القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

طُرد فلاح بسيط من فندق فاخر… لكن الحقيقة التي كُشفت بعدها جعلت الجميع يطأطئ رأسه خجلًا

 طُرد فلاح بسيط من فندق فاخر… لكن الحقيقة التي كُشفت بعدها جعلت الجميع يطأطئ رأسه خجلًا



طُرد فلاح بسيط من فندق فاخر… لكن الحقيقة التي كُشفت بعدها جعلت الجميع يطأطئ رأسه خجلًا

 

في أواخر فترة ما بعد الظهيرة دخل رجل في الخمسين من عمره إلى بهو أفخم فندق في المدينة. كانت بشرته قد اسمرت بفعل الشمس وهواء الحقول وخطواته هادئة متزنة. كان يرتدي معطفا بنيا باهت اللون تعلوه بعض بقع التراب وفي قدميه صندلان قديمان من نوع خلية النحل بدت عليهما آثار الاستهلاك الشديد. ومن مظهره الخارجي كان من السهل على أي شخص أن يدرك أنه فلاح قدم لتوه من قريته.

تقدم نحو مكتب الاستقبال وقال بصوت صادق هادئ

مرحبا أود استئجار غرفة لليلة واحدة.

نظرت إليه موظفة الاستقبال الشابة وقد وضعت أحمر شفاه أنيقا من رأسه حتى قدميه ثم عقدت حاجبيها بضيق. ففي نظرها هذا الفندق من فئة الخمس نجوم لا يستقبل إلا الناجحين والأنيقين لا الفلاحين ذوي الملابس المتسخة. صفت حلقها وقالت ببرود

يا عم الفندق الذي تقصده غالي الثمن ولا أظنه مناسبا لك. من الأفضل أن تبحث عن نزل اقتصادي هناك.

ظل الفلاح صبورا وابتسم ابتسامة لطيفة وقال

أعلم ذلك لكنني أرغب في الإقامة هنا. أحتاج فقط إلى غرفة أي مستوى سيكون مناسبا.

بدأ نفاد صبر موظفة الاستقبال وقالت بلهجة حادة

اسمعني جيدا فندقي هذا مخصص لرجال الأعمال والمسافرين من الطبقة الراقية. من الأفضل أن تذهب وتبحث عن مكان آخر حتى لا نضيع وقت بعضنا.

نظر بعض الزوار الواقفين بالقرب منه إليه بنظرات


امتزج فيها التعاطف بالازدراء. كان الجميع يظن أن هذا الفلاح يحاول التسلق لا يعرف قدره ومع ذلك يجرؤ على دخول فندق فاخر.

صمت الرجل لحظة ثم لم يقل شيئا. بدأ الجو يزداد توترا بينما تجاهلته موظفة الاستقبال عمدا غير راغبة في مواصلة الحديث.

كان حارس أمن مسن يشاهد المشهد من بعيد وشعر بالحرج لكنه لم يجرؤ على التدخل. ومع ذلك كان يشعر في قرارة نفسه أن هذا الفلاح لا يبدو شخصا مثيرا للمشاكل بل على العكس كان هادئا ومتماسكا على نحو لافت.

وبينما كانت موظفة الاستقبال توشك على مغادرة مكتبها مد الفلاح يده بهدوء إلى جيبه وأخرج هاتفا جديدا لامعا. ضغط على بعض الأرقام وأجرى اتصالا وبقي صوته هادئا لكن نبرته حملت وقارا وهيبة

مرحبا أنا موجود الآن في بهو فندقكم. يبدو أن الموظفين لا يرغبون في تأجير غرفة لي. هل يمكنك النزول ومساعدتي قليلا

بعد دقائق قليلة فتح باب المصعد. خرج منه شاب أنيق يرتدي ملابس فاخرة وتقدم بسرعة نحو الفلاح. وما إن رآه حتى انحنى له باحترام وقال بصوت مملوء بالتبجيل

لماذا جئت دون أن تخبرني لماذا لم تتصل بي لأخرج لاستقبالك

ساد الصمت أرجاء بهو الفندق بأكمله. فقد تبين أن هذا الشاب هو المدير الشاب للفندق الشخص الذي يكن له جميع الموظفين بمن فيهم موظفة الاستقبال كل الاحترام والتقدير.

استدار المدير نحو

موظفة الاستقبال وقد اشتد تصلب ملامح وجهه وتحول صوته إلى نبرة حاسمة لا تقبل الجدل وقال أمام الجميع

هذا الرجل هو صاحب الفضل علي بعد الله. لولا عمي هذا لما كانت عائلتي اليوم على ما هي عليه ولما وقف هذا الفندق شامخا في هذا المكان. ومن هذه اللحظة فصاعدا كلما وطئت قدماه هذا الفندق يعامل باعتباره أرفع ضيف فيه دون نقاش.

