رواية ارض الدوم الفصل العاشر 10 بقلم رحمه نبيل حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ارض الدوم الفصل العاشر 10 بقلم رحمه نبيل حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل العاشر [ ويلي من مشاعر مسلم ]
في العادة لا أتحدث عن التفاعل، لكنه ابسط صور تقديركم للفصل، إن أعجبكم أن يكلفكم تفاعل بسيط بالتصويت على الواتباد ( الضغط على علامة النجمة في الاسفل ) أو لايك فيس، الأمر بسيط وبيساعد الرواية توصل لغيرك ليس إلا، فلا ربح لي من الأمر، لكنه مجرد مساعدة لي وللرواية في الانتشار، لذا التفاعل ذوق منكم، فمقارنة بتفاعل الحلقة الخاصة لسفيد من ثلاث أيام، مع الفصل السابق من ارض الدوم من ستة أيام، نجد أن التفاعل يفوق تفاعل الفصل .
الفصل ويشهد الله بكتبه في أيام اجازتي بدل الراحة وبيتم مراجعته في ساعات ليُقرأ في دقائق ربما، لذا ابسط شيء تفاعل مرضي، ستكون المرة الأولى والأخيرة التي أتحدث بها عن تفاعل، وشكرًا مقدمًا.
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس وهو يحدق بها دون أن يصدر صوتًا يقدر لحظات صمتها ورغبتها بالانعزال بذاتها، لذا صمت وظل يراقبها ولا يدري السبب في عدم ذهابه من المكان بأكمله، لكنه فقط يرفض .
يرفض تركها في هذا الليل وحدها، وبهذه الحالة، لم تكن تبدو له متزنة و...
وقبل أن تكتمل أفكاره في عقله حول سبب قدومها في هذا الوقت شعر بجسده يتجمد فجأة والحياة تتوقف حوله، وانفاسه توقفت كذلك داخل صدره حتى شعر بأنه سيختنق، كانت لحظة ارتجف بها كامل جسده قبل أن ينتفض يصرخ بجنون وهو يركض صوب المياه يرى جسدها الذي سقط لتوه فيه .
كابوسه يُعاد أمام عيونه في هذه اللحظات باسوء شكل ممكن، فجأة ودون تفكير كان يلقي بجسده خلفها وهو يصرخ باسمها خوفًا :
_ لا لا لا بالله عليكِ لا ...لا لا ...لا .
أصابته هيسترية لثواني وهو يشعر باطرافه ترتجف لدرجة أنه لم يتمكن من السباحة، شعر بأن أطرافه قد شُلت من الرعب، وذكرياته القديمة تعود له بطريقة أشد شراسة، مياه، ظلام، برودة، وجثة فقدت حياتها بين ذراعيه .
عند هذه النقطة سقطت دموعه دون شعور وهو يصرخ بصوت مرتجف يحاول الوصول ليدها وهو يبصر جسدها ساكنًا في المياه امامه، نفس السكون الذي أبصر به الفتاة حينما وصل بها للشاطئ، ارتجف كامل جسده وشعر باختناق شديد وكأنه هو من يغرق، قاوم كل نوبات الهلع التي كادت تصيبه وهو يقترب بسرعة منها :
_ لا ...لا بالله عليكِ، لا تفعلي ذلك، تمسكي بي، أرجوكِ تمسكي بي، فروشكـا أرجوكِ .
كان يتحدث وهو يتحرك صوب جسد رايانا التي كانت تهوى ببطء للاسفل لولا شعورها فجأة بيده تجذبها لسطح المياه، وقبل أن تستوعب من قطع محاولتها لتهدأه جسدها، وجدت نفسها تُطحن ضد صدر أحدهم، ويد تضم رأسها وصوت ينطق برعب مرتجف صارخًا بنبرة باكية :
_ ستكونين بخير، لن يحدث شيء، أنا آسف... أنا آسف، اقسم لم أقصد، أنا آسف، لم يحدث لكِ شيء، سنخرج من هنا، أنا حقير اقسم أنني حقير، أنا آسف.
ارتجف جسد رايانا وهي تحاول إدراك ما يحدث تعلم هوية المتحدث بالفعل، لكنها لا تفهم ما حدث، همست بصوت منخفض مرتجف من البرودة والموقف بأكمله:
_ مسلم ..
لكن مسلم رفض تركها أو حتى الاستماع لعقله، وهو يتحرك صوب الحافة، وما زال يضمها بقوة بين ذراعه يضم رأسها لصدره وهو يصرخ بصوت خرج بغصة يعافر المياه، رافضًا تسليمها له، لن يسمح بفقدان آخر، وخاصة هي ..
_ اهدأي لا تخافي، ستكونين بخير، سنخرج من هنا، أنتِ بخير فروشكا، أنتِ بخير .
حاولت رايانا التحدث، لكنه توقف فجأة وهو يستدير لها أثناء السباحة، ينظر لها جيدًا من أعلى لاسفل وكأنه يخشى أن يصل للحافة مع جسدها فقط دون روحها، ينظر لها بشكل مرتعب يهتف بصوت منخفض مرتجف النبرة :
_ متغمضيش عينك، أرجوكِ، بلاش تغمضي عينك، احنا قربنا نوصل .
أما عن رايانا حاولت التحدث مرتجفة من البرودة :
_ أنت....فيه ايه ؟؟
ومسلم لم يهتم بمحاولة الرد عليها وهو يجذبها أكثر له، ولم يكن يعي في حالة الهيسترية هذه لا بمسافات أو حدود، لحظة إبصار جسدها ساكنًا في المياه، جعل كل ذرة رعب تصرخ داخل جسده، ورغم كل ما مر به في حياته، كانت هذه هي أولى خساراته وأقواها، وهو ليس مستعدًا ليحيا نفس الشعور، ليس معها على الأقل.
في لحظة إدراك علم أن الفتاة هذه ستكون نهايته، واقترابه منها أصبح حاجة ومرضًا، وهو لا يشتكي .
رفع جسدها بسرعة على الجسر وهو يتحدث بصوت مرتجف :
_ تمسكي به فروشكا، تمسكي به .
ورايانا التي لم تكن من تلتقط كلماته الأجنبية سوى اسمها، فعلت الشيء المنطقي الوحيد في هذه اللحظة، وهي أنها تمسك بالجسر تسحب نفسها للخروج، تجلس عليه ومددت رجلها للاسفل تتنفس بصعوبة مما حدث، لا تفهم ما يحدث، تنظر له بترقب وهو فقط أخذ ينظر لها من المياه جيدًا يقنع عقله أنها بخير، لقد خرجت من المياه.
أما عنها فتعجبت نظراته هذه، لكنها رغم ذلك مالت قليلًا تمد يدها له ببسمة صغيرة مرتجفة، لا تنسى مساعدته لها منذ وقت قليل في الزفاف فالله وحده يعلم أنها كانت لتكون ميتة الآن أسفل عز الدين لولا فعلته .
_ اطلع من المايه .
نظر لها مسلم ثواني، ثم ليدها، وهو يحاول أن يهدأ نفسه، يحاول أن يصفع وجهه ليستفيق من حالة الرعب التي ما تزال آثارها في جسده .
تنفس بصعوبة، ينظر حوله وكأنه يحاول البحث عن شيء، قبل أن يتحدث بسرعة وهو يشير لها بتحذير :
_ متتحركيش من هنا، متتحركيش هرجع بسرعة .
ولم تفهم مقصده، إذ بدأ يسبح بعيدًا عن الحافة صوب منتصف البحرية وفجأة اختفى وغطس داخلها تاركًا بعض المياه التي تتحرك على سطح المكان وعيون رايانا متسعة وهي تراقبه تحاول فهم ما يحدث حولها .
لكنها رغم ذلك صمتت وأخذت تراقب البقعة التي نزل بها مسلم واختفى على أمل ظهوره قريبًا لتفهم ما يحدث حولها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ قول اللي في نفسك عادي .
كانت الجملة التي قطعت بها سافا الصمت المحيط بهم، بينما أحمد نظر لها بعدم فهم بعدما كان يسير بهدوء محفضًا رأسه يتلاشى الحديث معها أو النظر حتى، وقد أشعرها ذلك أنها أحقر من النظر لها وتلويث أنظاره بها .
رفع عيونه بعدم فهم :
_ اقول ايه مش فاهم ؟؟
_ اللي بتفكر فيه من وقت ما شوفتني في الفرح .
رفع أحمد حاجبه وهو يتوقف فجأة وقد توقفت هي أمامه، ليبتسم بسمة صغيرة هادئة :
_ بصفتي ايه يا استاذة ؟!
نظرت له بعدم فهم هذه المرة، ليهز رأسه ببساطة يشرح لها وجهة نظره في الأمر، وهي تراقبه بصدمة من كلماته :
_ حاولي متديش لحد فرصة يكلمك بأسلوب أنتِ مش قبلاه، ولا تفتحي لحد النقاش معاكِ في حياتك طالما ملوش صفة فيها، فباختصار، أنا هقولك ايه وليه ؟!
وهي فقط أخذت تنظر له وقد كانت هذه المرة التي يحاورها أحدهم كامرأة عادية، وليس مجرد فاسقة تتراقص في المناسبات لهم، يعاملها أحدهم كشخص له الحق في الاعتراض على نظرات وكلمات الغير وليس مجرد ذليلة تقبل ما يقدمونه لها بلا كلمة واحدة .
وهذه الفكرة جعلتها تفكر جديًا، ماذا لو كان لذلك الرجل صفة في حياتها، هل كانت وصلت لهذه النقطة يومًا ؟!
رجفة أمل وتمني مرت بها وهي تنطق دون شعور ولأول مرة يخرج صوتها خافت منكسر بعض الشيء :
_ ولو كنت ...
