسة ولا حاجة، أمي لما لقت مشيرة مشيت والبيت البير اللي مبيخلصش ده مفيش حد يشيله، اتصدمت بالواقع.. المسؤولية كلها تقلت عليها، وهي صحتها على قدها ومش قادرة تقف على حوض ولا تكنس صالة. كان كل هدفها تجيب ماسة عشان تحلها محل مشيرة، وتتحول ماسة للخدامة الجديدة اللي تشيل عنها شقى البيت، ومكنتش عاملة حساب إن ماسة جاية تتدلع وتتستت.
على الناحية التانية، ماسة مكنتش هينة ولا غبية، كانت قاعدة في الأوضة وحاطة رجل على رجل، وعينيها على حاجة تانية خالص.. مكنش في دماغها لا خدمة أمي ولا البيت. أول ما دخلت عليها وقعدت جنبهما على السرير، لفت دراعها حواليا وقالتلي بنبرة كلها لؤم ودلع:
* “حمد الله على السلامة يا حبيبي.. كويس إنك خلصت من القصة دي وبقيت ليا لوحدي. بس قولي بقى يا معتز، إحنا هنفضل قاعدين في بيت العيلة ده لحد إمتى؟ أنا مبرتاحش هنا، والقعود مع مامتك بيجيبلي اكتئاب وهو ده اللي تعبني وتعب البيبي.”
بصيتلها باستغراب وقولتلها:
* “ماله بيت العيلة يا ماسة؟ ما البيت واسع وأهو أمي معاكي تشيل عنك.”
لوت بوزها وقالتلي بكل بجاحة:
* “تشيل عني إيه بس! دي من ساعة ما جيت وهي عمالة تلمحلي على المطبخ والغسيل.. اسمع يا معتز، أنت لازم تبيع نصيبك في البيت ده.. أيوة، خدهم كاش كدة وخلينا نعيش حياتنا صح! أنا محتاجة عربية صغيرة أتحرك بيها بدل البهدلة دي، ونشتري حتتين دهب حلوين كدة أتشرف بيهم قدام زمايلي في الشغل، ونخرج ونفسح الواد اللي جاي في بطني ده ونعيش في شقة لوحدنا بعيد عن خناق الحموات.. أنت مش قولتلي إنك عايش الحياة بالطول والعرض؟ وريني بقى!”
وقفت مكاني مذهول.. كلام ماسة صدمنا، وكلام أمي برة في الصالة كان شغال مبيموتش.. لقيت نفسي فجأة واقع بين مطرقة أمي اللي عايزة “خدامة” بديلة لمشيرة، وسندان ماسة اللي عايزة “تنفضني” وتبيعني نصيبي في ورث أبويا وبيت العيلة عشان تصرفه على الفسح والعربية والدهب! لأول مرة أحس إني بدأت أدخل في حيطة سد…
بقيت قاعد في وسط الأوضة باصص في الفراغ وكلام ماسة بيلف في دماغي زي السكاكين. تبيع نصيبك في بيت العيلة؟ عربية ودهب وخروجات؟! وأمي برة عمالة تزعق وتخبط في المواعين عشان تسمّعنا صوتها وتجبر ماسة تطلع لها. حسيت فجأة إن الحبل بدأ يتلف حوالين رقبتي، والجنة اللي كنت فاكر إني عشت فيها مع ماسة بدأت تتحول لجهنم.
قمت وقفت ونفخت بضيق وقولت لماسة بنبرة حادة لأول مرة:
* “بيع إيه وعربية إيه يا ماسة؟! أنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه؟ ده بيت العيلة، يعني ورث أبويا ومطرح أمي وإخواتي، أروح أقولهم بيعوني عشان أشتريلك دهب وعربية؟! وبعدين أنا لسه دافع لمشيرة دم قلبي ومخلص معاها عشان أفضى لكِ، المفروض تقفي جنبي مش تيجي تلوي دراعي أنتِ كمان!”
ماسة اتعدلت في قعدتها، والدلع اللي كان على وشها اختفى وفجأة ظهرت الملامح الحقيقية، وقالتلي ببرود مستفز:
* “جرى إيه يا معتز؟ هو أنا بقولك شحتني؟ أنا بآمن مستقبلي ومستقبل ابنك اللي جاي. وبعدين أنت من الأول قايل لي إنك ميسور وعيشتني في شهر العسل عيشة الملوك، ودلوقتي جايبني هنا في الفقر والخدمة وعايزني أسكت؟ لو مش هتقدر تعيشني في المستوى اللي وعدتني بيه، يبقى متلومنيش على أي رد فعل هعمله!”
