أرسل الملايين 15 عامًا… وعندما عاد اكتشف من سرق عمره قبل أمواله!
أرسل الملايين 15 عامًا… وعندما عاد اكتشف من سرق عمره قبل أمواله!
أرسل المال طوال خمسة عشر عاما وهو يظن أنهم يعيشون في راحة حتى فتح الباب واكتشف خيانة جمدت الدم في عروقه.
خمسة عشر عاما وهو يطارد النجاح. خمسة عشر عاما بعيدا عن غبار الطريق الذي تعلم فيه المشي بعيدا عن رائحة قهوة القدر التي كانت أمه تعدها مع تباشير الفجر بعيدا عن يدي والده الخشنتين اللتين كانتا تفوحان دائما برائحة التراب والعمل الشريف.
أصبح لويس ألفونسو غوثمان الرجل الذي حلم أن يكونه بدلات مفصلة بعناية اجتماعات في ناطحات سحاب حسابات مصرفية بأرقام لم تعد تتسع لها شاشة واحدة. كان النجاح لغته والمال جواز سفره.
كان يتخيل دائما أن عودته ستكون مهيبة. أن يتحدث أهل القرية عنه بإعجاب. أن يعيش والداه في راحة وطمأنينة بفضل كل تحويل مالي كان يرسله بانتظام شهرا بعد شهر.
لكن العودة لم تكن احتفالا.
انزلق حقيبه الجلدي الفاخر من يده لحظة عبر عتبة ذلك البيت الذي بالكاد تعرف إليه. كانت جدران الطين متشققة مفتوحة كندوب قديمة. والسقف المدعوم بألواح صدئة يسمح للريح الباردة بالتسلل.
وعلى أرض من تراب مدكوك
كانا هناك.
والداه.
ينامان متعانقين كأن البرد قادر على شطرهما نصفين. بدت أجسادهما منحنية أصغر بكثير مما كان يتذكر. لم يغطهما سوى أسمال متسخة كانت يوما ما
أغطية.
وبينهما طفلة صغيرة تتكور باحثة عن دفء.
كان معطف لويس الأحمر القاني يلمع كأنه سخرية وسط ذلك البؤس. لم يكن يرتجف من البرد المتسرب عبر الشقوق بل من شيء أعمق.
شعور بالذنب.
حيرة.
وخوف لم يعرف له اسما.
يا إلهي تمتم بصوت مكسور.
كانت الطفلة أول من استيقظ. في الثامنة ربما أو أقل. شعرها متشابك خداها متسخان وعيناها الواسعتان اتسعتا أكثر حين رأت الرجل الأنيق عند الباب. التصقت أكثر بصدر جدها.
جدي همست وهي تهزه برفق.
فتح والده عينيه ببطء. رمش مرات عدة. وحين تعرف إليه لم يكن الذهول ممزوجا بفرح خالص بل بشيء أعقد شيء يشبه الخجل.
لويس قال غير مصدق.
تقدم لويس خطوة. صرير خفيف صدر عن الأرض تحت حذائه اللامع. راح يتفحص التفاصيل موقدا خامدا قدرا فارغا أطباقا مكسورة مكدسة في زاوية.
لم يكن ذلك منطقيا.
خمسة عشر عاما وهو يرسل المال. مبالغ سخية. أكثر من كافية ليعيشوا بكرامة.
أبي قال بصوت حاول أن يجعله ثابتا بينما كان داخله ينهار ماذا حدث للمال
خفضت أمه بصرها. ارتجفت يداها. أما الطفلة فكانت تنظر إليهم جميعا في صمت كأنها تستشعر أن أمرا خطيرا على وشك الانكشاف.
وقبل أن يجيب أحد دوى صرير في مؤخرة المنزل.
باب.
خطوات.
بطيئة.
ثقيلة.
استدار لويس.
تجمد الدم في عروقه.
لأن الذي خرج من العتمة لم يكن غريبا
بل كان شخصا وثق به ثقة عمياء.
خرجت الهيئة إلى الضوء تماما.
كان راميرو.
راميرو نفسه الذي كان صديقه المقرب في الطفولة. الرجل الذي منحه توكيلا رسميا محدودا لإدارة شؤون والديه حين قرر البقاء في الخارج. الرجل الذي أقسم أنه سيرعاهما كما لو كانا والديه.
لكن نظرته لم تعد صافية كما كانت. كانت عيناه قاسيتين حاسبتين.
يا لها من مفاجأة الابن الضال قرر أن يعود قال مبتسما ابتسامة مائلة.
شعر لويس أن شيئا داخله انكسر في صمت.
ماذا تفعل هنا سأل وهو يزن كل كلمة.
تقدم راميرو بخطوات هادئة.
أعتني بما تركته خلفك.
صار الهواء أثقل.