صمتت تترك له باقي الجملة ليدركها، وهو فقط نظر لها بعدم فهم لتبتسم بسمة صغيرة، تهز كتفها ببساطة شديدة وكأن الأمر لا يعينها وكأنها لا تتمنى لو امتلكت أحدهم يدافع عنها .
_ ولو كان ليك صفة في حياتي ؟!
ابتسم أحمد بسمة صغيرة وهو ينظر لها نظرة قصيرة مستهزئية أو هكذا شعرت بها هي، قبل أن يبعد عيونه عنها، يجيبها بنفس بساطة طرحها السؤال وكأن الأمر مستبعد أن يكون ذا صفة في حياتها :
_ مكنتيش هتبقي واقفة معايا عشان تسألي السؤال ده اساسا .
_ ايه هتمنعني اخرج من البيت ؟!
_ امنعك ليه ؟! بس اكيد مش هخلي راجل غريب يقف معاكِ نفس وقفتي دي، ولا يكلمك زي ما أنا بكلمك كده، ولا هسمحلك تحتاجي لحد يستجدع معاكِ، ولا كنتِ هتكوني أنتِ .
اتسعت عيونها بصدمة من آخر جملة، وهو فقط بلل شفتيه بهدوء يدرك السؤال الذي يدور في رأسها، ساخرًا ببساطة :
_ متسأليش أسئلة اجابتها مش هتسعدك .
التمعت عيونها بشكل غريب وهي تبتسم له بسمة مرتجفة بعض الشيء تخفي خلفها ضيق وقهر .
وقد فكرت لوهلة لو أنها يومًا امتلكت شخصًا في حياتها يقيها شر الدنيا، ربما ...ربما فقط ربما كانت لتكون في منزلها الآن نائمة بأمان وراحة دون أي شيء يؤرق مضجعها .
صمتت فجأة وقد ضربتها فكرة وجود رجل معها بنفس المنزل في مقتل، لتبتعد خطوة للخلف وقد تبدلت نظرتها في ثواني بشكل أذهل أحمد، لكنه فقط لم يهتم وهو يبعد عيونه عنها بهدوء :
_ خلينا نكمل الطريق .
_ لا .
_ لا ؟؟
_ أنا هكمل لوحدي، ارجع أنت، شكرًا ليك أنا ممكن أكمل للبيت عادي .
ولم تكد تتحرك حتى أوقفها هو تابعًا إياها:
_ أنتِ مجنونة ؟! هتمشي في الوقت ده لوحدك بالشكل ده ؟!
_ بالشكل ده ؟!
تعجبت وهي تنظر لنفسها وقد كانت ترتدي معطفًا فوق فستان الرقص الخاص بها، وهو فقط أبعد عيونه عنها :
_ لو الموضوع ليكِ عادي، فهو مش عادي أبدًا، تخرجي في الوقت ده وبالشكل ده، افرضي حد اتعرض ليكِ ؟!
رفعت حاجبها وهي تضم ذراعيها لصدرها في حركة اعتراضية له، وحركة حماية لها، تحاول أن تتماسك أمام عيونه :
_ مفيش حد يقدر يتعرض ليا، إلا لو كان غبي أو....
_ مخمور..مسطول...راجل ؟؟
كان يبدو كما لو أنه يكمل جملتها بنبرة متهكمة، أما عنه اقترب منها دون شعور يردد ببسمة غير مصدقة لعقلها الغبي هذا :
_ منظرك ده وفي وقت زي ده أي راجل مش واعي اكيد هيحاول يستغله، فوقي لنفسك أنتِ مش عايشة في المدينة الفاضلة، ومن ثم اذكري ليا السبب اللي يخليكِ متأكدة أن مفيش حد هيقدر يتعرض ليكِ ؟!
نظرت له وربما كانت كلماته عادية له، لكنها لم تكن لها كذلك، هو محق فإن كان حديثها صحيحًا ما وصل بها الحال لما هي عليه الآن.
رفعت عيونها له وقد ظهر وميض انكسار فجأة، اختفى في ثواني وهي تتحدث بنبرة حاولت أن تظهرها عادية تبتسم له بسمة صغيرة أصابته في مقتل :
- عشان مش هيعملوا اكتر من اللي سبق واتعمل بالفعل، أنت مش هتقدر تكسر كوباية هي مكسورة اساسا .
ختمت حديثها وهي تتركه واقفًا بصدمة يحاول تحليل معنى كلماتها، وقد ضربته موجة رعب مما بدأ عقله يرسمه لها .
أما عنها فلم تهتم أنها للتو رسمت صورة حقيرة لها في عقل الرجل الوحيد الذي عاملها بآدمية، أنها اعترفت أنها لم تنجو من الزمان على مسامع رجل لم تعلم اسمه سوى منذ يومين، رجل لا تعلم حتى أصله أو أخلاقه .
رحلت وهي تهرول تحاول أن تبعد ضباب الدموع عن وجهها، وقد بدأ صدرها ينتفض برعب من بداية موجة هلع جديدة، حتى أن خطواتها بين الطرقات كانت سريعة بشكل مخيف لولا أن معظم الطرقات كانت فارغة في هذا الوقت .
بمجرد أن دخلت منزلها حتى هرولت بسرعة لثلاجتها، تفتحها تخرج منها الكثير والكثير من الأطعمة ومن ثم انهارت بينهم ارضًا تحاول كتم نشيجها بصوت مضغاتها، تأكل وتأكل حتى انفجرت فجأة في البكاء بشكل هيتسيري، تنهار في أرضية مطبخها بين الأطعمة وقد بدا أن ذلك هو قدرها، ربما سيكون نهايتها يومًا ما.
جثة باردة بين الأطعمة وحدها في منزلها، وربما إن كانت محظوظة ستكتشف رايانا موتها قبل تعفن جثتها بالكامل .
تجمد جسدها من الفكرة، ولسبب ما لم تحزنها تلك الصورة التي ارتسمت لها، تمددت في الأرض بين الأطعمة وهي تشرد في السقف .
ربما كان الموت نهاية مستحقة لها، ربما كان كما يدعوه البعض ...راحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وما تخفيه الكلمات تفضحه العيون "
وهو عيونه كانت ورغم كل جهوده تفضحه، وهو ينظر لها دون إرادة منه، دون تحكم في مشاعره، ينظر ارضًا كلما تحركت عيون أحدهم صوبه، يشعر بالنذالة والحقارة لأجل ما يفعل، لذا فجأة انتفض يعتذر من الجميع بكلمات مقتضبة وهو يخرج من المكان بأكمله صوب الشجرة أمام المنزل .
وبمجرد أن فعل تعجب يحيى وهو ينظر لعيسى بنظرة غامضة، قبل أن يحرك عيونه صوب نورهان التي كانت تتابع هاتفها بانتباه شديد تتابع اخبار انهيار زوجها، أو بالأحرى زوجها السابق تبتسم دون شعور .
ليرفع يحيى حاجبه بضيق من كل ذلك، لكنه لم يتحدث بكلمة وقد عزى كل أفكاره لأوهام ربما، بالإضافة أن مسلم يثق في حاتم، وهو يثق في مسلم ومن يثق بهم، وحاتم لم يصدر منه للحظة واحدة شيء يجعله ينتبه لوجوده معهم، بل كان طوال الوقت هادئًا محترمًا عاقلًا أكثر حتى من مسلم .
لذا تنهد وهو ينهض من مكانه يتحدث بجدية :
_ هدخل اغسل شعري لغاية ما مسلم يخلص على سكان القرية ويرجع، وأحمد يوصل البنت ويرجع .
نظر صوب نورهان ينتزع منها الهاتف باستفزاز مشيرًا صوب المطبخ :
_ روحي أعملي ليا كوباية شاي بلبن .
نظرت له نورهان باعتراض ولم تكد تتحدث بكلمة حتى أشار لها بءقنه بتحذير صوب الهاتف :
_ هدخل أبعتله كوبليه خالد سليم بتاع ولا اقولك بلاش الملامة، لو متحركتيش .
فهمت نورهان دون شرح ما يردده يحيى، وطوال سنوات معرفتها به، تدرك أنه من الجنون الذي يجعله يفعل ذلك، لذا نهضت ترميه بنظرة متوعدة لحين عودة مسلم أو أحمد.
أما عن عيسى نظر ليحيى بضيق وهو ينتزع منه هاتف نورهان بغضب، ثم لحق بنورهان دون كلمة تاركًا يحيى ينظر لاثرها بعدم اهتمام :
- خلي بالك أنا سيبته ليك بس عشان أنت الطويل.
تحرك بعدها صوب غرفته يبتسم بتسلية، يخرج الغسول الذي اختاره سابقًا، لتضرب ذكراها رأسه، تلك الفتاة الغريبة والمستسلمة بشكل مريب .
ابتسم بسمة صغيرة وهو يمسك الغسول يحدق به ثواني قبل أن ينفجر بالضحك على ملامحها حينما انتزع منها عبوات الغسول، يهز رأسه بيأس وهو يتحرك صوب المرحاض .
بينما في الخارج .
كان يجلس أسفل الشجرة وهو يستند عليها بهدوء يشعر بقلبه يرتجف مما يحدث له، لقد اقسم قديمًا ألا تطأ المرأة رأسه، ليس وهو يرفض أن تُمس حرمة صديقه الذي استأمنه على أخته ولو حتى بمجرد نظرة منه .
يتمنى فقط يتمنى لو يعود به الزمن لتلك اللحظة التي ابصرها بها للمرة الأولى ..
قبل خمس سنوات تقريبًا .
بلغ حاتم مكانة ثقة لدى مسلم لم يكن أحد يحلم بالاقتراب منها ولو بخطوات معدودة حتى، مسلم والذي كان يعامل الجميع كما لو أنهم أعداء يستحقون السحق، آمن جانب حاتم، بل وسمح له بدخول منزله الذي ينعزل به عن الجميع .
لم تكن المرة الأولى التي يدخل منزله، بل ويبيت به مع مسلم، لكنها كانت المرة الأولى التي يخفض بها مسلم دفاعاته بهذا الشكل ويترك شيء يخص عائلته على مرأى الجميع .
طاولة صغيرة جوار الحائط الزجاجي الخاص بشقته، صورة صغيرة جعلته يقترب بتردد وفضول وهو يلتقطها دون أن يتحكم في نفسه .
كانت صورة لأربعة أطفال في أعمار متباينة، منهم المراهق ومنهم من كان طفلًا، حتى أنه كان هناك رضيعًا بين يدي مراهق عرف أنه مسلم لاحقًا، وقد كان الأربعة هم أحمد ومسلم ويحيى ونورهان، والرضيع كان نفسه عيسى .
كانت الصورة تنطق بالطفولة والحب، الجميع يضم بعضهم البعض وينظرون ببسمة متسعة صوب الكاميرا وكأنهم يبصرون مستقبلًا مشرقًا قادم .
ابتسم حاتم دون شعور لما يرى وقد شعر فجأة براحة كبيرة وهو يراقب تعابير سعادتهم، وضع الصورة جانبًا بهدوء، ولم يكد يبتعد عن الطاولة بالكامل حتى توقف وتوقفت أنامله، وقع نظره عليها ..
فتاة بهية الملامح مشرقة الوجه مبتسمة الثغر، في إحدى الصور تضم لها شاب بقوة وهي تضحك بصوت يقسم أنه تردد في أذنه.
رفع الصورة الثانية ببطء وتردد دون شعور كما المسحور وشرد بهذا الوجه، فتاة تبدو في العشرينات من العمر، تضم شاب علم من ملامحه أنه مسلم قبل أن يتحول لذلك الرجل الذي عرفه .
كانت الصورة تبدو كما لو أنها احتفال بالتخرج، الفتاة ترتدي زيّ التخرج وهي تضم مسلم لها، ومسلم يرتدي قبعتها، ارتجف صدره وهو يتأمل ملامحها، كانت ....
_ أنا طلبت لينا بيتزا، وطلبت ليك بيبروني و...
صمت صوت مسلم الذي اقتحم المكان فجأة ليترك حاتم الصورة فجأة بصدمة ورعب من سهولة سقوطه في تأمل غير مشروع .
أما عن مسلم فنظر له بشكل وهو يتحرك ببطء صوبه يتحدث وهو يضيق عيونه :
_ بتعمل ايه ؟؟
ارتجفت يد حاتم وهو يحاول أن يفيق من حالة الافتتان التي أصابته بصاعقة غير متوقعة .
_ أنا بس… بس كنت… يعني… لقيت الصور على الطاولة، وما كان قصدي أتجسّس، مجرد فضول. سامحني.
نظر له مسلم ثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوب الطاولة يلتقط صورتهم التي نجت بصعوبة خلال رحلته لهنا :
_ دول اخواتي، ده أحمد اكبرنا، وده يحيى اخويا الصغير والبيبي ده عيسى سيبته وهو طفل تسع سنين، ودي تبقى نورهان اختي، المدللة بتاعتنا كلنا ماعدا يحيى .
ختم حديثه بنبرة حنين وقد وثق بحاتم بشدة لدرجة أن يعرفه بأفراد عائلته، لكن حاتم من بين كل الاسماء لم تلتقط أذنه سوى اسم واحد .
نورهان ...
الاسم الذي لاحقه في صحوته ونومته لخمس سنوات، خمس سنوات تطارده ويهرب منها ويجلد ذاته وقد قرر أن يحاول نسيانها بالكامل، فلو اجتمع المشرق والمغرب فإن اجتماعه مع صاحبة البسمة تلك كان أصعب.
لكن وحينما أخبره مسلم خطته للعودة لوطنه وعرض عليه العودة، عارض لثواني، لكنه وافق لاحقًا لأجل مسلم اولًا وقد كان عائلته الوحيدة، ولأجل أن يلتقيها واخيرًا وجهًا لوجه .
ليأتي ويكتشف أن صداقته وضميره كان اهون الحدود بينهما، المرأة كانت متزوجة ....
_ اتفضل.
انتفض جسد حاتم وهو ينظر جواره لها، بأعين متسعة وكأنه للتو اصطدم بخياله، كانت تقف على بُعد صغير وهي تنظر له ببسمة بسيطة :
_ شاي بلبن، مش عارفة بتحبه ازاي بس خليته ليك مظبوط .
نظر لها دون شعور وكأن ذكرياته أحيت له عشق خمس سنوات لامرأة ابصرها مرة واحدة في صورة، أحب امرأة قبل الكلمة الأولى حتى .
أحبها من مجرد صورة وبسمة، أعين ملتمعة جعلته يقضي ليالٍ طويلة مخافة النوم والحلم بها سهوًا .
_ تسلم إيدك، يكفي إنك تعبتي حالِك وافتكرتيني.
ابتسمت له بلطف وهي تعطيه الكوب، بينما هو ضمه بين كفيه بقوة وكأنه يستمد منه طاقة، ينظر بعيدًا عنها وقد بدا في اللحظة يتجاهلها، لكنها لم تهتم في الواقع بل فقط قالت بهدوء :
_ ادخل جوا، الجو هنا ساقعة .
هز رأسه بنعم :
_ أكيد رح أعمل هيك، بس خلّيني أستنى مسلم يرجع وأطمنّ عليه.
_ ربنا يخليكم لبعض، واضح أنكم قريبين من بعض اوي، تعرفه من كام سنة ؟؟
رفع عيونه لها بهدوء مبتسمًا :
_ من تمان سنين، مسلم هو عيلتي الوحيدة .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تراقبه ولاول مرة تبصر ملامحه وتتوقف لتأمله، لتتحدث بفضول كبير وقد نست نفسها :
_ أنت من فين كده ؟! لهجتك شامية .
حاول أن يحتفظ بملامحه محايدة يجيب بهدوء ونبرة عادية :
- أنا أردني من أصل فَلسطيني .
_ يعني ايه ؟؟ أنت ايه بالضبط ؟!
ضحك ضحكة صغيرة وهو يشرح لها شجرة عائلته ببساطة شديدة :
_ انولدت بالأردن، وجدّتي أمّ أبوي أردنية الأصل، وجدّي (أبو أبوي) فلسطيني، وأمّي كمان فلسطينية.
عشان هيك انولدت بالأردن وحامل الجنسية الأردنية، بس من أصل فلسطيني.
_ يعني أنت فلسطيني ؟!
_ هيك وهيك، معي الجنسيتين، مؤخرًا حصلت على الجنسية الأمريكية، بس رميتها بالزبالة.
اتسعت عيونها بانبهار وقد أثرت به النظرة، لكنها ابتسمت بسمة واسعة وهي تقول بفضول يقتلها من محادثتها لشخص لا ينتمي لعالمها أو بلادها :
_ عمرك زرت فلسطين ولا بس كنت عايش بالأردن ؟!
ومضت عيونه بلمعة غريبة جعلته يبعد كل تلك الأفكار السوداء عن رأسه بعدما بدأت الذكريات تتكالب وتشحذ أسنانها للهجوم، لكنه فقط هز رأسه وكأنه ينفض الأفكار السيئة من عقله قبل أن تسحبه مجددًا، ليس أمامها على الأقل.
_رجعت على فلسطين بعد ما وصلت عمر عشر سنين، وما طلعت منها إلا وأنا شاب، يوم سافرت على أمريكا.
ولم يذكر لها حالته التي خرج بها، كانت اشياء لا يجب أن تعلمها، لا ينبغي عليها معرفة مقدار السواد داخله .
_ أنا فرحانة إن مسلم كسب شخص زيك في غربته .
رفع عيون مشوشة لها، وقد كان ما يزال يتعارك مع أفكاره، ينظر لها بعدم فهم لتبتسم بسمة صغيرة :
_ كلنا كنا خايفين مسلم يسافر ويصاحب ناس مش شبهنا، ولا يعرفوا حياتنا، بس هو كان محظوظ أنه كسب صديق زيك، اتمنى تكونوا دايما سوا .
شرد بها ثواني قبل أن تتحرك هي وتدخل للمنزل تختفي به دقائق وهو بصعوبة أبعد نظراته عن أثرها ينظر لكوب المشروب الذي بدأ يبرد بالفعل، لكن رغم ذلك رفعه لفمه يرتشفه بنهم، مبتسمًا بسمة صغيرة .
قبل أن يبصر غطاء أمام عيونه .
رفع عيونه ببطء ليجد نورهان تراقبه بلطف وحنان فطري بها لاتدرك لمن توجهه أو كيف تفعل :
_ عشان الجو برد وممكن مسلم يطول .
ارتجفت يد حاتم وهو يقاوم رفعها، لأنه يخشى أن رفعها لن يكون الغطاء هو ما سيضمه .
ابتلع ريقه ولم يكد يتحدث بكلمة أو يشكرها، حتى وجد يد تنتشل الغطاء بقوة وصوت يحيى يتحدث بجدية :
_ هاتي وادخلي جوا يا نور.
نظرت له نورهان بعدم فهم لهجومه تبرر بحسن نية :
_ الجو سقعة وهو مُصر يستنى مسلم فقولت اجيب ليه غطا.
نظر لها يحيى بسخرية لغباء أخته يهمس بصوت لا يسمعه سواها :
_ ايش حال ما أنتِ لسه متعلم عليكِ بسبب غبائك ده يا غبية، انجري على جوا بلاش اتغابى عليكِ يا نور .
_ أنا عملت ايه ؟! أنا كنت بس بـ
عض يحيى على شفتيه بضيق يجذب منها الغطاء يرفع يده وكأنه على وشك ضربها :
- يا بت اخفي من وشي مش ناقصة تخلف على المسا.
