القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت عهد الخيـ,ـانه كاملة 



عهد الخيـ,ـانه 

دفعتُ تكاليف زفاف أختي كاملًا من عرق جبيني ومن تحويشة عمري، ولم يكن ذلك اندفاعًا ولا رغبة في الظهور، بل حصيلة عشر سنوات كاملة من العمل المتواصل كحارسة بوابة في مجمع صناعي كبير على أطراف المدينة، نوبات ليلية طويلة، وأيام عطلات قضيتها واقفة أمام بوابة حديدية باردة، أقاوم النعاس والإرهاق والبرد والحر، فقط لأن أمي كانت تردد دائمًا أن المرأة المحترمة هي التي تضحي من أجل أهلها، وكنت أصدقها، أصدقها حد الوجع.

اسمي نجلاء، الابنة الكبرى لسعاد، المرأة التي لم تعرف في حياتها سوى القسـ,ـوة المقنعة بالحكمة، والتفضيل المغلف باسم العدل. منذ طفولتي وأنا أسمع جملة واحدة تتكرر: “أنتِ قوية، تتحملين”، وكأن القوة لعنة تُفرض لا اختيارًا يُكافأ. كنت أنا دائمًا من تتحمل، ومن تُؤجِّل أحلامها، ومن تعمل بصمت بينما تُقطف الثمار لغيرها.

حين أعلنت ريم، أختي الصغرى، خبر زواجها من ياسر، الضابط الكبير في الجيش، لم يتفاجأ أحد. الجميع كان يعتبر الأمر طبيعيًا، فريم جميلة، ناعمة، تجيد الضحك أمام الناس، تعرف كيف تختار كلماتها وملابسها، بينما كنت أنا، في نظرهم، مجرد ظل يقف في الخلفية، امرأة لم تكمل تعليمها، ولم تتزوج، وتعمل حارسة بوابة، مهنة كانوا يلفظون اسمها وكأنها شتيمة.

لم يسألني أحد إن كنت أستطيع تحمل تكاليف الزفاف، لم يناقشني أحد في التفاصيل، فقط جاء القرار جاهزًا، كما اعتدت طوال حياتي: نجلاء ستتكفل بكل شيء. القاعة، الوليمة، الفرقة الموسيقية، فستان العروس، فساتين الوصيفات، حتى بطاقات الدعوة والهدايا التذكارية. أمي قالتها ببساطة: “أنتِ أختها الكبيرة، وهذا واجبك”.

وافقت في صمت، لأن الصمت كان لغتي الوحيدة في هذا البيت، ولأنني كنت أظن، بسذاجة مؤلمة، أن هذا اليوم سيمنحني ولو لمرة واحدة نظرة تقدير، كلمة شكر، أو حتى اعترافًا بأنني فعلت شيئًا يستحق الاحترام.

جاء يوم الزفاف، وكانت القاعة مكتظة بما يقارب ثلاثمائة مدعو، أضواء ذهبية تنعكس على الجدران، كؤوس زجاجية فاخرة مصطفة بعناية، طاولة رئيسية مزينة بزهور مستوردة لم أسأل عن ثمنها، لأنني تعودت ألا أسأل، فقط أدفع. جلست في الصفوف الخلفية، أرتدي فستانًا بسيطًا اشتريته قبل سنوات وعدلت عليه قليلًا، أحاول ألا ألفت الانتباه، كأن وجودي نفسه خطأ يجب إخفاؤه.

أمي لم تنظر إليّ. كانت تبتسم للجميع، تستقبل التهاني، تتباهى بالعريس ومكانته، وفي عينيها ذلك البريق القاسي الذي عرفته منذ طفولتنا، بريق الرضا لأنها أخيرًا تشعر بالفخر، فخر لم أكن يومًا سببًا فيه.

بدأت ريم تشكر الضيوف بصوت ناعم ուսումն، تشكر أهل العريس، تشكر صديقاتها، تشكر قريباتنا، ثم فجأة أشارت إليّ. للحظة، شعرت بشيء يشبه الأمل، ربما ستذكرني، ربما ستقول كلمة طيبة. قالت إنها تحب أن تشكر أختها، وتوقفت قليلًا، نظرت إليّ بابتسامة غريبة، ثم أضافت: “الجميع يعلم أن أختي مجرد حارسة بوابة”.

