قلب انعدم من الرحمه
قلب انعدم من الرحمه
كانت زوجة أبيهم تكرر دائمًا بنبرة مطمئنة تخلو من أي إحساس حقيقي: الأولاد بخير متقلقش عليهم دول في عنيا
كنت أسمع الجملة نفسها كل صباح، أقرأها على شاشة هاتفي في مطارات بعيدة وغرف فنادق باردة، وأبتسم مطمئنًا، أظن أن الصمت دليل استقرار، وأن قلة التفاصيل علامة راحة، ولم أكن أعلم أن بعض البشر يتقنون الكذب بنفس البراعة التي يتقنون بها ترتيب الشعر وارتداء العطور.
على مدار ستة أشهر كاملة، وبينما كنت أتنقل بين القارات بسبب عملي، لم تتغير الرسالة أبدًا، حبيبي الأولاد بخير في عنيا، ولا كلمة واحدة عن المدرسة، ولا عن مرض، ولا عن شقاوة، ولا حتى عن شوق، فقط طمأنة جاهزة تُغلق أي باب للقلق، وأنا وثقت بها، وثقت بخبثها، واعتبرت ذلك دليلًا على أن البيت بخير، وأن زوجتي الجديدة تؤدي دور الأم كما يجب.
كنت مخطئًا.
عدت إلى المنزل في الثالثة فجرًا دون إنذار مسبق، لم أخبر أحدًا، أردت أن أفاجئهم، أردت أن أرى وجوههم نائمة، أن أقبل جبين طفلَيّ وأعود رجلًا طبيعيًا بعد شهور من الغياب، لكن المفاجأة لم تكن لهم، كانت لي.
وجدت الفيلا التي اعتادت أن تكون دافئة ومضيئة غارقة في ظلام غير طبيعي، لا أضواء جانبية، لا لمبة الشرفة، لا حتى صوت تلفاز نائم، وما إن أغلقت الباب خلفي حتى لسعني برد قاسٍ غير منطقي، برد بيت تُرك دون روح، أدركت حينها أن نظام التدفئة مطفأ في عز الشتاء، وهو شيء لم يحدث يومًا حتى في أسوأ الخلافات.
دخلت المطبخ، وهناك رأيت المشهد الذي كسرني للأبد.
سامر ونادين.
طفلاي.
متكوران على أرضية السيراميك المتجمدة، يتقاسمان وعاءً بلاستيك صغيرًا من ماء الصنبور، تطفو فيه قشور جزر يابسة شفافة من شدة الجفاف، لا رائحة طعام، لا فتات خبز، فقط صمت وجوع.
لم أسمع أنفاسي، شعرت أن صدري ضاق فجأة، وأن الأرض تميد بي، ورفعت نادين رأسها ببطء، كانت ترتجف وتضم جسدها الصغير إلى أخيها كأنها تحتمي به من العالم، نظرت إليّ بعينين واسعتين ممتلئتين بالخوف وقالت:
بابا؟
ثم تراجعت خطوة، وكأنها تذكرت شيئًا مخيفًا
لو سمحت ما تضربناش…إحنا ما سرقناش دي كانت في الزبالة والله
كلمة سرقنا اخترقتني، لم تكن كلمة، كانت حكمًا بالإعدام على ثقتي بنفسي كأب.
كان سامر محمومًا، جلده ساخن، ضلوعه بارزة تحت بيجامة واسعة لا تناسب جسده النحيل، يمسك بطنه كأنه يحاول إخفاء ألم لا يفهمه، ولا يعرف له اسمًا.
سألت بصوت مكسور لم أعرفه: ليه بتقولي كده يا نادين
همست وهي تشير إلى خزانة المطبخ المغلقة بقفل معدني ثقيل: طنط قفلت الدواليب
وقالت الأكل الغالي للضيوف
وادتنا الأكل دا…علشان نشكرها
لم أصرخ، لم أنهَر، حملتهما كما كنت أفعل حين كانا رضيعين، وضعتُهما في غرفة نومي، لففتهما بالبطاطين الثقيلة، واتصلت بطبيب خاص فورًا، بينما كان داخلي يشتعل ببطء.
وأنا أنتظر وصوله، بدأت أفتش المنزل.
كل شيء كان في غير موضعه، زجاجات مشروبات باهظة، عطور جديدة، ملابس لم تُلبس، غرف مغلقة بالمفاتيح، ومطبخ بلا طعام، وفي غرفة مذاكرة نادين، وجدت دفترًا أزرق مخبأً بعناية تحت المرتبة.
كان يومياتها.
فتحت الصفحة الأولى، وكان خطها مهتزًا كأنها كانت تكتب خائفة:
اليوم 12
سامر بكى من الجوع
أديته نص العيش بتاعي
اليوم 27
طنط قالت ممنوع نكلم بابا
اليوم 45
طنط حبست سامر في الدولاب
علشان طلب عيش
وقالت لو قلت لبابا هتقتل القطة
ارتجفت يداي، وسقط الدفتر من بين أصابعي.
سمعت باب الفيلا يُفتح مع أول ضوء للفجر، خطوات خفيفة، ضحكات مكتومة، رائحة عطر نفاذ، دخلت زوجتي ومعها رجل آخر، تظن أن البيت خالٍ، وأن الأطفال صامتون كما اعتادت.
وقفت في ظلال الردهة، ممسكًا بالدفتر المفتوح، رفعت رأسها نحوي، وتجمدت ابتسامتها في مكانها.
قالت بصوت مرتبك:
إنت رجعت بدري كده ليه
لم أجب، رفعت الدفتر فقط.
في تلك اللحظة، سقط كل شيء.
لم تصرخ، لم تبرر، عرفت أن الأقنعة سقطت، وأن البيت الذي اعتبرته فندقًا خاصًا أصبح ساحة محاكمة، خرج الرجل مهرولًا، وبقيت هي واقفة، صغيرة، منكسرة، بلا كلمات.
في الصباح، كنت قد أبلغت الشرطة، وقدمت الدفتر، والتقارير الطبية، وشهادة الطبيب، ولم أساوم، لم أتنازل، لأن الأطفال لا يُساوَم عليهم.
انتقلت سامر ونادين إلى بيت أمي، عاد الطعام، عاد الدفء، وعاد الضحك ببطء، أما أنا، فتعلمت درسًا لن أنساه ما حييت:
أن الاطمئنان السهل قد يكون أخطر من الخوف
وأن من يقول لك دائمًا لا تقلق
هو أول من يجب أن تقلق منه
تمت


تعليقات
إرسال تعليق