درس فـي الكـرامة ونـهاية الغـرور كـامله
درس فـي الكـرامة ونـهاية الغـرور كـامله
ساد صمت تقيل ومفاجئ في صالة البنك، العيون كلها اتجهت للولد الصغير اللي كان واقف قدام الشباك، إيديه كانت بتترعش وهي ماسكة "شيك" مكرمش وكأنه بيقبض على أغلى ما يملك.
بصوت واطي، يا دوب طالع من بين شفايفه، قال: "لو سمحتي.. كنت عايز أصرف الشيك ده."
الناس اللي واقفة في الطابور بصوا لبعض.. فيه اللي تنهد بملل، وفيه اللي رسم على وشه ابتسامة سخرية. العيون كانت قاسېة، بتوزن الولد من ساسه لراسه.. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات جزمة قديمة عليها تراب الشارع، وجاكت لونه بهت من كتر الغسيل.
مديرة الفرع كانت قاعدة ورا مكتبها، سابت القلم من إيدها وبصتله ببرود: "يا حبيبي إحنا هنا في بنك، مش جمعية خيرية.. جبت الورقة دي منين؟"
الولد بلع ريقه وصوته اتهز: "بابا هو اللي ادهوني.. وقالي أجيبه هنا."
واحد من العملاء اللي
قاعدين ورا ضحك بصوت مسموع، والمديرة رفعت حاجبها وقالت بتهكم: "بابا؟ وطب وفين بابا ده دلوقتي؟"
الولد سكت لحظة، وبص في الأرض: "هو.. هو موجود هنا."
الهمهمات زادت في الصالة، والمديرة نفد صبرها ومدت إيدها بحدة: "هات أشوف الورقة دي."
الولد حط الشيك على المكتب بحرص شديد، كأنه خاېف عليه يتفرفت. المديرة يا دوب لمحت المبلغ المكتوب، وملامحها اتحولت لڠضب مكتوم: "أنت عارف الرقم اللي مكتوب هنا كام؟ أنت متخيل إننا ممكن ننخدع بالحركات دي؟ إحنا بيعدي علينا ڼصابين محترفين كل يوم."
الولد بدأ يترعش بجد والخۏف ظهر في عينيه: متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات "والله يا طنط ما كذبت.. بابا هو اللي.."
"كفاية كلام!" قاطعتُه بقسۏة، وفي حركة سريعة ومفاجئة، مسكت الشيك وقطعته نصين قدام عينيه وهي بتقول: "البنك ده مبيقبلش تزوير،
اتفضل اخرج بره بدل ما أطلبلك الأمن."
صوت قطع الورق كان ليه رنة مرعبة في وسط الهدوء اللي حل على المكان.
الولد وقف متسمر، عينه على قطع الورق اللي وقعت على الأرض.. وبصوت مخڼوق بالدموع همس: "أنا ميكذبتش.. والله العظيم ما كذبت."
محدش نطق.. الناس بدأت تبص في الموبايلات أو في السقف، الهروب من المواجهة أسهل بكتير من نصرة طفل ضعيف.
المديرة عدلت الجاكت بتاعها وقالت بغرور: "المرة الجاية، بلاش تضيع وقتنا ووقت العملاء."
إيدين الولد كانت لسه مفرودة، فاضية، وبتترعش: "طيب.. أنا هعمل إيه دلوقتي؟"
محدش رد.. وفجأة، جه صوت هادي ورزين من وراه:
"خلصتي اللي بتعمليه؟"
المديرة من غير ما ترفع عينها ردت بحدة: "يا فندم الموضوع ده ميخصكش، ثواني وهكون مع حضرتك."
خطوات ثابتة وهادية قربت من المكتب.. "لا.. الموضوع يخصني جداً."
الولد
حس بإيد اتحطت على كتفه، إيد ثابتة، مطمئنة..متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات المديرة نفخت بضيق ورفعت عينها: "وحضرتك تطلع مين بقى إن شاء الله؟"
الرجل عدل "الكبك" بتاع قميصه، وبص في الصالة كلها بصه واحدة خلت الكل يسكت، وقال بهدوء: "قبل ما أجاوبك.. ممكن أعرف بأي حق قطعتي شيك مش ملكك؟"
السكوت رجع يسيطر على المكان.. المديرة ردت بلجلجة: "دي سياسة البنك.. وأنا مش مضطرة أشرح الإجراءات لـ.."
"لصاحب الحساب؟" قاطعها الرجل بابتسامة باردة.
الموظفة اللي قاعدة على الجهاز اللي جمبها جسمها اتنفض فجأة.. المديرة قالت باستغراب: "نعم؟ أفندم؟"
الرجل بص في عينها مباشرة: "الشيك اللي قطعتيه، متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات صادر من حساب من حساباتي الشخصية."