سابتني وقامت رزعت باب الحمام وراها، وطلعت أنا الصالة وأنا روحي في مناخيري. أول ما أمي شافتني خارج لوحدي، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالتلي بغل:
* “أهو الباشا شرف! والست هانم بتاعتك فين؟ نايمة جوة ومستنياني أنا الكركوبة اللي مش قادرة أصلب طولي أطبخ لها وأغسل لها؟ أنا قولتلك هات الصبية تريحني وتشيل عني البيت اللي اتهد فوق دماغي بعد ما المفسودة مشيرة مشيت، مش تجيب لي واحدة تزيد همي همين!”
صوت أمي علّى، وماسة سمعتها وهي جوة، ففتحت الباب وخرجت وهي ساندة ضهرها وبتقول بصوت مسموع:
* “بقولك إيه يا طنط، أنا حامل وتعبانة ومش جاية من بيت أهلي عشان أكون خدامة لحد! اللي عنده صحة للبيت يقوم يعمل، وأنا معتز قايل لي إنك أنتِ اللي هتشيليني في عيونك.”
أمي أول ما سمعت كلمة “خدامة”، وشها احمر وعينيها طلعت لبرا وصوتت:
* “أنا يا بت أنتِ تقوليلي اللي عنده صحة يقوم يعمل؟! يا ميرتك السودا يا معتز في جوازتك الطين دي! دي جاية تتنطط علينا في بيتنا! ارميلها ياض ورقتها وخليها تغور مطرح ما جت، دي لا وش خدمة ولا وش عمار!”
وقفت في النص بينهم، دي تصرخ من ناحية ودي ترد عليها ببجاحة من ناحية ثانية. في اللحظة دي بالظبط، افتكرت مشيرة.. افتكرت لما كانت أمي بتزعق لها وتذلها، كانت بتسكت وتستحمل وتكتم في قلبها وتدخل المطبخ تعمل لقمة حلوة تهدي بيها النفوس. افتكرت إني عمري ما وقفت الموقف المقرف ده بسببها، وعمري ما اتهانت كرامتي بين مراتي وأمي بالشكل ده.
حطيت إيدي على راسي وبقيت أصرخ فيهم هما الاتنين بأعلى صوت عندي:
* “بسسسس! كفاية بقى! ارحموني.. أنا اتهديت!”
سِكتوا هما الاتنين وبصوا لي، بس نظراتهم مكنش فيها لا شفقة ولا حب.. أمي بتبص لي بإنكار وعايزة تفرض رأيها، وماسة بتبص لي بتحدي وسخرية وكأنها بتقولي “وريني هتعمل إيه”. لقيت نفسي فجأة بخسر كل حاجة: راحتي، وفلوسي اللي راحت لمشيرة، وبيت العيلة اللي بدأ يتوزن في سوق البيع والشراء، وصحتي اللي بدأت تتدمر في وسط الخناق ده كله…
نزلت إيدي من على راسي وبصيت لماسة وقولتلها بنبرة حاسمة:
* “بيع لبيت أبويا يا ماسة مش هبيع! أنا مش هخرب مطرح أمي وإخواتي عشان أشتريلك عربية ودهب.. انسي الموضوع ده خالص!”
أول ما الكلمة طلعت من بوقي، ماسة وشها اتقلب ١٨٠ درجة. ملامح الدلع والمسكنة اختفت تماماً وحل مكانها غضب وجبروت غريب. سابت الصالة ودخلت الأوضة، وبدأت تلم الهدوم في الشنط وهي بتصرخ بأعلى صوتها:
* “ورقتي تجيلي يا معتز! أنا مش هقعد في بيت الفقر والخدمة ده ثانية واحدة تانية.. يا تعيشني في المستوى اللي يقر عيني ويأمن مستقبلي أنا وابنك، يا كل واحد من طريق!”
أمي واقفة برة بتصوت وتشجعها على المشي، وماسة جوة بتجر الشنط وعينيها بتطق شرار. في اللحظة دي، الخوف عماني.. الخوف من الفضيحة التانية بعد مشيرة، والخوف على ابني اللي لسه مجاش للدنيا، والتعلق الأعمى اللي كان مالي قلبي ناحيتها خلاني أضعف وأركع قدام طلبها.
جريت عليها مسكت الشنطة من إيدها وقولت بقلة حيلة وانكسار:
* “خلاص.. خلاص يا ماسة، سيبي الشنط ومتمشيش.. اللي أنتِ عايزاه هيتنفذ.”
