سكريبت خـ,ـذلان كامله وحصري
خـ,ـذلان
كنت خلاص هوقع لابني علي كل ما أملك اتفاجات بالشغاله بتاعتهم بتقولي بهمس: اوعي تشربي الفنجان ده …ارجوكي…
كنت على بُعد لحظات من توقيع الشركة باسم ابني….قدّمت لي زوجة ابني فنجان قهوة بابتسامة
الخادمة اصطدمت بي بالصدفة وهمست: ما تشربيش… أرجوكِ ثق فيا
بدّلت الفنجان بهدوء…وبعد خمس دقائق… سقطت….كنت على بُعد لحظات من توقيع أوراق التنازل عن شركتي لابني…مدّت نهى، زوجة ابني، فنجان القهوة نحوي بابتسامة دافئة هادئة… النوع اللي يخليك تطمّني من غير ما تسألي….ثم فجأة
اصطدمت بي الخادمة بالخطأ
وانحنت وهمست بصوت يكاد لا يُسمع:
ما تشربيش القهوة دي… بالله عليكِ ثقي فيّا…لم أتحرك….لم أنظر إليها…لم أنطق بكلمة….لكن بعد خمس دقائق…
انهارت نهى أرضًا.. بعد ما..
اسمي ليلى الرفاعي…عمري أربعة وستون عامًا،وحتى ذلك الصباح، كنت أظن أنني أفهم معنى الخيـ,ـانة….كنت مخطئة…أقسى خـ,ـيانة في حياتي…لم تأتِ من غريب،ولا من منافس،بل من عائلتي نفسها…مغلفة باجتماع عادي عن مستقبل الشركة..الرفاعي للصناعات…كانت شركتي منذ خمسة عشر عامًا، منذ أن توفي زوجي حسن فجأة بأزمة قلبية.بدأناها معًا كورشة صغيرة، وتحت إدارتي تحولت إلى كيان يقدَّر بأكثر من مئة وخمسين مليون جنيه….كل قرش فيها كان نتيجة تعب، وانضباط،وشعور عميق بالمسؤولية تجاه الموظفين….ابني كريم عمل معي خمس سنوات.
كان مقبولًا…لكن ليس استثنائيًا.
ورغم ذلك، كان ابني الوحيد، وكنت أعتقد أن هذا له معنى….زوجته نهى انضمّت للشركة منذ عامين كمديرة تسويق….لبقة، أنيقة، وابتسامتها لا تفارق وجهها….الناس تثق فيها بسهولة.
وأنا…وثقت بها….في صباح يوم ثلاثاء من شهر أكتوبر، طلب كريم اجتماعًا عائليًا في بيتي.
قال: بس علشان نناقش ترتيب المستقبل….مفيش حاجة مستعجلة.
أنا ونهى حابين نكون جاهزين.
في سني، بدا الطلب منطقيًا…وافقت.
عُقد الاجتماع في منزلي بحي الزمالك،
البيت الذي عشت فيه أكثر من ثلاثين عامًا، ولا يزال يحمل آثار حسن…
كرسيه المفضل، صوره على الجدران،
وهدوء حياة بُنيت بعناية….الخادمة أمينة التي تعمل عندي منذ عشرين عامًا، كانت قد أعدّت قهوتي المعتادة.
لكن عندما وصل كريم ونهى، أصرت نهى على إحضار القهوة من الخارج.
قالت بابتسامة:قولت نغيّر شوية… التجديد حلو.
لاحظت كيف كانت تراقبني، وأنا أرتشف أول رشفة….كان طعم القهوة…
مرًا….غريبًا…وأثناء حديث كريم عن خطط الانتقال..وأوراق التوقيع،
شعرت بسخونة غير طبيعية في صدري….رأسي خفيف….تركيزي يتلاشى….ثم اقتربت أمينة….تظاهرت بالتعثر….انسكب الفنجان على ملابسي.
وأثناء انحنائها للتنظيف، همست في أذني: ما تشربيش تاني…أرجوكِ ثقي فيّ.لم أسألها لماذا….لم أحتج….نبرة صوتها قالت كل شيء…حافظت على هدوئي….سنوات الإدارة علمتني أن الذعر يكشف الضعف….ابتسمت،
وتصرفت كأن شيئًا لم يحدث….نهى كانت أول من تفاعل….قالت بحدة غير معتادة: دي كانت كبايتك المفضلة!