أرسل إليهم المال كل شهر. أكثر مما يكفي قال لويس.
أطلق راميرو ضحكة جافة.
المال لا يدوم إلى الأبد.
تقدم لويس خطوة أخرى.
التحويلات كانت منتظمة. كبيرة. طوال خمسة عشر عاما.
كان صمت والديه أشد إيلاما من أي إجابة.
أبي ألح لويس هل كنتم تتلقون المال
تأخر والده قليلا قبل أن يتكلم وكأن الكلمات أثقل من أن تخرج بسهولة أو كأن الاعتراف نفسه يحتاج إلى شجاعة لم تعد في صدره.
كان راميرو يقول إن المبلغ أحيانا يصل أقل وإن شركتك تمر بمشكلات وإنك لا تريد أن تقلقنا
لم يكن الصوت مرتفعا لكنه كان كافيا ليهدم خمسة عشر عاما
من الطمأنينة المزيفة.
كانت الضربة قاسية.
لم تكن كلمات عابرة بل سكاكين باردة استقرت في صدر لويس. تذكر كل تحويل بدقة التاريخ المبلغ رسالة التأكيد التي كان يرسلها بعدها إلى راميرو المكالمات القصيرة التي كان يطمئن فيها على الأمور. لم يتأخر يوما. لم يخفض المبلغ مرة واحدة. بل كان يزيده كلما تحسنت أعماله.
كم احتفظت لنفسك سأل وهو يحدق مباشرة في راميرو دون أن يرمش.
لم يجب راميرو فورا. شبك ذراعيه أمام صدره وأدار وجهه قليلا كما لو أنه يفكر في أفضل صيغة للكذب.
تقاضيت أجرا مقابل خدماتي.
خدمات شعر لويس بالغضب يصعد إلى صدره كحمم مكبوتة أي خدمات تركتهما يعيشان في هذا البرد في هذا الفقر أي خدمة هذه
بدأت الطفلة تبكي بخفوت صوتها المرتجف كان أشبه بنداء خافت للرحمة وسط عاصفة من الحقائق.
التفت لويس إليها لأول مرة بتركيز حقيقي.
من تكون هذه سأل وصوته هذه المرة أقل حدة لكنه أكثر ارتباكا.
أجابت أمه بصوت يكاد لا يسمع
إنها ابنة أخيك ابنة أخيك الأصغر.
توقف الزمن.
ماذا
ابتلعت أمه دموعها بصعوبة.
توفي قبل أربعة أعوام حادث على الطريق. لم نرد أن نخبرك. قال راميرو إنك كنت على وشك إتمام صفقة كبيرة وإن الخبر قد يربكك
كاد لويس يختنق.
لم يسرق المال فقط.
سرقت منه لحظة الوداع. سرقت منه فرصة الوقوف عند قبر أخيه. سرقت منه دمعة كان من حقه أن يذرفها
في حينها. سرقت منه سنوات من حياة طفلة كان يجب أن يعرفها منذ ولادتها.
شعر بأن الغرفة تضيق. الهواء لم يعد يكفي.
نظر إلى راميرو بهدوء مخيف هدوء يسبق الانفجار.
اخرج من هذا البيت. الآن.
شد راميرو فكه وبدا للحظة أنه سيقاوم.
لا تستطيع أن تثبت شيئا.
أخرج لويس هاتفه ببطء بثبات رجل يعرف قيمة الأرقام أكثر من الكلمات.
أستطيع أن أثبت كل شيء.
لم يكن يتحدث بدافع الغضب بل بدافع المعرفة. على مدى سنوات كان من أكثر رجال الأعمال تدقيقا في القطاع المالي. كان يؤمن أن الثقة لا تغني عن التوثيق. كل تحويل محفوظ بنسخة رقمية وورقية. كل إيصال مؤرشف. كل توكيل موقع بنصوص واضحة تحدد الصلاحيات وحدودها.
بدأ يعرض أمام والديه كشوف الحسابات. التواريخ. المبالغ. التحويلات المنتظمة التي لم تنقطع شهرا واحدا.
كان راميرو قد حول أموالا إلى حساباته الخاصة بطرق ملتوية مستغلا ثغرات بسيطة في الإجراءات البنكية المحلية واشترى أراضي باسمه ومركبة حديثة ومنزلا في القرية المجاورة. عاش حياة مريحة بينما أبقى والديه على الحد الأدنى من البقاء.
لم يعد في الأمر شك.
غادر راميرو المنزل تحت نظرات صامتة ثقيلة لكنه لم يغادر المشهد بعد. فالمواجهة الحقيقية بدأت خارج ذلك الباب.
