القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السابع وستون 67 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات

 

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السابع وستون 67 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات






رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السابع وستون 67 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات



 


 


 


ـ ٦٧ ~ قاضي.. وجلاد ! ~




بعد ليلةٍ طويلةٍ قضاها حسن في محاولاتٍ متكرّرة لإقناع عمر بالعودة إلى المنزل، باءت جميع مساعيه بالفشل. لم يقتنع عمر، وظل متمسّكًا بقناعته أن هذا هو السبيل الوحيد لإجبار والده على الخضوع لشروطه، وأنه لن يعود إلى الفيلا ما دامت تلك اللعينة باقية هناك، أمام عينيه، وكأن والده تعمّد إبقاءها لتذكيره في كل مرة بذلك الذنب اللعين الذي اقترفه.


للمرة الأولى، وجد حسن نفسه عاجزًا عن إقناع عمر بشيء. وبرغم رغبته الصادقة في احتواء الأمر وإنهائه، إلا أن جزءًا داخله كان يدرك أن عمر مُحق، لذلك لم يُلحّ أكثر، وتركه على حاله، وعاد إلى الفيلا مثقلًا بالتفكير.


لم يتوقف عقله طوال الليل عن الدوران؛ كان منشغلًا بعمر، بمستقبله، وبمستقبل الطفل، وبما يُضمره والده حقًا. هل ما يفعله بدافع مصلحة الطفل فعلًا؟ أم أن هناك أمرًا آخر، خفيًا، لم يُفصح عنه بعد؟


وبعد محاولاتٍ بائسة لأن يغمض عينيه ولو لساعاتٍ قليلة، استسلم حسن للأرق. نهض من فراشه مع أول خيوط الصباح، وخرج من غرفته ينوي الذهاب إلى المزرعة، علّه يستنشق بعض الهواء النقي في هذا التوقيت المبكر، لعلّه يهدّئ صخب الأفكار الذي لم يهدأ داخله منذ الليلة الماضية.


وبينما كان قد استقل سيارته قاصدًا مغادرة الفيلا، لمح تلك الشقراء التي ما إن وقعت عليها عيناه حتى شعر وكأن عقله قد أصابه الشلل، وتوقّف عن التفكير تمامًا. أوقف السيارة على الفور، وأخذ يتأملها بدهشة امتزجت بضيقٍ خانق، دفعه لأن يترجل من سيارته ويلحق بها دون تردد.


كانت قد سبقته بخطوات قليلة، وركبت سيارتها بالفعل، لكنه لم يتردد؛ فتح باب سيارتها فجأة، بلا مقدمات، ووقف يطالعها ويتفحص ملابسها بنظرة غاضبة واضحة، يحاول عبثًا كبح جماح انفعاله.


ثم هتف بسخرية مشحونة بالانزعاج :

ـ على فين يا شراني؟


طالعته چيلان بضيقٍ واضح، ثم جذبت باب السيارة وأغلقته بعصبية، غير أنه لم يمهلها لحظة؛ إذ فتح الباب من جديد، ونظرات الضيق تتقابل بينهما، قبل أن يقول:

ـ بقول لك على فين..


رمقته بنظرة تحمل عنادًا يتناسب مع طبيعة العلاقة المتوترة التي تجمع بينهما دائمًا، أشبه بصراع دائم بين قط وفأر، قبل أن تقول بحِدة: 

ـ وانت مالك؟


زمّ شفتيه محاولًا التحلي بالصبر، بينما كانت عيناه تتفحّصان ملابسها الرياضية التي ترسم منحنياتها بوضوح، وقال بضيق:

ـ بلاش رايحه على فين.. ايه اللي انتي لابساه ده؟!


ضحكت بسخرية، مدركة أن استفزازها له بتلك الطريقة في تلك اللحظة كفيل بإشعال غضبه، وردّت بلهجة أكثر برودًا:

ـ بردو انت مالك ؟!


انحنى حسن نحوها حتى أدخل رأسه إلى السيارة، فاضطرت إلى التراجع خطوة إلى الخلف، وهي تنظر إليه بحدّة وتهتف:

ـ إيه الهمجية بتاعتك دي على الصبح.. حسن لو سمحت أنا مش فاضيه وأرجوك متضيعش وقتي واتفضل شوف أنت رايح فين !



ـ انزلي .. !


قالها باقتضابٍ حادّ، لا يقبل جدلًا؛ فرفعت حاجبيها بدهشةٍ صريحة، متعجبة من ذلك الأمر الذي يظنّ، بجموحه، أنها قد تمتثل له.

ثم قالت بنبرة ساخرة وهي تشدّ على المقود:

ـ نعم؟!


اشتدت ملامحه، واقترب أكثر حتى صار صوته أقرب إلى الهمس الغاضب:

ـ بقول لك انزلي .


ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح، وقالت متحدّية:

ـ لا مش هنزل، واتفضل بلاش تعطلني اكتر من كده.


ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة. كان ينظر إليها وكأنها لغز يستفزه، بينما كانت تحدّق أمامها بإصرار مصطنع، تخفي به ارتباكًا تعرف جيدًا أنه يمنحه قوة لا تريد الاعتراف بها.


قال أخيرًا وهو يستقيم واقفًا، ونبرته أقل حدّة لكنها أكثر عمقًا:

ـ انزلي يا جيلان عايز اتكلم معاكي كلمتين وبعدين هسيبك تمشي .


أدارت رأسها نحوه أخيرًا، فالتقت عيناهما لثوانٍ بدت أطول مما ينبغي، ثوانٍ مشحونة بصمتٍ ثقيل، قبل أن تقول ببرودٍ متعمَّد:

ـ اتفضل قولي الكلمتين وخلصني ..


لم تمهلها ردة فعله فرصة للاستعداد؛ إذ فاجأها وهو يضرب السيارة بقبضته في نوبة غضبٍ بدا معها أن صبره قد نفد تمامًا.


ألقى نظرة سريعة حوله، كمن يحاول استعادة سيطرته، ثم عاد إليها بعينين تقدحان شررًا، وقال بصوتٍ مكبوت يحاول كبحه:

ـ ما تخلينيش اعلي صوتي وأصحي النايمين.. انزلي بقول لك !


لم تجد بدًّا من الانصياع لذلك الاندفاع الأهوج. لذا ترجّلت من السيارة على مضض، ثم وقفت قبالته، وقد حاصرها بجسده بينها وبين سيارتها، فشبكت ذراعيها أمام صدرها بعصبية واضحة، وقالت:

ـ أفندم ؟


مرّر سبابته ببطءٍ متعمَّد عليها، يشير من أعلى رأسها حتى قدميها، كأنما يزنها بعينٍ باردة، وقال بنبرة ساخطة :

ـ إيه اللي انتي لابساه ده ؟


لحظات صامتة مرت، تتبّعت فيها بإزدراء تلك الحركة المستفزة، ولاحظت كيف تتنقّل عيناه على تفاصيلها بلا مواربة، فاندفع الغضب في صدرها، واقتربت خطوة واحدة وهي تقول بحدّة مكبوتة:

ـ وانت مالك؟ هو انت كنت وصي عليا وانا ماعرفش؟


تدرجت قبضته في الانغلاق ببطء، ليس بعنف مفاجئ، بل بإرادة واضحة تنضح بالتحكم التام. ومن بين نبرات صوته الهادئة، والممزوجة بتحذير صارخ، انطلق صوته يقول :

وطي صوتك… واتكلمي معايا كويس !


لم تتراجع، بل رفعت ذقنها قليلًا، وردّت بنبرة لا تخلو من التحدي:

ـ لما توطي صوتك وتتكلم معايا كويس انت الاول..


أطرق برأسه لحظة، وزفر أنفاسه كأنما يُجاهد نفسه، تمتم باستغفارٍ خافت، ثم رفع رأسه وأومأ موافقًا:

ماشي. هتكلم معاكي كويس.


وعلى مهل، رسم على شفتيه ابتسامة ناعمة زائفة، يعرف قبلها أنها ستصيب هدفها، وقال بصوتٍ هادئ متشح بالسخرية:

ـ ايه اللي انتي لابساه ده يا جيجي هانم ؟!




وتوقّف لحظة، كأنما يختار كلماته بعناية، قبل أن يُكمل:

ـ رايحه فين بالمسخرة دي على الصبح؟


ـ مسخرة؟! …. تساءلت بامتعاضٍ حاد .


فجاء إيماؤه هذه المرة أكثر عنفًا، وكأن الكلمة أشعلت ما كان مكبوتًا بداخله، وقال بنبرة لا تخلو من الانفعال:

ـ أيوه طبعًا مسخرة…


ثم أضاف بازدراءٍ صريح:

ـ هو إنتِ ما بصّيتيش في المراية قبل ما تنزلي ولا إيه؟


قبضت على خصلات شعرها بعصبيةٍ فاضحة، وقد بلغ بها الغضب حدّ الجنون، إذ أخرجها عن طورها منذ اللحظة الأولى، وهتفت بصوتٍ مرتفع:

ـ إنت مالك؟! هو إنت مش بتفهم عربي؟! أقولها لك بأيّ لغة عشان تفهمني ؟!


ثم تابعت بانفجارٍ مكبوت:

ـ. إنت مالك بيا؟ تقرب لي إيه علشان تقولّي ألبس إيه ومالبسش إيه؟ بتقحم نفسك في حياتي ليه يا إنسان يا مستفز؟!


قاطعها بحدّة:

ـ اتكلمي كويس.


اقتربت منه خطوة أخرى، ورفعت نظرها لتواجه عينيه الغاضبتين بغضبٍ لا يقل عنه، وقالت بصوتٍ متوتر مشحون:

ـ مش هتكلم كويس.


ثم أردفت وقد بلغ بها السخط منتهاه:

ـ اسمعني يا حسن علشان أنا خلاص جبت آخري من تدخلاتك غير المبررة في حياتي. إياك تتدخل في حياتي مرة تانية… إنت فاهم؟


قطّب حاجبيه وردّ بجفاءٍ قاسٍ:

ـ لا… مش فاهم.