قلت بهدوء: ولا يهمك…حـ,ـوادث بتحصل…عادي…بينما كانت أمينة تنظف ويداها ترتجفان، راقبتها نهى بنظرات ضيق متخفية في قلق.
ثم… مدّت نهى يدها إلى فنجانها.
قالت: خدي كبايتي.
إنتي ما شربتيش تقريبًا، وشك باين عليه التعب…قبل أن أرد…تعثرت أمينة مرة أخرى….واصطدمت بذراع نهى.
و….صلـي علي محمد وتابع معايا 👇 ❤️ 👇
واصطدمت أمينة بذراع نهى فانسكب جزء من القهوة على حافة الفنجان وارتبكت نهى لحظة ثم حاولت أن تضحك ضحكة قصيرة مصطنعة وقالت ولا يهمك يا أمينة خدي بالك بس ثم رفعت عينيها إليّ كأنها تقيس رد فعلي وأنا لم أقل شيئا فقط رفعت يدي ببطء ومسحت بقعة صغيرة على طرف الطاولة وكأنني أرتب التفاصيل لا أكثر لكن داخلي كان قد بدأ يشتعل بهدوء ذلك النوع من النار الذي لا يراه أحد إلا بعد أن يلتهم كل شيء
كريم كان في عالمه يشرح لي الأوراق بلهجة ابن مطيع يريد مصلحة أمه ويخاف عليها من تعب السن فقال يا ماما الموضوع بسيط كله تنظيم بس أنتي هتفضلي الكبيرة وكلمتك هي اللي تمشي وده مجرد تفويض علشان السوق بقى سريع وأنا عايز أشيل عنك الضغط وأنا هززت رأسي ببطء وكأنني أوافق ثم قلت له بصوت خافت حاضر بس قبل ما نكمّل خلينا نغير مكان القعدة هنا الشمس داخلة على عيني وخلينا نقعد عند الشباك اللي جنب الصالون وده كان أول قرار صغير أستعيد به زمام اللحظة لأنني فهمت أن أي شيء يحدث هنا ليس اجتماعا عائليا بريئا بل مسرح مجهز بدقة
نهى تحركت معي بسرعة كأنها لا تريد تغيير أي شيء لكنها لم تعترض وقالت طبعا يا ماما اللي يريحك وابتسامتها ظلت على وجهها لكنها لم تعد دافئة كانت مثل قناع ثابت جميل لكنه جامد وكريم جمع الأوراق والأقلام وأتى خلفي دون أن يلاحظ أنني أنا التي أقود الحركة الآن وليس هو
جلست على الكرسي القريب من الطاولة الصغيرة التي أضع عليها عادة صور حسن رحمه الله وكان الكرسي نفسه الذي كان يجلس عليه عندما يراجع الحسابات معي أيام الورشة قبل أن تصبح شركة الرفاعي للصناعات اسما كبيرا يتردد في المعارض والاجتماعات وتذكرت كيف كان يقول لي دائما لا توقعي على شيء وقلبك غير مرتاح لأن الورق لا يرحم وكنت أبتسم وقتها وأقول له يا حسن أنت تشك في كل الناس فيضحك ويقول لا أنا أثق فيك أنت بس
نظرت إلى أمينة فوجدتها واقفة عند الباب تحمل الصينية ووجهها متوتر لكنها تحاول أن تبدو طبيعية وعيناها تناديني من بعيد كأنها تقول فهمتيني صح وأنا لم أستطع أن أطمئنها بكلمة لأن كلمة واحدة في مثل هذه اللحظة قد تنفجر كل الخطة فرفعت فقط حاجبي قليلا كإشارة خفيفة أنها ليست وحدها
نهى مدت يدها مرة أخرى بالفنجان وقالت اشربي يا ماما ده بيظبط المزاج وكنت على وشك أن أمد يدي لكنني تعمدت أن أتراجع لحظة وأقول لها لا خليها بعد شوية خلينا نخلص ورقنا الأول وأنا رأيت تغيرا خفيفا في عينيها تغيرا لا يراه إلا من عاش مع البشر طويلا وعرف أن الفزع الحقيقي لا يظهر بالصراخ بل بوميض خاطف في الحدقة
