أثناء العشاء، وضعت ابنتي ورقة مطويّة أمامي بهدوء. كان مكتوبًا فيها:
أثناء العشاء، وضعت ابنتي ورقة مطويّة أمامي بهدوء. كان مكتوبًا فيها:
"تظاهري بأنك مريضة… وغادري هذا المكان فورًا."
لم أفهم المعنى في البداية—لكن شيئًا في عينيها جعلني أصدق دون نقاش. فاتبعت تعليماتها وخرجت. وبعد عشر دقائق فقط… أدركت أخيرًا السبب الذي جعلها تحذّرني.
بدأ ذلك الصباح كأي يومٍ عادي. فقد دعا زوجي ريتشارد مجموعة من شركائه إلى مأدبة غداء في منزلنا. كان الاجتماع مهمًا للغاية بالنسبة له، وربما حاسمًا في مسيرته المهنية، ولذلك أمضيت أسبوعًا كاملًا في التحضير—تنظيف، ترتيب، إعداد كل شيء بدقة متناهية.
كنت في المطبخ أرتّب الأطباق عندما ظهرت ابنتي سارة عند الباب.
كانت في الرابعة عشرة من عمرها، هادئة بطبيعتها، تراقب أكثر مما تتحدث.
لكن في تلك اللحظة… كان على وجهها شحوبٌ غير معتاد، وفي نظراتها توترٌ لا يمكن تجاهله.
قالت بصوت منخفض يكاد يضيع:
"أمي… أحتاج أن أريك شيئًا في غرفتي."
قبل أن أجيب، دخل ريتشارد وهو يصلح ربطة عنقه، وقال بابتسامة باهتة لا تمتّ للودّ بصلة:
"ما الذي تتهامسان به؟"
لم تجبه سارة. أمسكت بيدي وسحبتني إلى غرفتها بسرعة.
وبمجرد أن أغلقت الباب، التفتت إليّ، وبدت وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.
لم تنطق بكلمة في البداية.
مدّت يدها إلى درج مكتبها وأخرجت ورقة صغيرة، ثم وضعتها بين يديها وعيونها تراقب المقبض كما لو أنها تنتظر اقتحامًا.
فتحت الورقة… وقرأت الكلمات المرتجفة:
"تظاهري بالمرض… وغادري المنزل فورًا."
نظرت إليها بذهول:
"سارة… ما هذا؟ أهذا نوع من المزاح؟"
هزّت رأسها بسرعة، وصوتها بالكاد خرج:
"ليست مزحة يا أمي. أرجوكِ… صدّقيني. يجب أن تغادري الآن. قولي أي شيء، أي عذر… لكن اخرجي."
كانت في عينيها رجفة… لم أرَ مثلها في حياتي.
رجفة ليست لطفلة خائفة… بل لإنسان رأى شيئًا لا يحتمل.
قبل أن أستطيع استجوابها، سمعنا خطوات تقترب…
ثم بدأ مقبض الباب بالدوران.
انفتح الباب، وظهر ريتشارد، وملامحه ممتقعة بنفاد الصبر.
"ما الأمر؟ لماذا أغلقتم الباب؟"
رفعت نظري إلى سارة… وكانت عيناها توسّلان صامتًا، حادًا، يصرخ دون صوت:
"افعلِيها… الآن."
لا أعرف لماذا وثقت بها فورًا…
ربما لأن الخوف الحقيقي لا يخطئه قلب أم.
وضعت يدي على جبيني وقلت بصوت ضعيف:
"ريتشارد… أشعر بدوار شديد. يبدو أنها نوبة صداع مفاجئة. أحتاج إلى الخروج قليلًا."
تجهم وجهه:
"الآن؟ كنتِ بخير منذ لحظات."
قلت وأنا أتنفّس ببطء:
"أعرف… لكن الأمر ازداد فجأة."
وبعد دقائق، كنت أنا وسارة في السيارة.
كانت ترتجف… وتنظر إلى المنزل من خلف الزجاج وكأنها تتوقع أن ينهار أو ينفجر.
همست بصوت مرتجف:
"أمي… أرجوكِ، تحركي. يجب أن نبتعد. الآن."
أدرتُ المحرك، ورأسي ممتلئ بأسئلة لا تنتهي.
ماذا يحدث؟
ما الذي رآته؟
ولِمَ بدا الخوف في عينيها أكبر من عمرها بأعوام؟
وبعد عشر دقائق من الصمت… التفتت إليّ أخيرًا، وفتحت فمها لتتحدث.
وما قالته… حطّم عالمي كله.
طفلتى
التفتت إلي سارة أخيرا وعيناها ممتلئتان بدموع متجمدة وشفتاها ترتجفان بطريقة لم أرها منها من قبل ثم همست بصوت مكسور كاد لا يسمع
ماما ريتشارد يحاول قتلك.
تجمدت يداي على عجلة القيادة.
للحظة شعرت أن العالم كله توقف عن الدوران. لم أستوعب الكلمات في البداية كأنني سمعت جملة بلغة غريبة. رمشت بذهول وحدقت في وجهها للحظات طويلة وكأني أبحث عن أي أثر لمزاح لسوء فهم لنوبة غضب مراهقة لكنني لم أجد شيئا من ذلك.
وجدت فقط خوفا حقيقيا خاما لم يمر عبر أي تصنع.
ماذا قلت خرج صوتي متحشرجا.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي تشد أصابعها في حافة المقعد
ريتشارد يحاول أن يقتلك يا أمي. سمعته بنفسي الليلة الماضية كان على الهاتف يتحدث عن وضع السم في الشاي الذي تشربينه دائما أمام الضيوف.
شعرت بقلبي يهبط إلى قاع معدتي.