رمته نورهان بغضب قبل أن تصرخ في وجهه بضيق شديد :
- أنت بتتكلم كده ليه أنا الكبيرة على فكرة، والله لما يجي أحمد يا يحيى أما شاف ليك حل هو ولا مسلم أنا اللي هتصرف .
ختمت حديثها وهي تتحرك صوب الداخل بعنف وغضب، بينما يحيى يتابعها بسخرية وقد كانت هذه عادة لهما تقريبًا .
لم يهتم وهو يستدير صوب حاتم الذي رفع حاجبه بضيق وغضب واضح وقد بدا أن الحديث لم يعجبه، لكنه لم يكن له الحق ليتحدث، أما عن يحيى فاقترب يضع الغطاء على كتف حاتم وهو يربت عليه ببسمة مغتاظة :
_ اتدفى يا حبيبي اتدفى عشان لسه عايزينك .
رفع له حاتم حاجبه، ولم يتحدث سوى بكلمات مقتضبة :
_ مسلم كان على حق بخصوص هالموضوع .
_ موضوع ايه يا عنيا ؟؟
_ إنك ما تربّيت .
ختم حديثه وهو يرتشف من مشروبه البارد تحت أعين ويحيى الغاضبة والذي كان يحدق به بتحفز، وحاتم لأول مرة يستمتع باستفزاز أحدهم، والمشكلة أن هذا الأحدهم لم يكن سوى يحيى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الصمت هو الرفيق الثالث لهم، منذ خرج من البحيرة وهو يجلس على الجسر جوارها، مع وضع مسافة آمنة بينهما، ولا أحد تجرأ على التحدث بما حدث منذ دقائق .
_ أنتِ كويسة ؟!
كانت أول كلمة تصدر منه بعد كل شيء، أما عنها حركت نظراتها له قبل أن تهمس بصوت منخفض :
_ أنا....كويسة ...مكنتش هعمل حاجة، أنا بس ...لما بتضايق بعوم مش اكتر .
أبصرت ارتجاف يد مسلم قبل أن يرفع الأخير عيونه لها وقد مرت لمحة رعب عبرها، أخفاها ببراعة وهو يتحدث محاولًا تبرير ما فعل منذ ثواني بشيء منطقي، غير أن قلبه كاد يتوقف لانه ظنها غارقة .
_ كويس .
صمت وشعر أن تلك الكلمة الباردة كانت تدهور الأوضاع أكثر من تصليحها لذا أضاف:
_ متعمليش كده تاني، أنا فكرتك ...بتغرقي، ده خطر خاصة بليل كده ولوحدك.
رفعت عيونها صوب السماء وقد كانت تشعر بالهدوء بعد كل شيء :
_ ليه عملت كده ؟!
نظر لها بعدم فهم لتوضح له ما تقصد وهي تنظر في عيونه مبتسمة بسمة صغيرة :
_ قولتلي أنك عمرك ما كنت أمير وعلى طول الشرير، ليه عملت كده في عز الدين ؟!
أبعد مسلم عيونه عنها بسرعة يحاول ايجاد إجابة منطقية لما فعل، شيء لا يثير اعتقادات حول سببه الحقيقي والذي حتى الآن لا يجد له تفسير، لكنه في النهاية وجد نفسه يتحدث دون تحكم بنفسه :
_ كان هيأذيكِ .
وكانت كلمته كافية لتثير عاصفة داخل رايانا التي نظرت له بعيون ملتمعة بالدموع، تبتسم بسمة صغيرة وهي تنظر لكفها بتوتر :
_ كنت ...كنت هتصرف، بس شكرًا ليك، أعتقد كده أنا متداينة ليك بمرة و...
قاطعها وهو يستدير لها ينظر لها بهدوء شديد، قبل أن يقاطعها ببسمة جانبية وقد بدا أن موجة الهلع تلاشت جانبًا حينما تأكد أنها بخير جانبه :
_ طب أنا ضربت واحد رصاصة عشانك هترديها ازاي ؟!
مال برأسه وهو يتأمل ملامحها وعيونها البنية التي اتسعت بقوة من كلماته وقد تحدث عن الأمر بكل بساطة :
_ هتضربي حد عشاني بالنار ؟!
ابتلعت ريقها وهي تستشف نبرة لأول مرة تسمعها في صوته، نبرة مرح ولين، وقد شعرت أنه ربما يحاول أن يطيب خاطرها مشفقًا لما حدث معها .
_ مش بعرف اضرب نار، بعرف بس اولعها، لو تحب اولع ليك في حد ممكن اساعد .
ونعم كانت تلك آخر إجابة قد يتوقع سماعها من هذه الفتاة الهشة جواره، لدرجة أنه تراجع بعض الشيء مصدومًا وبسمة صغيرة غير مصدقة تملئ وجهه، لتهز هي كتفها بكل بساطة :
_ تحب اولعلك في بيت عمي ؟؟
اتسعت عيونه بقوة قبل أن يضحك بصوت مرتفع يظنها تمزح، لكن فجأة توقفت حينما أبصر نظرات الجدية تعلو وجهها، تحرك رأسها بهدوء وهي تهمس له بصوت منخفض :
_ فيه أرض بور في أول البلد فيها بقايا حروق اكيد مريت عليها وأنت جاي صح ؟؟
هز رأسه ببطء لتبتسم له بسمة صغيرة، ولم يكن بحاجة لأكثر من ذلك ليدرك ما تقصده، لكنها كانت من الكرم الذي يجعلها توضح أكثر :
_ في أرض عمي معتز ابو عز الدين .
ونعم وصلت الصورة واضحة ومؤكدة، لا يصدق أن لها من الجرأة لتفعل ذلك، هذه المرأة هنا توحي بالبراءة واللطف، الفتاة التي وقفت أمامه قبل أيام تطالبه بخجل أن يحضر لها بلورة ثلج، ليست نفسها التي تجلس الآن على مقربة منه وتخبره كيف أحرقت أرض عمها .
وعلى عكس كل توقعات رايانا التي علمت أن شيء كهذا سيخيفه وسيجعله يطلق عليها الأحكام، نبث بتفكير :
_ عمل ايه عشان يستحق تعملي فيه كده ؟؟
ونعم كان هذا مفاجئًا، لقد ... أحسن الظن بها في وقت حتى أقرب الاقربين أساؤوا لها به .
_ اكيد محرقتيش الأرض جر شكل مش كده ؟!
نظرت له ثواني قبل أن تهمس دون شعور :
_ لا، بس كل واحد بياخد جزاته، وهما اخدوا جزاتهم وقتها .
وهو فقط منحها هزة رأس صغيرة وبسمة اصغر مع كلمة واحدة بسيطة :
_ إذن يستحقون .
ونعم لم تفهم الكلمة لكنها ابتسمت له بسمة صغيرة، وهو نظر أمامه صوب البحيرة وأفكار تتصارع في رأسه حاليًا، كلمات حاتم واضطراب مشاعره الغريب، وسرعة ما يحدث حوله، كل ذلك يخيفه، لا يعلم ما سيحدث ولا يدرك أين سينتهي به كل هذا، لكنه قرر وبعد تفكير أن يفعل الشيء الوحيد الذي سيريحه الآن، يتبع رغبته دون تفكير بمنطقية ما يفعل .
سيتأكد أن لا أحد يمسها بسوء من قومها .
ولا يهتم بسبب ذلك، إن كان رغبة منه بتطهير نفسه من ذنب مزعوم قديم، أم رغبة خالصة من نفسه ليبصرها سعيدة دائمًا، أو نصرة لفتاة تكالب عليها الجميع.
_ شكرًا .
كانت كلمة نطقت بها أخيرًا بعد صمت، وهي تنظر له، كان مسلم كرجل يبدو لها مخيفًا قاسيًا، لكن حتى ذلك القاسي كان أشد لينًا من رجال كثيرين عرفتهم، إن اعدتهم رجال.
ابتسم مسلم وهو ينهض من مكانه بهدوء ينفض نفسه يسبقها أمام الجسر تاركًا لها الفرصة لتسير خلفه بهدوء دون أن تقلق لتأمله جسدها أو ما شابه .
_ خلينا نمشي من هنا عشان الوقت متأخر، وأنتِ محتاجة ترجعي ترتاحي .
ابتسمت بسخرية وهي تتبعه تضم نفسها من شدة البرودة التي أصابت جسدها وكأنها للتو استوعبت أن جسدها مبتل والجو بارد .
لكنها لم تتحدث ولم تعترض، بل سارت خلفه وهو يتحرك بين الطرقات بلا كلمة أخرى، فقط يمنحها كل الوقت لتفكر في حياتها، ويفكر هو بحياته وما سيفعل بعد هذه اللحظة، هو وقد نفذ ما يريده وزرع كاميرات ومسجلات صوت بمنزل البارو، الآن سيفكر في الخطوة الثانية وبكل تأني، خطوة تضمن له الانتهاء من كل هذا بسلاسة وسلام لعائلته ولنفسه ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع ما يزالون في انتظار مسلم في بهو المنزل وقد استبد بهم القلق، ساعات ولم يعد بعد .
رفع أحمد عيونه صوب حاتم يتحدث بجدية :
_ حاتم هو مسلم ماله، ايه اللي حصل وخلاه كده، وبلاش تقولي بيئة عمل وغيره، مفيش بيئة عمل مهما كانت تغير إنسان بالشكل ده .
صمت يشير صوب الباب حيث رحل مسلم منذ ساعات ولم يعد :
_ مسلم كان بيترعب من العنف وبيكره أي إنسان بيستخدم دراعه على حد، أنت مستوعب أنه رفع سلاحه وضرب رصاصة على راجل بلا هدف ؟؟
_ مسلم ما عمل هالشي بلا هدف، هو بس كان بدّه يحمي البنت و....
قاطعه أحمد بجنون :
_ من ايه ؟؟ وليه ؟؟ احنا مالنا ؟؟ مش هو برضو اللي قعد يقول مش عايزين نتعامل ولا ندخل أي ستات في الحوار ؟!
وحاتم نفسه لم يدرك كيف يقنعهم بشيء هو غير مقتنع به، فتلك النظرة التي أبصرها في عيون مسلم في تلك اللحظة لم تكن مجرد نظرة ربما يصدرها لامرأة يحاول مساعدتها، كان يبدو مختلًا، والخوف أن يكون مسلم قد ابتعد في مشاعره الحمائية تجاه تلك الفتاة إلى اللا عودة .
هو يخشى أن تكون تلك الفتاة من بين كل الفتيات قد استخرجت اسوء نسخ مسلم، نسخة مهووسة قد يدهس كل شيء لأجل أهدافه، ويتناسى في خضم ذلك كل ما تعهد عليه يومًا .
لذا هز رأسه بلا كلمة واحدة، فحتى هو لا يفهم سبب ما يحدث، ولماذا هذه الفتاة تحديدًا ؟!
_ أحمد أهدى، دلوقتي مسلم يرجع ونفهم منه اللي حصل .
كانت تلك كلمات عيسى الذي تدخل بضيق من صراخ أحمد، وتحدثه بهذه الطريقة عن مسلم وكأنه يهاجم أفعال شقيقه .
حرك احمد نظراته صوب عيسى وهو يتحدث من أسفل أسنانه :
- عيسى متجننيش أنت التاني أنا خلاص جبت اخري منك أنت وأخواتك والله .
- ما تتعدل يا أحمد كده وتبلع ريقك وتسيبك من اخواته وخليك يا خويا في نفسك، بعدين ايه الحوارات دي كلها عشان ضرب الراجل رصاصة؟! آمال لو كان قتله كنت عملت ايه ؟!
كانت تلك كلمات يحيى والذي اندفع بها يدافع عن شقيقه، لينظر له أحمد بجنون وقبل الصراخ قاطعه يحيى :
- بعدين يعني ما هو حيوان ويستاهل، اقسم بالله لو أنا اللي كنت هناك كنت طفحته اللي في رجلي .
ضرب أحمد كف بكف وقد علم أن كثرة الجدال مع يحيى لن يؤتي بأي ثمار، لذا صمت وهو يتنهد بصوت مرتفع يجلس على المقعد واخيرًا ينظر صوب حاتم وكأنه سيعترف بما لا يعلم تحت وطأة نظرات أحمد.
لكن حاتم فقط أبعد عيونه عن الجميع ينظر صوب الباب ينتظر عودة مسلم لهم ليعلم ما يحدث معه، ويفهم ما يفعله .
ــــــــــــــــــــــــــ
_ بشكرك أنا هكمل من هنا .
كانت كلمات قليلة رددتها حينما وجدته يكمل طريقه صوب منزلها مباشرة دون أن يتوقف، وكأنه زوجها جاء يحضرها لزيارة عائلتها.
توقف مسلم ثواني قبل أن يستدير ببطء صوبها ينظر لها بتردد :
_ هتكوني بخير؟!
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تتحرك تتخطاه بهدوء شديد دون كلمة واحدة، لكنه أوقفها فجأة بتردد :
_ فروشكا .
توقفت وهي تنظر له بترقب ليكمل هو بهدوء شديد :
_ لو ..حصل حاجة اقدر اساعد فيها، بلغيني .
ظلت تنظر له ثواني قبل أن تهز رأسها بهدوء رفضًا، هي لا تزال لا تصدق ما فعل بالطبع لأجلها، لو تأكد أحدهم أن الرصاصة كان هو سببها، سيدمرونه .
_ معنديش استعداد أزيد من ديني عندك، شكرًا لغاية هنا .
_ بس ده مش دين .
عاجلها بقوله وقد شعر بالضيق وهو يتخيلها في مأزق وحدها تحارب، دون أن تجد مساعد لها فقط لأنه بكل حمق وصف مساعدته لها برد الدين مسبقًا :
- اعتبريه خدمات مجانية لحسن تعاملكم معانا، أنت زبونة عندنا برضو .
ختم كلماته ببسمة صغيرة وقد آلمه قلبه أن تكون فتاة وحيدة بهذا الوجع، بدا له أنها تحارب كامل قومها وحدها .
أما عنها فابتسمت بسمة صغيرة :
_ محدش في المكان هنا هيقدر خدماتك صدقني، عشان كده لو حابب نصيحتي ليك، فاهرب منهم، لأن القرية دي اللي فيها عمرهم ما هيسكتوا ليكم، ولا هتتهنوا على حياتكم طول ما هما موجودين .
رفع حاجبه من كلماتها التي بدت تحذيرية، هل تظنه يخشى قومها، لكنه يعذر جهلها بحياته مسبقًا، فلو أدركت قذارة من تعامل معهم مسبقًا لعلمت أن قومها لا شيء مما رأى مسبقًا .
_ معلش أنا بحب وجع القلب .
رفعت حاجبها مبتسمة على إجابته وهو أخذ ينظر لها دون أن يحرك عيونه عنها، يتأملها وقد كانت ما تزال ترتدي ثوبًا غجريًا يتميز باللون والاسود والاحمر مع بعض المشغولات الذهبية التي تزين شعرها والتي تأثرت بسبب المياه وفسد ترتيبها .
_ أنتِ عارفة طريق البيت مش كده ؟!
_ بيتي ؟؟
_ لا، بيتي .
ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تعود بظهرها للخلف ترفض أن تثق به مرة ثانية، ترفض أن تحلم للمرة الثانية ولم تُشفى بعد من الضربة الأولى التي تلقتها منه :
- معتقدش إني هحتاج منه حاجة تاني .
تنهد وهو يمسح وجهه وقد أبصر نظرات خيبة الأمل التي قتلته في الصباح اليوم، يحاول التحدث بنبرة مرهقة بالفعل :
_ فروشكا أنا....صدقيني أنا عملت كده عشانك، أنا هساعدك عشان أنا مش حابب أنك تتأذي من حد، بس ...
صمت ولم يستطع التحدث بكلمة إضافية، وهي فهمت ما يريد قوله، يخشى أن تتعلق به وتتوجع، وفي الواقع هو محق في النهاية، أولم تكد بالفعل تفعل ؟؟
هزت رأسها بتفهم وهي تتحدث بجدية :
_ وعشان كده مـ ....
وقبل اجابتها على كلماته سمعت صوتًا يقترب منهما لتجذبه بسرعة بعيدًا عن الطريق الرئيسي صوب شجرة جانبية وارفة الاوراق تخفيهما بالتواطؤ مع الليل .
أما عنها فقد مالت برأسها تحركها على الطريق تراقب ما يحدث تبصر جسد تعلمه جيدًا، شخص تدرك هويته خير الإدراك .
اتسعت عيونها وهي تبصر الشخص ينظر صوب جهتها لتبعد وجهها بسرعة تختبأ خلف الشجرة، ومسلم كان يقف خلفها يراقبها بعدم فهم يتحدث بكل برود :
- حصل ايــ
_ اسكت فيه حد هنا .
_ حد مين ؟! وخايفة ليه منه ؟!
_ مرات عز الدين .
اتسعت عيون مسلم بشدة وقد شعر بشيء خاطئ وهو يتحدث بتعجب :
- عز الدين ده اللي كان عايز يتجوزك ؟؟ هو متجوز ؟؟
ابتسمت بسخرية وهي ما تزال تنظر صوب زوجة عز الدين وهي تقف على بداية شارعهم تتحدث مع أحدهم بصوت منخفض وقد كان ذلك الاحدهم يخفي وجهه بشكل مثير للريبة.
_ دي التانية، كان متجوز قبل كده وطلقها، ودي التانية .
_ وكان عايز يتجوزك ؟؟
يتحدث بصدمة وكأن هذه أشد أفعال عز الدين قذارة، لكنها هزت رأسها بهدوء وهي تخبره باختصار ما حدث :
_ المرة الأولى اتجوزها بأمر من امه والتانية عِند فيا بعد ما فشكلت جوازنا .
ونعم كانت حقائق كثيرة لا يستوعبها مرة واحدة :
- جوازكم ؟؟
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تسمع صوته المصدوم، تستدير له واخيرًا بعدما أبصرت المرأة تختفي وتتحرك صوب منزلها :
_ دي مش أول مرة يحاول عز الدين أنه يتجوزني ..
ختمت حديثها بعدما استدارت فجأة ليشرد بها مسلم، قبل أن يردد بهدوء :
_ ووالدك ليه يوافق على كده، طالما رفضتيه مرة ليه يحاول تانية ؟!
ابتسمت وهي تردد بصوت عادي وكأنها تخبره بأحوال الطقس في قريتها خلال الأسابيع المنصرمة :
_ عشان هو مجبور من عمي وعز الدين، ده غير أنه عارف إني لو متجوزتش عز الدين فأنا هعيش طول عمري وحيدة .
_ تعيشي وحيدة ؟؟
كانت كلمة غريبة اغرب من كل الحقائق التي نطقتها للتو، فهو ومنذ ابصرها للمرة الأولى كان يدرك أن هذه المرأة لا بد أنها مطمع رجال قريتها باكملهم، حتى أنه سمع النساء يطلقون عليها ساحرة ليعتقد أن السبب هو أنها تسحر الرجال بطلتها .
ضحكت رايانا ضحكة صغيرة وهي تبتعد عن الشجرة :
- حوار طويل بس اختصارًا، مفيش راجل في القرية مستغني عن عمره وشبابه عشان يتقدم ليا بعد اللي حصل لأول واحد.