كانت الأسابيع التالية إعصارا لا يهدأ. مدققون
ماليون محامون شكاوى رسمية استدعاءات. استعان لويس بأحد أفضل مكاتب المحاماة في المدينة الكبرى وأرسل فريقا كاملا لتتبع التحويلات ومطابقة الأرقام وفحص التوكيل بندا بندا.
حاول راميرو أولا أن يهدده عبر وسطاء. ثم حاول أن يستعطفه مبررا فعلته بأنه احتاج المال وأن الظروف كانت صعبة. ثم حاول التفاوض عارضا إعادة جزء من المبلغ مقابل التنازل عن الدعوى.
لكن الوقت كان قد فات.
أكد التحقيق وقوع الاحتيال بشكل واضح. صدرت قرارات بالحجز على الممتلكات وجمدت حساباته وبدأت إجراءات استرداد الأموال.
ومع ذلك بالنسبة إلى لويس لم تكن الخسارة الأكبر مالية.
كانت عاطفية.
كان يشعر بأن قلبه نفسه يحتاج إلى إعادة بناء كما يحتاج البيت إلى أساسات جديدة.
بقي في القرية.
ألغى عقودا كانت تدر عليه أرباحا طائلة واعتذر عن شراكات كان ينظر إليها بوصفها نقلة استراتيجية في مسيرته المهنية. فوض إدارة مشاريعه إلى شركائه الموثوقين وخفض ظهوره في الاجتماعات الدولية التي اعتاد أن يكون نجمها الأول. كان بإمكانه أن يدير إمبراطوريته من أي مكان في العالم عبر مكالمات مرئية وتقارير مفصلة ترسل إليه كل صباح لكنه هذه المرة لم يرد أن يدير عائلته من شاشة هاتف ولا أن يكتفي بصورة مبتسمة تصل متأخرة عبر تطبيقات التواصل.
كان
يريد أن يكون حاضرا لا صوتا عابرا.
بدأ بإعادة بناء البيت لا كاستعراض ثراء يعوض به شعورا بالذنب بل كاستعادة كرامة ضاعت تحت طبقات من الصمت والخداع. لم يستدع شركة فاخرة من العاصمة بل جلس مع عمال القرية يتحدث معهم يخطط يشاركهم الرأي. كان يريد أن يشعر بكل مسمار يدق وبكل حجر يرفع.
أزال الجدران المتشققة وأقام جدرانا متينة من أساس جديد. كان يقول للعمال الأساس أهم من الواجهة وكأنه يتحدث عن حياته لا عن البيت. استبدل السقف الصدئ بآخر عازل يحمي من البرد والمطر فلا تتسلل قطرات الشتاء إلى فراش والديه بعد اليوم. وضع نوافذ واسعة تسمح للشمس بالدخول بسخاء لا للريح بالتسلل خلسة. أنشأ نظام تدفئة حقيقيا يليق بعمر والديه لا مجرد مدفأة صغيرة تتوسط الغرفة وتترك الأطراف ترتجف. وبنى مطبخا واسعا لوالدته فيه فرن حديث وخزائن مرتبة وطاولة كبيرة تستطيع أن تجتمع حولها العائلة دون أن تتزاحم الكراسي.
لم يشأ قصرا يلفت أنظار القرية.
أراد بيتا دافئا بيتا يشبه الطمأنينة.
كان يحرص على أن يبقى الطابع البسيط حاضرا الجدران بلون هادئ أرضية نظيفة حديقة صغيرة أمام الباب. زرع شجرتي ليمون وقال لأمه مبتسما حين تثمران سنصنع شراب الليمون معا. لم تكن الجملة عابرة كانت وعدا بالبقاء.
أخذ والده إلى أطباء
مختصين في المدينة الكبرى. جلس في غرف الانتظار الطويلة كما لم يجلس من قبل بلا حراسة بلا جدول مزدحم فقط ابن ينتظر دوره مع أبيه. بدأت رحلة علاج طويلة لأمراض كان يمكن تجنبها لو توفرت الرعاية في وقتها لكنه لم يندم على ما مضى بقدر ما ركز على ما يمكن إنقاذه الآن. كان يمسك يد والده أثناء الفحوصات ويتظاهر بالقوة بينما قلبه يعتصره شعور بالتقصير.
أما أمه فكان يجلس معها ساعات طويلة في المطبخ الجديد يستمع إلى حكايات السنوات التي غاب عنها. كانت تتحدث ببطء كأنها تخشى أن تنتهي القصص سريعا. أخبرته عن مرض والده الذي اشتد ثم خف عن الليالي التي كانت تسهر فيها بجانبه عن الجيران الذين كانوا يطرقون الباب بدافع الشفقة أحيانا. أخبرته عن وفاة أخيه عن لحظة وصول الخبر عن بكاء الطفلة في ليالي الشتاء حين كانت تسأل أين أبي. وأخبرته عن شعورهم بالحرج كلما سألهم أحد عن الابن الثري الذي يعيش في الخارج بينما هم يكتمون الحقيقة.