ـ عنك ما فهمت.


استدارت لتعود إلى سيارتها من جديد، لكنّه سبقها، أمسك بذراعها بقوة وأوقفها أمامه، وقال بنبرةٍ تهديدية:

ـ إنتِ فاكرة إني هسيبك تخرجي كده؟


ثم أضاف ببرودٍ مشوب بالوعيد:

ـ ده إنتِ يومك مش فايِت النهارده.


لم تُدر رأسها نحوه، ظلّ نظرها شاخصًا إلى الأمام، وقد تسلّل اليأس إلى ملامحها، تشعر بأن طاقتها استُنزفت في جدالٍ عبثي لا طائل منه.


وفجأة، وكأن شيئًا انفجر داخلها، أطلقت زئيرًا حادًا، وصدمت برأسها في الإطار العلوي للباب بعنفٍ أفزعه، فحدّق فيها مصدومًا.


التفتت إليه بعينين متوحشتين، يملؤهما الجنون ونفاد الصبر، وصاحت:

ـ إنت عايز مني إيه بالظبط؟!


قالتها بنبرةٍ منهكة، خالية من العناد، عارية من البرود أو الاستعلاء؛ نبرة لا تحمل سوى الاستسلام.

كأنها لا تسأله بقدر ما ترجوه أن ينطق بالحقيقة، أن يضع حدًّا لهذا العبث، لهذا الجدال الدائم الذي يلتهمها ببطء ويستنزف ما تبقّى فيها من قوّة.


أما هو، فقد شعر أنّها حاصرته في الزاوية.

سؤالها، بتلك النبرة تحديدًا، لم يمرّ عليه خفيًّا؛ كان واضحًا، مباشرًا، لا يحتمل التأويل.


بسؤالها ذاك، كانت تطالبه بأن يقطع حيرتها، أن يبوح بما يضمره تجاهها، أن ينهي هذا الشدّ والجذب الذي يحكم علاقتهما.



لكنه—وللمرة التي فقد القدرة على عدّها—عجز عن الصراحة.


نعم، كان يشعر نحوها بمشاعر لا يمكن إنكارها، ولا يحاول أصلًا إخفاءها.

ونعم، كان يوقن—في لحظاتٍ خاطفة—أنها تبادله الشعور ذاته، رغم هذا الجنون المتبادل بينهما.

لكن الخوف كان دائمًا أسرع منه.


كان يخشى أن يبوح لها … فتصدّه.

يخشى أن يكون ذلك الإعجاب الذي يلمحه أحيانًا في عينيها مجرّد وهْم، لا يصلح أن يُسمّى حبًّا.


وحتى لو كان حبًّا—وهذا الاحتمال وحده يربكه—لم يكن يثق بأن اعترافه الكامل سيُقابل من جهتها بالقبول فورًا.


لم يكن يثق أنها ستختاره، هو بالذات…

هو الذي يقف بينها وبينه فارقٌ لا يعرف كيف يتجاوزه، ولا كيف ينكره.


لم تسعفه الجرأة ليفصح عمّا يختلج صدره، فآثر المراوغة وهو يقول بنبرة مقتضبة:

ـ مش عايز حد يبص لك.


تسلّل إليها اليأس؛ لأنه ما زال يلتفّ حول الحقيقة ولا يقولها صريحة، فتمتمت وكأنها تستجديه أن يصدقها القول:

ـ ليه؟


اهتزّ بؤبؤاه وهو يجيب بمراوغة أوضح:

ـ كده… لأني هتضايق لو حد بص لك.


زفرت بإرهاق، وقالت بنفس الاشتعال المكبوت:

ـ برده ليه؟


إحساسه بأنه، في تلك اللحظة، جبانٌ على غير عادته أثار ضيقه، فانفجر بانفعال بدا غير مبرر من وجهة نظرها:

ـ هو إيه اللي ليه؟!


واجهته بثبات، وصوتها لا يخلو من مرارة:

ـ أيوه ليه… من حقي أعرف اهتمامك ده سببه إيه؟!


ثم أضافت بحدةٍ أشد:

ـ إنت لا قريبي، ولا صاحبي، ولا حبيبي مثلًا!


نظرت إليه عقب كلمتها الأخيرة مترقبة، تحاول أن تقرأ ملامحه، تنتظر أن ينفي… أن يعترض… أن يقول أي شيء يكسر هذا الصمت القاتل. لكنه لم يفعل. ظل أسير تردده المعتاد، ثم قال وهو ينظر إليها:

ـ هو أنا لازم أكون واحد من دول علشان أقول لك تلبسي لبس محترم؟


هزّت رأسها بانفعال، وقالت وقد نفد صبرها:

ـ أيوه…


ثم تابعت بمرارة تعرفها جيدًا:

ـ خليني أسبقك وأقول نفس كلامك كل مرة… طالما أنا أخت أخوك أبقى أختك، صح؟


توقفت، وانتظرته. ظنّت أنها هذه المرة نجحت في استفزازه، لكنّه اكتفى بإيماءة قصيرة وهو يقول:

ـ أيوه… كده.


نظرت إليه بانكسارٍ لم تحاول إخفاءه. كان ردّه قاسيًا عليها، خذلها على نحوٍ لم تتوقعه. كانت تأمل—ولو لمرة واحدة—أن يكون شجاعًا، أن ينطق بالحقيقة، أن يعترف بأن تصرّفاته ونظراته لم تكن عبثًا، وأن يقول صراحة إنها ليست أخته، وأن غيرته عليها ليست وهمًا. كانت تنتظر تفسيرًا منطقيًا لكل ذلك التسلّط وتلك التدخلات المتكررة…



لكن إجابته الأخيرة أطفأت آخر بصيص أمل لديها، وجعلتها تحتقر نفسها للمرة الألف؛ لأنها سمحت لقلبها أن يضعف هكذا.


تنفّست بعمق، كأنها تجمع شتات نفسها من جديد، ثم هزّت رأسها بانفعال وقالت بصوتٍ حاولت أن تثبته:

ـ بس أنا مش أختك… ومش عايزة أكون أختك… ومش عايزة أعرفك تاني يا حسن… أوكي؟


قرأ في عينيها الخيبة بوضوح، وشعر أنه خذل آمالها وتوقعاتها، لكن الكلمات خانته، فعجز عن النطق.


أما هي، فانفجرت من جديد، وقد رفعت سبابتها في وجهه، ونبرتها مجروحة لا تخطئها الأذن:

ـ إياك تفكر تتجاوز حدودك معايا مرة تانية، أو تتدخل في حياتي بأي شكل من الأشكال.

ثم تابعت بحدةٍ أشد:

ـ أقول لك على حاجة؟ إياك تكلّمني تاني أصلًا.

وتوقفت لحظة قبل أن تضيف بمرارة:

ـ أقول لك على حاجة كمان؟ أنا ماشية وسايباها لك… ومش عايزة أشوف وشك تاني!


ثم استدارت وصعدت نحو الفيلا من جديد، تاركةً إياه واقفًا في مكانه، كأنه زُرع فيه قسرًا؛ يتقلب بين الندم والضيق والعجز… ويشعر بخيبةٍ مريرة..


كان أكثر ما أربكه في تلك اللحظة أنه لم يتعرّف إلى نفسه.

وهو الذي اعتاد أن يقول ما يريد بلا تردد، ويفعل ما يشاء بلا خوف. هو الذي لم يعرف يومًا معنى الارتباك، ولا اعتاد التراجع خطوة واحدة أمام شيء أو أحد. كان دومًا واثقًا، جريئًا، حادّ القرار، حتى صار الآخرون يحسبون له ألف حساب.


فلماذا الآن؟

لماذا يقف أمامها بهذا الاضطراب؟

لماذا يعجز لسانه عن نطق اعترافٍ يعرف يقينًا صدقه؟

هو متأكد من مشاعره… لا يشك فيها لحظة. متأكد أن ما يسكن صدره تجاهها ليس عابرًا ولا وهمًا،


ومع ذلك، للمرة الأولى في حياته، يخاف.

كأن قوله للحقيقة سيضعه أمامها أعزل بلا سلاح.


لأول مرة، يشعر أن قلبه يشبه أرضًا اهتزت تحت قدميه فجأة، فاختلّ توازنه، ولم يعد يعرف أين يقف.


لأول مرة يرى نفسه شجاعًا في كل شيء… إلا الحب.


ـــــــــــــــــــــــ


دخلت چيلان غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنفٍ لم يُفرغ ما في صدرها.

لم يخمد الغضب… بل ازداد اشتعالًا.

فعادت تفتحه وتغلقه مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، كأنها تحاول أن تحبس شيئًا هائجًا بداخلها، لا بابًا من خشب.


استدارت أخيرًا، ووقفت في منتصف الغرفة، أنفاسها متلاحقة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، كأنها خرجت للتو من معركة خاسرة.

رفعت بصرها نحو المرآة… وتوقفت.


حدّقت في انعكاسها طويلًا، لا كمن يتفقد ملامحه، بل كمن يواجه نسخة غريبة منه للمرة الأولى.

نسخة لم تحبّها.

نسخة احتقرتها، لأنها ليست تلك «چيلان» التي أمضت سنواتٍ تُحكم السيطرة على مشاعرها، تُلجم قلبها كلما تمادى، وتُقنع نفسها أن صلابتها درع يجعلها لا تنهزم أبدا .




فما بالها الآن؟

كيف صارت هشّة إلى هذا الحد؟

كيف سمحت لنفسها أن تنكسر أمامه بهذه الصورة؟


لم يستوعب عقلها بعد .. أنها، قبل دقائق فقط، كانت تستجدي من ذلك الأبله اعترافًا بالحب… اعترافًا واحدًا يُنهي تلك الحيرة، ويمنح لكل هذا العبث معنى.