تجمدت موظفة الاستقبال في مكانها وكأن الأرض قد ابتلعت قدميها. شحب وجهها حتى بدا وكأن الدم قد انسحب منه دفعة واحدة وارتجفت شفتاها ارتجافا لا إراديا. حاولت أن تتماسك لكن الكلمات خانتها وتعثر صوتها وهي تقول بصعوبة وقد انخفضت نبرتها لأول مرة منذ بدأت العمل في ذلك الفندق الفاخر

أنا أنا لم أكن أعلم لم أقصد أقسم أنني لم أقصد

كانت كلماتها تخرج متقطعة بلا قوة ولا ثقة وكأنها اعتراف متأخر أمام نفسها قبل أن يكون أمام الآخرين. لم يكن خوفها من العقاب هو ما أربكها بل الصدمة التي أصابت صورتها عن العالم وعن نفسها تحديدا.

لم يجبها الفلاح مباشرة. وقف للحظات صامتا يتأمل الوجوه من حوله واحدا واحدا وكأنه يقرأ في أعينهم ما لم تفصح عنه ألسنتهم دهشة خجل إحراج وندم مكتوم. بدا هادئا على غير المتوقع ثابتا كمن اعتاد مواجهة المواقف الصعبة دون ضجيج. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ابتسامة رجل ذاق مرارة

الأيام قبل حلاوتها رجل علمته الحياة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى صوت عال.

لوح بيده بلطف وقال بصوت عميق دافئ

لا عليك. كلنا نخطئ أحيانا في الحكم على الناس. الحياة قاسية بما يكفي لتعلمنا الدروس لكن الخطأ الحقيقي ليس في الجهل بل في الإصرار عليه. ما دام الإنسان قادرا على أن يتعلم فالأمل باق. أتمنى فقط أن يكون ما حدث اليوم عبرة فلا يقاس الإنسان بملابسه ولا يعرف معدنه من مظهره.

ساد صمت أثقل من السابق صمت لم يكن فراغا بل امتلاء بمعان كثيرة. شعر كثيرون في القاعة وكأن تلك الكلمات وجهت إليهم شخصيا لا إلى موظفة الاستقبال وحدها.

تقدم المدير خطوة أخرى وقد اغرورقت عيناه بتأثر صادق لم يستطع إخفاءه وقال بصوت خافت لكنه نابع من القلب صوت رجل تذكر فجأة ماضيا حاول نسيانه طويلا

حين مرت عائلتنا بأقسى محنة في حياتها كنا على وشك الانهيار الكامل. خسرنا تجارتنا وتراكمت علينا الديون وتفرق عنا الناس واحدا تلو الآخر. أصدقاء الأمس تخلوا عنا والمعارف اعتذروا بلطف بارد. كل باب طرقناه أغلق في وجوهنا. كنا نشعر أننا وحدنا في هذا العالم.

توقف لحظة ثم أكمل وهو يشير إلى الفلاح

هذا الرجل وحده مد يده دون أن يسأل عن ضمان أو مصلحة. أقرض والدي المال ونحن على حافة الانهيار ولم يطلب يوما شكرا ولا مقابلا. لم يتباه ولم يذكرنا بفضله. تركنا ننهض بكرامتنا. ذلك

 

الفضل سيبقى دينا في عنقي ما حييت ولن توفيه كلمات ولا مناصب ولا فنادق.

ساد الصمت أرجاء القاعة صمت ثقيل لم يكن مجرد غياب للأصوات بل حضورا كثيفا للمشاعر. بدا وكأن الزمن نفسه توقف لثوان طويلة لا تتحرك فيها عقارب الساعة ولا يجرؤ أحد على كسر ذلك السكون. الوجوه التي كانت قبل دقائق تتبادل النظرات المتعالية أو الابتسامات الساخرة تغيرت ملامحها تماما. ارتسمت الدهشة على الوجوه دهشة ممزوجة بالخجل وتحولت العيون التي كانت تنظر من عل إلى عيون منكسة تحمل اعترافا صامتا بالخطأ. بعضهم أنزل عينيه خجلا وكأن الأرض أرحم من مواجهة الحقيقة وبعضهم شد على شفتيه بقوة يلوم نفسه في صمت مرير مستعيدا مواقف سابقة حكم فيها على الناس دون أن يمنحهم فرصة للكلام.

ذلك الفلاح البسيط الذي استصغر شأنه واستهين بمظهره لم يتغير شيء في هيئته. بقي واقفا كما هو بثيابه البسيطة ونظراته الهادئة لكنه في أعين الحاضرين لم يعد ذلك الرجل العابر الذي يمكن تجاهله. انكشف الآن بوصفه الرجل الذي وقف خلف هذا النجاح الباهر من الظل دون ضجيج أو ادعاء رجل صنع الفرق حين كان الجميع منشغلين بأنفسهم رجل لم تمنحه الحياة قصورا شاهقة ولا أضواء براقة لكنه منحها قلوبا عامرة بالخير وضميرا حيا لا يصدأ.