كريم فتح الملف وقال طيب نبدأ بالبند الأول وبصوت ثابت بدأ يقرأ لكني لم أكن أسمع الكلمات كلها كنت أسمع في خلفية رأسي همس أمينة ما تشربيش ثقي فيا وأسمع صوت حسن لا توقعي وقلبك مش مرتاح وأسمع أيضا أصوات سنوات طويلة من المواقف الصغيرة التي كانت تؤكد لي أن نهى لا تحبني أبدا لكنها تتقن دور الزوجة المثالية والموظفة البراقة التي تعرف كيف تدخل القلوب بابتسامة
تظاهرت أنني أقرأ معه ثم قلت فجأة يا كريم فين المحامي بتاعنا مش المفروض يكون موجود في تنازل زي ده حتى لو شكلي قلتها ببساطة وكأنها ملاحظة إدارية لا اتهام فابتسم كريم وقال المحامي موجود على الموبايل يا ماما يعني لو احتجنا حاجة هنكلمه وحبيت نخلّيها عائلية وبصراحة أنا مش بحب أدخل غرباء في البيت وكأنني أسمع دفاعا مكتوبا مسبقا وقلت في نفسي طبعا لأن الغريب قد يرى ما لا تريدون أن يراه أحد
نهى تدخلت بسرعة وقالت يا ماما ما تقلقيش كل حاجة قانونية وأنا كنت متابعة البنود بند بند وبعدين احنا مش هنظلم نفسنا يعني كريم ابنك وده لمصلحتك قبل مصلحته وأنا ابتسمت لها وقلت كلام جميل يا نهى ربنا يبارك لك ثم التفت إلى كريم وقلت طب استنى بس هقوم أجيب حاجة من غرفة المكتب فوق عندي نسخة من السجل التجاري القديم عايزة أقارن رقم السجل وده كان قرارا ثانيا صغيرا لكنه مهم لأنني احتجت دقيقة وحدي
قمت ببطء وأخذت وقتي في الصعود وكأنني أتعب من السلم وفي داخلي كنت أحسب كل شيء ماذا لو كانت القهوة فعلا مسـ,ـمومة ماذا لو كان الهدف أن أفقد وعيي ثم يوقعوا نيابة عني أو يثبتوا أني غير مؤهلة ماذا لو كانت الخطة أكبر من مجرد توقيع ماذا لو كان هناك شهود ينتظرون لحظة انهياري
دخلت غرفة المكتب وأغلقت الباب خلفي واتكأت على الطاولة وأنا أتنفس بعمق ثم فتحت درج الملفات القديم الذي لا يعرف مكان مفتاحه إلا أنا وأخرجت ملفا أحتفظ فيه منذ سنوات بنسخ من كل شيء عقود شركاتنا أرصدة البنوك خطابات التأسيس حتى إيصالات شراء أول ماكينة في الورشة وكنت دائما أضحك على نفسي وأقول احتياط يا ليلى لكني اليوم فهمت أن الاحتياط ليس وسواسا بل عقل
أخرجت أيضا هاتفي وكتبت رسالة قصيرة جدا للمدير المالي في الشركة اسمه شريف وقلت له اتصل بي حالا ضروري ثم أرسلت رسالة أخرى للمدير القانوني رانيا وقلت لها لو حد حاول يعمل أي إجراء باسمي النهارده وقفيه فورا واتصلي بالمحامي أحمد وخلّي كل حاجة تتجمد ولم أشرح أكثر لأن أي شرح في رسالة قد يصبح سلاحا ضدك فيما بعد
ثم تذكرت شيئا أخطر حساب التوقيع الإلكتروني في البنك لأن أغلب التحويلات الكبيرة لا تتم إلا بتوثيق إضافي وفهمت أن لو حدث لي مكروه اليوم فقد يستغلونه خلال ساعات فسارعت وفتحت تطبيق البنك وغيّرت كلمات المرور وأوقفت صلاحية التوقيع الإلكتروني مؤقتا من خلال خاصية الأمان ووضعت تنبيها على أي حركة مالية