وفي المقابل، خذلها… كعادته.

مرة أخرى.


وفجأة، ومن دون تفكير، رفعت يدها وأزاحت أدوات الزينة عن الطاولة دفعةً واحدة، فسقطت أرضًا متناثرة، في صوتٍ حادّ يشبه تمامًا ما كان يتكسر داخلها.

عصبية عمياء… لم تكن موجهة للمرآة، بل لنفسها.


حاولت كبح تلك الدموع التي تزاحمت في عينيها وأثقلتهما.

هزّت رأسها برفضٍ متتابع، كأنها تخاطب نفسها… أو تخاطب الدموع ذاتها، تأمرها ألّا تنهمر.

فهو لا يستحق.

لا يستحق أبدًا أن تبكي من أجله، ولا أن تنهار بهذه الصورة.


لم يُخلق بعدُ من يملك القدرة على إسقاطها بهذا الشكل المُهين.


جلست على طرف الفراش، وأسندت رأسها بين كفّيها، تحاول أن تستعيد أنفاسها، أن تُهدّئ الفوضى التي تعصف بصدرها.

وفي لحظة شرودٍ ثقيلة، انتبهت إلى الباب وهو ينفرج ببطء.


ظهرت والدتها واقفة عند العتبة، يدها مستندة إلى المقبض، وعيناها تجولان في الغرفة بنظرةٍ باردة، ممتلئة بالاستنكار والازدراء… شفقة قاسية، مُقيتة، أشعلت في صدر چيلان ضيقًا وغضبًا معًا.


تقدمت نادية بخطوات ثابتة، حتى وقفت على مقربةٍ منها، ثم قالت بنبرةٍ لا تحمل قلقًا بقدر ما تحمل حكمًا جاهزًا:

— إيه الحالة اللي إنتِ فيها دي؟!


رفعت چيلان عينيها المحمرّتين إليها، وحدّقت فيها لحظة، قبل أن تهتف بحدّةٍ مكبوتة:

— لو سمحتي… اخرجي دلوقتي.


لكن والدتها لم تعبأ بما سمعته، وتجاوزت طلبها بلا مواربة، قاطعة المسافة الأخيرة بينها وبين الحقيقة بسؤالٍ مباشر:

— إيه اللي بينك وبين ابن عيشة يا چيلان؟؟


تفاجأت چيلان أن والدتها قد التقطت ما يدور في رأسها بتلك السرعة، والأدهى أنها واجهتها بالسؤال مباشرة، بلا تمهيد ولا مواربة.


تنهدت، وحدّقت فيها بثباتٍ مُتعَب، ثم قالت بهدوءٍ متعمّد:

— اسمه حسن.


رفعت نادية حاجبها بدهشة ممزوجة بالضيق، فقد كانت تتوقع إنكارًا أو مراوغة، لا تصحيحًا لصيغة السؤال. فهتفت بنبرةٍ نارية:

— أيًّا كان اسمه إيه… إيه اللي بينك وبينه يا چيلان؟!


زفرت أنفاسها ببطء، وكأنها تحاول احتواء ارتجافها الداخلي، ثم قالت:

— إيه اللي ممكن يكون بيني وبينه يعني؟


هزّت نادية كتفيها بلا مبالاة، وقالت ببرودٍ قاسٍ:

— بصراحة مش عارفة إيه اللي ممكن يكون بينك وبين ابن الخدامة ده !


تقلّص قلب چيلان داخل صدرها، وشعرت وكأن الكلمات القاسية تلك تُصفَعها صفعةً بعد أخرى، ومع ذلك تماسكت وقالت بنبرةٍ حاسمة:

— ولا حاجة.


ضحكت نادية بسخريةٍ لاذعة، وقالت بثقة جارحة:

— مش صحيح. في حاجة بس أنا مش قادرة حتى أسميها.. لأن عيب قوي إنك تربطك علاقة تحت أي مسمى بإنسان وضيع زي ده.


لم تحتمل چيلان تلك القسوة، ولا ذلك الاحتقار الذي يقطر من نبرة والدتها، فاندفعت تهتف بنفاد صبرٍ واضح:

— قلت لك ما فيش حاجة بينا! واتفضلي بقى… علشان عايزة أغيّر هدومي واتأخرت.


لكن نادية تقدمت خطوة أخرى، ووقفت في مواجهتها مباشرة، ثم قالت بنبرةٍ ضاغطة:

— إمتى ناوية ترجعي بيتك؟؟


نظرت إليها چيلان بدهشةٍ صريحة من سؤالها، وقالت: — ليه بتسألي؟!


مطّت نادية شفتيها في ضيقٍ محسوب، ثم قالت:

— لأني شايفة إن وجودك هنا أكتر من كده مبقاش مناسب.


ازداد تعجّب چيلان، فرفعت حاجبها وقالت بنبرة استغرابٍ واضح:

— غريبة !!

مع إن لما جيت أمشي، فضلتي تترجيني أفضل جنبك، وحمّلتيني عبء إني مينفعش أسيبك لوحدك في الظروف دي.. إيه اللي حصل دلوقتي؟


تنهدت نادية بعمق، وكأنها تُجبر نفسها على الاعتراف، ثم قالت:

— معاكي حق.. بس دلوقتي مصلحتك أولى من أي حاجة.


توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ صادقة على غير عادتها: — مش هنكر إني محتاجاكي جنبي… وبستمد قوتي منك.. يمكن دي أول مرة أقولها، بس دي الحقيقة.

أنا دايمًا كنت بستقوى بيكي… علشان كده كنت عاوزاكي معايا.

لكن زي ما قلت لك، مصلحتك أهم من أي شيء.


نظرت إليها چيلان بدهشةٍ أعمق، ثم نهضت ووقفت في مواجهتها قائلة:

— مش فاهمة… إيه اللي يخلي وجودي هنا يتعارض مع مصلحتي؟


انكمش وجه نادية في قسوةٍ فجائية، وقالت بلهجةٍ قاطعة:

— لأن ابن الخدامة ده مش هيسيبك في حالك.

أنا عارفة الصنف ده كويس، وعارفة هو بيحاول يعمل إيه.


تقدّمت خطوة، وأكملت بنبرة تحذير مشوبة بالازدراء:

— البني آدم ده طمعان فيكي، وعاوز يوقعك بأي شكل.

وللأسف… شكلك كده بدأتي تليني، وهو عرف يسيطر عليكي ويخدعك.


قطبت چيلان حاجبيها في دهشةٍ حقيقية، وقالت:

— طمعان فيا؟! إنتِ أكيد فاهمة غلط.

حسن مش طمعان فيا ولا حاجة… لأنه ببساطة مش محتاج!


سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة واثقة:

— نسيتي إن حسن عنده مزرعة خيول؟ مزرعة لوحدها كفيلة تكوّن له ثروة كبيرة في وقت قصير جدًا .


ضحكت نادية ضحكة خبيثة، باردة، وقالت:

— أيوه… بس البحر يحب الزيادة.. وأنا متأكدة إنه طالع خبيث وطماع زي عيشة الخدامة بالظبط.. وعينيه عليكي… وعلى فلوسك وشركاتك.



ضحكت چيلان ضحكةً امتزج فيها السخرية بالدهشة، وقالت:

— حضرتك غلطانة على فكرة…

مش كل الناس بتفكر بعقليتك، ولا كل الناس أولوياتها الفلوس زيك .


ضيّقت نادية عينيها، وقد تجرّعت مرارة السخرية المبطنة في كلمات ابنتها، ثم هزّت رأسها ببطء وقالت بنبرة استسلامٍ ثقيل:

— براحتك.. طالما مش عايزة تصدقي كلامي، إنتِ حرة.

بس هييجي الوقت اللي هتقولي فيه إن كلامي كان صح.


هزّت رأسها مرة أخرى، لا كتحدٍّ هذه المرة، بل كتحذيرٍ صامت، وأضافت:

— بس أتمنى الوقت ده ييجي وإنتِ لسه على البر…

أتمنى تعرفي حقيقة الإنسان ده بدري، قبل ما تغرقي معاه أكتر وترجعي تندمي… لأن الندم وقتها مش هيفيد.


ابتلعت چيلان ريقها بتوترٍ مفاجئ؛

فللمرة الأولى تلمح في عيني أمها نظرة أمومة صادقة،

وللمرة الأولى تسمع في نبرتها خوفًا حقيقيًا…

خوفًا لا تحرّكه الطبقية ولا الكِبرياء،

بل غريزة أم تخشى أن ترى ابنتها تُكسر على صخرةٍ لم تنتبه لها باكرًا.


شردت چيلان في كلمات والدتها، وحين رأت نادية ذلك الشرود والصمت الممتد أدركت أنها نجحت في أن تترك أثرًا، ولو ضئيلًا، في قلبها؛ فاختارت الانسحاب قبل أن تفسد ما زرعته.


قالت وهي تتجه نحو الباب، بصوتٍ بدا أهدأ مما سبق: — ارجعي بيتك يا چيلان..

جايز مشاعرك اتلخبطت، وقلبك خانك ومال، بس أنا متأكدة إنك هتقدري تتجاوزي كل ده، وتفوقي لنفسك، وتعرفي قيمتك كويس قوي.


توقفت لحظة، كأنها تنتقي كلماتها بعناية، ثم أضافت: — وتعرفي إنك تستاهلي حد شبهك، حد من مستواكي ويليق بيكي…

حد يشرفك ويرفعك لفوق معاه، مش ينزّلك لسابع أرض ويخليكي مكسوفة وإنتِ جنبه.

ابعدي علشان تقدري تتحكمي في مشاعرك، وتفضلي قوية… زي ما كنتِ دايمًا.


ثم غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ ثقيل،

وتركت كلماتها يتردد صداها في أذن چيلان…


صدى لم تستطع، للأسف الشديد، أن تنكره؛ لأن كل ما قالته أمها كان يقف بوضوحٍ كامل في ميزان العقل،

حتى وإن انكسر قلبها تحته بصمت.