أول واحد ؟! يرفضون التقدم لها خوفًا ؟!
والفكرة الوحيدة التي فكر بها نطق بها في نفس اللحظة :
_ عز الدين السبب ؟!
ابتسمت بسمة واسعة وهي تشير على نفسها تغمز له غمزة صغيرة وهي ترفع يديها بمزاح :
_ بل ساحرة الغجر هي السبب .
ختمت كلماتها غير المفهومة تتركه مهرولة صوب منزلها دون كلمة إضافية، وهو يراقب أثرها بعدم فهم لما نطقت به، ما معنى ساحرة الغجر هي السبب ؟!
ثم هل أصاب العمى رجال قومها ؟!
ابتسم وهو يهز رأسه بعدم اهتمام، لا علاقة له بما يحدث هو هنا بسبب سينهيه ويعود لينظم حياته ويرتبها، ويحصل له على حياة هانئة هادئة بعيدًا عن أي صراعات .
وربما يحصل على زيجة تقليدية يحفها الود والهدوء، ربما يحصل على زوجة ...زوجة جميلة بجمال الفروشكا.
ــــــــــــــــــــــــ
كان الجميع يجلس على أعصابه في انتظار عودة مسلم، والقلق منتشر على ملامح الجميع مما يمكن أن يكون قد فعل لذاته في حالة الغضب هذه، وخاصة حاتم الذي يعلم ما الذي يحدث تاليًا حينما يصل مسلم لهذه النقطة .
صوت الأنفاس هو فقط ما يمكن سماعه في المكان، لا شيء آخر يعلو ذلك الصوت، حتى قاطعه صوت خطوات قوية ترن في المكان .
رفع الجميع عيونهم ببطء صوب بوابة المنزل والتي كانت مفتوحة كعادتها، لتتسع الأفواه بتشنج واضح وهم يبصرون مسلم يدخل المنزل عليهم بحقيبة بيضاء وبسمة واسعة وكأنه كان في رحلة للتبضع .
اقترب منهم الأخير بكل هدوء ومزاج صافٍ يضع ما اشترى لهم أمامهم وهو يشير عليه بهدوء :
_ جيبت ليكم شوية تسالي عشان اليوم، تصبحوا على خير، بكرة هقولكم الخطوة الجاية .
ومن ثم ؟؟
رحل، نعم بهذه البساطة بعد كل ما حدث وفعل اليوم أوصل لهم بعض الحلوى ورحل، لم يكن ينقصه سوى أن يرفع كفه ويداعب خصلاتهم بحنان كما يفعل مع قط صغير يراضيه .
دخل الغرفة واغلق الباب بهدوء والجميع كانوا ينظروا للباب بصدمة وملامح غير مصدقة لبساطة تصرفه، خاصة حاتم الذي كان يدرك يقينًا أن مسلم بعد موجة غضب كهذه سيكون أي شيء، غير هذا الشخص الذي تحرك للداخل منذ ثواني .
_ ايه اللي بيحصل ده يا حاتم ؟!
ونعم كان الجميع يعامل حاتم طوال الوقت كما لو أنه والدة مسلم والشخص الوحيد الذي يدرك الخطوة التالية، لكن حتى حاتم عجز عن توقع خطوات مسلم منذ جاءوا لهذا المكان، أو تحديدًا منذ ابصرها...
_ والله مش فاهم شو اللي بصير، هاد مش اللي متعوّد عليه من مسلم، توقّعت أي شي إلا هالهدوء.
تشنجت ملامح يحيى برفض لهذه الكلمات وهو ينهض من مقعده :
_ يعني ايه ؟؟ لما أنت مش متوقع اللي بيعمله آمال مين فينا هيتوقع ؟؟ اخويا ايه اللي حصله ؟!
استدار صوب أحمد بسرعة ليتراجع الأخير للخلف بتحفز لجنون يحيى غير المتوقع، والاخير رفع كفيه في الهواء محركًا إياهم كسيدة في أواخر عمرها تتشاجر مع البعض في حارة :
_ عملتها واستريحت يا ابن تفيدة، عملتها واستريحت، جننتلي الولد الحيلة ؟؟ روح منك لله يا أحمد يا ابن تفيدة .
نظر صوب عيسى الذي كان يتابع ما يحدث بهدوء شديد يجذب ذراعه بقوة وهو يشده نحوه :
- قوم يلا نشوف اخوك مبقاش لينا كلام مع الناس دي .
ختم حديثه يجذب عيسى معه صوب غرفة شقيقه تاركًا الجميع ينظرون لاثره بصدمة كبيرة، قبل أن يعود بسرعة وهو مايزال يجذب ذراع عيسى معه، يختطف حقيبة الحلوى من الطاولة مرددًا بشراسة وكأنه يوأد أي اعتراض غير منطوق :
_ بتاعة اخويا .
ومن ثم رحل صوب غرفة مسلم ومعه عيسى والجميع ما يزال جامدًا في البهو يتابعون العبث الذي يحدث حولهم بدون فهم .
حاتم ينظر صوب غرفة مسلم يود التحرك لها ومعرفة ما يحدث معه ومناقشة أفعاله بهدوء، لكن دخول يحيى وعيسى لها حال ما دون ذلك، لذا نظر صوب أحمد الذي كانت ملامحه ما تزال مصدومة من طريقة سير الأحداث حوله، كانت ساحة المنزل كما السيرك في هذه اللحظة .
ابتسم حاتم بسمة صغيرة وهو يتنحنح :
_ رح أروح أطمّن على مسلم، وأتأكد إنه لسه محتفظ ببقايا عقله.
أنهى جملته وهو يزيد من خطواته بسرعة يمر من بينهم صوب غرفة مسلم يقف جوار يحيى وعيسى اللذين كانا يحاولان فتح الباب .
_ افتح يا مسلم خلاص هزقتلك عيال خالتك تفيدة، افتح يلا مفيش حد غريب هنا .
نظر حوله بين عيسى وحاتم قبل أن يقول :
_ غير عيسى .
ارتفع طرف شفاه عيسى وهو يردد بعدم فهم :
_ غريب ؟!
_ اه غريب حد لسه بيلبس بناطيل ميلتون في الجو ده ؟؟ بعدين ايه شعرك المنكوش ده، ابقى فكرني اديك شوية صابون سايل تليسهم بيه .
فجأة فُتح الباب وظهر أمامهم مسلم دون أي ملابس سوى شورت قصير فقط يرفع حاجبه، ليطلق يحيى صرخة مرتفعة وهو يجذب عيسى له يخفي عيونه بيده :
- يا اخي استحي على دمك هتفسد الحيلة.
رفع مسلم حاجبه بسخرية وهو يتنحى من أمام الباب تاركًا إياه مفتوح لهم، أما عن حاتم فلم يعلق بكلمة وهو يتحرك للداخل وقد اعتاد على رؤية مسلم بشورت طويل نسبيًا، أكثر مما أبصر بثياب كاملة .
_ يحيى مش ناقص على المسا الله يكرمك، أنا دماغي مصدعة اساسا .
تحرك يحيى داخل الغرفة وهو يترك عيسى جانبًا، يجلس على فراش مسلم أمامه:
_ معلش مجاتش على صداعي يعني يا مسلم، أنا بس عايز افهم حاجة واحدة، اللي أحمد قاله ده صح ؟؟ بجد أنت ضربت الراجل بالرصاصة عشان البنت إياها اللي كانت معاك .
_ فروشكا .
كانت كلمة محذرة ولم يعجبه أن يشير لها بهذا الوصف الذي اشعره أنها فتاة نكرة، ليس وكأن هذا اسمها الوحيد، لكنه اختاره لأنه الشيء الوحيد الذي يعلمه لها، ويليق بها .
لكن يحيى ابتسم بسمة واسعة وقد وصل لما يريد من شقيقه يميل عليه وهو يهمس بصوت خافت كي لا يجرح مشاعر عيسى البرئ :
_ حبيتها ؟! اروح اخطفها ليك ؟!
اتسعت عيون مسلم من كلمات شقيقه واستدار بسرعة صوب حاتم الذي ابتسم بسمة جانبية ساخرة حينما أبصر نظراته وقد تأكد من أفكاره، مسلم لا يشفق على الفتاة كما كان يعتقد .
وحسنًا هذا كان اسوء بكثير، فهذه الفتاة إن وضعها مسلم بعقله موضع العزيز والغالي، فقد انتهت ايام حريتها بعيدًا عن عيونه .
_ قول متتكسفش، عادي على فكرة .
_ يحيى أنت سامع بتقول ايه ؟؟ أحب مين ؟! وايه اللي عادي في إني أحب بنت بعد ما اشوفها باسبوع ؟؟وليه اساسا ؟؟
هز يحيى رأسه بهدوء شديد وقد كان مقتنعًا تمام الاقتناع أن ما يحدث عادي للغاية وهو في حياته يؤمن بالحب من النظرة الأولى أو ربما الثانية، لكنه مؤمن وبشدة بالحب السريع ولا يجد به سطحية .
_ الحب من النظرة الأولى يا مسلم، مقتنع إن الحب مش محتاج غير ثواني عشان تعرف إن اللي قدامك ده هو الشخص اللي أنت بتحبه .
ومسلم قاطع كلماته باقتناع تام وثقة فيما يتحدث به :
_ الحب من النظرة الأولى، دي كلمة بيبرر بيها الناس إعجابهم الشهواني بشكل حد، أصل أنا هحب ايه في شخص من نظرة واحدة غير شكله؟؟ حب سطحي وفارغ يا يحيى .
لكن يحيى هز كتفيه بعدم اقتناع :
_ العالم ده مليان بنات حلوين يا مسلم، اكتر مما تتخيل .
_ طبعًا أنت خبرة في كده .