كنت أرتجف ليس خوفا بل غضبا لأنني أدركت أن ابني كريم الذي حملته وأرضعته ودفعت عنه المرض ووقفت معه في أول فشل وأول نجاح يجلس الآن في الصالون ينتظر أن أنتزع بيدي قلب حياتي وأضعه في يده على طبق فضي وربما لا يعرف حتى أنه جزء من مؤامرة أكبر أو ربما يعرف تماما ويؤدي دوره ببرود
نزلت بعد دقائق وأنا أحمل الملف كذريعة وملامحي عادت هادئة كما تعودت أن أفعل في الاجتماعات الصعبة وجدتهم في نفس الوضع كريم يقلب الصفحات ونهى تمسك فنجانها وتشرب منه رشفة صغيرة جدا ثم تضعه وكأن طعمه تغير أو كأن القلق أصبح يقطع حلقها
قلت لكريم بابتسامة بسيطة لقيت النسخة القديمة اهو بس قبل ما نكمّل أنا عايزة أشرب مية الأول فجأة حاسة بجفاف في حلقي ونهى قامت بسرعة قالت هجيبلك أنا يا ماما لكني رفعت يدي لا خلي أمينة تجيبلي أمينة أمينة هتجيب وقلت ذلك وأنا أنظر إلى أمينة التي كانت تقف على مسافة كأنها تنتظر أوامر وأنا رأيت ارتياحا خفيفا في عينيها
دخلت أمينة المطبخ بسرعة ثم عادت بكوب ماء زجاجة مقفولة فتحتها أمامي بعناية وهذا وحده كان رسالة تؤكد شكوكي لأن الماء في بيتي موجود دائما لكن الآن صار كل شيء يحتاج إثباتا أن أحدا لم يلمسه
شربت رشفة ماء ثم قلت لكريم نرجع للبند الأول وبدأ كريم يشرح من جديد لكني هذه المرة كنت أطرح أسئلة محددة عن كل سطر عن كل رقم عن كل نسبة عن كل صلاحية وكنت أرى التوتر يزيد على وجهه لأن الأسئلة ليست في السيناريو الذي أعدوه
نهى حاولت تقطع عليّ بأسلوب لطيف فقالت يا ماما بلاش تعقيد إحنا عيلة وكريم مش هيضحك عليكي وأنا رفعت عيني إليها وقلت وأنا ولا عمري قلت غير كده يا نهى بس أنا اتعلمت إن اللي يحبك لازم يستحمل أسئلتك لأن السؤال يحمي المحبة من الندم
سكتت نهى لحظة وكأنها تلقت صفعة منطقية لا تستطيع الرد عليها ثم ابتسمت ابتسامة مشدودة وقالت طبعا يا ماما اسألي اللي أنتي عايزاه
في تلك اللحظة رن هاتفي كان شريف المدير المالي وأنا تعمدت أن أرفع الصوت قليلا وأقول أيوه يا شريف خير بسرعة فقال بصوت متوتر يا مدام ليلى حضرتك كنتي باعتة رسالة أنا تحت أمرك قلت له اسمعني كويس دلوقتي أي تحويلات أو أوامر صرف أو توقيع باسم الشركة النهارده تتوقف تماما من غير ما تسألني وعايز تقرير فوري عن آخر أسبوعين حركة حسابات أنا هبعتهالك على الإيميل حالا قال حاضر حاضر ثم سأل في حاجة حصلت قلت له لا بس إجراءات احترازية وغلقت
رأيت كريم يحدق بي ونهى تحاول أن تبدو غير مهتمة لكن أصابعها كانت تعصر الفنجان بقوة حتى كدت أسمع احتكاك السيراميك بجلدها
قلت لكريم خلينا نأجل التوقيع ساعتين بس لحد ما يجي محامي الشركة بنفسه علشان أنا مش مرتاحة أني أوقع من غيره وكريم قال لكن يا ماما ده ترتيب بسيط والوقت ضيق وأنا قلت ببساطة الوقت عمره ما كان أضيق من عمري يا كريم