وبالفعل، من غير ما أفكر ولا أعمل حساب لبكرة، كلمت أخويا الكبير. عرضت عليه يشتري نصيبي في بيت العيلة، ولأني كنت مستعجل وتحت ضغط السكين اللي على رقبتي، وافقت أبيعهوله بأقل من تمنه بكتير.. بتراب الفلوس!
أخدت الفلوس من هنا، وجريت من فرحتي أشتريلها العربية اللي كانت بتتمناها، وجبتلها الدهب اللي يغطيها عشان ترضى عني وترجع تضحك في وشي تاني.
دارت الأيام، وعدت أربع شهور.. شهور كنت عايش فيها تحت رجلين ماسة بنفذلها كل اللي تطلبه، بشتغل ليل مع نهار في الغربة عشان أسدد الديون والالتزامات اللي بقت فوق كتافي بعد ما بعت ورثي وضيعت تحويشة عمري.
وفي يوم أسود، وأنا في الشغل، جالي التليفون اللي هدم اللي باقي من حياتي..
صوت غريب من المستشفى بيقولي:
* “حضرتك الأستاذ معتز؟ جوز المدام ماسة؟”
* “أيوة.. خير في إيه؟!”
* “المدام عملت حادثة فظيعة بالعربية على الطريق السريع.. العربية اتدمرت بالكامل، وحالة المدام حرجة جداً.”
وقعت من طولي، وسافرت للمستشفى وأنا مش شايف قدامي. لما وصلت، الدكتور خرج من غرفة العمليات وشه عليه علامات الأسى، وبصلي وقالي:
* “للأسف يا أستاذ معتز.. الضربة كانت قوية جداً على بطن المدام، والجنين مات في بطنها ونزلناه.. وبصراحة، المدام دلوقتي حالتها غير مستقرة بالمرة، وهي بين الحياة والموت في العناية المركزة، ادعيلها.”
وقفت في ممر المستشفى لوحدي، مفيش حد جنبي.. لا أمي اللي كانت بتشحنني، ولا ماسة اللي ضيعت كل حاجة عشانها وهي دلوقتي مش حاسة بيا.. وبقيت أبكي بحرقة وأنا بفتكر جملة مشيرة الأخيرة وهي خارجة من مكتب المحامي:
> “اللي يظلم ولية وييجي على صحتها وعمرها، ربنا مابيباركلوش لا في ضناه ولا في ماله!”
مراتى الجديده ٤
دخلت العناية المركزة ووقفت فوق راسها، ملامحها اللي كانت بتنطق بالدلع والبجاحة اختفت، وبقى مكانها خراطيم وأجهزة مغطية وشها وجسمها كله. الحادثة كانت فظيعة، والمستشفى كل شوية تطلب مني مبالغ خيالية.. عمليات، ونقل دم، وأدوية بالشيء الفلاني، وأنا مكنش معايا المليم.
لقيت نفسي مضطر أفتح درجها، وأخدت كل الدهب اللي لسه مجيبوش ليها من كام شهر عشان تتهنى بيا وتوافق تقعد في البلد.. الدهب اللي بسببه بعت ورثي ونصيبي في بيت العيلة. نزلت بعته بأقل من تمنه في السوق عشان كنت مستعجل وعايز الكاش بأي طريقة عشان أدفع للمستشفى، وقولت في بالي: "الفلوس تروح وتيجي.. المهم تعيش، المهم مابقاش لوحدي".
بس أمر ربنا كان أسرع من كل فلوس الدنيا..
بعد يومين اتنين بس من بيع الدهب، وأنا قاعد على كراسي الممرات في المستشفى، دبلان ومهدود، لقيت دكتور العناية خارج ووشه في الأرض، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي:
* "البقاء لله يا أستاذ معتز.. شد حيلك، المدام جرى لها هبوط حاد في الدورة الدموية ومقدرناش ننقذها."
أنا مابكيتش.. أنا صرخت صرخة مكتومة طلعت من جوة حشايا، وحسيت
إن الدنيا ضلمت في وشي تماماً. قعدت على الأرض وسط الممر، وبقيت أبص لإيديا الفاضية.. إيديا اللي مفيش فيها أي حاجة دلوقتي.
في ثواني معدودة، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.. أنا خسرت كل حاجة في دقيقة واحدة.
