اريد رجلا كامله وحصريه
اريد رجلا كامله وحصريه
جوزي بدل ما يشيلني ليلة دخـ,ـلتي شال أمه
لم أكن أتخيل أن جملة واحدة يمكن أن تختصر كل ما كنت على وشك أن أعيشه وأن تكون تلك اللحظة الصغيرة التي انتظرها الجميع هي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة كلها دفعة واحدة بلا إنذار
مباشرة بعد عقد القران وبدلا من أن يمد مروان يده ليضمني أو يرفعني بين ذراعيه كما كنت أرى في عيون الناس وكما حلمت أنا منذ طفولتي التفت فجأة دون كلمة واحدة نحو أمه الحاجة صفية ورفعها أمام الحاضرين جميعا بابتسامة واسعة كأن ما يفعله بطولة كبرى أو إعلان نصر شخصي في مشهد صـ,ـادم جعل الصمت يهبط على القاعة كالصخرة الثقيلة وما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد
كان زفاف الموسم زفاف ليلى ومروان الزوجين اللذين بدا من الخارج كأنهما خرجا من حكاية حالمة قاعة فخمة في أحد فنادق القاهرة القديمة موسيقى هادئة تعزف لحن البداية إضاءة دافئة تنعكس على الوجوه المبتسمة وأصوات ضحكات مكتومة تحمل فضولا وترقبا الجميع كان ينتظر اللحظة التقليدية التي يختم بها العريس حفل زفافه حين يرفع عروسه وسط التصفيق والتهليل وتنهال الكاميرات لالتقاط الصورة التي ستبقى
لكن مروان لم يفعل
بلا تردد استدار نحو أمه ورفعها بين ذراعيه خطوات قليلة وسط القاعة كانت كفيلة بأن تقلب الفرح رأسا على عقب الضحكات خرجت متقـ,ـطعة مرتبكة لا تعرف هل تصفق أم تصمت أم تعترض بعضهم ابتسم مجاملة وبعضهم أشاح بوجهه خجلا أما أنا فبقيت واقفة في مكاني عند منصة العقد كأن قدمي تجذرتا في الأرض فستاني الأبيض الذي حلمت به سنوات بدا فجأة ثقيلا كأنه حمل فوق طاقتي وابتسامتي التي تدربت عليها أمام المرآة تجمدت في لحظة واحدة بينما امتلأت عيناي بالدموع التي حاولت عبثا أن أسيطر عليها وشعور الإهـ,ـانة تسلل إلى ملامحي أمام الجميع دون رحمة
بدأت الهمسات تنتشر في القاعة بسرعة النار في الهشيم وتغير الجو في ثانية واحدة فقط من فرح مكتمل إلى توتر خانق ونزل مروان أمه على الأرض فقبلته على خده بفخر واضح غير مدركة أو غير عابئة بما صنعته تلك اللحظة ثم عاد يسير نحوي وكأن شيئا لم يحدث مد يده لي بثقة باردة كأنه ينتظر أن أكمل المشهد وأنقذ الموقف
لكنني لم أمسك بيده
نظرتي التي كانت ممتلئة حلما وأملا تحولت إلى نـ,ـار صامتة لم يلحظها أحد في البداية استدرت ببطء ورفعت يدي إلى رأسي نزعت الحجاب الأبيض الذي باركه الجميع قبل دقائق وأسـ,ـقطته على الأرض بقوة جعلت القاعة ترتجف من هول الصدمة وسرت همهمة حادة بين الضيوف واتسعت عينا أمه وتجمد هو في مكانه
سرت بخطوات ثابتة نحو ميكروفون المنصة وكانت خطواتي تقطع القاعة كأنها تحاسب كل من صمت وكل من ضحك وكل من برر رفعت رأسي ونظرت إلى مروان ثم إلى أمه وقلت بصوت هادئ لكنه اخـ,ـترق القلوب
النهارده أنا فهمت أني ما اتجوزتش راجل أنا اتجوزت ظل أمه والظل عمره ما يحمي حد
سكت لحظة وكنت أسمع دقات قلبي أعلى من صوت الموسيقى المتوقفة ثم خلعت خاتم الزواج ووضعته على المنصة وقلت
الأم مكانها في القلب وعلى الراس طول العمر لكن مش على حساب كرامة ست تانية
استدرت ومشيت تاركة خلفي قاعة كاملة مصدومة وفرحا تحول في دقيقة إلى حكاية يتهامس بها الناس
خرجت من الفندق دون أن أبكي لم أجر ولم ألتفت كنت أمشي وكأنني أستعيد نفسي خطوة خطوة الهواء الليلي لامس وجهي فشعرت لأول مرة منذ شهور أنني أتنفس بعمق كأن صدري كان محبوسا وفتح بابه فجأة
لم يكن القرار وليد لحظة بل كان نتيجة أشياء صغيرة تجاهلتها طويلا سيطرته التي كان يسميها خوفا علي صمته حين تتدخل أمه في كل تفاصيل حياتنا وتبريره الدائم بأنها أدرى بمصلحتنا وتنازلي المتكرر ظنا مني أن الحب يحتمل
في الأيام التالية حاول مروان الاتصال بي عشرات المرات أرسل رسائل طويلة يبرر فيها ما حدث مرة يقول إنه لم يقصد ومرة يقول إن الموقف أُسـ,ـيء فهمه ومرة يلومني لأنني فضـ,ـحته أمام الناس لكنني كنت أقرأ كلماته بهدوء وأدرك أن المشكلة لم تكن في تلك اللحظة وحدها بل في عقلية ترى المرأة دائما خطوة خلف الأم
ذهبت إلى بيت أهلي واستقبلتني أمي دون أسئلة فقط فتحت ذراعيها لي وكأنها كانت تعرف أنني سأعود يوما ما جلست معها تلك الليلة وبكيت لأول مرة لا على زواج انتهى بل على فتاة كانت تظن أن الصبر يصنع رجالا
مرت أسابيع ثقيلة حاولت فيها أمه أن تتواصل معي عبر أقارب مشتركين رسائل مغلفة بالنصح والعتاب وكلمات عن بر الوالدين وطاعة الزوج لكنها لم تتضمن مرة واحدة اعتذارا حقيقيا أو اعترافا بما فعلته
وذات يوم جاء مروان بنفسه وقف أمام بيت أهلي متوترا مكسـ,ـورا لا يشبه الرجل الذي رفع أمه في القاعة قال إنه مستعد لكل شيء شرط أن أعود وأن أتعهد باحترام أمه كما يريد هو حينها فقط فهمت أن الفجوة بيننا أعمق من أن تردم
نظرت إليه وقلت بهدوء
أنا كنت عايزة راجل يشيلني مش يعلمني إزاي أتنازل
غادر دون كلمة
مرت الشهور وتعلمت أن أعيش من جديد عدت لعملي درست شيئا كنت أؤجله وبدأت أستعيد صوتي الذي خنقته المجاملات تعلمت أن الحب الحقيقي لا يبدأ بالإهانة وأن أول يوم في الزواج هو مرآة لكل ما سيأتي
وفي إحدى المناسبات سمعت بالصدفة أن مروان تزوج بعد عام وأن أمه اختارت له العروس بنفسها ابتسمت بهدوء ولم أشعر بشيء سوى الامتنان لأنني خرجت في الوقت المناسب
اليوم حين أتذكر تلك الليلة لا أشعر بالوجع بل بالقوة لأنها كانت الليلة التي اخترت فيها نفسي لأول مرة
وهكذا لم يكن زفافي نهاية حكاية بل بدايتها


تعليقات
إرسال تعليق