ساد صمت قصير، ثم انفـ,ـجرت القاعة بالضحك. ضحك صاخب، غير مكترث، ضحك شعرت معه أن الأرض تنسحب من تحت قدمي. سألت، وسط الضحك، من يمكن أن يحب امرأة مثلها، بهذه البساطة، بهذا اللبس، بهذه الحياة. شعرت بالدم يصعد إلى وجهي، بحرارة حارقة، كأنني عارية أمام الجميع.

لم تكتفِ ريم، بل تدخلت أمي، وقالت بلا أي خجل، وبنبرة واثقة، إنني كنت دائمًا عارًا على العائلة، وإن الحمد لله أن ريم عرفت كيف تختار طريقها، وكيف ترفع رأسنا بزواجها. تعالت القهقهات أكثر، بعض الضيوف نظروا إليّ بشفقة، وآخرون بسخر.ية واضحة، وكأنهم يشاهدون عرضًا مجانيًا.

قبضت يدي تحت الطاولة، وأحسست بأظافري تغرس في راحتي، وتذكرت كل تحويل بنكي، كل فاتورة دفعتها، كل ليلة سهر وتعب، كل مرة عدت فيها إلى البيت وقدماي تؤلمانني من الوقوف، وكل مرة أخبرت نفسي أن هذا من أجل الأسرة، من أجل أمي، من أجل ريم.

وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان.

وضع ياسر، العريس، كأسه جانبًا، ونهض ببطء. كان صوته حين طلب من الجميع الصمت ثابتًا وحازمًا، فخفتت الأصوات فورًا، وكأن القاعة بأكملها حبست أنفاسها. تقدم إلى منتصف القاعة، ونظر إليّ مباشرة، نظرة جادة جعلت المكان كله يتوتر.

قال بصوت واضح: “في الحقيقة، هناك أمر يجب أن يُقال”.

تجمدت أمي في مكانها، وشحب وجه ريم فجأة، وكأنها أدركت أن شيئًا ما ليس في صالحها. أكمل ياسر حديثه قائلاً إن هذا الزفاف، بكل ما فيه، لم يكن ليحدث لولا امرأة واحدة، امرأة وقفت عشر سنوات عند بوابة حديدية، تحرس تعب غيرها، وتدفع من عمرها وكرامتها دون أن تطلب شيئًا.

قال إنه يعرف كل شيء، يعرف من دفع، ومن سهر، ومن ضحى، لأنه رأى بعينيه كشوف الحسابات، وعرف الحقيقة منذ أن تقدم لريم، لكنه اختار الصمت احترامًا لي. ثم قال جملته التي قلبت كل شيء: “المرأة التي تضحكون عليها اليوم، هي المرأة الوحيدة في هذه القاعة التي تستحق الاحترام”.

لم أسمع بعدها سوى دوي سقوط ريم مغشيًا عليها أرضًا، بينما علت همهمات الصدمة في القاعة. أمي كانت واقفة، عاجزة عن الكلام، ووجوه الضيوف تغيرت، بعضهم طأطأ رأسه خجلًا، وبعضهم بدا مرتبكًا، كأنهم أدركوا فجأة أنهم شاركوا في جـ,ـريمة معنوية.

اقترب ياسر مني، مد يده، وقال بهدوء: “قفي، هذا مكانك”. وقفت، وأنا أشعر أن قدمي لا تحملانني، لكنه كان يقف بجانبي بثبات، كأنه يعلن للجميع أنني لست وحدي.

ذلك اليوم لم يكن مجرد زفاف، كان لحظة انكشاف، لحظة أدركت فيها أن التضـ,ـحية لا تُقدَّر دائمًا، وأن الصمت لا يحمي أحدًا، وأن الكرامة لا تُشترى بالمال ولا تُستجدى من أحد.

خرجت من القاعة ورأسي مرفوع لأول مرة، ليس لأن أحدًا مدحني، بل لأنني أخيرًا رأيت نفسي بوضوح، امرأة تعبت، نعم، لكنها لم تكن يومًا عارًا، بل كانت العمود الذي وقف عليه الجميع ثم حاولوا كسـ,ـره.

ومنذ ذلك اليوم، تعلمت درسًا واحدًا لن أنساه: من لا يحترم تعبك، لا يستحق تضحيتك، مهما كان اسمه، ومهما كانت صلته بك.

صلّي على محمد  👇❤️








تعليقات

التنقل السريع
    close