ساد صمت ثقيل لحظة ثم قالت نهى بسرعة يا ماما طيب على الأقل اشربي القهوة علشان الضغط يهدى وأنا رفعت عيني إليها ورأيت الإصرار في جملتها كان أقوى من الاهتمام كان كأنه دفع لبوابة مغلقة فقلت لا شكرا أنا اكتفيت بالمية
هنا حدث شيء حاسم نهى لم تتمالك نفسها للحظة فقالت بنبرة قصيرة حادة ليه حضرتك مصممة تعملي مشاكل كل مرة بنحاول نقرب منك بتفتحي سيرة شك ومحاسبة وكأننا أعداء وأنا تأملت وجهها وقلت بهدوء مفاجئ يا نهى أنا مش بعمل مشاكل أنا بحمي نفسي وبحمي الشركة وبحمي كريم نفسه لأن اللي ياخد حاجة وهو مش جاهز لها هتدفـ,ـنه قبل ما ترفعه
كريم حاول يهدّي وقال خلاص يا جماعة مفيش داعي للتوتر يا ماما بس أنا قلقان عليكي من التعب أنتي مش مركزة قوي النهارده يمكن علشان القهوة مرة شوية وأنا ابتسمت وقلت يمكن فعلا
ثم فعلت شيئا لم أتخيل يوما أنني سأفعله مع ابني قلت له يا كريم ممكن تروح تجيبلي الدوا من شنطة إيدي في العربية أنا نسيت آخده الصبح وهو في الدرج الجانبي وانت عارفه وساعتها كنت أخلق سبب يجعله يخرج من الغرفة لدقيقة لأنني أردت أن أختبر نهى وحدها
كريم قام بسرعة وقال حاضر يا ماما ونزل وبعد أن أغلق الباب شعرت أن الهواء تغير نهى وضعت الفنجان على الطاولة ونظرت إليّ نظرة لم تعد مغطاة باللطف وقالت حضرتك بتلفي وتدوري ليه مش عايزة تسيبي الأمور تمشي طبيعي قلت لها طبيعي زي إيه قالت زي إنك توقعي وتسلمي لابنك زي أي أم سوية
ضحكت ضحكة خفيفة وقلت لها أي أم سوية لا تسلم رقبتها وهي مغمضة نهى
نهى اقتربت خطوة وقالت إنتي شايفاني وحشة ليه أنا بحاول أخلي كريم يبقى صاحب قرار لأن الشركة محتاجة شباب وأنا قلت محتاجة كفاءة قبل الشباب ثم سكتت لحظة وقلت لها قوليلي بصراحة مين اللي كتب بند منع المحامي من الحضور كريم ولا أنتي
وجهها تغير لثانية ثم قالت كريم هو اللي قال كده قلت لها طب ليه أنتي اللي بتدفعي القهوة ليه أنتي اللي مصرة أني أشرب فنجانك أو فنجاني
هنا ظهرت أول شرارة خوف حقيقي في عينيها ثم تداركت وقالت حضرتك بتهلوسي أنا بس مهتمة بصحتك
في نفس اللحظة
دخلت أمينة الصالون دون أن أطلبها
تقدمّت بخطوات سريعة
ووقفت خلفي مباشرة
وقالت بصوت منخفض لكن واضح
يا هانم حضرتك سامحيني
أنا لازم أقول دلوقتي
القهوة دي مش من عندنا
الست نهى هي اللي جابتها
وفتحت الغطا لوحدها في المطبخ وأنا شوفت
نهى صرخت فجأة إنتي بتقولي إيه يا قليلة الأدب
ومدّت يدها كأنها ستصفع أمينة
لكنني رفعت يدي بسرعة وقلت بصوت حاد لأول مرة اقفي مكانك يا نهى
تجمدت
وتراجعت
وبدأت تتنفس بسرعة
قلت لأمينة كملي
قالت وهي تبكي أنا كنت هسكت والله
بس أول ما حضرتك شربتي حسيت إن في حاجة غلط
أنا شميت ريحة غريبة في الكوباية لما كنت بأرفعها
زي ريحة دوا
زي حاجة مش طبيعية
وبعدين شفت الست نهى وهي بتطلع من شنطتها حاجة صغيرة وتحطها بسرعة وأنا كنت واقفة ورا الباب
أنا خوفت على حضرتك
ده انتي زي أمي