أنزلت موظفة الاستقبال

رأسها ببطء وكأن ثقل اللحظة انصب فوق كتفيها دفعة واحدة. لم تعد قادرة على حبس دموعها فانهمرت الدموع على خديها بصمت موجع. لم تكن تلك دموع خوف من فقدان الوظيفة ولا رهبة من العقاب بل دموع خجل صادق من النفس. شعرت وكأن كل نظرة احتقار أطلقتها في حياتها وكل حكم متسرع أطلقته على الناس من قبل يعود إليها في تلك اللحظة كصفعة قاسية على وجهها. أدركت أن كبرياءها الأجوف الذي كانت تظنه ثقة بالنفس لم يكن سوى قناع هش يخفي جهلا عميقا وأن تسرعها في الحكم قد أعماها عن رؤية الحقيقة وكاد يجعلها تهين إنسانا يفوقها قيمة وأخلاقا وتجربة.

تقدم المدير بخطوات واثقة لكن في عينيه شيء من التواضع لم يكن مألوفا عليه. طلب من أحد الموظفين مرافقة الفلاح إلى أفخم جناح في الفندق ثم توقف فجأة وكأن فكرة أخرى خطرت له في اللحظة الأخيرة. استدار وقال بصوت حازم لا يقبل النقاش

لا سأرافقه بنفسي.

كانت تلك الجملة وحدها كافية لتزيد وقع المشهد. لم يكن ذلك مجرد تصرف إداري بل إعلان احترام علني. سار المدير إلى جانب الفلاح لا كمدير فندق يسير أمام ضيف عادي بل كتلميذ يسير خلف معلمه يستمع بصمت ويتعلم دون أن يتكلم. كانت العيون تتابعهما في صمت مطبق. لم يكن ذلك الصمت صمت إحراج فحسب بل صمت مراجعة داخلية

عميقة صمت أسئلة بدأت تتشكل في عقول كل من شهد الموقف

كم مرة حكمنا على الناس خطأ

كم مرة خسرنا احترام إنسان لأننا رأينا مظهره ولم نر قلبه

وكم فرصة ضيعنا لأننا انشغلنا بالقشور ونسينا الجوهر

وقبل أن يدخل الفلاح إلى الجناح توقف فجأة. استدار نحو الحاضرين جميعا ونظر إليهم نظرة هادئة عميقة نظرة رجل لا يحمل في قلبه ضغينة ولا رغبة في الانتصار بل رغبة صادقة في أن يترك أثرا نافعا. ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة تحمل حكمة السنين وتجارب العمر وقال بصوت واثق

يا أبنائي لا تجعلوا الثياب معياركم ولا الفقر تهمة. قد يكون الفلاح صاحب فضل وقد يحمل عامل بسيط في قلبه قصة أعظم من قصور شاهقة. احترموا الإنسان لكونه إنسانا فذلك هو الغنى الحقيقي الذي لا يزول.

ترددت كلماته في أرجاء القاعة لا كجملة عابرة بل كصدى ضمير أيقظ قلوبا غافلة. أحس كثيرون أن تلك الكلمات استقرت في أعماقهم وأنها ستظل تطفو في ذاكرتهم كلما هموا بالحكم على شخص من مظهره أو لباسه. لم ينبس أحد بكلمة لكن الصمت هذه المرة كان مختلفا كان صمت فهم واستيعاب.

في تلك الليلة لم يكن الفلاح حديث الفندق فحسب بل أصبح حديث العاملين والضيوف على حد سواء. تناقلوا قصته بإعجاب وتأثر وكل واحد منهم استخلص منها درسا بطريقته الخاصة.

بعضهم تذكر شخصا ظلمه يوما لأنه لم يشبه الصورة التي رسمها في ذهنه وبعضهم وعد نفسه أن يكون أكثر تواضعا وأكثر إنصافا وأكثر إنسانية في تعامله مع الآخرين.

ومنذ ذلك اليوم تغير أسلوب موظفة الاستقبال تغييرا جذريا. لم يعد عملها مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام بل رسالة ومسؤولية أخلاقية. أصبحت أكثر تواضعا وأكثر إنصاتا وأكثر حرصا على معاملة الجميع باحترام حقيقي غنيا كان أم فقيرا. لم يعد الزائر بالنسبة لها مظهرا أو بطاقة ائتمان بل إنسانا له قصة تستحق أن تسمع وكرامة يجب أن تصان.

أما الفلاح فقد قضى ليلته في هدوء لم يعتده منذ زمن هدوء يشبه راحة الضمير بعد قول الحق وفعل الخير دون انتظار مقابل. وفي الصباح الباكر غادر الفندق دون ضجيج كما دخل أول مرة. لم ينتظر كلمات شكر إضافية ولم يسع إلى اهتمام أو شهرة. عاد إلى ريفه إلى أرضه وحقوله إلى حياته البسيطة التي أحبها وكأن شيئا لم يتغير في ظاهره.

لكن الحقيقة أن كل شيء كان قد تغير في الداخل.

تلاشى أثره شيئا فشيئا في ضوء الصباح غير أن أثره بقي حيا في القلوب. بقيت قصته شاهدا صامتا على أن العظمة لا تحتاج إلى بذخ وأن الكرامة لا تشترى وأن الاحترام هو الثروة الوحيدة التي لا تزول مهما تبدلت الأحوال وتغيرت الوجوه وتقلبت الدنيا بأهلها

 

تعليقات

التنقل السريع
    close