لذلك نهضت، وبدون تردّد أو تفكير، أحضرت حقيبتها وبدأت تجمع أغراضها، وقد اتخذت قرارها بعدم العودة مرةً أخرى. وحين انتهت من جمع كل ما يخصّها، وقفت تتأمل الغرفة لثوانٍ، كأنها تودّع ذكرياتها واحدةً تلو الآخر، ثم غادرتها.


توقفت عند الباب، ونظرت تلقائيًا نحو باب غرفة حسن، شعرت بأن قلبها قد تحوّل إلى حطام. أغمضت عينيها محاولة السيطرة على تلك المشاعر التي كانت تلحّ عليها بالتراجع، وتأمرها بالبقاء، ألا تبتعد عن ذلك الدفء الذي شعرت به هنا يومًا. لكنها تجاهلت كل تلك النداءات، وزفرت أنفاسها ببطءٍ مثقل، ثم نزلت درجات السلم وغادرت الفيلا.


اتجهت نحو سيارتها، وتوقفت لحظة تنظر إلى سيارة حسن، التي لا يزال جالسًا بداخلها، كأنه ينتظر أن يرى قرارها وقد صار واقعًا. تبادلت معه النظرات من خلف زجاج سيارته، الزجاج الذي حجب عنها فيض مشاعره… أو جبنه.



ولن تنكر أنها، حتى تلك اللحظة الأخيرة، كانت تنتظر منه أن يتراجع، أن يترجل من سيارته التي يختبئ بداخلها، أن يطلب منها ألا تغادر. لكنها انتظرت عبثًا.


فدخلت سيارتها، أدارت المحرك، وانطلقت مبتعدة، مغادرة حدود الفيلا .. دون أي نية للعودة من جديد.


༺═────────────────═༻


كانت تستند إلى رسغيها وهي تتأمله بابتسامة حالمة، تتفحص ملامحه التي تجيش بجاذبية تشعر أنها تكتشفها لأول مرة .


كان يغط في نومٍ عميق، يحاول تعويض الأيام الماضية التي لم ينعم فيها بالراحة، فاقتربت منه وأسندت رأسها على صدره، ومددت ذراعها بمحاذاة ذراعه، ثم شبكت أصابعهما معًا، وهكذا تراخت أوصالها، أغمضت عينيها وتاه جسدها في دفء قربه .


أسندت كفها على موضع قلبه تمامًا، حيث أرادت أن تختبيء طوال العمر ، فانبعثت ابتسامة حانية على شفتيها وهي تتساءل في نفسها ! كيف أصبح هذا القرب منه بهذا القدر شيئًا تعتبره ملكًا لها. كيف امتلكت القوة والجرأة التي لم تعهدها في نفسها للتعبير عن مشاعرها العميقة تجاهه، دون أن تخشى خجلًا أو ترددًا ؟!


اقتربت بخطوات مترددة، وكأنها تسعى جاهدة لتترجم تساؤلاتها إلى حقيقة ملموسة. أرادت أن تقنع قلبها بما قاله لها، أنه لها كما هي له، أن يقينا متبادلاً يحتضنهما معًا. وكأنّه كان يقرأ أفكارها، فسعى ليكسر حواجز خجلها بهدوء لا يخلو من احتواء.

فلم تدرك إلا وعيناها متشابكتان مع شفتيه المنغلقتين في خط مستقيم، يحكي سكونًا مؤقتًا.


وبدون تردد أو تفكير، اقتربت منه أكثر، وطبعت على شفتيه قبلة متأنية، لكنها حملت عمق مشاعرها. انبلجت ضحكة عذبة من شفتيها، اختلطت باللحظة التي وجدته فيها يتحرك ببطء، عائدًا من نومه. ثم فتح عينيه على مهل ليجد وجهها الصبوح أمامه، وتلك الابتسامة التي تمتلأ براءة وسعادة خالصة ترتسم على شفتيها، فقال مبتسمًا :

- بتعملي إيه؟


ثم عقد ذراعيه حولها، وأطلق نفسًا طويلا أدفئها، وهو يتابع :

ـ هي الجرأة دي مبتحضرش غير وأنا نايم ؟!


ازدادت ابتسامتها دفئًا، ثم اقتربت منه حتى لامس أنفها أنفه برقة، وهمست برقة وابتسامة صافية:

ـ بحاول أتدرب! 


ضحك من أعماقه، ثم انحنى نحوها بانجذاب لا يملك مقاومته. رفعت عينيها إليه بتردد مُغمس بالدهشة، تراقب وجهه القريب منها بعذوبة، فإذا به يبتسم بمكر وكأنه يخفي سحرًا كلاميًا على طرف لسانه :

ـ محاولة تحسب لك ..


صمتا، أخذا يتطلعان نحو بعضهما البعض وكلا منهما يتفرس الآخر بطريقته، جعلت النظرة التي تعلو وجهه حلقها يجف، الطريقة التي غامت بها عيناه واحتد فكه.

فابتلعت ريقها وهي تحاول الإبقاء على ابتسامتها وهي تقول محاولةً الهرب :

ـ أنا بقول نجهز ونخرج نفطر بره .. في نفس المكان اللي روحناه قبل كده ..



ثم ضيقت عينيها وهي تتجاهل نظراته التي تنزلق تلقائيا نحو شفتيها، وهتفت بصوت عال تجذب انتباهه:

ـ حي بلاكو ..


رفع عينيه إليها، ثم ضحك وهو يقول مصححا :

ـ بلاكا ..


أومأت ضاحكة وهي تحاول الانسلاخ عنه بحذر وقالت:

ـ مش فارقة .


ولكنه كان أكثر حذرًا منها، حيث أنه أحكم قبضته حول خصرها يمنعها من الحركة وهو يقول ضاحكًا بتسلية:

ـ بتتسحبي كده ورايحة فين ؟!


وفجأة اقترب منها بانحناءة عفوية، امتدت شفاهه إلى عنقها، تلتهمه بشغف متوازن، كأنما ينسج بين الحدة والرقة خيطًا من مشاعر دفاقة. كان يدرك تمامًا ما يفعل، يعبث بقلبها، يغزل اللحظة بمهارة وتأنٍ وصبر ..


وحين لم تجد مفرًا من الهرب، طوقت عنقه بذراعيها وابتسمت، فابتسم بدفء مماثل، ابتسامة هي الأجمل، والأكثر جاذبية..


غمرتها موجة من السعادة والجنون معًا، دفعتها للمبادرة مرة أخرى، فعاجلته بقبلة عشوائية جديدة أطاحت بثباته وهدوءه، وجعلت قلبه المسكين الهش ينبهر بها وهو يدرك ـ بلا أدنى شك ـ أنه قد وقع في غرام ألذ امرأة على وجه الأرض!


نظرت إليه نغم بعينين حذرتين، ترغب في رؤية الرضا في عينيه فإذا به يمنحها ابتسامة خلبت لبها ومنحتها أكثر مما كانت تنتظره .


أطلقت ضحكة مرتبكة كانت تكبحها، جعلتها تبدو كفتاة مراهقة تعيش حالة حب وليدة اللحظة، فمال نحوها، طبع قبلة على زاوية شفتيها، قاتلًا بها أي نية للذهاب إلى أي مكان.. إلا بين ذراعيه !


ـــــــــــــــــــــ


جلس فريد على طرف الفراش، والهاتف بين كفّيه، ظلّ يحدّق في شاشته المعتمة طويلًا، متردّدًا بين أن يوقظه من سباته أو يتركه مغلقًا !


كان يعرف—بل متيقنًا—أنه ما إن يضغط زر التشغيل حتى تنهال عليه المكالمات والرسائل، وتنهض الفوضى من جديد؛ فاليوم في حياة عائلته لا يمكنه أن يمرّ عابرًا، ولا أن يخلو من حدثٍ أو أزمة.


وذلك تحديدًا ما جعله يتردّد.


فهو قد قطع على نفسه عهدًا صريحًا: أن هذا الأسبوع لهما معًا… ولهما فقط..

أسبوع واحد يعيش فيه لنفسه ولنغم، دون أن يسمح لأي شيء أن يعكّر صفوهما، دون أن يتسلّل واجبه تجاه عائلته من الشقوق المعتادة.


كان يرى ذلك حقًا لا ترفًا، ضرورة لا رفاهية، واجبًا تجاه نفسه قبل أي أحد، وتجاهها أيضًا.


لكن العهد بدا الآن هشًّا أمام إحساسٍ قديم لا يخذله أبدًا: الإحساس بالمسؤولية. ذلك الشعور المتجذّر فيه منذ سنوات، المرتبط باسمه داخل العائلة، والذي لم يستطع يومًا أن ينفصل عنه، مهما حاول.


ازدادت ضربات قلبه، وشعر بانقباضٍ خفيف في صدره. عدم الارتياح لازمه وهو يفكّر، ثم—بعد صراعٍ قصير لكنه مرهق—استسلم وضغط زر التشغيل.




لم تمرّ ثانية واحدة حتى اهتزّ الهاتف في يده، كأن والده كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا.


تنفّس فريد بعمق، وأطلق زفرة يأس مكتومة، ثم أجاب بهدوءٍ متعمّد:

— ألو… صباح الخير.


جاءه صوت سالم مشحونًا، بلا مقدمات:

— خير؟! وهيجي منين الخير بس؟! إنت كنت قافل تليفونك ليه يا فريد؟


تسلّل الندم إليه بسرعة جارحة. لام نفسه في سرّه وأدرك أنه لم يكن عليه أن يفتح الهاتف أصلًا. ومع ذلك، أجاب بنبرة هادئة:

— معلش… نسيته مقفول من بعد ما نزلت من الطيارة.