نهى حاولت تضحك ببرود وقالت دي ست خدامة بتتخيل ومش ناقصانا تمثيل
فقلت لها بهدوء مش محتاجين خيال
محتاجين دليل
رفعت الهاتف واتصلت فورا بالمحامي أحمد الذي يعمل معنا منذ سنوات وقلت له أحمد تعالى بيتي حالا ومعاك أي حد من معمل التحاليل اللي بتتعامل معاهم الشركة وجيب معاك نموذج تحليل سريع لأي مادة سامة في مشروب وقلت ذلك بصوت لا يقبل نقاشا
نهى اتسعت عيناها وقالت إنتي مجنونة ده بيت عيلة قلت لها بيت عيلة نعم لكن العيلة اللي تخون تتحول لقضية
دخل كريم في تلك اللحظة وهو يحمل شنطتي ويقول لقيت الدوا يا ماما وابتسامته على وشه ثم توقف عندما رأى وجوهنا فقال في إيه
نظرت إليه طويلا ثم قلت له كريم قعد هنا
عايزاك تسمع كويس
الخادمة بتقول إن نهى حطت حاجة في القهوة
ونهى بتقول إن أمينة بتكذب
وأنا هتحقق حالا
وده مش كلام يتنسى
كريم ارتبك وقال إيه الكلام ده يا ماما مستحيل نهى تعمل كده دي مراتي
نهى أسرعت وقالت شفت يا كريم أمك بتصدق الخدامة وبتتهمني
قلت له يا كريم أنا مش بصدق حد أنا بختبر الحقيقة
ثم التفت إلى أمينة وقلت هاتي الفنجانين
أمينة ذهبت بسرعة وجابت الفنجان الذي شربت منه أنا قليلا والفنجان الذي كانت تشرب منه نهى وجابت أيضا العبوة الورقية التي جاءت بها القهوة من الخارج
قلت لكريم بصوت ثابت هتروح دلوقتي تقفل الباب بالمفتاح وتخليه معاك ومحدش يطلع ولا ينزل لحد ما يجي المحامي
كريم قال يا ماما ده مبالغة
قلت له نفذ يا كريم
لأول مرة في حياته
رأيت ابني يتردد بين زوجته وأمه
بين ما تربى عليه وما اختاره
ثم تحرك ببطء وأغلق الباب
نهى بدأت تنهار تدريجيا قالت انتي بتعملي عليا مؤامرة انتي مش بتحبيني وعايزة تفرقي بيني وبين كريم
قلت لها أنا كنت ممكن أفرق بينك وبينه زمان بفتحة نفس لو كنت شايفة إنك خطر لكني سكتت لأنني قلت يمكن ابني سعيد
لكن السعادة اللي تبنى على مـ,ـوتي مش سعادة
نهى قالت مـ,ـوتك
إنتي بتقولي إيه
قلت لها أنا لا أتهمك بالقـ,ـتل إلا لو أثبت التحليل ذلك
لكن إصرارك أن أشرب رغم رفضي
ورغبتك أن يتم التوقيع اليوم دون محامي
وتحويلك الاجتماع من ترتيب مستقبل إلى تنازل كامل
كل ده مش صدفة
بعد نصف ساعة جاء المحامي أحمد ومعه فني من معمل تحاليل قريب يعمل معنا في فحوصات السلامة الصناعية وكان يحمل حقيبة صغيرة وأدوات أخذ عينة
المحامي نظر إلى كريم وقال حضرتك استدعيتني على إيه يا مدام ليلى
قلت له هتسمع وتشتغل بسرعة
ثم حكت أمينة القصة من أولها
ونهى تقاطع وتصرخ
وكريم يحاول أن يفهم
وأنا أجلس كأنني على كرسي إدارة أزمة في مصنع وليس في بيتي
الفني أخذ عينات من القهوة ووضعها في أنابيب صغيرة ثم استخدم اختبارا أوليا سريعا وقال نحن هنحتاج معمل لتأكيد النتيجة لكن في مؤشرات لمادة مهدئة قوية مش من مكونات القهوة العادية
كريم قال مادة مهدئة
نهى صاحت كداب
المحامي رفع يده وقال لو سمحتم دلوقتي الموضوع اتحول لمسار قانوني رسمي وأي كلمة هتتقال هتتحسب