كان الألم يتكشف طبقة بعد طبقة كأن جراح السنوات تحتاج إلى ضوء كي تلتئم.
سجل ابنة أخيه في أفضل مدرسة في المنطقة واشترى لها كتبا جديدة تفوح منها رائحة الورق الطازج وملابس تليق بطفلة في عمرها لا تحمل على كتفيها ثقل اليتم. كان يرافقها أحيانا بنفسه في أول أيامها يمسك يدها الصغيرة وكأنه يعوض أعواما من
الغياب. كانت تنظر إليه بفخر أمام زميلاتها وتقول بصوت خافت هذا عمي.
بدأ يشاركها واجباتها المدرسية. يقرأ معها القصص. يشرح لها مسائل الرياضيات بصبر رجل اعتاد الأرقام لكنه يتعلم هذه المرة معنى الأرقام في عيني طفلة.
في المساء كانوا يتعشون معا. مائدة بسيطة لكن عامرة بالدفء. خبز ساخن يخرج من الفرن قهوة تفوح رائحتها في أرجاء البيت أطباق متواضعة لكن محضرة بحب. كانت الضحكات تعود ببطء مترددة في البداية كأنها تخشى أن تفاجأ بحزن جديد ثم تصبح أكثر ثقة أعلى صوتا أكثر صدقا.
تعلم أن يزرع شجرة في الحديقة وأن ينتظر نموها بصبر. تعلم أن يصلح مقبض باب بيديه بدل أن يطلب من موظف في شركة صيانة دولية أن يعتني بأمره. تعلم أن
يجلس بلا هاتف ساعات طويلة ينظر إلى السماء أو يستمع إلى صوت الريح بين الأشجار. اكتشف أن الصمت هنا مختلف ليس صمت مكاتب فاخرة بل صمت يحمل طمأنينة.
بدأ أهل القرية ينظرون إليه لا بوصفه الرجل الثري العائد بل بوصفه الابن الذي عاد أخيرا. لم يعد يهتم بالهمسات أو الإشاعات. كان يكفيه أن يرى والديه يسيران في السوق ورأسيهما مرفوعان.
وفي أحد الأيام بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب وتصبغ السماء بلون برتقالي هادئ جلست ابنة أخيه إلى جواره على الدرج الحجري أمام البيت. كانت تمسك بدفترها المدرسي ثم أغلقته فجأة وسألته بصوت بريء
هل سترحل مرة أخرى
نظر إليها مطولا.
رأى في عينيها خوفا صغيرا خوفا من أن يكون وجوده مؤقتا كما كانت
زيارات الآخرين. رأى في السؤال طلبا خفيا للطمأنينة لا مجرد فضول.
فكر في ناطحات السحاب التي تنتظره في العقود الضخمة التي يمكن أن يوقعها خلال دقائق في الاجتماعات التي لا تنتهي في الأرقام التي كان يطاردها بشغف كأنها الهدف الأسمى.
ثم نظر إلى المائدة التي صار عليها خبز ساخن وقهوة وإلى والديه الجالسين بطمأنينة لم يرها منذ سنوات وإلى الشجرتين الصغيرتين اللتين بدأتا تنموان في الحديقة.
ليس كما في السابق أجاب بهدوء لقد فهمت شيئا الآن.
ماذا سألت الطفلة وقد اقتربت منه أكثر.
ابتسم وعيناه تلمعان بدموع لم يعد يخجل منها.
أن النجاح لا قيمة له إن لم تستطع أن تعانق من تحبهم حين يكونون في أمس الحاجة إليك. المال يمكن أن يستعاد.
البيوت يمكن أن تبنى من جديد. لكن اللحظات إن ضاعت لا تعود.
سكت قليلا ثم أضاف بصوت خافت كأنه يعترف لنفسه قبل أن يعترف لها
ظننت أنني أبني إمبراطورية هناك لكنني كنت أخاطر بأهم إمبراطورية هنا. إمبراطورية لا تقاس بالأرباح بل بالحب وبالوجود وباليد التي تمسك بيدك حين تحتاجها.
مدت الطفلة يدها الصغيرة وأمسكت بيده بقوة وكأنها تثبت العهد.
الإمبراطورية التي بناها في الخارج ما تزال قائمة تدار بعقود وأرقام وشركاء وقد تستمر سنوات طويلة.
لكن الإمبراطورية الحقيقية التي كاد أن يخسرها كانت هنا.
بين جدران من طين صارت الآن جدرانا دافئة
وبين ضحكات عادت بعد غياب
وبين قلوب تعلمت أن الغياب قد يبرر أحيانا
لكن الحضور هو الذي يصنع الحياة ويحفظها.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق