القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جنـازة طفلاي التـوأم، 



طفلاي

فـي جنـازة طفلاي التـوأم، وبينـما كان التابـوتان الصـغيران أمامـي، اقتـربت حمـاتي وهمسـت=ربنا أخدهم لأنه عـارف إنك متستهليش تكونـي ام..

وحين توسلت لها أن تصمت، صفـعتني ودفعت رأسي في التابوت وقالت=اسكتي، وإلا هخليكي تحصليهم .لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد…اسمي هالة محمود، واليوم الذي ودعت فيه طفليّ التوأم كان اليوم الذي انكسر فيه شيء داخلي للأبد

كان تابوتان أبيضان متجاوران في مقدمة المسجد الصغير، بالكاد يصل طول الواحد منهما إلى ذراعيّ…آدم وياسين

ناما في تلك الليلة ولم يستيقظا أبدًا…الأطباء قالوا إنها متلازمة مو.ت الرضع المفاجئ…كلمتان باردتان لا تشرحان شيئًا، ولا تعيدان نفسًا، ولا تُخففان وجعًا…ظلت العبارة تدور في رأسي كالسخرية القاسية..ىكنت واقفة بلا إحساس، أحمل وردة ذابلة بين أص,,ابعي، أراقب النعشين وكأنهما لا يخصانني، حين شعرت بنفَس ثقيل خلفي…كانت فاطمة، حم,,اتي…اقتربت أكثر مما ينبغي، كان عطرها النفاذ يخنقني، وصوتها منخفضًا لكنه مسمومًا وهي تهمس قرب أذني=0ربنا خدهم لأنه عارف إنتِ متستهليش

شعرت وكأن سكـ،ينًا غُرست مباشرة في ص,,دري…استدرت إليها، والدموع تنهمر دون قدرة على السيطرة=لو سمحتي اسكتي بس النهارده كفاية هما م,,اتوا

ارتج المكان بتمتم,,ات ودهشة مكتومة وقبل أن أستوعب ما يحدث، انطلقت يدها وصفعتني بقوة…الصوت كان أعلى من البكاء من حولنا…اختل توازني، وشدتني من شعري بعن,,ف، دفعتني إلى الأمام..ىارتطم رأسي بحافة التابوت الصغير ارتطامًا مكتومًا

رأيت النجوم، وتذوقت طعم الدم في فمي…اقتربت من وجهي وهمست بأسنان مشدودة…=خليكِ ساكتة لو مش عايزة تلحقيهم

كل شيء صمت في تلك اللحظة…لم أعد أسمع إلا دقات قلبي في أذني…زوجي محمود كان واقفًا على بعد خطوات، متجمدًا في مكانه، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، لكنه لم يتحرك

لم يصرخ…لم يقترب…لم يقل شيئًا

الناس حدقوا في ذهول، لا يعرفون هل يتدخلون أم لا

الشيخ تنحنح بتوتر، لكن الكلم,,ات خانته

وفي تلك اللحظة، وأنا أستند بيدي المرتعشة على التابوت الأبيض، لم أشعر بالحزن فقط…شعرت بالوضوح

أدركت أن ما فعلته فاطمة لم يكن وليد لحظة فقد…كانت تكرهني منذ اليوم الأول…لامتني على زواج ابنها بي…على تركي عملي لأرعى أولادي…على كل شيء لم يتوافق مع صورتها المثالية للعائلة

وبينما كانت دموعي تتساقط على الخشب الأبيض، رأيت في الصف الأمامي شخصًا يرفع هاتفه ببطء ويبدأ التسجيل

عندها فقط…عرفت أن هذه الجنازة…لن تنتهي بالطريقة التي ظنتها فاطمة … صلـي علـي محمد وال محمد وتابع التعليقات


لم أكن أعرف اسم الرجل الذي رفع هاتفه في الصف الأول، لكنني سأعرف لاحقًا أن تلك الحركة الهادئة كانت أول خيط نجاة في بحر مظل,,م كدت أغرق فيه. لم يصرخ، لم يلوّح، فقط ثبّت الهاتف بيد ثابتة، وكأن عقله سبق الجميع إلى ما سيحدث بعد دقائق.



أما فاطمة، فقد تراجعت خطوة واحدة فقط، وعدّلت وشاحها كأن شيئًا لم يكن، ثم جلست في الصف الأمامي، رافعة رأسها، متصنعة الوقار، وكأنها لم تدفع رأس أم ثكلى في تابوت طفلها منذ ثوانٍ.


محمود ما زال واقفًا. لم يتحرك. لم يأتِ نحوي. لم يمد يده. لم ينطق بحرف. في تلك اللحظة فهمت أنني لم أفقد طفلين فقط، بل فقدت زوجًا حيًا يقف أمامي بجسد بلا روح.



اقتربت امرأة من الجيران وربتت على كتفي بخفة، كانت تبكي أكثر مني. همست لي أن أجلس، أن أهدأ، أن الله كبير. لم أرد. لم أعد أؤمن بالكلم,,ات الجاهزة. جلست فقط لأن قدمي لم تعودا تحملانني.


انتهت الجنازة كما تنتهي الطقوس دائمًا، بسرعة جارحة، كأن المو.ت موعد ضيق لا يحتمل التأخير. خرج الناس واحدًا تلو الآخر، بعضهم يشيح بوجهه، بعضهم يهمس، بعضهم ينظر إلى فاطمة بنظرة لم تستطع قراءتها.