صوت همس الموظفين بدأ يعلى.. والمديرة ضحكت بتوتر: "مستحيل.. رقم
الحساب اللي في الشيك ده.."
"مطابق يا فندم.." الموظفة قاطعتها بصوت مړعوپ وهي بتبص للشاشة: "يا فندم.. الرقم مطابق فعلاً."
المديرة وشها لونه خطڤ.. والرجل نطق اسمه بالكامل.
الموظفة قامت وقفت وقالت بصوت مسموع للكل: "يا خبر.. ده.. ده هو!"
الموبايلات بدأت تترفع، والناس بدأت تتوشوش: "مش ده فلان؟" "أيوه هو.. صاحب مجموعة البنوك!" "يا نهار أبيض.. ده صاحب البنك نفسه!"
المديرة قامت وقفت وصوتها بيقطع: "يا فندم.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. ده سوء تفاهم."
الرجل بص لقطع الورق اللي على الأرض، وقال بصوت واطي ومؤثر: "لا.. ده مش سوء تفاهم.. ده درس."
نزل لمستوى ابنه، ومسح دموعه وقال له: "شوفت المكان ده يا حبيبي؟"
الولد هز راسه.. والوالد كمل: "اوعى تنسى.. الكرامة مش بتبنيها الحيطان ولا المكاتب
الفخمة.. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات والقوة الحقيقية مش محتاجة زعاق."
خرجوا من البنك في وسط ذهول الجميع.. الكل اتعلم درس متأخر جداً:
"إياك تحكم على حد من مظهره.. لأن القوة الحقيقية بتمشي في صمت، ولما بتكشف عن وشها، بتهز كيان المغرورين."
نهاية الغرور
المديرة دخلت مكتبها وقفلت الباب وراها بإيد بتترعش.. حاولت تمسك السماعة عشان تطلب مكتب "رئيس مجلس الإدارة" وتعتذر، بس قبل ما ترفع السماعة، التليفون رن.. كان مدير قطاع الفروع.
جاله صوت حازم ومن غير مقدمات: "مدام نجلاء.. سيبِي كل حاجة في إيدك، واتفضلي على الإدارة القانونية فوراً. قرار إيقافك عن العمل صدر من دقيقتين."
حاولت تنطق، متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات صوتها طلع مخڼوق: "يا فندم والله ما
كنت أعرف إنه ابنه.. أنا كنت فاكرة.."
قاطعها بصوت أهدى بس أرعب: "دي المشكلة يا مدام نجلاء.. إنك بتتعاملي مع الناس بناءً على "أنت تعرف أنا مين؟".. صاحب البنك مبعتش ابنه عشان يصرف فلوس، هو بعته عشان يشوف "الناس بتوعه" بيتعاملوا إزاي مع طفل غلبان ملوش ضهر.. وللأسف، سقطتي في الاختبار."
في العربية بره البنك
الولد كان قاعد جمب والده في العربية الفخمة، بيبص لقطع الشيك اللي لسه في إيده بحزن.. والده بصله وابتسم، طلع دفتر شيكات جديد، وكتب مبلغ أكبر بكتير، ومضى عليه واداهوله.
الولد سأله ببراءة: "بابا.. هو ليه طنط دي قطعت الورقة؟ هي مش بتحبنا؟"
الأب اتنهد وقال: "يا حبيبي، فيه ناس لما بتقعد على كراسي عالية، بيتهيألها إنها بقت أعلى من البشَر.. الشيك اللي اتقطع
ده كان ثمنه غالي أوي، كان ثمنه "وظيفة" ضاعت عشان صاحبتها نسيت إن الوظيفة "خدمة" مش "سلطة"."
بص لابنه وكمل: "عايزك تفتكر يا "ياسين".. إن الفلوس اللي معانا دي مسؤولية، مش وسيلة عشان نتنطط بيها على خلق الله. النهاردة أنت شوفت بعينك إن الهدوم الغالية مش هي اللي بتعمل قيمة للبني آدم.. القيمة الحقيقية في الطريقة اللي بنعامل بيها الناس، خصوصاً اللي أضعف مننا."
العربية مشيت في زحمة القاهرة متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات ، والولد شال الشيك الجديد في جيبه.. بس المرة دي، كان عارف إن قيمته الحقيقية مش في الرقم اللي مكتوب فيه، لكن في الدرس اللي اتعلمه في صالة البنك…
النهـاية
تفتكر لو كنت مكان واحد من العملاء اللي واقفين، كنت هتدخل تدافع عن الولد
ولا هتفضل ساكت زي الباقي؟


تعليقات
إرسال تعليق