نهى جلست فجأة وكأن الهواء خرج من صدرها
وعيناها تبحثان عن مخرج
ثم قالت بصوت منخفض كريم أنا عملت كده علشان أمك صعبة وكنت خايفة تضيّع الشركة بتعنّتِها أنا كنت عايزاها تهدى بس وتوقع من غير دراما
قلت لها تهدى يعني تغيب عن الوعي
قالت أنا ما كنتش أقصد أذيها
أنا بس كنت عايزة القرار يمر
وهي بعد كده تبقى كويسة
كريم حدق فيها وكأنه يراها لأول مرة وقال إنتي بتحطي لمراتي… لأمي مهدئ
قالت أنا مراتي إزاي يا كريم أنا مراتك وأنا بحمي مستقبلنا
قال كريم مستقبلنا اللي يبقى على حساب أمي يبقى مستقبل قذر
هنا شعرت بشيء مؤلـ,ـم
ليس لأنني انتصرت
بل لأنني اكتشفت أن ابني كان على وشك أن يسلمني لهم دون أن يرى
وأصعب ما في الخـ,ـيانة ليس الطعنة
بل أن الطاعن يبتسم وهو يقترب
المحامي قال يا نهى لازم نكتب إفادة دلوقتي وفيه احتمال بلاغ شروع في تسـ,ـميم أو إيذاء عمدي حسب نتيجة المعمل
نهى بدأت تبكي وتقول لا لا أنا هتفضح أنا أهلي هيمـ,ـوتوني
فقلت لها بصوت بارد أهلك هيزعلوا من فضيحة ولا يزعلوا من جنازة
كريم جلس على الكرسي ووضع رأسه بين يديه وقال أنا كنت هوقع الشركة باسمّي؟ باسم ابني؟ ده كان هيبقى إيه
قلت له كان هيبقى بداية نهايتك يا كريم
الشركة مش ورق
الشركة روح ناس
مصانع
عمال
مسؤولية
ولو كان قرارك جاي من زوجة بتخاف من أمك يبقى قرارك ضعيف
كريم رفع رأسه وقال أنا آسف يا ماما
قلت له آسف مش كفاية
أنا محتاجة منك قرار
إما تكون ابني بحق وتحميني
أو تبقى مجرد وريث مستعجل
هو قال أنا معاك
قلت له طيب
أول قرار
نهى تتوقف عن العمل في الشركة من اللحظة دي
ثاني قرار
أي أوراق تنازل تتلغى تماما
ثالث قرار
هتدخل تدريب إداري حقيقي لمدة سنة تحت إشراف مجلس إدارة جديد
لأنني فهمت أن ثقتي العمياء كانت أكبر خطأ
نهى صاحت يعني هتخربي بيتي
قلت لها بيت مبني على غيابي مش بيت
وبعدين أنا ما قلتش طلاق
أنا قلت حماية
القرار عند كريم
لو اختارك على حسابي يبقى اختياره
لكن الشركة خط أحمر
المحامي بدأ يكتب محضرا داخليا ويثبت الواقعة ويؤمن الأدلة وأخذ العبوة والفناجين وطلب الاحتفاظ بها لحين نتيجة التحليل النهائي ثم قال للكل أنصحكم محدش يلمس حاجة تاني
أمينة كانت تبكي وأنا نظرت إليها وقلت لها انتي عملتي اللي لازم يتعمل
قالت أنا كنت خايفة حضرتك تفتكريني بتكذب
قلت لها اللي يخاف على غيره مش كذاب
بعد ساعتين وصلت نتيجة أولية من المعمل تؤكد وجود مادة مهدئة من النوع الذي يسبب هبوطا حادا في الضغط وفقدان تركيز وربما فقدان وعي خاصة في سنّي ومع تاريخي الصحي ومع ضغط العمل وكان ذلك كافيا لكي يتحول الأمر من شك إلى حقيقة
نهى انهارت تماما واعترفت أنها اشترت المادة من صيدلية بعذر أنها تعاني أرقا وأنها وضعتها بجرعة صغيرة ثم زادت الجرعة عندما رأت أنني لا أشرب بسرعة وأن هدفها كان أن أكون هادئة ومنسابة وأوقع دون جدال وأنها كانت تخطط بعد التوقيع أن تقول إنني تعبت فجأة وأن الأطباء نصحوني بالراحة وأن كريم سيتولى الإدارة مؤقتا
سألتها
ومن قال لك إنني سأوقع حتى لو كنت هادئة
قالت لأن كريم قال إنك بتلين لما تتعبي
وهنا التفت إلى كريم
فوجدته شاحبا
كأنه تلقى صفعتين في آن واحد
صفعة أنه كان مفتاحا في الخطة دون أن يقصد
وصفعة أنه وصفني لزوجته بطريقة سمحت لها أن تجرّب ضعفي
قلت له كريم أنت قلت لها كده
قال والله يا ماما أنا كنت بفضفض
كنت بقول إنك بتتعبى من الجدال
قلت له الفضفضة اللي تهدد حياة أمك تبقى خـ,ـيانة حتى لو من غير قصد
صمت كريم
ثم قام ووقف أمام نهى وقال أنا مش قادر أبص في وشك دلوقتي
نهى حاولت تمسك إيده فقالت أنا عملت ده علشانك
فقال لها لو علشاني كنتي تحميني من نفسي مش تقـ,ـتليني أمي
في تلك اللحظة
لم أشعر بالشـ,ـماتة
شعرت فقط بالحزن
لأنني كنت أتمنى أن أكبر في سلام
أن أترك الشركة لابني برضى
لا بحذر
لكن الحياة لا تعطي النهايات الجميلة لمن يغمض عينيه
في اليوم التالي
ذهبت إلى الشركة مبكرا
دخلت المصنع الرئيسي
مشيت بين خطوط الإنتاج
سلمت على العمال بأسمائهم
نظرت إلى الماكينات
شعرت أن المكان يعرفني
أن الحديد نفسه يصدقني أكثر من بعض البشر
جمعت مجلس الإدارة
وأعلنت قرارا واضحا
أي تحويل للصلاحيات سيتم تدريجيا وبوجود لجان مراجعة
وأي قرار استراتيجي لن يمر إلا بتوقيعين
وأي محاولة ضغط عليّ سأعتبرها تهـ,ـديدا مباشرا للشركة
ثم استدعيت كريم وحده
قلت له أنا مش هحرمك من حقك
لكن حقك مش هتاخده بالورق
هتاخده بالاستحقاق
ابدأ من جديد
اشتغل
اتعلم
اثبت
وساعتها أنا اللي هسلّمك المفاتيح بيدي وأنا مبتسمة
كريم بكى
وقال أنا فهمت يا ماما
وأنا لأول مرة
شعرت أنني ربما أستعيد ابني
ليس لأن نهى سقطت
بل لأن الحقيقة وقفت بيننا مثل مرآة كبيرة
أما نهى
فتم إيقافها عن العمل رسميا
وتم تحويل الموضوع قانونيا حسب ما نصح المحامي
وأهلها حاولوا يتدخلوا ويصالحوا ويمحوا الفضيحة
لكنني قلت لهم أنتم لم تربوا بنتكم على احترام من تعب
فلا تطلبوا مني أن أبتلع المرارة باسم الستر
ورجعت إلى بيتي في الزمالك تلك الليلة
جلست في غرفة حسن
نظرت إلى صورته
وقلت بصوت منخفض
كنت صح يا حسن
الورق لا يرحم
والقهوة أحيانا أخطر من السلاح
لكن الحمد لله
إن في البيت خادمة اسمها أمينة
قلبها أنقى من قلوب كثيرين
وإن ربنا كشف لي الحقيقة قبل ما أمضي
وفي آخر الليل
دخل كريم بهدوء
وقف عند الباب وقال ماما
قلت له نعم
قال أنا عمري ما هخلّي حد يكـ,ـسرك تاني
ولا حتى أنا
قلت له أنا ما انكسرتش يا كريم
أنا اتعلمت
واللي يتعلم ما يتكسرش
ثم قلت له جملة واحدة
خليك فاكر
اللي يحاول يسـ,ـرق حياة أمك باسم المستقبل
ما يستحقش المستقبل..وأطفأت النور..وتركت الفنجان الفارغ على الطاولة
كذكرى.إن الابتسامة لا تعني الأمان وإن الثقة لا تُمنح بل تُثبت


تعليقات
إرسال تعليق