خسرت ابني اللي كنت مستنيه يملى عليا الدنيا، وخسرت مراتي ماسة اللي هديت بيتي القديم وبعت ناسي عشانها، وخسرت ورثي وبيت العيلة اللي اتخليت عنه بأرخص تمن عشان أرضي كبريائي وأرضيها.
رجعت البلد لوحدي، شايل كفني وكفن مراتي وابني في إيدي. نزلت من الميكروباص وبصيت لبيت العيلة من برة.. البيت اللي بقيت غريب فيه بعد ما بعت نصيبي لأخويا، ومبقتش قادر حتى أدخل أبص في وش أمي اللي كانت السبب في كل ده من الأول، ولا قادر أروح أستسمح مشيرة اللي مشيت وسابتني لذنبي.
وقفت في وسط الشارع وضهر مكسور، والدموع بتجري على وشي المهدود، وعرفت إن الوجع والخراب اللي أنا فيه ده كله مكنش غير دعوة مظلومة، طلعت من قلب "مشيرة" في ليلة قهر، وربنا استجاب لها بالملّي: لا مال بقى، ولا ضنى عِاش، ولا عمار كمل.
عدت سنتين على الصدمة والخراب اللي دوقتهم.. سنتين وأنا عايش
فيهم زي الميت، بشتغل بس عشان ألاقي لقمة آكلها وأسدد ديون الحادثة والمستشفى والمحامي، وضهري انحنى وعجزت قبل أواني بميت سنة. أمي صحتها اتدهورت وندمت ندم عمرها بعد ما البيت اتهد ومبقاش فيه حد يخدمها ولا يونسها، وأنا مكنتش قادر أبص في وشها ولا أدخل بيت العيلة اللي بقيت فيه غريب.
في يوم، كنت ماشي في السوق بالصدفة، مهدود الحيل ومطأطأ راسي في الأرض من الكسرة. وفجأة، سمعت صوت ضحكة مألوفة جداً.. ضحكة صافية، طالعة من القلب، بقالي سنين مسمعتهاش. رفعت راسي بسرعة، ولقيت عيني جت في عينها... مشيرة!
اتسمرت في مكاني والدم هرب من عروقي، مكنتش مصدق اللي شايفاه عيني. مشيرة بقت حاجة تانية خالص! الوش الدبلان المجهد اللي كان معدوم من الخدمة وشقى البيوت اختفى تماماً. ملامحها ردت فيها الروح، وبقت ناضرة وشابة وكأنها صغرت عشر سنين. كانت لابسة طقم خروج شيك جداً ووقور، ووشها منور بابتسامة ثقة وراحة مكنتش بشوفها وهي معايا.
مكنتش لوحدها.. كانت واقفة قدام محل أدوات منزلية كبير، وجنبها راجل شكله ابن ناس ومحترم، باين عليه الهيبة والحنية في نفس الوقت. كان ماسك
في إيده طفل صغير عنده حوالي سنة، ومشيرة عمالة تلاعب الواد وتضحك، والراجل بيبص لها بنظرة كلها حب وتقدير، وبيقدم لها أكياس الحاجه اللي اشتروها بكل روقان واحترام.
عرفت وقتها من الناس إن مشيرة اتجوزت راجل قرييب لأهلها، تاجر محترم شالها على راسه، وعوضها عن كل يوم قهر وشقى شافته معايا. ربنا رزقها منه بالخلف الصالح، ورجعت لها صحتها وعمرها اللي كنت بضيعهم تحت رجلين أمي.
مشيرة وهي بتلف، عينيها جت في عيني بالصدفة. لثواني معدودة، الوقت وقف بينا. بصتلي بكل هدوء.. مكنش في عينيها لا غل، ولا عتاب، ولا حتى شماتة. كانت نظرة باردة جداً، نظرة لشخص غريب تماماً ملوش أي قيمة في حياتها، وكأنها بتقولي "أنا نسيت إنك كنت موجود في الدنيا أصلاً".
لفت ضهرها بكل خفة، وحطت إيدها في دراع جوزها، ومشيت معاه وهي بتضحك لابنها، وسابتني واقف في وسط السوق.. لوحدي، مكسور، عريان من كل حاجة.. تندبني حسرتي وأنا شايف بعيني الجنة اللي ضيعتها بغبائي، والحقيقة المُرّة اللي بتقول إن المظلوم لما بيفوض أمره لربنا، ربنا بيرفع شأنه في الدنيا قبل الآخرة، والظالم بيفضل ياكل في نفسه
لحد ما يموت بقهرته.


تعليقات
إرسال تعليق