لم يقتنع سالم، وتكاثف الشك في صوته وهو يقول:

— ومراتك بردو نسيت تليفونها مقفول بعد ما نزلت من الطيارة؟


ابتلع فريد ريقه، ثم قال بثباتٍ مصطنع:

— أيوه، بالظبط . خير؟ في حاجة حصلت؟


ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح، خرجت من فم والده وهو يقول:

— أكيد في حاجات حصلت… مش حاجة واحدة بس. المهم، قُل لي إنت راجع إمتى؟


— لسه قدّامنا يومين تلاتة على الأقل.


قاطعَه والده بحدة وهو يقول :

— لا، لا… مش هينفع أبدًا. أنا متفق معاك إنكم مش هتتأخروا.


ـ بس إحنا لسه جايين أول امبارح… ملحقناش أصلًا.


ارتفع صوت سالم باعتراضٍ قاطع:

— معلش، تتعوّض مرة تانية. الأيام جاية كتير. لازم ترجعوا بكرة ضروري… في حاجات كتير حصلت.


لم يسأل فريد. لم يهتم لأنه لم يرغب في انتزاع مزاجه منذ الصباح.


أخذ نفسًا عميقًا، وكأنّه يجمع شتات نفسه، ثم قال:

— مش هينفع نرجع بكرة… لسه في كذا مشوار مهم لازم نعملهم.


جاءه صوت والده ممتلئًا بالفضول والانزعاج معًا:

— مشاوير إيه دي؟


تنهّد فريد باستسلامٍ هادئ. فهو لا يحب أبدًا أن يشارك أحدًا خططه، لكنّه يعرف أن والده لن يتراجع بسهولة، لذا تنهد بأسف على حاله وقال :

— رجل أعمال أعرفه دعاني على فرحه … ولازم أحضر .


ساد صمت قصير، قبل أن يأتيه سؤال والده بلهجة لا تخلو من الارتياب:

— فين الفرح ده؟


ـ في إسطنبول….. ألقاها فريد حيث أنها أول ما خطر على باله .


ـ إسطنبول؟!

ارتفع صوت سالم فجأة، وتابع مستنكرًا :

ـ بالشكل ده قدامك يومين على الأقل على ما ترجع مصر… اسمع يا فريد، لازم تلغي الفرح ده وترجع ضروري.


أغمض فريد عينيه لثانية، وكأنه يجمع ما تبقى له من صبر، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها عنادًا صلبًا:

ـ للأسف مش هينفع.. ده فرح كبير لرجل أعمال لبناني مهم، ومش لطيف إني أعتذر بعد ما وعدته بالحضور. غير كده، الفرح هيكون فيه ناس مهمة ومؤثرة لازم أقابلهم قبل ما أرجع.



سكت لحظة، ثم أردف بصوت أخفض، لكنه أثقل وقعًا، كمن يلقي بحملٍ قديم في وجه من حمّله إيّاه:

ـ وأكيد حضرتك عارف إن بعد كل الخساير اللي خسرتها، أنا محتاج أبدأ من جديد. ومحتاج كذلك أني أبني علاقات جديدة مع ناس محترمة أقدر أثق فيهم، علشان أقدر أقف على رجلي تاني.


ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر.

فشعر فريد بهزيمة والده قبل أن يسمعها في صوته، حين زفر سالم بتعب وقال بنبرة مستسلمة:

ـ طيب… اللي تشوفه.


ثم أردف بنبرة آمرة :

ـ بس مش أكتر من يومين.. سامعني يا فريد؟


مرر فريد يده على جبينه، وهو يشعر بضيق يضغط على صدره، وقال بتفهم يخفي به نفاد صبره:

ـ ربنا يسهل إن شاء الله. أنا مضطر أقفل دلوقتي لأني خارج .. مع السلامة.


أنهى الاتصال قبل أن يُفتح باب آخر للجدال، ثم ألقى الهاتف إلى جواره بقلة حيلة، وزفر بمرارة، وهو يلعن نفسه في سره لأنه استسلم وفتحه من الأساس…


انتبه لحظة خروج نغم من الحمّام، تلف جسدها برداء الحمّام الأبيض، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها. فأسرع يخفي ما بداخله من ضيق، ورسم على شفتيه ابتسامة دافئة، ثم ربت على الفراغ بجواره على السرير يدعوها للجلوس.


تقدمت نحوه وجلست إلى جواره، ولم تحتج أكثر من نظرة واحدة لتدرك ما به، فسألته بصوت خافت:

— مالك؟ في حاجة حصلت؟


هزّ رأسه نافيًا، لكن عينيها انسابتا فورًا إلى الهاتف الملقى بجواره، فقالت:

— إنت فتحت تليفونك…


مطّ شفتيه بأسف وهمس:

— يا ريتني ما فتحته.


— سالم بيه اتصل، صح؟


أومأ موافقًا فقالت :

— قال لك إيه؟


— عايزنا نرجع ضروري… بيقول في حاجات كتير حصلت.


قطّبت حاجبيها بقلق:

— حاجات إيه؟


— مش عارف… ما اهتمتش أسأل حتى.


قالها وهو يسحب المنشفة من يديها، وبدأ يجفف شعرها برفق، كأنه يحاول تهدئة نفسه وهو يتمتم بضيق:

ـ اضطريت أكدب وأقولله إننا رايحين تركيا علشان فرح رجل أعمال أعرفه ..


تنهدت نغم بضيق لأجله وقالت:

— طيب وليه مضايق نفسك؟ إحنا كده كده كلها كام يوم وكنا هنرجع… مفيش مشكلة لو رجعنا بكره ..


خفض نظره إليها، فهزّت رأسها بابتسامة مطمئنة، كأنها تخبره أن الأمر أبسط مما يظن:

— بتكلم بجد على فكرة.


— مش هنرجع غير لما الأسبوع يخلص… واللي يحصل يحصل.


قالها بحزم فقالت:

— مش هينفع يا فريد.


— نغم… أنا قلت مش هنرجع، يعني مش هنرجع.


زفرت بانزعاج، لكنها تماسكت وقالت بهدوء:

— طالما في مشاكل يبقى لازم نرجع. وبعدين، في الآخر هنرجع سواء النهارده أو بكرة أو بعد شهر.. وطالما في مشاكل حصلت يبقا لازم تكون موجود، انت عارف إن وجودك مهم وإن مفيش حاجة بتمشي من غيرك.


اشتد صوته، واختلط فيه الإرهاق بالغضب المكبوت:

— مش مشكلة. أنا مش مكتوب عليّا أشيل همومهم ومشاكلهم فوق راسي طول العمر. ده أنا مش عارف حتى أعيش لنفسي أسبوع واحد… أنا طاقتي خلصت خلاص.


تنهدت نغم بضيق لأجله، فهي تعلم أنه محق، ومع ذلك قالت بلطف:

— أكيد معاك حق… بس يا حبيبي إحنا مع بعض. أي حاجة تفوتنا دلوقتي نقدر نعوضها بعدين إن شاء الله.


اقترب منها، وخطف قبلة سريعة من شفتيها، كأنه ينهي النقاش قبل أن يستنزفه أكثر، وهمس:

— سيبيها على الله… ربنا يقدّم اللي فيه الخير.


أومأت بموافقة، فابتسم بخفة وقال:

— يلا… خلّينا نجهز علشان مجهز لك النهارده بروجرام فوق السحاب .


قطبت جبينها بتعجب وهتفت :

ـ قصدك فوق الخيال !


هز رأسه برفض وقال :

ـ لأ فوق السحاب ..


أخذت تنظر إليه مضيقةً عينيها باستفهام، تحاول أن تستشف مقصده، ولكن عبثًا .. بينما هو كان يطالعها بثقة، واعدًا إياها بلحظات لن تبارح ذاكرتها أبدًا..


༺═────────────────


توقّف عاصم أمام مركز الدكتور رؤوف خلف، فخيّم صمت ثقيل داخل السيارة.

وقبل أن تمتد يد نسيم إلى مقبض الباب، التقت عيناها بعينيه في نظرة واحدة حملت الكثير؛ امتنانًا صامتًا لدعمه، وخوفًا دفينًا من مواجهة كانت تؤجلها منذ زمن طويل.


شدّ على يدها برفق، وقال بنبرة واثقة حاول أن يدعمها بها :

ـ متقلقيش… أنا واثق إن بعد السيشن دي هتبقي أحسن.


هزّت رأسها بتمنٍ أكثر منه يقين، وهمست:

— إن شاء الله.


— لما تخلصي كلميني، أجي أخدك.


اقتربت منه فجأة وعانقته، عناقًا قصيرًا لكنه ممتلئ بالعاطفة، كأنها تستمد منه بعض القوة قبل أن تتركه. ثم نزلت من السيارة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، لتقف لحظة أمام المبنى.


رفعت رأسها إلى اللافتة المعلقة أعلى المبنى، وفجأة.. داهمتها الذكريات دفعة واحدة.


هنا… حيث كانت تأتي مثقلة بالانكسار، تحمل اكتئابًا حادًا كان ينهش روحها بصمت.

هنا… جلست تبكي، وتتكلّم، ثم تصمت، ثم تعود للحديث من جديد.

وهنا أيضًا… قررت في لحظة ضعف أن تتوقف، أن تهرب من العلاج وتعود إلى صمتها ووحدتها.


وقتها لم تدرك أن انسحابها لن ينهي الألم، بل سيمنحه فرصة أن يتوحش ويتمكن منها أكثر.


تنفست بعمق، وضغطت على حقيبتها بين أصابعها بتوتر، ثم خطت خطوة بطيئة نحو الباب الزجاجي،

وهي تعلم أن ما ينتظرها خلفه ليس سهلًا…

لكنه، هذه المرة، كان ضروريًا.


رافقتها السكرتيرة إلى غرفة الطبيب، فدخلت نسيم الغرفة بخطوات مترددة.. ووقفت عند الباب تنظر حولها بترقب حيث أن كل شيء في المكان أعاد إليها ذاكرة لم تكن مستعدة لاستحضارها .