حين حمل الرجال التابوتين، شعرت أن ص,,دري يُنتزع، لا يُكسر فقط. تبعتهم بخطوات بطيئة، رأسي يؤلمني، دمي ما زال ساخنًا على جبهتي، ولم يقترب محمود حتى الآن.


بعد الدفن، عدت إلى البيت. لم يكن بيتًا بعد الآن. كان فراغًا كبيرًا، صامتًا، بلا أصوات بكاء، بلا رائحة حليب، بلا لعب صغيرة تحت الطاولة. كل شيء كان نظيفًا أكثر من اللازم، كأن الحياة انسحبت فجأة وتركت مكانها.


دخلت غرفتهما. السرير الصغير كما هو. الغطاء الأزرق مطوي. لعبتهما المفضلة في الزاوية. جلست على الأرض وبكيت كما لم أبكِ من قبل، بكاء بلا صوت، بلا صراخ، بكاء يشبه الاختناق البطيء.


في المساء، دخل محمود الغرفة أخيرًا. وقف عند الباب، لم يقترب. قال بصوت مبحوح


اللي حصل كان غلط… بس أمي كانت منهارة.


ضحكت ضحكة قصيرة خرجت من مكان مكسور داخلي


دفعت رأسي في تابوت ابني، وهددتني بالمو.ت… ودي اسمها منهارة؟


سكت. لم يدافع. لم يعتذر. اكتفى بالصمت. وذلك كان اعترافه الحقيقي.


في اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من رقم غريب. كان الرجل الذي صوّر. قال إن اسمه سامح، صحفي مستقل، وإنه لم يستطع النوم بعد ما رآه. قال إن الفيديو واضح، وإنه مستعد للشهادة لو قررت ألا أسكت.


أغلقت الهاتف وجلست طويلًا أحدق في الحائط. لم أكن أفكر في الانتقام. كنت أفكر في شيء واحد فقط


آدم وياسين لا يستطيعان الدفاع عن نفسيهما… لكنني أستطيع.



ذهبت إلى المستشفى. وثّقت إص,,ابتي. كدمة في الجبهة، ارتجاج خفيف، تقرير مكتوب. بعدها ذهبت إلى قسم الشرطة. كانت يداي ترتجفان، لكن صوتي كان ثابتًا على غير المتوقع. رويت كل شيء. لم أبكِ. لم أصرخ. قلت الحقيقة فقط.


حين استُدعيت فاطمة للتحقيق، حضرت بكامل زينتها، مرفوعة الرأس، تبتسم بثقة امرأة لم تُحاسَب يومًا. أنكرت في البداية. قالت إنني كنت في حالة هستيرية. قالت إنني وقعت وحدي. قالت إن الحزن جعلني أتوهم.


ثم عُرض الفيديو.


لم يتكلم أحد. كانت الصورة أوضح من أي شهادة. صوتها، حركتها، الصفعة، الدفع، الهمس القاتل. رأيت وجهها يتغير لأول مرة. لم تصرخ. لم تبكِ. فقط صمتت.


أما محمود، فقد طُلب حضوره كشاهد. جلس أمام الضابط مطأطئ الرأس. سُئل سؤالًا واحدًا


هل رأيت ما حدث؟


سكت طويلًا. ثم قال


نعم.



سُئل


ولماذا لم تتدخل؟


لم يجب.


ذلك الصمت كان الطلاق الحقيقي.


لم أعد إلى البيت. انتقلت إلى شقة صغيرة بمساعدة صديقة قديمة. بدأت علاجًا نفسيًا. كنت أستيقظ فزعَة، أسمع بكاء غير موجود، أرى التابوتين في أحلامي. لكنني كنت أتعلم شيئًا جديدًا كل يوم


أن الألم لا يُشفى بالصبر فقط، بل بالمواجهة.


القضية أخذت وقتًا. الصحافة التقطت الخبر. ليس لأنني أردت ذلك، بل لأن الفيديو خرج. الناس انقسموا. من قال إنني أبالغ، ومن قال إن ما حدث جريمة مكتملة. لم يهمني الرأي العام. كنت أريد عدلًا، لا تعاطفًا.


في الجلسة الأخيرة، وقفت أمام القاضي، نظرت إليه وقلت


أنا لا أطلب شفقة. أطلب حماية. لأن المرأة التي فعلت هذا بي اليوم، قادرة أن تفعله بغيري غدًا.


ص,,در الحكم بإدانة فاطمة بالاعت,,داء والتهديد. لم يكن الحكم طويلًا، لكنه كان كافيًا ليقول كلمة واحدة


ما حدث لم يكن مقبولًا.


خرجت من المحكمة مرفوعة الرأس. لم أشعر بالنصر. شعرت فقط أنني لم أمت مرتين.


أما محمود، فقد أرسل ورقة الطلاق عبر محامٍ. لم يعترض. لم يحاول. ربما لأن الحقيقة حين تظهر، لا تترك مساحة للكذب.


اليوم، بعد عام كامل، ما زلت أمًا. لا لأن أطفالي أحياء، بل لأنهم وُجدوا، وعاشوا، وكان لهم أثر لا يُمحى. زرتهما صباح اليوم. وضعت وردتين بيضاوين. لم أبكِ كثيرًا. قلت لهما


مامتكم ما سكتتش.


وفي تلك اللحظة فقط، شعرت أن الشيء الذي انكسر داخلي في يوم الجنازة… لم يلتئم، لكنه لم يعد ينزف.


صلّي على محمد وآل محمد


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close