دون وعي ضغطت على الفرامل بقوة حتى كادت السيارة تصطدم بالمركبة التي أمامنا عند الإشارة. اهتز جسدنا بقوة وسمعنا زمورا حادا من السيارة الخلفية. انتبهت إلى أن الضوء تحول إلى الأخضر فحركت السيارة إلى الأمام آليا بينما عقلي ما يزال عالقا عند كلمات سارة.
تنفست بصعوبة وحاولت أن أتماسك
سارة هذا ليس نوع المزاح الذي يمكن تحمله ولا النوع الذي يغتفر. ما تقولينه خطير للغاية.
نظرت إلي بعينين دامعتين مزيج من الذعر والغضب
أمي هل تظنين للحظة أنني أمزح بمثل هذا الكلام لو لم أكن متأكدة لما كتبت تلك الورقة ولما توسلت إليك أن تغادري.
كانت نبرتها جادة بشكل لم أعهده فيها فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أخذت نفسا عميقا وسألت
حسنا أخبريني بكل شيء بالتفصيل. ماذا سمعت بالضبط متى كيف
أغمضت عينيها لحظة كأنها تجمع
شتات شجاعتها ثم قالت
نزلت من غرفتي أمس في وقت متأخر ربما كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. شعرت بالعطش فذهبت إلى المطبخ لأشرب ماء. وأنا عائدة رأيت ضوء مكتب ريتشارد ما زال مشتعلا وباب المكتب كان مفتوحا قليلا. كنت على وشك العودة إلى غرفتي لكنني سمعته يذكر اسمك.
توقف قلبي لثوان.
اسمي
هزت رأسها
كان يتحدث بصوت منخفض لكنه كان واضحا بما يكفي لأسمع. قال حرفيا تقريبا
كل شيء مخطط له من أجل الغد. هيلين ستشرب الشاي كما تفعل دائما في هذه المناسبات. لن يشك أحد في شيء. سيبدو الأمر كأنه أزمة قلبية. أنت أكدت لي
ثم ضحك يا أمي. ضحك وهو يقول ذلك كأنه يتحدث عن شيء عادي تماما.
شعرت بمعدتي تنقبض.
ريتشارد الرجل الذي اعتقدت أنني وجدت معه استقرار حياتي بعد الطلاق الرجل الذي شاركني الفراش والطعام والقرارات وتفاصيل الأيام أيمكن أن يكون هو نفسه الشخص الذي تخطط تلك الجملة لقتلي بهدوء أمام الجميع!
حاول عقلي اليائس التمسك بأي تفسير آخر
ربما أسأت السمع. ربما كان يتحدث عن مشروع ما عن خطة تجارية عن شيء مجازي. ربما
قاطعتني سارة بسرعة وكأنها كانت تتوقع هذا الهروب قبل أن أنطقه
لا يا أمي. لم يكن يتحدث عن عمله. بعد تلك الجملة قال
مع اختفاء هيلين من الصورة سأتمكن من الوصول إلى المال التأمين المنزل كل شيء سيكون تحت سيطرتي. لن تتمكن من منعي بعدها.
ثم سكت لحظة وقال
أما الفتاة فسأتعامل معها لاحقا بطريقتي الخاصة.
أمي كان يقصدني أنا.
شعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافي كأن الدم انسحب من جسدي.
همست بالكاد
لكن لماذا ما الذي يدفعه إلى هذا الجنون
أجابت سارة بصوت منخفض متردد
التأمين يا
أمي بوليصة التأمين على حياتك. تتذكرين التي وقعتما عليها قبل ستة أشهر تقريبا بمبلغ كبير مليون دولار.
ضرب المشهد ذاكرتي فجأة المكتب الأوراق القهوة الساخنة ابتسامة ريتشارد الهادئة وهو يقول لي إن هذا من باب الحرص علي وإنه لو حدث له شيء لا قدر الله أكون أنا وسارة في أمان.
في ذلك الوقت شعرت بالامتنان له.
أما الآن فأدركت أنني كنت أوقع على ورقة يمكن أن تتحول إلى شهادة وفاة مخطط لها بعناية.
ابتلعت ريقي بصعوبة
وكيف عرفت عن ديونه وعن الحساب الآخر
نظرت إلى النافذة للحظة ثم عادت تنظر إلي
بعد أن أنهى المكالمة ظل في مكتبه يتفحص أوراقا. انتظرت حتى خرج وأطفأ الضوء ثم دخلت إلى المكتب بهدوء. كنت خائفة لكن قلبي كان يقول لي إن هناك شيئا خطيرا. رأيت ملفات وبيانات بنكية كثيرة. بعضها يخص شركته وبعضها خاص بحسابه الشخصي. كانت هناك أرقام كبيرة ديون متراكمة وكأن الشركة على وشك الانهيار. ثم وجدت كشف حساب لحساب بنكي لم أسمع به من قبل باسم ريتشارد وحده.
أخرجت من جيبها ورقة مطوية وقدمتها لي
نسخت هذا الكشف قبل أن أعيد الأوراق إلى مكانها. أنظري بنفسك.
فتحت الورقة بأصابع مرتجفة وقرأت تحويلات متكررة بمبالغ متوسطة لكنها مستمرة منذ شهور من حسابي الشخصي إلى ذلك الحساب الذي لم أكن أعرف عنه شيئا. كانت الأرقام والتواريخ واسم البنك واسم صاحب الحساب كلها حاضرة بوضوح مؤلم.
هذه أموالي همست بصوت مخنوق. المال الذي حصلت عليه بعد بيع شقة والدي
أغمضت عيني وقد بدأت الصورة تتشكل ببطء مرعب شركة على وشك الإفلاس ديون حساب سري بوليصة تأمين على حياتي بمليون دولار وزوج متصنع الهدوء والحرص
ورجفان حقيقي في عيني ابنتي لا يمكن أن
يكون من نسج خيال.
قالت سارة وهي تشد على يدي
لم تكوني عمياء يا أمي هو من كان بارعا في التمثيل. خدعك كما خدعني كما خدع الجميع.
بعد لحظة صمت ثقيل همست
سارة هل أخذت أيا من تلك الأوراق من المكتب ماذا لو لاحظ اختفاءها
في الحال عاد القلق إلى عينيها
لا لم آخذ شيئا. اكتفيت بالتقاط صور بهاتفي وأعدت كل الأوراق إلى أماكنها. لكن ريتشارد دقيق جدا لا أعلم إن كان سيشك أم لا.
شعرت أن الهواء في السيارة يثقل.
قلت بهدوء متعب
علينا الاتصال بالشرطة.
رفعت رأسها فجأة وقالت باعتراض خافت
وماذا سنقول لهم يا أمي أنه كان يتحدث في الهاتف عن تسميمك وأنه لديه ديون وأنه يحول مالك إلى حسابه الخاص سيقولون إنها مجرد خلافات عائلية أو سوء فهم أو مبالغة. من سيصدق أن رجل أعمال محترم ناجح في نظرهم يخطط لقتل زوجته من أجل التأمين سيبدو الأمر مثل قصة فيلم لا بلاغ حقيقي.
كانت محقة من حيث لا أرغب أن أعترف.
في الأوراق والزيارات الرسمية يكون دائما السيد المحترم الناجح أما أنا فسأبدو المرأة الهلعى التي أساءت فهم الأمور.
بينما كنت أفكر في ذلك اهتز هاتفي برسالة.
نظرت إلى الشاشة فقرأتها
أين أنتما الضيوف يسألون عنك.
Richard
رسالة عادية من حيث الظاهر لكن الآن بعد كل ما سمعت بدت كجزء من قصة مزيفة ينسجها بإتقان.
قالت سارة بصوت خافت
لن يتركنا بسهولة أليس كذلك
تنفست بعمق
لا لن يفعل. سيبحث عنا. وسيحول كل ما يحدث لصالحه إن استطاع.
صمتنا قليلا ثم شعرت أن الخوف الذي سيطر علي في البداية بدأ يتحول تدريجيا إلى شيء آخر غضب هادئ صلب.
نحن بحاجة إلى دليل قلت وأنا أنظر إلى الطريق أمامي بعين أخرى.
دليل سألت سارة.
نعم شيء ملموس شيء يمكن للشرطة أن تراه وتلمسه لا مجرد كلماتنا. المادة التي
كان يخطط لاستخدامها في الشاي اليوم إن كانت في البيت وإن استطعنا تصويرها وإثبات وجودها ستكون ورقتنا الأقوى.
نظرت إلي سارة وكأنها لم تصدق ما تسمعه
هل تقصدين أننا سنعود!
أومأت ببطء
نعم سنعود.
اتسعت عيناها
أمي هذا جنون! لقد هربنا للتو ونجونا من أن نشربي ذلك الشاي. إن عدنا الآن قد لا نخرج مرة ثانية.
نظرت إليها بجدية
اسمعيني جيدا يا سارة. لو هربنا الآن بلا دليل سيقول للجميع إنني مررت بنوبة هستيريا وإنني خطفتك من البيت وإنني خطر على نفسي وعلى ابنتي. سيجد مليون طريقة ليظهر أمام الشرطة كرجل مخلص وزوج قلق. وربما يجبرهم على إعادتنا إلى البيت بحجة إعادتي إلى رشدي. لن أسمح له بذلك.
ضغطت على عجلة القيادة بقوة
أحيانا يا سارة يكون الهروب بلا سلاح أسوأ من مواجهة العدو بسلاح واحد. دليل واحد قوي قد يكون الفارق بين أن نصبح ضحيتين للأبد أو ننجو إلى الأبد.
ساد الصمت لحظات ثم رأيتها تهز رأسها ببطء
حسنا ما خطتك
تنفست بعمق كمن يحسم أمره
سنعود إلى البيت كأن شيئا لم يحدث. سأقول إنني ذهبت إلى الصيدلية أخذت دواء قويا للصداع وأن الألم بدأ يخف. أنت تقولين إنك متعبة وتشعرين بصداع وستصعدين إلى غرفتك. أنا سأبقى مع ريتشارد والضيوف أتحدث معهم وأراقبه وأتأكد من أنه لا يلحق بك.
نظرت إليها مطولا ثم أكملت
أنت بدورك لن تذهبي إلى سريرك بل إلى مكتبه. تبحثين عن الزجاجة التي تحدثت عنها عن أي مادة غير واضحة عن ورقة فيها توقيتات أو ملاحظات مكتوبة بخطه. تلتقطين الصور لا تأخذين شيئا بيديك حتى لا يتهمنا بسرقة أو تعبثي بأدلة. إن شعرت أن الأمر خطر أو أنه صعد خلفك
رفعت هاتفي
ترسلين لي رسالة بكلمة واحدة فقط
الآن.
عندها سأجد ذريعة فورية للخروج ونغادر البيت مرة أخرى.
تنهدت سارة لكن في عينيها ظهرت شرارة تصميم جديد
حسنا يا أمي سنفعلها.
بحلول الوقت الذي ظهرت فيه منازل حينا أمامنا كان قلبي يدق بقوة لم أشعر بها من قبل. أوقفت السيارة أمام المنزل ونظرت إلى الواجهة التي بدت طبيعية تماما لمن لا يعرف ما يجري في الداخل.
همست دون أن أدري
يا رب
ثم التفت إلى سارة
جاهزة
أومأت رغم أن يديها كانتا ترتجفان بوضوح.
دخلنا.