ما إن وقعت عينا الطبيب عليها حتى نهض من مقعده على الفور، وبسط يده مصافحًا إياها بترحيب دافئ جمع بين الود والمهنية، وقال بابتسامة صادقة:

— نسيم… حمد لله على السلامة يا بنتي. انبسطت قوي إني شفتك تاني بعد الغيبة الطويلة دي.


صافحته بتقدير واحترام، وقد بدا في عينيها امتنان خافت، وقالت بنبرة مهذبة:

— إزي حضرتك يا دكتور؟


— أنا بخير، الحمد لله.. المهم إنتِ.


وأشار بيده إلى المقعد أمامه:

— اتفضلي اقعدي.


جلست نسيم ببطء، وأخذت تتأمل المكان من حولها، وكأنها تبحث في تفاصيله عن شيء مألوف يطمئنها، ثم قالت بابتسامة واهنة:

— المكان زي ما هو… عشر سنين ومفيش حاجة اتغيرت.


ابتسم وهو يهز رأسه نافيًا، وقال بنبرة مرحة مقصودة:

— بس غيرنا طقم الانتريه… إزاي ماخدتيش بالك؟


انفلتت منها ضحكة خفيفة، لم تكن تخطط لها، فابتسم بدوره وقد نجح في كسر رهبتها، ثم قال :

— طمّنيني عليكي… أخبارك إيه؟


ثم أضاف بخفة ظل:

— والعريس بتاعنا عامل إيه؟


ضحكت هذه المرة ضحكة كاملة، أكثر صدقًا، وقالت:

— فريد كويس الحمد لله.


أومأ برضا واضح، وقال بنبرة دافئة صادقة:

— ربنا يصلّح حاله يا رب.


ثم تابع بابتسامة تحمل ودًّا قديمًا:

— فريد إنسان محترم وخلوق، وأنا بعتبره زي كريم ابني بالظبط .


أومأت بهدوء، وقالت بصوت منخفض:

— معاك حق.


لم تغب عن الطبيب تلك اللحظة القصيرة التي لانت فيها ملامحها حين ذُكر اسم أخيها، ولا الهدوء المفاجئ الذي تسلل إلى نبرتها. دوّن شيئًا ما بالدفتر أمامه، ثم نظر إليها من جديد، وأسند كفيه إلى بعضهما، وانحنى قليلًا للأمام، وقد صارت نبرته أهدأ وأعمق، وقال:

— طمّنيني عليكي يا نسيم…


سكت لحظة متعمدًا، ثم أكمل:

— أخبارك إيه؟ حياتك ماشية إزاي؟ وصلتي لفين دلوقتي؟


نظرت إليه نسيم وهي تفرك يديها بتوترٍ واضح، ثم بدأت تحكي بابتسامةٍ مهزوزة لا تخفي ارتباكها:

— أنا دلوقتي متجوزة…


أومأ الطبيب بابتسامة هادئة مشجِّعة، فأنزلت بصرها ببطء نحو بطنها، وتابعت بصوتٍ أكثر خفوتًا، وابتسامتها لا تزال مرتجفة:

— وحاليًا حامل الحمد لله… مستنية بيبي توينز.


اتسعت ابتسامته فورًا، وامتلأت ملامحه دفئًا أبويًا صادقًا، وقال :

— بسم الله ما شاء الله… ربنا يكملك بخير .


— يا رب…


ساد صمتٌ قصير بعدها، فأخذ الطبيب يراقبها بعينٍ خبيرة، يعرف أن ما قيل ليس هو الجوهر بعد… وأن ما تبقّى لديها هو الأثقل .



تنفست نسيم بعمق، ثم قالت وكأن الكلمات تغادر صدرها بصعوبة:

— أنا اتجوزت…


توقفت، ثم أكملت بعد تنهيدة طويلة، وقد وهن صوتها:

— اتجوزت أخو حازم الله يرحمه… عاصم.


لم تظهر عليه الدهشة كما توقعت، بل اكتفى بابتسامة هادئة وهو يهز رأسه بتفهم:

— أيوه… كنت عرفت.


رفعت عينيها إليه ببطء، فتابع بنبرةٍ ودودة صادقة:

— إنتِ عارفة إن أنا بعتبر نفسي واحد منكم. بحكم إني كنت دايمًا على تواصل مع والدتك ناهد هانم الله يرحمها، وبعدها فريد، وإنتِ… علشان كده أي خبر يخصكم كان دايمًا يهمني أعرفه.


ثم أضاف بهدوء:

— ووصلني فعلًا إنك اتجوزتي عاصم… وواضح جدا إنه  إنسان محترم، ميتخيرش عن أخوه الله يرحمه.


هزّت نسيم رأسها ببطء موافقةً، لكن عينيها خانتاها؛ إذ لمع فيهما بريق دموعٍ حاولت عبثًا أن تمنعه. انخفضت نظراتها مرة أخرى، وراحت تمسح كفّيها ببعضهما في حركة لا إرادية، بينما أحس الطبيب أن الحديث اقترب من الجرح الحقيقي… الجرح الذي لم يُفتح بعد، لكنه على وشك أن يُقال.


هزت رأسها بموافقة من جديد وتابعت :

ـ الحقيقه.. يعني مش عارفه أشرح لك احساسي ازاي.. بس أنا بقيت حاسه إني ماستاهلش إنسان زي عاصم، حاسه إني هكون السبب في تعاسته زي ما كنت السبب في موت أخوه.. أنا بقيت بشوف نفسي عبء تقيل عليه، بقيت بحس إني حِمل تقيل  على كل اللي حواليا مش بس عاصم، ده حتى أخواتي كمان بقيت بحس إني مش من حقي أشغلهم معايا بمشاكلي أكتر من كده..


ثم توقفت قليلا، وتابعت وقد احتدت ملامحها:

ـ وفي نفس الوقت عايزاهم كلهم جنبي.. مش أنانية مني..


صمتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه واستطردت:

ـ أو يمكن أنانية .. مش عارفه.. صدقني يا دكتور انا مبقتش عارفة ولا فاهمة أنا عايزه ايه بالظبط.. أنا بقيت حاسه إني جوايا كمية تناقضات متعبة جدا ومهلكة نفسيا جدا جدا .


مال الطبيب بجسده للأمام قليلًا، وأصبحت نبرة صوته أهدى وأكثر دفئًا وهو يقول :

ـ خليني أقولك حاجة مهمّة قوي قبل أي تفسير…

اللي إنتِ حاسة بيه مش تناقض، إنتِ عايشة حالة اسمها ذنب التعلّق.


رفعت نسيم عينيها له ببطء، تنتظر بصبر تفسيره، فقال:

ـ إنتِ فقدتي حازم في ظرف صادم، والعقل في الصدمات دي بيعمل حاجة خطيرة… بيربط بين الحب و الأذى.. فأي حد تحبيه بعد كده، عقلك بيبدأ يصور لك إن كل اللي بتحبيه هيتعرض للأذى بسببك ..


تنفست بصعوبة، بينما هو أكمل بهدوء:

ـ علشان كده شايفة نفسك عبء عليه، مش لأنك فعلاً عبء…لكن لأن عقلك بيحاول يحمي اللي حواليكي منك.


ثم دون شيئا ما في دفتره، وتابع بنبرة هادئة:

ـ أما إحساسك إنك متستاهليش عاصم، فده شعور بعدم الاستحقاق ناتج عن الصدمات المتلاحقة اللي عشتيها، وده طبيعي جدااا لأنك ماتعالجتيش من الصدمات دي لحد دلوقتي ، فبالتالي الشعور ده ما زال متغلغل جواكي لحد دلوقتي !



سكتت، وهي تستشعر صدق وواقعية حديثه، فلقد وضع يده فوق جرحها النازف وشعورها الفعلي بعدم الاستحقاق، وبدأت دموعها تنهال بصمت، بينما هو يتابع بثقة :

ـ الإنسان مننا لما بيعاني من أزمة عدم الاستحقاق، ويحس إنه ميستاهلش السعادة والفرحة، أو في عز ما يكون مبسوط وفرحان يبقى مستني المصيبة اللي هتحصل بعدها .. ده مش من فراغ، ده له جذور نفسية عميقة، أولها هو وجود عقدة ذنب متأصلة جوانا، وده بالفعل موجود عندك من وقت موت حازم.. ثاني حاجة هي جلد الذات باستمرار.. تالت وأهم حاجة هي صدمات الطفولة ..


وزم شفتيه بأسف وتابع :

ـ وطبعا الصدمات دي مفيش أكتر منها، فبالتالي إنتي عندك كل ما يحفز شعورك بعدم الاستحقاق، وبالتبعية إنتي دايما حاسة إنك متستاهليش عاصم وحاسة إنه كتير عليكي !


أومأت أن نعم، فتابع بهدوء:

ـ نيجي بقى للتناقض اللي مدمّرك…

إنك عايزة الناس جنبك، وفي نفس الوقت حاسة إن وجودك بيأذيهم.


ابتسم ابتسامة صغيرة متفهّمة، ثم تابع :

ـ ده اسمه صراع الاحتياج.. جزء منك محتاج الأمان والاحتواء علشان يعيش… وجزء تاني خايف من الاحتياج ده، حاسس إنه أنانية .. لكن في الواقع إنتِ مش أنانية يا نسيم.. إنتِ مجروحة جروح لم يتم التخلص منها بعد..


سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة صادقة:

ـ والإنسان في الحالة دي بيبقى محتاج الناس… بس في نفس الوقت بيحاول يبعدهم علشان ما يجرحهمش معاه بقسوته أو تصرفاته اللي هو نفسه مبيبقاش فاهمها.. وده تعب… تعب شديد ليه قبل ما يكون للغير..


أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:

ـ أخطر حاجة إنك بقيتي تحاسبي نفسك على إحساسك.

وده غلط.. لأن دي المصيدة اللي بنقع فيها، لأننا المفروض نكون سند لنفسنا في وقت الوجع، لكن بدلا من ده بنتحول لقاضي وجلاد في نفس الوقت !


وابتسم ابتسامة عطوفة وهو يشرح ببساطة:

ـ مع إن الموضوع أبسط من كده.. المشاعر دي يا نسيم عامله زي موج البحر .. مفيش حد بيحاسب الموجة هي عالية أو واطية ليه! لأنها موجة وبتعدي.. الحل في إننا نتقبل نفسنا زي ما احنا، ونتصالح مع نفسنا ومشاعرنا، والأهم نسامح نفسنا على اللي فات ونحاول نكون أحسن..


كان حديثه أشبه بمفتاحٍ خفيٍّ أُدخل في قفلٍ صدئٍ داخلها، قفلٍ ظلّ موصَدًا طويلًا تحت ثقل الصبر والتجلّد.

لم تكن كلماته قاسية، بل كانت هادئة إلى حدٍّ مخيف، هدوءًا يسبق الانهيار .


وكأن كلماته نزعت عنها آخر طبقة حماية كانت تختبئ خلفها؛ ذلك التماسك المصطنع، وتلك الابتسامة التي اعتادت أن تخفي بها وجعها.

اهتزّ شيء عميق في داخلها.

رعشة خفيفة تسلّلت إلى صدرها، فتقلّصت أنفاسها، وشعرت بثقلٍ يتكدّس خلف عينيها، كأن الدموع تصطفّ منتظرة الإذن.

أدركت في تلك اللحظة أن السدّ الذي بنته داخلها بدأ يتصدّع..


ـ أنا بقيت نسخة تانية مني، أنا مش حابّاها. حاسّة إني بجرح اللي حواليا عن عمد، مع إني بكون متضايقة بعدها.

في الأول كنت براعي جدًا أي حد قدّامي، وبحاول أكون لطيفة، يعني عمري ما حبيت إن حد يتضايق مني أو إني أجرح حد بكلمة.




مش عارفة ليه ما بقيتش قادرة أعمل كده دلوقتي.

مع إن دلوقتي حالي أحسن من زمان بكتير.

دلوقتي عاصم في حياتي، شايل عني كتير، ومدّيني إحساس الحب والأمان اللي كنت مفتقداه طول عمري.

يعني المفروض ما يكونش ده تصرّفي، المفروض أكون أهدى من كده، وأبدأ أنسى اللي فات، وأبني حياة جديدة، وأسـامح… بس مش قادرة أعمل كده.


أنصت الطبيب إليها في صمتٍ كامل، لم يقاطعها، ولم يُبدِ أي ردّة فعل متعجّلة. وحين انتهت، لم يسارع بالكلام، بل ترك لحظاتٍ قصيرة تمرّ بينهما، ثم قال بهدوءٍ موزون:

ـ اللي بتقوليه ده يُعرف في علم النفس بتغيّر ما بعد الصدمة.


رفعت نسيم عينيها نحوه ببطء، وقد اختلط في نظرتها الاهتمام بالحيرة، فقال:

ـ انتي مش نسخة سيئة من نفسك.. انتي نسخة مُنهَكة.


مال قليلًا إلى الخلف، واستقرّت نبرته وهو يتابع:

ـ الحدة اللي بتتعاملي بيها دي ما هي إلا آلية دفاع بتحمي بيها نفسك، عقلك اتعود إنه يسبق بالألم عشان يحمي نفسه من الصدمات الخارجية.. أما إحساسك بالذنب بعد كل مرة بيحصل فيها كده فده دليل كبير على إن معدنك حلو جدا وجوهرك زي ما هو.. لسه إنسانة حساسة وقلبك أبيض .


واتكأ قليلا للأمام ثم تابع :

ـ نيجي بقا لآخر وأهم نقطة.. وهي إنك بتقولي حالك دلوقتي بقا أفضل ومع ذلك متوترة ومضطربة أكتر..


أومأت وهي تنصت إليه هذه المرة باهتمام أكبر، فقال:

ـ وده لأن الأمان الحقيقي بيطلع الوجع المدفون جوانا، طول ما الإنسان في حالة حرب.. الوجع بيفضل مستخبي جواه، فتلاقيه هادي وساكن بالرغم من إن جواه غير كده تماما.. لكن لما بيبدأ يحس بالأمان سواء مع حد بيثق فيه أو لما بيتصالح مع نفسه— عقله بيدي إشارة للجسم إنه دلوقتي نقدر ننهار بسلام .. الشعور بالأمان بيسمح للشخص بالتعبير عن مشاعره بحرية أكتر، لأن لما التهديد بيقل، بيقل معاه إحساسنا بالخطر بالتدريج، وبالتالي بيبدأ الجهاز العصبي يخرج من حالة التأهب اللي كان فيها طول الوقت، فيبدأ يواجه ذكرياته المؤلمة وتجاربه الصعبة، ودي أولى خطوات التحرر منها والسير بخطوات ثابتة نحو التعافي التام .


تنهدت نسيم، وتنهد هو مبتسما بدفء، ثم قال:

ـ ودلوقتي.. حاسة إنك عاوزة تضيفي حاجة ؟! ولا كفاية كده المرة دي ؟!


أومأت بهدوء وقالت:

ـ كفاية جدا ..


ابتسم وهو يوميء قائلا:

ـ تمام.. خليني بس أقولك على شوية خطوات مهمة بنسميها إسعافات أولية نفسية .. هتمشي عليها لحد الزيارة الجاية، و أولها إننا هنوقف جلد الذات تماما.. يعني لو حسينا إننا هنتطرق للنقطة دي حاولي تشغلي تفسك بسرعة، ثانيا.. قاعدة مهمة لازم نطبقها: مش كل شعور محتاج رد فعل فوري.. في مشاعر كتير علاجها التجاهل..


وتنهد ثم تابع :

ـ تالت حاجة ودي مهمة أوي في المرحلة دي، وهي إننا لازم نفصل بين الإحساس والفعل.. الفكرة ببساطة إن الإحساس (عفوي) مفيش عليه جمرك، من حقك تحسي بالخوف، الغيرة، الوجع، أو حتى الرغبة في الهروب. ده رد فعل كيميائي وجسدي مش بايدك تمنعيه.

لكن الفعل (اختياري) ده اللي بايدك؛ هل لما أحس بالوجع "أجلد نفسي"؟ هل لما أحس بالخوف "أهاجم اللي قدامي"؟ هنا بتبدأ قوتك.

لما بتفصلي بينهم، بتدي لنفسك مساحة بين التأثر وبين الاستجابة. في المساحة دي، شعورك الأمان بيكبر، لأنك مبقتيش "عبدة" لمشاعرك، ولا بقيتي "جلادة" ليها .. فهماني؟



أومأت بتفهم، فتابع مختتمًا حديثه:

ـ وأخيرا .. لازم تكتبي يا نسيم.. اكتبي من غير "فلتر"، من غير ما تحاسبي نفسك على أي شعور أو تصرف. سيبي القلم يطلّع الحدة، والخوف، وعدم الاستحقاق اللي جواكي.. طلعي الوجع المدفون كله عشان تتنفسي وتقدري تبدأي من جديد .. اتفقنا ؟!


أومأت نسيم ببطء، ثم مدت يداها نحوه وأطبقت على يده وهي تقول بابتسامة هادئة:

ـ أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا دكتور ..


اتسعت ابتسامته برضا وهو يقول:

ـ لا شكر على واجب.. ده واجبي يا نسيم .


نهضت من مقعدها، انتبهت لدهشة خفيفة؛ كأن كتفيها لم يعودا يحملان ذلك الثقل المعتاد، وكأن جسدها تعلّم فجأة وضعية جديدة أقل انحناءً أمام الوجع.


خرجت من الغرفة بخطوات أهدأ، ليست أسرع، لكنها أخف… فرقٌ دقيق لا يُلاحظ إلا لمن يعرف ثقل المشي حين يكون القلب مثقلاً. كان عقلها لا يزال مزدحمًا بالأفكار، لكن الزحام فقد حدّته؛ لم تعد الأصوات بداخله تتصارخ، بل باتت تتجاور في هدوء غريب.


ولأول مرة منذ زمن، لم تشعر بأنها مطالبة بتفسير نفسها أو تبرير مشاعرها. فكرة أن تكتب بلا محاكمة، بلا خوف من القبح أو الخطأ… منحتها إحساسًا نادرًا بالتحرر. كأن أحدهم أزال المرآة التي كانت تُجلد نفسها أمامها كل ليلة .


تنفست بعمق، فلاحظت أن النفس يصل إلى صدرها كاملًا دون انقطاع. لم يختفِ الوجع، لكنها أدركت أنه لم يعد متحكمًا فيها، صار قابلًا للحمل، قابلًا للبوح. شعرت بخفة تشبه خفة البكاء بعد كتمان طويل .ظ


ابتسمت ابتسامة باهتة لكنها صادقة، ابتسامة من يعرف أن الطريق ما زال طويلًا، لكنه لم يعد مظلمًا بالكامل. تعرف لم تُشفَ بالكامل… لكنها بدأت أخيرًا تشعر أنها قادرة على الوقوف، والبدء من جديد.


༺═────────────────═༻


حين وصل نغم وفريد إلى أطراف أثينا، بدأ الطريق يعلو ببطء، ينسحب من صخب المدينة إلى هدوء المرتفعات. الصخور البيضاء تتدرّج على الجانبين، وأشجار الزيتون العتيقة مصطفّة كحُرّاس صامتين، أوراقها الفضية تلمع تحت شمس العصر.


الجو كان مثاليًا على نحوٍ مريب؛ شمس دافئة بلا قسوة، والسماء زرقاء صافية، لا تشوبها سوى سحب خفيفة متناثرة .


ترجلا من السيارة، فشعرت نغم بأن الأرض تحت قدميها قد بدت أكثر اتساعًا.وو أمامهما امتدّ المشهد: منحدر أخضر ينتهي فجأة على فراغ مهيب، ومن بعده بحر إيجه، واسع، لامع، لا حدّ له. بينما كانت الطائرات الشراعية الملوّنة تحلّق في السماء كطيورٍ كسولة، تصعد وتهبط بسلاسة مغرية.


اقتربا من نقطة الانطلاق، حيث تعالت أصوات الرياح، بينما المدربون من حولهم يتحركون بثقة وكأن التحليق أمر يومي بسيط.



هنا، فوق أثينا، حيث التاريخ تحت الأقدام والسماء قريبة بما يكفي للمس، بدا كل شيء ممكنًا… الطيران، الضحك، وحتى القفز بلا خوف.


أخذت نغم تنظر حولها بغير تصديق، وذهول ممزوج بالخوف، وهي تقول:

ـ متقولش إننا هنعمل زيهم !


ـ أومال جايين لحد هنا نتفرج عليهم مثلا ؟!


نظرت إليه بترقب، ثم إلى الفراغ الممتد أمامها، وانقبض قلبها بخوف، وهزت رأسها برفض، بينما هو اقترب منها وهو يهتف بهدوء :

ـ متخافيش وأنا معاكي .


وكأنها كانت تنتظر كلماته تلك ليزول عنها إحساس الخوف، فأومأت باستسلام، شدّ فريد أحزمة الأمان حول خصرها وصدرها بحرص بالغ، راجع المشابك المعدنية واحدًا تلو الآخر، ثم مال قليلًا ليقول بصوت هادئ ثابت:

— جاهزة ؟!


أومأت نغم، ورغم تسارع أنفاسها، لم يكن الخوف هو الغالب، بل ذلك الارتجاف الجميل الممزوج بالحماس. نظرت إلى الأمام، إلى المساحة المفتوحة التي لا تحدّها أرض ولا جدار، وشعرت للمرة الأولى أن قدميها لا تنتميان إلى الأرض.


كانت عيناها معلّقتين بالأفق، حيث يلتقي زرقة السماء بزرقة البحر في خطٍ ناعم لا يُرى. فيما شدّ فريد على يدها قليلا ..


ومع الإشارة الأولى، تحرّكا معًا. خطوات قصيرة مترددة في البداية، ثم أسرع الإيقاع فجأة، وكأن الأرض نفسها تدفعهما دفعًا. في اللحظة الفاصلة بين الجري والسقوط، حين ظنّت نغم أن قلبها سيتوقّف، حيث انشدّت المظلّة فوقهما، امتلأت بالهواء دفعة واحدة.


لم يسقطا. بل طارا.


انفصلت أقدامهما عن الأرض بسلاسة مدهشة، كأن الخيط الأخير الذي يربطهما بالعالم قد انقطع. ظهرت السماء تحتهما، وانكمشت الهضبة سريعًا حتى صارت مجرد بقعة بعيدة، بينما امتد الأفق في جميع الجهات، واسعًا، حرًّا، لا يملكه أحد.


شهقت نغم، شهقة طويلة اختلطت بالضحك والدموع، وتشبثت بحزام الأمان، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ، قبل أن تفتحهما على مشهد لم تكن تتوقع أن تراه من هذا البعد..  الأرض من تحتها لوحة حيّة، طرق دقيقة كخيوط، بيوت صغيرة كالألعاب، وبحر بعيد يلمع كمرآة كونية.


ترددت لحظة، ثم مدّت ذراعيها في الفراغ، فمرّت الريح في قلبها دافئة وحرة، كأنها تصافحها. في تلك اللحظة، لم تعد تشعر بوزنها، ولا بتاريخها، ولا بكل ما أثقل روحها يومًا. كانت مجرّد طائر يحلق فوق سماء الأمنيات .


دار بهما ببطء، انحرف قليلًا نحو اليمين، ثم اليسار، والمظلّة تستجيب كجناح طائر مدرّب. فيما نغم تستسلم تمامًا، تراقب العالم من علٍو، وتدرك من هذا الارتفاع، أن كل الجراح تبدو قابلة للشفاء.


༺═────────────────═༻

في الڤيلا..

وقبل أن تغادر زينب برفقة لاتويا، طلب منها سالم أن تحضر له الطفل ليبقى رفقته إلى أن تعودان 


أخذ سالم يحدّق في الطفل، وقد ارتسم على ملامحه شيءٌ من الانتشاء الهادئ؛ ملامح متماسكة يمتزج فيها الفخر بالثبات، وهو يتأمل تلك القسمات البريئة التي تطابقت مع ملامح والده في العمر ذاته تطابقًا يتجاوز أي تحليلٍ للحمض النووي، وكأن الزمن نفسه قرر أن يعيد النسخة ذاتها بلا نقصان.


كان الطفل غارقًا في نومٍ عميق، انتظام أنفاسه يشير إلى طمأنينة كاملة، بينما ظل سالم يتفحّصه في صمت. ضمّ الصغير شفتيه بحركةٍ عفوية لا إرادية، فارتسمت على شفتي سالم ابتسامة صامتة، خفيفة.

وفي تلك اللحظة، ارتدّ به الزمن خمسةً وعشرين عامًا إلى الوراء… إلى اللحظة التي حمل فيها عمر بين يديه للمرة الأولى. يومها، ورغم غضبه العارم حين علم بحمل نادية، لم يستطع أن يمنع ذلك الإحساس الخفي بالرضا من التسلل إلى قلبه؛ فقد جاءه ابنٌ ذكر آخر، امتداد جديد لاسمه، وسندٌ كان يأمل أنه سيكون يومًا عونًا له ولفريد، مهما حاول إنكار ذلك في حينه.


عاد سالم ببصره إلى الطفل من جديد، كأن المقارنة لم تكن خيارًا بل قدرًا مفروضًا عليه. الملامح ذاتها، السكون ذاته، عمر كان هكذا؛ طفلًا هادئًا، لا يبكي كثيرًا، وينام لساعات طويلة جدا  .


امتدت يده لا إراديًا، فتوقف قبل أن تلامس الصغير. تردّد لحظة، كما تردّد قديمًا وهو يحمل عمر للمرة الأولى؛ الخوف ذاته من التعلّق، من الاعتراف. سحب يده ببطء، وزفر أنفاسًا لم يكن يدري أنه يحبسها.


عمر…

شابٌ يقف الآن على الضفة الأخرى من الزمن، لا طفلًا بين ذراعيه. رجلٌ يحمل اسمه، وبعض من ملامحه، وربما أخطاءه أيضًا. تساءل سالم في صمتٍ موجع: هل صار عمر ما أراده له؟ أم ما هرب منه؟ وهل كان صرامته درعًا حماه، أم جدارًا عزله عنه؟


عاد ينظر إلى الطفل، وقد أدرك فجأة قسوة الدائرة. هذا الصغير لا ذنب له في تاريخٍ لم يختره، تمامًا كما لم يختر عمر أن يولد في قلب صراعٍ لم يُحسم أبدًا. ارتسمت على ملامح سالم مسحةُ قلقٍ خفي، قلقُ رجلٍ يرى الماضي يتكرّر، لكنّه هذه المرّة عاجز عن إقناع نفسه بأن النتيجة ستكون مختلفة.


ثبتت عينا سالم على الطفل، ومع ثبات النظرة بدأ صوته الداخلي يعلو، هادئًا وحاسمًا كقرارٍ اتُّخذ دون استشارة أحد.

هذا هو الامتداد… الامتداد الحقيقي للعيلة.

ليس مجرد طفل، بل اسم سيتكرر، وخط سيُستكمَل، وراية لن تسقط.


هذا الصغير هو من سيحمل اسمه واسم العائلة، وحينها فقط سيشعر سالم أنه لم يعش عبثًا. هذا هو الإنجاز الذي يمكنه التباهي به، لا الصفقات، ولا المال، ولا النفوذ الزائل. طفلٌ يُعيد للعائلة هيبتها، ويمنح الاسم عمرًا أطول من أعمارهم جميعًا.


لكن…

شدّ سالم على فكه قليلًا، وكأن الفكرة التالية تؤلمه بقدر ما تُخيفه.


لا.

هذا الطفل لا يجب أن يكون نسخة منه.

ولا نسخة من أبيه بما فيه من ضعف وسلبية واستسلام.


هذا الطفل يجب أن يكون نسخة منقّحة.

نسخة أذكى، أصلب، أنقى من أخطائهم، نسخة تعرف متى تكون قاسية ومتى ترحم، متى تصمت ومتى تضرب، دون تهوّر، دون خوف. نسخة لا تحمل عُقدهم، ولا تدفع ثمن صراعاتهم المؤجلة.


لذا فإن أنصفه العمر

هو سيصنعه بيده…

سيُشكّله كما تُشكَّل المعادن الصلبة، بالنار .

سيمنحه ما حُرم منه ..

وساعتها فقط، حين يكبر هذا الطفل، سينظر سالم إلى الناس مرفوع الرأس، واثقًا، متفاخرًا بصنع يده وتشكيله .


تنهد بريبة وهو يشعر أنه قد حمّل الأمر أكثر من اللازم، وزفر أنفاسه بهدوء ، فإذا به يستمع إلى طرقات على الباب، فأذن بالدخول وهو يعرف أن القادم حسن.


دلف حسن بهدوء، فتعجب حين رأى والده وهو يحمل الطفل، ابتسم لا إراديًا وهو يطالع الطفل النائم بهدوء، ثم نظر إلى والده وقد اكتست ملامحه جديتها من جديد، فقال:

ـ قلت لي إنك عايزني ؟!


أومأ والده وهو ينظر إليه بهدوء متفرسًا، فقال حسن:

ـ خير ؟!


نظر سالم إليه، وبدون أي مقدمات سأله بهدوء لا يخلو من ضيق:

ـ إيه اللي بينك وبين بنت نادية الصواف يا حسن ؟!!


ـــــــــــــــــــــــــ


#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close