ضحك عيسى بصوت مرتفع وهو يردد بسخرية لاذعة :
_ خبرة ايه ده طينة، كان بيجي قدام البنات ويتخرس، هو بس بيكلمك من واقع خبرته في الروايات الإنجليزي الرومانسية اللي كان بيهربها بين كتبه .
ونعم كانت هذه حقيقة جديدة لجانب آخر لا يعلمه عن يحيى، يحيى شقيقه العزيز لم يتعرف بفتاة تعارفًا جادًا ويقرأ روايات رومانسية .
أما عن يحيى نظر بشر لعيسى والذي سجل لتوه هدفه الأول في مرمى يحيى، ولولا الموقف بأكمله لكان سجد الآن ارضًا يحتفل به .
أما عن يحيى فقد اشتدت نظرات عيونه :
_ المهم، اللي أقصده من كلامي، إن العالم ده مليان بنات حلوين، وكون أنك كنت في امريكا اكيد شوفت بنات احلى واحلى من البنت دي .
_ فروشكا، ومش حابب عامة موضوع أننا نخليها محور الحديث فغير الكلام .
اتسعت بسمة يحيى أكثر وهو يقترب من شقيقه يهتف له بهدوء :
_ لو كان الحب من أول نظرة سببه اعجاب سطحي بالشكل، كان ممكن تحب أي واحدة حلوة من أول نظرة، اشمعنا دي بقى ؟!
_ اقولك اشمعنا ومتزعلش ؟!
_ مش هزعل متقلقش، قول .
زفر مسلم بصوت مرتفع وهو يتحدث بجدية ينهي هذا الجدال الذي لم يكن يرى به أي فائدة تُذكر :
_ يحيى خلصنا، أنا لا بحب فروشكا ولا غيرها، ممكن اكون بقدر شخصيتها ومعجب بطريقة تعاملها مع اللي بيقابلها، بس أكيد اكيد مش حب .
انطلقت ضحكة من فم حاتم، ليتسدير له مسلم بشر :
_ بتضحك على ايه أنت ؟!
_ ولا إشي يا خوي، بس تذكّرت شغلة بتضحّك فجأة.
ختم حديثه وهو ينفجر بالضحك، ثم تحرك يجلس جوار مسلم على الفراش يتحدث بجدية وبصعوبة من بين ضحكاته :
_ من معرفتي بمسلم، مستحيل يوقع بحب البنت بهالسهولة، فلا تحاول تقنعه إنه حبها بأسبوع.
هز مسلم رأسه وقد تنفس الصعداء أن هناك من يفهمه في هذا المكان، ويدركه حقًا ويعلم ما يفكر به دون الحاجة للتبرير والحديث الطويل، هو لم يكذب أنه معجب بشخصية الفتاة وطريقتها في العيش.
حينًا برقة البتلات وهشاشة الاطفال .
وحينًا بصلابة الصبار وشراسة النيران.
حتى في حالتها الشرسة، لم تكن امرأة سيئة، كانت شراستها مصطنعة وكأنها طريقتها للتكيف على الحياة حولها .
لكنه كما قال لن يجلس ويشرح كل ذلك لهم، ولن يقضي وقته القادم يوضح له الفرق بين إعجابه بشخصيتها وحبها، ويشكر الله على وجود من يفهمه بينهم والذي كان حاتم .
أما عن حاتم فأكمل بجدية وبهدوء :
_ زي ما قلت، هو مش رح يوقع بحبّها بهالسهولة، عطوه بس كم يوم زيادة وبيصير.
ختم حديثه بجدية لينفجر يحيى بالضحك بينما مسلم انتفض من مكانه بسرعة في اللحظة التي هرب بها حاتم للخارج وهو يصرخ بالجميع أن ينقذه .
ومسلم يركض خلفه وقد أصابته كلماته بالجنون أكثر من كلمات يحيى .
وحاتم بمجرد أن خرج وابصر نورهان تراقب مع أحمد بصدمة ما يحدث، حتى استدار بسرعة يلقي نفسه بين أحضان مسلم يدفعه للخلف مجددًا صوب الغرفة، كان الأمر أشبه بتضحية بطولية في سبيل ألا تبصر نورهان جسد مسلم العاري .
وحسنًا هو كان أخوها في النهاية، لكن مظهره لم يكن مقبولًا بالمرة لحاتم أن يسمح لنورهان برؤيته بهذا الشكل المخجل .
ومسلم لم يفهم ما يحدث اذا وجد نفسه بين أحضان حاتم والأخير يعود به للغرفة تحت أعين يحيى الذي ردد ببسمة ممازحة لعيسى وبصوت منخفض لا يصل لحاتم :
_ قولتلك الاتنين دول مش مظبوطين .
وفي الخارج تحرك أحمد ليرى ما يحدث وقد ارتفعت أصوات الشجار والصراخ من الغرفة ونورهان تقف جانبًا تراقب بطرف عيونها ما يحدث بين حاتم ومسلم وهي تكتم بسمتها، فقط كان الاثنان يتشاجران كمان الأطفال.....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كان صباحًا ظنت أنه سيكون الاسوء في أيامها، لكن الله قدّر ويسّر لها الليلة الماضية والتي كانت ستنتهي إما بزواجها عنوة من عز الدين، أو قتلها على يده لأنها اعترضت .
لكن قدر الله فوق كل شيء، وها هي تتنفس هواء صباحها حرة وحية .
انتفضت على صوت هاتفها، اخرجت من أسفل الوسادة وهي تتحدث ببسمة صغيرة وحب :
_ سيڤو .
_ رايانا، ممكن تيجي ليا ؟؟
انتفضت رايانا من نبرتها التي وصلت لها مريضة أو مكسورة، لا تعلم ما حدث لصديقتها، لكنها اندفعت من غرفتها دون الاهتمام بشيء، أو حتى بالاضراب الذي كانت تقرر القيام به منذ الصباح لتخبر به والدها أنها لن تقبل أن يتلاعب بحياتها مجددًا .
تتحدث في الهاتف وهي تندفع للخارج بسرعة كبيرة :
_ طيب ..طيب ساڤا أنا اهو في الطريق، طب أنتِ كويسة ولا اجيب ليكِ حاجة وأنا جاية ؟؟
اجابتها ساڤا بصوت مختنق :
_ لا بس تعالي أنتِ يا رايانا .
_ حاضر ...حاضر يا حبيبتي أنا في الطريق اهو .
وبالفعل أسرعت بخطواتها لا تهتم بأحد، ولا بأي حديث وقد اعتادت بالفعل على كل ذلك، لذا سارت في طريقها دون أن تحيد بنظراتها عن هدفها حتى وصلت أخيرًا لمنزل ساڤا، اخرجت مفتاحها الذي تحتفظ به معها طوال الوقت تحسبًا لحدوث شيء للأخيرة .
تحركت داخل المنزل الهادئ وهي تهتف بصوت مرتجف من الخوف :
_ ساڤا، ساڤا أنتِ فين ؟!
_ المطبخ .
كانت كلمة ضعيفة خرجت من فم ساڤا، لتتحرك رايانا بسرعة صوب المطبخ، لكنها فجأة توقفت وهي تبصر بأعين متسعة جسد ساڤا ملقى ارضًا في ثياب قليلة وحولها بقايا طعام و...قئ .
بكت ساڤا وهي تشعر بجسدها وقد شُل من التعب، فبعد نوبة الامس من الأكل والقئ، سقطت ارضًا من التعب ولم تستطع التحرك حين استيقظت ولولا رحمة الله بها أن كان هاتفها جوارها، لما استطاعت الوصول لرايانا.
كانت تشعر بالخجل والقرف مما فعلت بنفسها تهمس بصوت مكسور :
_ رايانا أنا آسفة، أنتِ بس ساعديني اتحرك وأناةهـ...
لكن رايانا لم تهتم بما تقول، وهي تضع هاتفها على طاولة المطبخ تندفع صوب ساڤا بسرعة تجذبها بحنان صوبها، وساڤا تقاوم ترفض أن تلوث ثوب رايانا، لكن الأخيرة لم تهتم وهي تهتف بحنان :
_ تعالي ياقلبي، قومي براحة يلا، تعالي .
وشاڤا فقط تحاول دفعها :
- شدي ايدي بس يا رايانا، شديني وانا هبقى .....
_ اشش أهدي يا ساڤا، اتحركي معايا يلا .
وبالفعل تحركت ساڤا معها ببطء، تنهض بصعوبة وقد أبصرت تلوث ثوب رايانا بالكامل، لتسقط دموعها بعجز وقهر، تتحرك مع رايانا التي سحبتها لمرحاض منزلها تجلسها هناك وخرجت بسرعة تحضر لها ثياب نظيفة ومن ثم عادت وجهزت لها مياه دافئة، وتركتها بكل هدوء وهي تتحدث بلطف :
- خلصي وناديني هستناكِ برة ماشي ؟؟
هزت لها ساڤا رأسها وهي تخفضها ارضًا تخفي دموعها بصعوبة، لتقترب منها رايانا تربت على شعرها بحنان مقبلة رأسها بحب .
ومن ثم خرجت تحركت صوب المطبخ وبدأت تنظف كل شيء في المكان، تعلم أن ساڤا الآن تحيا جحيمها الخاص داخل المرحاض، كانت هي الوحيدة التي تشعر بها، فكلٍ منهما نال نصيبه من الوجع في الطفولة وإن اختلفت الأسباب، كلاهما افتقدا السند والأمان.
انتهت بعد دقائق طويلة، وتحركت لتسخين بعض اللبن لساڤا، وبعض الفواكه، ومن ثم تحركت صوب غرفتها تراها تخرج من المرحاض وقد نظفت نفسها تحمل ثوبها المتسخ لتضع رايانا الصينية على الطاولة وتحمل منها الثوب :
_ هاتي هحطهم في الغسالة، روحي أنتِ افطري.