رائحة الطعام وصوت ضحكات الرجال في غرفة الجلوس أطباق مرتبة بعناية على الطاولة المشهد كله كان لأسرة تحتفل بمناسبة مهنية لا بيتا يختبئ في قلبه مخطط قتل.
رأى ريتشارد دخولنا فتوقف عن الحديث للحظة ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مزيفة من القلق الرقيق
ها أنتما قال وهو يقترب ويضع ذراعه حول خصري. هل تشعرين بتحسن يا هيلين
شعرت بجسدي يتصلب تحت لمسته لكنني أجبرت نفسي على الابتسام
أفضل قليلا. اشتريت دواء أقوى بدأ مفعوله.
التفت إلى سارة
وأنت يا صغيرة ما زلت شاحبة.
خفضت رأسها كما اتفقنا
أشعر بصداع أيضا. أظنني بحاجة للاستلقاء قليلا.
أومأ ريتشارد بتفهم مصطنع
بالطبع اذهبي واستريحي يا عزيزتي. لا داعي لأن تجبري نفسك على الجلوس مع الكبار.
راقبتها وهي تصعد الدرج خطوة خطوة حتى اختفت عن الأنظار.
ثم التفت إلى ريتشارد
هل فاتني الكثير
ضحك بخفة وهو يقودني إلى حيث الضيوف
لا ما زلنا في البدايات. بالمناسبة أعددت لك الشاي الخاص الذي تحبينه. وصفة جديدة جلبتها من صديق لي. تركته في المطبخ حتى لا يبرد.
جملة عادية في الظاهر لكنها بعد ما سمعته من سارة صارت أشبه بجملة أعددت لك ما كنت أنوي أن يكون آخر ما يدخل جسدك.
قالت
داخلي غريزة الحياة
لا تلمسي ذلك الشاي.
اكتفيت بابتسامة سريعة
ربما بعد قليل. أريد أن أبدأ بالماء أولا مع الدواء.
مرت دقائق ثقيلة.
تبادلت الحديث مع هذا وذاك بابتسامة متماسكة لكن عيني كانتا تلتقطان كل حركة يقوم بها ريتشارد. رأيته يمر من قرب المطبخ أكثر من مرة يحدق باتجاهه كأن الشاي ينتظر مشهدا لم يحدث بعد.
هاتفي ساكن في يدي عقلي كله معلق برسالة واحدة متوقعة من سارة.
بعد قرابة عشرين دقيقة وأنا واقفة إلى جوار ريتشارد في حديث مع زوجين من أصدقائه اهتز الهاتف أخيرا.
نظرت إلى الشاشة.
كلمة واحدة فقط
الآن.
شعرت بالدم يفر من وجهي لكنني تمالكت نفسي في اللحظة التالية وقلت بابتسامة معتذرة
عذرا يجب أن أطمئن على سارة. يبدو أن الصداع أرهقها.
حاول ريتشارد أن يعترض
دعيني أذهب أنا
قاطعته برفق
لا لا داعي. سأكون سريعة فقط أريد أن أرى إن كانت بحاجة إلى دواء آخر.
وغادرت قبل أن يتمكن من قول المزيد.
صعدت الدرج بخطوات متسارعة فتحت باب غرفة سارة فوجدتها تقف قرب النافذة وجهها أبهت من ذي قبل.
همست بانفعال
ماذا حدث هل جاء إلى المكتب
هزت رأسها
لم يدخل المكتب بعد لكن شعرت أنه على وشك الصعود فهرعت إلى غرفتي قبل أن يراني هناك. وجدتها يا أمي الزجاجة.
اقتربت منها أكثر
أين
في الدرج الأوسط من مكتبه مخبأة تحت مجموعة من الأوراق. زجاجة صغيرة بنية اللون بدون أي ملصق بدون أي اسم. التقطت لها عدة صور مع الورقة التي كانت بجوارها.
أي ورقة
بلعت ريقها
ورقة بخط يده مكتوب فيها
10 30 وصول الضيوف
11 45 تقديم الشاي لهيلين
11 50 تبدأ الأعراض في الظهور
12 10 الاتصال بالإسعاف.
وتحتها مكتوب
سيكون الوقت قد فات.
شعرت أن الأرض تميد بي وأن الهواء صار أثقل من أن يستنشق.
قبل أن ننطق بكلمة أخرى سمعنا خطوات تقترب من الممر ثم صوت مفتاح يدخل في ثقب الباب من الخارج وصوت احتكاك المعدن وهو يدور.
نظرت إلي سارة بعينين مذعورتين
لقد أغلق الباب!
ركضت نحو الباب وحاولت فتحه لكن المقبض لم يتحرك. كان مغلقا فعلا.
من خلف الباب جاء صوت ريتشارد
هيلين سارة هل أنتما بخير لماذا أغلقتم الباب
حاولت ضبط نبرتي
نعم كل شيء بخير. كنت أتحدث مع سارة عن صداعها.
سكت لحظة ثم قال بنبرة خفيفة
لا أحب الأبواب المغلقة في بيتي تعلمان ذلك.
سمعنا خطواته تبتعد قليلا ثم تعود وصوت المفتاح يدور مرة أخرى ليحكم الإغلاق. هذه المرة أدركت أنه لم يكن تعليقا عابرا بل قرارا واعيا بحبسنا.
همست سارة
إنه يحبسنا هنا
كانت الغرفة في الطابق الثاني ولا يوجد مخرج آخر سوى النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية. نظرت إليها سريعا. هناك أسفلنا عشب وسياج منخفض وشارع جانبي هادئ يمكن الهروب إليه.
النافذة قلت بحزم مفاجئ لنفسي قبلها. هي طريقنا الآن.
اقتربت سارة من الزجاج
الارتفاع كبير يا أمي.
أعرف أجبت وأنا ألتفت حولي. وقع بصري على اللحاف السميك فوق السرير. أسرعت إليه سحبته وبدأت أربطه إلى قاعدة المكتب الثقيلة قرب النافذة.
سنستخدمه كحبل. لن يصل إلى الأرض لكنه سيخفف من ارتفاع السقوط.
بينما كنت أربط العقدة بأقصى ما أستطيع من قوة همست سارة
أمي أسمع خطواته مجددا.
توقفت لثانية أرهفت السمع فسمعت بالفعل وقع أقدامه وهو يقترب وصوت المفتاح يستعد للدخول مرة أخرى.
أسرعت بإكمال العقدة فتحت النافذة وألقيت طرف اللحاف إلى الخارج ثم التفت إلى سارة
انزلي أنت أولا. امسكي بالحافة جيدا انزلي إلى أبعد نقطة ثم اتركي نفسك على العشب. فعلنا شيئا مشابها في الألعاب من قبل تذكري كيف تدحرجين
جسمك عند السقوط.
كانت ترتجف لكنها في النهاية هزت رأسها وصعدت إلى حافة النافذة. في تلك اللحظة سمعنا صوت المفتاح يدور في القفل.
همست بإلحاح
سارة! الآن!
تشبثت سارة باللحاف بكلتا يديها وبدأت تهبط بسرعة قدماها تبحثان عن توازن على سطح الجدار. انزلقت حتى وصلت إلى آخر نقطة ممكنة ثم توقفت وبينها وبين الأرض أقل من مترين.
صرخت لها
اقفزي الآن!
أفلتت اللحاف وقفزت. سقطت على العشب تدحرجت كما علمتها ثم نهضت بسرعة ولوحت لي لتطمئنني أنها بخير.
في اللحظة نفسها تقريبا انفتح الباب بعنف ووقف ريتشارد عند العتبة عيناه تتقدان بغضب داكن. نظر إلى النافذة المفتوحة ثم نحوي.
صرخ
هيلين! ماذا تفعلين بحق الجحيم!
لم أترك لنفسي فرصة للتردد.
تشبثت باللحاف واندفعت من النافذة. شعرت بالهواء يصفع وجهي وبالقماش يحرق راحتي وأنا أنزلق بسرعة. سمعت صرخته وهو يقترب وشعرت بظله يخيم للحظة على حافة النافذة.
ما أن وصلت إلى نهاية اللحاف حتى أطلقت يدي وسقطت. اصطدمت قدمي بالأرض بقوة وشعرت بألم حاد يخترق كاحلي الأيسر لكن الأدرينالين طغى على الألم فلم أسمح لنفسي سوى بثانية واحدة للالتقاط أنفاسي.
اركضي! صرخت وأنا ألتقط يد سارة.
نظرت للأعلى فرأت ريتشارد يطل من النافذة وجهه مشوه بالغضب يصرخ باسمنا بجنون.
إنه سينزل قلت وأنا أجر سارة معي. يجب أن نسبقه.
ركضنا عبر الحديقة الخلفية تجاوزنا الأشجار الصغيرة وصلنا إلى السور المنخفض. ساعدتني سارة على تسلقه رغم ألم كاحلي وقفزنا إلى الجهة الأخرى حيث الشارع الجانبي. سمعنا من بعيد أصواتا قادمة من البيت ضوضاء ضيوف مرتبكين أبواب تفتح وتغلق وصوت ريتشارد يصيح بكلمات متقطعة لا نميزها.
واصلنا الركض نحو منطقة صغيرة من الأشجار كانت تفصل
حينا عن الطريق العام. كان هناك ممر صغير يؤدي إلى بوابة خدمة حديدية تفتح ببطاقة سكان الحي.
لهثت سارة
الممر هناك.
وصلنا إلى البوابة فوجدناها مغلقة. اقتربت منها أخرجت بطاقة المجتمع السكني من حقيبتي بأصابع ترتجف ومررتها على القارئ الإلكتروني وأنا أتمتم في داخلي بكل دعاء أعرفه.
لحسن الحظ أضاء الضوء الأخضر وسمعنا صوت كليك خفيفا فتحت الباب بسرعة ودخلنا إلى الجهة الأخرى إلى شارع هادئ قريب من مفترق طرق.
لم ننتظر طويلا حتى أوقفت سيارة أجرة مارة. دخلناها ونحن نلهث قلت للسائق
إلى مركز كريست فيو التجاري لو سمحت.
ذلك المركز كان كبيرا ومزدحما مليئا بالكاميرات والناس ومكانا صعبا لأن يختلق فيه ريتشارد مشهدا دراميا يحرف به الحقيقة.
في الطريق سألت سارة وأنا أحاول التقاط أنفاسي
ما زالت الصور في هاتفك لم تحذف
أخرجت هاتفها بسرعة فتحته أرتني الصور واحدة تلو الأخرى الزجاجة البنية غير المعلمة الورقة التي فيها الجدول الزمني لموعد تقديم الشاي وتوقيت ظهور الأعراض والاتصال بالإسعاف أرقام الدقائق خطه المألوف الذي أعرفه جيدا.
قلت بصوت مبحوح
هذا هو ما سينقذنا.
عندما وصلنا إلى المركز التجاري دخلناه بسرعة. اخترنا ركنا جانبيا في مقهى هادئ نسبيا جلسنا فيه طلبنا كوبين من الماء فقط وكان كل ما أحتاجه في تلك اللحظة هو لحظة تفكير واحدة بعيدة عن أعين ريتشارد.
أخرجت هاتفي لأجد سيلا من المكالمات الفائتة والرسائل
Helen where are you? The guests are worried.
Please come home. We can talk about whatever upset you.
Im really worried about you and Sarah.
ثم رسالة أطول
اتصلت بالشرطة. أخبرتهم أنك خرجت من المنزل في حالة نفسية صعبة ومعك سارة. من
فضلك لا تفعلي شيئا متهورا. فكري في ابنتك.
شعرت بالغثيان.
لم يعد الأمر مجرد محاولة قتل بل أيضا محاولة لتلويث سمعتي واتهامي بالجنون وتجهيزي ككبش فداء أمام الشرطة إن سارت الأمور على غير هواه.
لم أتردد أكثر. اتصلت بصديقتي القديمة من أيام الجامعة المحامية الجنائية فرانشيسكا نافارو. حين سمعت صوتي المرتجف فهمت فورا أن الأمر خطير.
شرحت لها كل شيء بسرعة من الورقة الأولى إلى الهروب عبر النافذة.
قالت بحسم لا لبس فيه
هيلين استمعي جيدا. لا تعودي إلى البيت ولا تتواصلي مع الشرطة وحدك ولا تجيبي على مكالماته. ابقي في مكان عام ثابت واضح. سأأتي إليك إلى مركز كريست فيو خلال نصف ساعة تقريبا. إلى أن أصل لا توقعي على أي شيء ولا تسمحي لأحد أن يأخذ منكما إفادة رسمية.
أغلقت الخط وأنا أشعر لأول مرة منذ الصباح أن هناك من يقف إلى جواري.
خلال انتظارنا كانت سارة تحدق في الطاولة ثم رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت منخفض
تعلمين يا أمي شعرت منذ فترة أن شيئا ما في ريتشارد غير طبيعي. طريقته في النظر إليك حين تلتفتين النظرة الباردة التي تمر على وجهه قبل أن يضع ابتسامته اللطيفة طريقته في الحديث عن المال لكنك كنت تبدين سعيدة معه. لم أرد أن أكون الابنة التي تخرب كل شيء فظللت ساكتة.
حملقت فيها بذهول ممزوج بألم
كان عليك أن تخبريني يا سارة. أنا أمك وليس من واجبك أن تحمي مشاعري على حساب أماننا.
نظرت إلى يديها
كنت خائفة أن أكون مخطئة أن أظلم شخصا قد يكون في النهاية جيدا وأن أظهر كأنني أغار عليه أو أرفضه فقط لأنه زوج أم.
وضعت يدي فوق يدها وشددت عليها
مهما حدث لا تلومي نفسك. أنت من أنقذ حياتي في النهاية.
في تلك اللحظة تقريبا رأينا شرطيين بزيهما الرسمي
يدخلان المركز ينظران حولهما ثم يتجهان مباشرة نحو المقهى كأنهما تعرفا على صورنا مسبقا.
تقدما نحونا وسأل أحدهما
هل أنت السيدة هيلين مندوزا
أومأت بحذر
نعم.
قال الآخر
زوجك اتصل بنا أبلغ عن خروجك من المنزل في حالة نفسية غير مستقرة وأعرب عن خوفه عليك وعلى ابنتك. نحتاج أن نتأكد من أن كل شيء على ما يرام وأن الطفلة ليست في خطر.
قبل أن أفتح فمي تكلمت سارة بحزم لم أتوقعه منها
هذا كذب! زوج أمي يحاول قتلها. لدينا دليل على ذلك في هاتفي.
نظر الشرطيان إلى بعضهما بنظرة تحمل شيئا من الشك. قال الأكبر سنا بنبرة رسمية
سيدتي زوجك قال أيضا إنك تعانين من مشاكل نفسية منذ فترة وإنك رفضت المساعدة الطبية.
كان واضحا أن ريتشارد بدأ بالفعل ببناء صورته كزوج مخلص يحاول إنقاذ زوجته المضطربة.
أجبت والدم يغلي في عروقي
هذا غير صحيح على الإطلاق. لم أشخص بأي مشكلة نفسية أبدا ولم أزر طبيبا في هذا الخصوص. زوجي يقول ذلك لأنه اكتشف أننا عرفنا بمخططه.
مدت سارة هاتفها نحوهم
هذه هي الصور. هذه الزجاجة التي وجدتها في مكتبه مخبأة في الدرج. لا يوجد عليها أي اسم أو تعليمات. وهذه الورقة بخط يده فيها جدول لمواعيد تقديم الشاي لأمي ووقت ظهور الأعراض والاتصال بالإسعاف بعد أن يكون الوقت قد فات.
تبادلا النظر وهما يتفحصان الصور. قال الأكبر
قد تكون هذه زجاجة عادية.
وقال الآخر
والورقة قد تكون مذكرة لأي شيء.
في تلك اللحظة ظهر وجه مألوف عند باب المقهى فرانشيسكا.
تقدمت بخطى ثابتة عرفت بنفسها على الفور
أنا المحامية فرانشيسكا نافارو أمثل السيدة هيلين وابنتها. من الآن فصاعدا أي حديث معهما سيكون بحضوري.
ثم التفتت إلى الشرطة
كما أود أن أدون تحفظا رسميا على ما قيل في حق موكلتي حول حالتها النفسية فهو ادعاء بلا
أي مستند طبي وفي السياق الحالي يمكن أن يدخل في إطار محاولة تشويه السمعة لتغطية جريمة أكبر.
دار بينهما نقاش قانوني قصير انتهى إلى قرار بأن نذهب جميعا إلى مركز الشرطة لإعطاء إفادات رسمية خاصة بعد أن ذكرت فرانشيسكا نيتها التقدم بشكوى مضادة ضد ريتشارد تتضمن محاولة قتل التلاعب بالأدلة وتقديم بلاغ كاذب.
في مركز الشرطة قادتنا فرانشيسكا مباشرة إلى مكتب القائد المسؤول الضابط ريوس. شرحت له باختصار ما حدث أظهرت له الصور ذكرت خلفية ريتشارد المالية بوليصة التأمين وكل التفاصيل التي كانت لدينا.
لم يمض وقت طويل حتى استدعي ريتشارد أيضا.
دخل المكتب بوجه مهموم مظهر لائق ربطة عنق متقنة وملامح رجل مصدوم مما يسمعه.
قال بصوت مفعم بالتأثر
هيلين يا إلهي كنت قلقا عليك. لماذا هربت هكذا
قبل أن أجيب قال الضابط ريوس بنبرة محايدة
السيد ريتشارد مندوزا زوجتك وابنتك تقدمان إفادة بأنك حاولت قتلهما اليوم عبر دس مادة سامة في الشاي وأن لديك ديونا كبيرة وأنك حولت أموالا من حسابها إلى حساب آخر باسمك إضافة إلى استفادتك من بوليصة تأمين على حياتها بمبلغ كبير.
فتح ريتشارد عينيه بدهشة مصطنعة
ماذا هذا جنون! هيلين ما هذا الكلام هل هذه نتيجة الضغط الذي تمرين به ثم التفت إلى الضابط زوجتي للأسف تمر بفترة صعبة منذ أشهر. حاولت إقناعها بزيارة طبيب نفسي ولدينا وصفة من طبيب أعصاب دكتور سانتوس لدواء مهدئ رفضت هي أن تأخذه.
أشعرني حديثه برغبة في الصراخ لكنه كان متقنا جدا في أداء دوره.
قلت وأنا أحبس غضبي
هذا غير صحيح. لم أزر طبيبا ولم يوصف لي أي دواء. كل هذا من نسج خياله.
قالت سارة وعيناها ثابتتان على ريتشارد
سمعتك بنفسي أمس وأنت تخطط لتسميم أمي في الشاي الذي ستقدمه للضيوف اليوم. أنت مفلس والشركة مديونة وتحول أموال أمي منذ شهور إلى حساب سري باسمك وتريد الحصول على مبلغ التأمين بعد موتها. رأيت الأوراق بنفسي.
قبل أن يتمكن ريتشارد من الرد طرق أحد الضباط الباب ودخل حاملا ظرفا بنيا
سيدي هذه النتائج الأولية من المختبر حول العينات التي أخذناها من منزل عائلة مندوزا.
فتح الضابط ريوس الظرف
قرأ الورق بسرعة ثم رفع رأسه نحو ريتشارد
السيد مندوزا في بلاغك للشرطة ذكرت أنك وجدت دما في غرفة سارة وأنك خفت أن تكون زوجتك قد أقدمت على إيذاء نفسها أو ابنتك أليس كذلك
أومأ ريتشارد
نعم ولهذا اتصلت فورا كنت مرعوبا.
قال الضابط وهو ينظر في الورقة
الغريب أن تحاليل الدم أظهرت أن العينة التي عثرنا عليها في غرفة سارة تعود لفصيلة دمك أنت لا لفصيلة دم زوجتك ولا ابنتك. كما أن زمن تجلط الدم يشير إلى أنه وضع هناك قبل أقل من ساعتين أي بعد مغادرة زوجتك وابنتك المنزل.
ساد صمت ثقيل.
تابع الضابط
هذا يجعلنا نميل إلى أن وجود الدم في غرفة سارة لم يكن اكتشافا منك بل صنعته أنت بنفسك.
شحب وجه ريتشارد لكن الضابط لم يتوقف
أما بالنسبة للزجاجة البنية التي وجدناها في درج مكتبك والفنجان الذي ادعيت أنه يحتوي على دواء مهدئ فالنتائج الأولية تشير إلى وجود مادة قريبة من الزرنيخ. لا تبدو لي وصفة طبيب نفساني.
حاول ريتشارد التمسك بآخر خيط
إنه فخ! هيلين هي من وضعت كل هذا!
تدخلت فرانشيسكا بهدوء قاتل
ومتى فعلت ذلك يا سيد مندوزا قبل أم بعد خروجها من المنزل مع سارة ووجودهما في هذا المركز التجاري ومن ثم في مركز الشرطة طوال الساعات الماضية
في تلك اللحظة سقط القناع بالكامل.
تغيرت ملامح ريتشارد إلى شيء لم أره من قبل غضب عار حقد صاف بلا أي تجميل.
صرخ فجأة وهو ينهض من مكانه محاولا التقدم نحوي
أنت امرأة حمقاء! دمرت كل شيء! هل تظنين أنني أحببتك يوما كنت بالنسبة لي مجرد حساب بنكي وشقة مباعة وبوليصة تأمين سمينة وابنة مراهقة مزعجة!
اندفع نحوي بغريزة عنيفة لكن الشرطيين أمسكوا به قبل أن يقترب. ظل يصرخ ويشتم وأنا أنظر إليه لأول مرة بلا خوف فقط بدهشة من أنني لم أر هذا الوجه الحقيقي من قبل.
بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة التحقيقات المحاكم الصحافة إعادة فتح ملفات قديمة.
تكشف أنني لم أكن أول امرأة تقع في شباكه.
قبل زواجي منه كان متزوجا من أرملة ميسورة توفيت بعد أشهر قليلة من الزواج بأزمة قلبية مفاجئة. وقتها لم يشك أحد في شيء. لكن بعد ما حدث معنا تقرر فتح ملفها من جديد واستخراج
جثمانها للفحص.
النتيجة كانت صادمة لكنها لم تفاجئني كثيرا بعد كل ما عرفت وجدت آثار لمادة سامة في عظامها. السيناريو الذي كان يخطط لتكراره معي يبدو أنه نجح معه مرة واعتقد أنه سينجح مرة أخرى.
المحاكمة تحولت إلى قضية رأي عام. الصحف والقنوات تحدثت عن الزوج الذي خطط لقتل زوجته من أجل المال وأنقذتها رسالة صغيرة كتبتها ابنتها وعن المجرم الأنيق الذي عاش سنوات متخفيا في صورة زوج مثالي.
في النهاية صدر الحكم ثلاثون عاما بتهمة الشروع في قتل زوجته وخمس عشرة سنة بتهم الاحتيال المالي مع إعادة فتح ملف مقتل زوجته السابقة بتهمة القتل العمد التي كان من المتوقع أن تضيف إلى سجله حكما يجعله يقضي بقية عمره خلف القضبان دون أمل حقيقي في الحرية.
على الجانب الآخر ألزمت المحكمة ببيع ما تبقى من أصوله وتسديد ديونه وتحويل جزء من الأموال كتعويض لي سواء عن الأضرار التي سببها أو عن الأموال التي سرقها من حسابي دون علمي. نقل إلى رصيدي مبلغ كبير كان من بينها نصف مليون دولار تقريبا كتعويض وتسوية.
لكن المال بكل صدقه لم يكن ما يشغلني في تلك الفترة.
ما كان يهمني حقا أنني ما زلت حية.
وأن سارة ما زالت إلى جواري.
بعد ستة أشهر تركنا ذلك البيت الذي شهد بداية الكابوس ونهايته وانتقلنا إلى شقة جديدة في حي جديد. في صباح أحد الأيام بينما كنت أرتب الكتب على رفوف المكتبة سقط من بين صفحات رواية قديمة شيء صغير على الأرض.
انحنيت لالتقاطه.
كانت ورقة صغيرة مطوية بعناية عليها تجاعيد من كثرة ما لمست وحملت. فتحتها فوجدت الكلمات الخمس التي غيرت مسار حياتي
تظاهري بأنك مريضة وغادري فورا.
بقيت واقفة أمام النافذة وأنا أمسح بحنان على الورقة وكأنها كائن حي. شعرت بقشعريرة من الامتنان والحزن والدهشة في آن واحد كم من أم تجاهلت نظرة خوف في عين ابنتها كم من حكاية انتهت بشكل مختلف لأن أحدهم اختار ألا يصدق
وضعت الورقة في صندوق خشبي صغير مع أشياء ثمينة قليلة أحتفظ بها صور قديمة خاتم والدتي قلادة من جدتي وأضفت إلى هذه الأشياء التي لا تقدر بثمن ورقة كتبتها ابنتي في لحظة رعب لكنها كانت بالنسبة لي تذكرة حياة.
مر عام تقريبا على كل ما
حدث.
صارت فرانشيسكا جزءا من عائلتنا الثانية. تأتي كثيرا لتناول العشاء معنا نتبادل الأحاديث عن أشياء أبسط من المحاكم والقضايا الدراسة العمل السفر خطط المستقبل.
في إحدى الأمسيات جاءت تحمل ملفا في يدها وابتسامة رضا على وجهها
أحضرت أخبارا أخيرة عن
ريتشارد قالت وهي تجلس.
شعرت سارة بالفضول
ماذا هناك
أجابت فرانشيسكا
انتهى التحقيق في قضية زوجته الأولى. أظهرت نتائج الفحوصات وجود آثار رجعية لمادة سامة في جسدها وتم توجيه تهمة القتل العمد له رسميا. من شبه المؤكد الآن أنه سيقضي بقية حياته في السجن دون إفراج مبكر حقيقي.
لم أشعر بالشماتة شعرت فقط بإغلاق دائرة مفتوحة.
قالت سارة بهدوء
على الأقل لن يتمكن من إيذاء أحد آخر بعد الآن.
في تلك الليلة جلست معهما على المائدة وضعت كؤوس العصير أمامنا ورفعت كأسي وأنا أنظر إلى ابنتي وصديقتي
لنشرب نخب شيء واحد البدايات الجديدة.
ابتسمت فرانشيسكا ورفعت كأسها
ولنشرب أيضا نخب الأم التي استمعت إلى ابنتها في الوقت المناسب.
قالت سارة وهي تبتسم بامتنان خجول
ونخب الورقة الصغيرة التي أنقذت حياتنا.
ضحكنا جميعا ضحكة صافية لأول مرة منذ زمن طويل ضحكة لا يختبئ خلفها خوف من رجل يراقبنا من بعيد.
في تلك اللحظة أدركت شيئا مهما
الندوب التي خلفها ريتشارد في حياتنا لن تختفي تماما لكنها لم تعد جراحا مفتوحة تنزف كل يوم بل صارت علامات بقاء شهودا على أننا مررنا من حافة الهاوية وعدنا.
قصتي لم تعد فقط قصة امرأة خدعت بل صارت قصة امرأة نجت. رسالة إلى كل من تقرأها أن الخطر قد يأتي من أقرب الناس إليك وأن الوجه اللطيف قد يخبئ خلفه قلبا مظلما لكن النجاة تظل ممكنة أحيانا عبر لحظة شجاعة واحدة وقرار واحد وورقة صغيرة كتبت عليها ابنة في الرابعة عشرة من عمرها
تظاهري بأنك مريضة وغادري فورا.
أما أنا فكلما فتحت ذلك الصندوق الصغير ورأيت الورقة أدركت أن تلك الكلمات الخمس لم تكن فقط دعوة للهروب من بيت خطر بل كانت أيضا بداية خروجي من وهم كبير وبداية عودتي إلى نفسي وإلى حياتي وإلى ابنتي.
وكلما نظرت إلى سارة اليوم بعينيها القويتين وابتسامتها التي استعادت جزءا من براءتها قلت في سري
نحن نجونا وهذا وحده يكفي.


تعليقات
إرسال تعليق