رفضت ساڤا وكادت تجذب منها الثوب الملوث، لكن رايانا أصرت وهي تشير للطاولة :
_ يلا يا ساڤا عشان تاخدي علاجك .
_ هروح بس انضف الـ
- خلصت كل حاجة، يلا خلصي فطارك وأنا جاية .
ابتسمت لها ساڤا بامتنان وهي تتحرك لتجلس على المقعد أمام الطاولة بهدوء، تنظر للطعام دون رغبة حقيقية، هي تمتلك مع الطعام علاقة مضطربة، لا تلجأ له إلا في حالات معينة، وحينما تلجأ له، تدمر به نفسها .
عادت رايانا تجلس جوارها وهي تتحدث بحنان :
- افطري عشان العلاج يا ساڤا يلا .
استدارت لها ساڤا بعيون دامعة، قبل أن تعانقها بقوة :
_ رايانا ربنا يديمك ليا، أنتِ لو مش موجودة أنا كان زماني مت من زمان ومحدش عرف عني حاجة .
_ بعد الشر يا سيڤو، أنا مليش غيرك أنتِ وجدتي وشيما .
وترفعت عن ذكر اسمه، فهي حتى لا تدرك ما موقعه في حياتها .
أما عن ساڤا فلم تكن تمتلك سواها قولًا وفعلًا، لذلك حينما هددت سُكينة بشأنها كانت تتحدث الصدق، هي على استعداد لقتلهم جميعًا إن كان هذا سيريح رايانا، كانت رايانا هي الشخص الوحيد الذي تمتلكه في هذه الحياة ولم تكن على استعداد لخسارته، وتقسم بالله أنه لو لم توقف رايانا الزفاف بنفسها، لكانت اخرجت خنجرها الذي احتفظت به في فستانها البارحة وزرعته في قلب عز الدين .
ربتت رايانا على خصلات شعرها بحنان وهي تهمس :
_ تفتكري ممكن يجي اليوم اللي نتحرر فيه من كل ده يا ساڤا ؟؟
ابتسمت ساڤا بتعب، ربما تمتلك رايانا الفرصة لذلك، أما عنها فأنى لها الحرية بعد كل ما حدث لها ؟!
لم تكد تجيب حتى سمعت رنين هاتفها يأتي من المطبخ، فابعدت عنها ساڤا بلطف وهي تتحدث :
_ تلاقيها شيما استغربت اني مش موجودة، هرد عليها اطمنها واجيلك .
وبالفعل تحركت صوب المطبخ تاركة ساڤا تراقب الطعام بهدوء وهي تتذكره، ذلك الرجل الذي جعلها تدرك أن الأمر لم يكن بهذه الصعوبة، فقط كانت تحتاج لرجل يحميها في حياتها، رجل واحد مثله، انسانةواحد، لكنها لم تحصل عليه .
تنهدت تحاول أن تبعد هذه الأفكار عن رأسها في اللحظة التي صدحت بها صرخة رايانا من المطبخ .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يحيى اصحى ...فيه حد عايزك برة .
فتح يحيى عيونه بانزعاج وقد كاد يقتل عيسى في هذه اللحظة، لكنه فتح عيونه بصعوبة يصرخ بضيق :
_ مين ده اللي عايزني أنتم ليه محسسني أننا في رحلة، مين هنا اللي هيعوزني غيركم ؟!
نظر عيسى حوله قبل أن يقول ببسمة واسعة :
_ بنت ...جميلة اوي، سألت عنك برة .
انتفض جسد يحيى بصدمة وهو ينظر له بعدم :
_ بنت عايزاني أنا ؟! بنت من هنا ؟!
_ أيوة هي بتقول عايزة الشاب اللي شعره منكوش، فلما خرجت ليها قالت لا التاني الأكبر.
تشنجت ملامح يحيى وارتفع طرف شفتيه بضيق ولم يتوقف سوى عند كلمة واحدة وهو يتحسس شعره :
_ المنكوش؟
انتفض يبعد الغطاء عن جسده يخرج من الغرفة بملامح ناعسة وعدم الفهم يسبقه صوب ساحة المنزل الأمامية حيث كان الجميع يراقب الفتاة بترقب لا يفهمون من هذه وما علاقتها بحيى .
وبمجرد أن خرج يحيى من المنزل حتى ابصرها تقف هناك بنفس الهيئة، ثوب يغلب عليه اللون الاخضر مع ضفيرة طويلة هذه المرة، وبسمة صغيرة .
تحرك صوبها وهو يقول بعدم فهم :
_ أنتِ ؟؟ أنتِ بتعملي ايه هنا ؟؟
اعتدلت كارا في وقفتها وهي تنظر له بهدوء وخجل :
_ اسفة لو ازعجتك من الصبح، بس ده الوقت الوحيد اللي بقدر اخرج فيه في اليوم .
نظرت ارضًا قبل أن ترفع عيونها له تكرر بصوت منخفض خجلًا من الموقف برمته، تشعر بالغباء لفكرتها، لكن كانت تلك الوسيلة الوحيدة لإنقاذها من ذاك المأزق .
_ أنا بس حبيت اشكرك على مساعدتك ليا آخر مرة و....
صمتت وهي تخفض صوتها ويحيى ما يزال ينظر لها بأعين شبه مغلقة لا يستوعب ما يحدث أمامه، الفتاة لم يبصرها سوى مرتين تقريبًا .
_ كنت طالبة منك خدمة لو تقدر تساعدني .
رفع حاجبه وهو ينظر خلفه صوب الجميع والذين كانوا يتابعون بفضول شديد ما يحدث أمامهم .
أما عن كارا فسارعت تضيف :
_ أكيد بمقابل، هتساعدني في اللي هطلبه منك بمقابل طبعًا .
استدار لها يحيى مجددًا يحاول فهم ما تريده :
_ حاجة ايه دي إن شاء الله ؟؟
ابتسمت بكل براءة وهي تهتف ببساطة :
- عايزاك تخطف حد .
رمش يحيى وهو يستدير صوب الجميع وقد علت البلاهة ملامح الجميع، وكلام الفتاة جعلهم يبدون كما لو أنهم عصابة من قطاع الطرق ينفذون الأعمال الإجرامية بمقابل مادي .
_ افندم ؟!
_ اللي سمعته ..
_ لا اللي أنا سمعته هعمل نفسي مسمعتوش وأنتِ عليكِ تقولي كلام تاني غير اللي قولتيه لأني مش هعمل الهبل ده، أو تتحركي من هنا.
اشتعل غضبها وشعرت برغبة عارمة في ضرب وجهه، لكنها رغم ذلك تمالكت نفسها فهي في النهاية تحتاجه وتحتاج مساعدته :
_ هساعدك في اللي أنت عايزه من البارو، مقابل الشيء البسيط ده .
-بسيط ؟! بسيط ؟؟
كانت يتحدث ببسمة غير مصدقة وهو يشير بتشنج عليها :
_ من امتى الخطف كان حاجة بسيطة؟! أنتِ مجنونة ؟!
نظر خلفه للجميع في هذا الجنون، لكن الجميع كانوا متشنجين بشكل مضحك بأفواه مفتوحة، الفتاة تطالبهم بمساعدتهم في خطف أمرأة وكأنه شيء بسيط طبيعي .
زفر يتجاهل الجميع يعود بنظره لها وهو يحاول أن يهدأ .
_ حطي شرط تاني غير ده لاني مستحيل اخطف ست، ومش بس كده من فرحها كمان؟؟ أنا مش فاهم كمية الشر والحقد اللي في قلبك دي، عايزة تكسري فرحة واحدة يوم فرحها ؟!
نظر في عمق عيونها يهتف بصوت ثلجي :
_ اوعي يكون الحوار عشان العريس عاجبك ؟!
رفعت حاجبها ليتمتم هو متسائلًا بفضول :
_ العروسة دي تبقى مين بالظبط ؟!
ضمت يديها لصدرها تجيبه ببسمة واسعة :
_ تبقى أنا.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تهرول بين الطرقات للمرة الثانية لهذا اليوم، لكن هذه المرة في الطريق المعاكس، لا تصدق ما سمعت في الهاتف من شيما، شعرت بقلبها يكاد يتوقف وهي تهرول صوب منزلها مرة ثانية بعدما اطمئنت على ساڤا .
وصلت لتتوقف ضربات قلبها وهي تبصر الكثير والكثير من الرجال يحيطون بمنزلها، شعرت بالأرض تدور من أسفلها، ارتجف جسدها وهي تتحرك ببطء من بين الجميع وقد انشق التجمع يفسحون لها الطريق لتمر، ولم يكن الأمر احترامًا بقدر ما كان خوفًا وتلاشيًا لها .
وصلت واخيرًا لعتبة منزلها، تقف عليها وهي تبصر أمامها الضربة التي ستحطم عالمها بالكامل، ارتجف جسدها وهي تسمع صوت عمها يعلن في هذه اللحظة ما جعل جسدها يتيبس بالكامل وعيونها ينطفئ منها بريق الحياة، خاصة حينما أبصرت نظرات عز الدين التي توقفت عليها وقد كانت ملئية بالتوعد، وصوت والده يصدح في المكان بأكمله بقوة :
_ وبكده يا ســـــادة وبما أننــــا كلنـــا متفقين إن عزيــــز اخويــــا لا يصلح بالمرة يكون بـــارو علينا، قررنـــــا وبالاجماع اعــــلان اني أنا هكون البـــارو على أرض الــــــــــدوم من اليـــــوم وطالــــع.........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهما تَظاهرنا بالتَّجلّد، فلكُل إنسان منّا أمرٌ يؤلمه البَلاء فيه أكثَر من غيره؛ فَيَكون أعظم امتحاناته في تلك التي يُكرّر في دعواته "يا رَب إلا هَذه."
- بدر آل مرعي
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملة من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق