هرب من برلين عام 1945… وبعد 79 سنة اكتشفوا الحقيقة داخل كهف مظلم!
هرب من برلين عام 1945… وبعد 79 سنة اكتشفوا الحقيقة داخل كهف مظلم!
في الثلاثين من أبريل عام 1945 كانت برلين جحيما. كان السوفييت على بعد ثلاثمائة متر من مستشارية الرايخ. كانت قذائف الهاون تتساقط كالمطر فتحول المباني إلى أنقاض محترقة تتصاعد منها الأبخرة. وسط ذلك الفوضى كان العقيد كلاوس ريختر من الفيرماخت يعلم أن بضع ساعات فقط تفصله عن أن ينتهي كل شيء.
كان ريختر في الثانية والأربعين من عمره وقد أمضى اثني عشر عاما في خدمة الرايخ الثالث ونال أوسمة على شجاعته في الجبهة الشرقية. كان قائدا يحظى بالاحترام لكنه كان يعرف أيضا أن اسمه موجود في قوائم الحلفاء قوائم رجال سيطلب منهم الإجابة عما فعلوه في نورمبرغ أفعال كانوا يفضلون ألا تستعاد في وضح النهار.
في الملجأ تحت الأرض حيث كان آخر المدافعين عن برلين يختبئون اتخذ ريختر قرارا. لن يموت هنا. ولن يؤسر. كان قد أعد طريق هروب منذ أشهر عندما صارت الهزيمة أمرا لا مفر منه. كانت سيارته مرسيدسبنز 770K السوداء متوقفة في مرآب تحت الأرض على بعد كيلومترين.
كانت السيارة المصفحة التي صودرت من أحد كبار النازيين وقد مات الآن تحتوي سلفا على كل ما يحتاج إليه خمسون لترا إضافيا من البنزين مؤن تكفي أسبوعين ذهب وثائق مزورة وزي احتياطي مطوي بعناية. عند الساعة الثانية بعد الظهر بينما كان أدولف هتلر يستعد للانتحار في ملجئه خرج ريختر من بين الأنقاض.
كان يرتدي زي جندي بسيط بلا شارات رتبة. لم يكن أحد ينظر مرتين إلى جندي وحيد وسط ذلك الجنون. كانت الشوارع مكتظة بالجثث والمركبات المحترقة والركام المتفحم. رائحة الموت كانت في كل مكان. بلغ المرآب في الساعة الثالثة والنصف. كانت المرسيدس سليمة.
أدار المحرك فصدر عنه زمجر قوي رغم شهور من السكون.
ثم قاد نحو الغرب مخترقا خطوط الدفاع الألمانية الأخيرة التي كانت تتداعى. كان الجنود الألمان يفرون في كل اتجاه. لم يوقفه أحد. لم يسأل أحد عن المرسيدس السوداء ذات النوافذ المعتمة. قاد طوال الليل من دون أضواء مسترشدا بضوء القمر وبحرائق الأفق.
مر ببلدات أشبه بالأشباح وغابات دمرها القصف وطرق مليئة بالفوهات. عند فجر الأول من مايو بلغ الحدود النمساوية. كانت النمسا أيضا تحت الاحتلال لكن أقل كثافة من ألمانيا. لم يكن الحلفاء في كل مكان بعد. كانت هناك فراغات يستطيع رجل أن يختفي فيها.
كان ريختر قد نشأ في النمسا في إنسبروك. كان يعرف هذه الجبال كما يعرف كف يده. وهو طفل استكشف كل واد وكل كهف وكل درب خفي في جبال تيرول الألبية. وكان يتذكر كهفا بعينه عميقا واسعا لا يوصل إليه إلا طريق لا يستخدمه أحد الآن. إلى هناك سيذهب. ليس ليختبئ مؤقتا بل لينتظر.
لينتظر حتى يهدأ العالم وحتى يمل المطاردون وحتى تمحو السنوات أثره. قاد نحو الجنوب الغربي متجنبا الطرق الرئيسية عبر مسالك جبلية بالكاد تصلح للعبور. كانت المرسيدس بنظام تعليقها المتين ومحركها القوي تتعامل مع التضاريس الوعرة.
في كل قرية مر بها رأى أعلام الاستسلام البيضاء. كانت الحرب قد انتهت والرايخ قد مات لكن كلاوس ريختر كان ما يزال حيا وكان يعتقد أنه سيحسن تدبير ذلك. في الثالث من مايو 1945 بلغ وادي هوتشتال في جبال تيرول. كانت منطقة معزولة قاسية حيث يشك الناس في الغرباء ولا يطرحون أسئلة.
أوقف المرسيدس قرب مزرعة مهجورة ثم مشى الكيلومتر الأخير حتى الكهف. كان تماما كما يتذكر. المدخل مخفي خلف صخور وأشجار بالكاد يرى. في الداخل كان الكهف يمتد لأكثر من مئة متر
بقاعات طبيعية صنعتها آلاف السنين من التعرية.
كان الهواء باردا لكنه جاف وهو ما يجعله مثاليا للحفظ. عاد ريختر ليأتي بالمرسيدس. استغرقه الأمر ست ساعات ليدخل السيارة إلى الكهف يقود مليمترا بمليمتر عبر الطريق الضيق الصخري. لكنه نجح في النهاية. أصبحت السيارة في الداخل مخفية عن العالم.
في الأيام التالية أعد ملاذه نقل المؤن من المزرعة المهجورة نصب مصابيح زيتية صنع مساحة معيشة بدائية في إحدى القاعات وقبل كل شيء بدأ يكتب يومياته.
لم تكن اعترافات ولا اعتذارات بل سردا لما حدث لما رآه لما فعله. كان كلاوس ريختر يعلم أن التاريخ سيكتبه المنتصرون وأراد أن تبقى نسخته على الأقل في مكان ما.
تحولت الأسابيع إلى أشهر مايو يونيو يوليو 1945. كان الحلفاء قد احتلوا النمسا كلها. كانت الدوريات تمر أحيانا في الوادي بحثا عن الهاربين لكن أحدا لم يعثر على الكهف ولم يبحث هناك.
كان ريختر يعيش على المعلبات ومياه الجبال والصمت. وفي كل ليلة على ضوء مصباح زيت مرتعش كان يكتب مئات الصفحات عن حياته وعن الحرب وعن القرارات المستحيلة وعن الأوامر التي نفذت وعن أشياء لم يكن فخورا بها لكنه لم يكن يندم عليها أيضا.
صارت اليوميات رفيقه ومصغيه ووصيته. جاء خريف 1945 ببرودة لاذعة. أصبحت ليالي الكهف لا تطاق. كان يرتدي زيه العسكري الكامل فقط ليتدفأالزي الذي أقسم ألا يرتديه مجددا. لكن الكبرياء لا يدفئ حين يأتي الصقيع.
كان يعلم أنه لن يستطيع قضاء الشتاء هناك. الثلوج ستسد المدخل بالكامل. كان عليه أن ينزل مؤقتا على الأقل وأن يختلط بالناس. لكن كيف كان وجهه معروفا في المنطقة. قد يتعرف إليه أحد.
جاء الحل من مزارع محلي اسمه يوهان شتاينر.
كان ريختر قد راقبه لأسابيع من نقطة فوق الوادي. كان شتاينر يعيش وحده يعمل وحده ونادرا ما يتحدث إلى القرويين الآخرين. كان ذلك مثاليا.
في ليلة من ليالي أكتوبر نزل ريختر إلى المزرعة وطرق الباب وهو يحمل مسدس لوغر في يده لكنه مخفي. فتح شتاينر ورأى الزي العسكري تحت المعطف الطويل وفهم على الفور. أنت هارب. لم تكن سؤالا. قال ريختر لدي مال ذهب. أستطيع أن أدفع لك بسخاء إن ساعدتني.
نظر شتاينر إليه طويلا ثم هز كتفيه. المال لم يعد يساوي شيئا أما الذهب فالذهب يبقى ذهبا. سأله ماذا تريد أجاب ريختر مكان أقيم فيه هذا الشتاء. كتمان. طعام. لا أحد يجب أن يعرف.
قال شتاينر بعد لحظة أخي كان لديه كوخ صياد على بعد كيلومترين من هنا. لا يذهب إليه أحد. مات في ستالينغراد. يمكنك استخدامه. لكن إن وجدك الحلفاء فأنا لا أعرفك.
وهكذا بدأت شراكة غريبة. قضى ريختر شتاء 1945 و في الكوخ المعزول. كان شتاينر يجلب له الطعام كل أسبوع مقابل سبائك صغيرة من الذهب. لم يتحدثا كثيرا. لم يطرح شتاينر أسئلة. ولم يقدم ريختر تفسيرات.
خلال تلك الأشهر واصل ريختر كتابة يومياته. أصبحت الملاحظات أكثر فلسفة وتأملا. كان يسأل نفسه إن كان الاختباء والبقاء على قيد الحياة جبنا أم حكمة. الجبناء يختبئون خوفا. أما الحكماء فيحفظون أنفسهم لغرض مستقبلي. لكن ما الغرض الآن الرايخ تحطم هتلر مات القادة أسروا أو هربوا مثله. ماذا بقي
في ربيع 1946 كانت محاكمات نورمبرغ جارية. كان ريختر يقرأ الصحف التي يجلبها شتاينر. غورين هس ريبنتروب يحاكمون. بعضهم أعدم وبعضهم سجن. وكانوا ما يزالون يلاحقون آلاف النازيين من رتب متوسطة الذين اختفوا في فوضى 1945.
كان اسم ريختر في القوائمليس بمستوى
كبار المجرمين لكنه بمستوى يكفي ليكون مطلوبا بجدية. كانت دوريات أمريكية وبريطانية تمشط النمسا تفحص كل قرية وتستجوب كل شخص.
في أبريل 1946 وصلوا إلى أوتشتال. كان ريختر يراقب من الجبل بينما كان الجنود الأمريكيون يسألون القرويين ويعرضون صورا وأسماء. استجوب يوهان شتاينر مثل الجميع. سأل ضابط أمريكي وهو يعرض صورة لريختر بزيه هل رأيت هذا الرجل نظر شتاينر بعناية وقال لا. لم أره قط. كانت الكذبة مثالية. إما أنه ممثل بارع أو أنه لم يكن يهتم بما فعله ريختر. وربما كلا الأمرين.
غادر الأمريكيون بعد ثلاثة أيام لكن ريختر كان يعلم أنهم سيعودون وأنهم في المرة القادمة سيكونون أدق. كان عليه اتخاذ قرار. يمكنه أن يحاول الهرب إلى أمريكا الجنوبية كما فعل كثيرون فشبكات الهروب عبر إيطاليا كانت لا تزال موجودة لكن ذلك يعني السفر والتعرض والمخاطرة. أو يمكنه أن يبقى هنا في الجبال التي يعرفها في الكهف الذي حماه وأن يختفي تماما حتى ييأس المطاردون في النهاية.
اختار الخيار الثاني.
في مايو 1946 عاد إلى الكهف. هذه المرة إلى الأبد. ودع شتاينر قائلا سأذهب بعيدا من هنا. كانت كذبة. لم يكن ذاهبا إلى أي مكان. كان عائدا إلى كهفه إلى مرسيدسه إلى يومياته.
وهناك في برد وصمت الجبل النمساوي استقر لما سيكون انتظارا طويلا طويلا جدا.
تحولت الأشهر إلى سنوات 1947 1948 1950. كان العالم يدور فوقه أما ريختر فكان يعيش في فقاعة زمنية متجمدة عند عام 1945. كان يلمع حذاءه ويحافظ على المرسيدس نظيفة قدر الإمكان ضمن الظروف المحدودة ويكتب دائما يكتب.
بلغت يومياته ألف صفحة ثم ألفين. لم تعد مجرد سرد. أصبحت حياته كلها متبلورة في كلمات. لكن الوحدة كانت تفتك
به ببطء وبلا رحمة.
في عام 1960 كان ريختر قد بلغ السابعة والخمسين وأمضى خمسة عشر عاما في كهفه. لم يعد الكهف ملاذا بل صار سجنا بناه لنفسه حجرا حجرا ويوما يوما.
ظهرت أولى علامات جنون خفيف. صار يتحدث بصوت مسموع يجري حوارات مع أشباح الماضي رفاقه الموتى رؤساؤه الذين أعدموا وحتى مع هتلر نفسه. كان يعرف أنه جنون لكن في الصمت المطلق للكهف كان صوته هو الصوت البشري الوحيد الذي يسمعه.
فرض على نفسه روتينا صارما يستيقظ عند الفجر رغم أن ضوء النهار لا يخترق عمق الكهف. تمارين صباحية نفس التمارين العسكرية التي كان يفعلها قبل عشرين عاما. تنظيف الزي تلميع الحذاء فحص المرسيدس ومسح كل سطح بعناية بقطعة قماش.
كانت فترة بعد الظهر مكرسة للكتابة. كانت يومياته قد صارت ثلاثة آلاف صفحة موزعة على دفاتر متعددة محفوظة بعناية في صناديق معدنية لحمايتها من الرطوبة. كان يكتب أساسا عن ذكرياته قبل الحرب عن حملاته العسكرية عن تأملاته في ما كان الرايخ قد كانه وما كان يمكن أن يكونه.
لم يعد يخرج أبدا. في السنوات الأولى كان ينزل أحيانا لسرقة الطعام من مزارع بعيدة ليلا دائما ومقنعا دائما. لكنه الآن كان يعيش بما يجده في الجبل جذور فطريات ماء عيون. كان يزداد نحولا. صار شعره أبيض بالكامل. كانت يداه ترتجفان باستمرار.
كان العالم الخارجي يتغير بسرعة. استعادت النمسا استقلالها عام 1955. كانت الاقتصاديات تعاد بناؤها. بدأ السياح يأتون للتزلج في جبال تيرول. لكن ريختر لم يكن يعرف شيئا من ذلك. بالنسبة له توقف الزمن في الثلاثين من أبريل 1945.
في عام 1965 مات يوهان شتاينر. لم يعلم ريختر بذلك. لم يعد هناك أحد يعرف بوجوده. صار شبحا كاملا رجلا لا وجود
له رسميا مختبئا في مكان لا يعرفه أحد.
جاءت السبعينيات. كان ريختر قد بلغ السبعين. كان جسده ينهار لكن عقله ظل على نحو غريب متماسكا. استمر في الكتابة لكن الملاحظات صارت أقصر وأكثر تفتتا. أحيانا يكتب بضعة أسطر فقط
اليوم مثل الأمس برد وحدة لكنني حر. حر بطريقتي.
هل كان حرا حقا وهو محبوس في كهف رافضا الخروج حتى بعد أن كف الناس عن البحث عنه أم كانت هذه حرية قصوى بشكل ما اختيار واع لرفض عالم أدانه
في عام 1980 أصيب بسعال مزمن ربما سل أو التهاب رئوي مزمن. لم يكن لديه دواء. كان يتألم بصمت ويبصق دما في قطع قماش يحرقها بعد ذلك. لكنه ظل ينجو دائما ينجو.
في التسعينيات كان هيكلا عظميا تقريبا. كان وزنه ربما خمسين كيلوغراما. كانت ملابسه العسكرية تتدلى على جسده الهزيل كأنها على فزاعة ومع ذلك كان يرتديها يوميا ويحاول أن يبقى منتصبا قدر ما تسمح به ظهره المنحني.
صار يكتب أقل. ضعفت عيناه. كانت يداه ترتجفان أكثر من أن تمسكا القلم بثبات. لكنه كان يعيد قراءة دفاتره القديمة يستعيد حياته عبر الكلمات التي كتبها قبل عقود.
جاءت الألفية الجديدة. عام 2000. كان ريختر في السابعة والتسعين. صار مخلوقا بالكاد يبدو إنسانا ظلا منحنيا يرتجف يتحرك ببطء في ظلام الكهف ويتمتم بالألمانية مع نفسه.
في صباح من يناير 2003 استيقظ ريختر وعرف أن النهاية قد حانت. لم تعد رئتاه تعملان جيدا. كان قلبه يخفق بلا انتظام. لم يعد لديه قوة للنهوض. زحف حتى المرسيدس. وبجهد هائل فتح الباب ودخل وجلس في مقعد السائق حيث جلس آخر مرة قبل ثمانية وخمسين عاما.
كان يرتدي زيه العسكري كاملا وقد نظفه بإتقان في اليوم السابق كالعادة. وضع دفاتر يومياته على مقعد الراكب
مئات الدفاتر. ثمانية وخمسون عاما من الأفكار والذكريات واعترافات لم تكن اعترافات حقا.
ثم أغمض عينيه وانتظر. جاءت الموت بهدوء في صمت الكهف في الظلام الكامل.
مات كلاوس ريختر كما عاش آخر ثمانية وخمسين عاما وحده مختبئا رافضا حتى النهاية مواجهة العالم الذي أدانه. بقي جسده في المرسيدس. صار الكهف قبره ولم يعلم أحد أنه هناك طوال واحد وعشرين عاما.
في الخامس عشر من يوليو 2024 كان ماتياس بيبر وهو مستكشف كهوف في الثانية والثلاثين من إنسبروك يجهز حملة استكشافية في كهوف قليلة الاستكشاف في وادي أوتشتال.
كان مولعا باستكشاف الكهوف منذ مراهقته وقد سمع شائعات محلية عن نظام كهوف واسع في تلك المنطقة لم يرسم على الخرائط بشكل صحيح. ومع فريقه المؤلف من أربعة أشخاصآنا شميت جيولوجية في الثامنة والعشرين توماس باور مصور في الخامسة والثلاثين متخصص في البيئات تحت الأرض والأخوين التوأمين لوكاس وفيليكس هارتمن خبيرين في التسلق التقنيبدأ ماتياس الصعود نحو المنطقة التي أشارت إليها خرائط طبوغرافية قديمة تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين.
كان الطريق شبه منعدم وقد غزته النباتات. اضطروا لشق طريقهم بين الشجيرات الكثيفة وتسلق تكوينات صخرية خادعة وعبور جداول جليدية. بعد ست ساعات من المشي الشاق بلغوا جرفا حيث يفترض بحسب الخريطة أن يوجد مدخل كهف.
هناك أشارت آنا إلى فتحة نصف مخفية خلف صخور منهارة وأشجار ميتة وقالت إنه تماما حيث تشير الخريطة. كان المدخل ضيقا ويتطلب الزحف عدة أمتار لكن بمجرد الدخول اتسع الكهف بصورة مذهلة. أظهرت مصابيحهم الأمامية ذات الضوء LED قاعة هائلة بتكوينات من الهوابط والصواعد صنعتها آلاف السنين من تدفق الماء.
تمتم توماس وهو يلتقط الصور إنه
رائع عذري تماما لم يأت أحد هنا منذ ثم توقف فجأة. فقد أضاء مصباحه شيئا لا يمكن أن ينتمي إلى كهف طبيعي شيئا معدنيا أسود مستحيلا.
سيارة مرسيدس قديمة سوداء وضخمة كانت متوقفة في عمق القاعة.
قال توماس وهو يتعرف على الطراز إنها 770K صنعت في الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات كانت تستخدم من كبار النازيين لكن ماذا تفعل هنا
حاولت آنا فتح باب كان مقفلا. مسحت زجاج النافذة الضبابي بكمها وألصقت وجهها بالزجاج. ما رأته جعلها تتراجع وهي تطلق شهقة فزع.
سأل فيليكس بصوت مرتجف هل يوجد أحد في الداخل قال ماتياس بسرعة جثة داخل المرسيدس على مقعد السائق كان هناك هيكل عظمي يرتدي زيا عسكريا ألمانيا. زي الفيرماخت الرمادي المخضر وقد بقيت الأوسمة ملتصقة بصدره رغم مرور العقود. وعلى مقعد الراكب كانت عشرات الدفاتر مكدسة.
وبالقرب منها قبعة ضابط قفازات جلدية وسلاح فردي في حافظة.
قال فيليكس علينا الاتصال بالشرطة. لكن لم تكن هناك إشارة هاتف في ذلك العمق. كان عليهم النزول لإبلاغ السلطات. قبل أن يغادروا صور ماتياس كل شيء بدقة السيارة من كل زاوية داخلها عبر النوافذ وما حولها. لاحظ أشياء أخرى مبعثرة مصابيح زيتية قديمة علب طعام صدئة أغطية متعفنة. كان واضحا أن أحدا عاش هنا زمنا طويلا.
تم النزول في ثلاث ساعات في صمت شبه كامل. كان كل واحد منهم غارقا في أفكاره يحاول فهم ما وجدوه نازي مختبئ في كهف منذ متى عقود على ما يبدو.
عند الساعة السابعة والنصف مساء وصلوا إلى قرية أوتشتال وأبلغوا الشرطة المحلية. كان المفتش يورغن كيلر رجلا منهجيا في الخمسين يظن أنه رأى كل شيء في حياته المهنية فاستمع إلى روايتهم بتشكك متزايد.
قال مترددا مرسيدس وهيكل عظمي بزي
نازي داخل كهف كأنه لا يدري هل هم يسخرون منه. أصر ماتياس وهو يعرض صور الكاميرا أقسم لك انظر بنفسك. بددت الصور الشك فورا. اتصل كيلر حالا برؤسائه في إنسبروك الذين اتصلوا بدورهم بالشرطة الفيدرالية في فيينا.
في غضون ساعات أطلقت عملية واسعة. عند فجر السادس عشر من يوليو بدأ فريق من عشرين شخصاشرطة أطباء شرعيون مؤرخون عسكريون وتقنيونالصعود نحو الكهف. حملوا مولدات كشافات معدات توثيق علمية وكل شيء نقل بصعوبة عبر الطريق الوعر.
عند الساعة الثانية ظهرا بدأت الطبيبة الشرعية الرئيسية الدكتورة إليزابيث برغر فحص الرفات داخل المرسيدس بعد فتحها. عند الثالثة والنصف خرجت بتقرير أولي ذكر قوقازي عمره عند الوفاة بين تسعين ومئة عام تقريبا وفاة طبيعية على الأرجح قصور قلبي. الجثة هنا منذ نحو عشرين عاما وربما خمس وعشرين. الحفظ استثنائي بسبب الظروف البيئية.
لكن الأهم كان الهوية. في جيب الزي وجدت محفظة جلدية بداخلها بطاقة هوية عسكرية للفيرماخت محفوظة على نحو يكاد يكون معجزة.
أوبرست عقيد كلاوس ريختر مولود في 15 مارس 1903 ميونخ. الرتبة عقيد. الوحدة الفرقة 17 مشاة.
تمت مطابقة الاسم فورا مع قواعد بيانات تاريخية. كلاوس ريختر مفقود منذ 30 أبريل 1945 مطلوب للاستجواب بشأن عمليات على الجبهة الشرقية ولم يعثر عليه قط وافترضوا أنه مات أو هرب إلى أمريكا الجنوبية لكنه لم يغادر أبدا.
طوال تسعة وسبعين عاما كان مختبئا على مسافة أقل من مئة كيلومتر من مكان ولادته ثم مات هنا وحده في مرسيدسه داخل كهفه وهو يرتدي زيه. كانت القصة ستصدم العالم كله.
تلقى البروفيسور هاينريش آدلر مؤرخ متخصص في الحرب العالمية الثانية بجامعة فيينا اتصالا في 17 يوليو 2024.
طلب منه أن يأتي فورا إلى أوتشتال لفحص وثائق تاريخية ذات أهمية استثنائية. عندما فهم ما عثر عليه ألغى جميع التزاماته وركب أول قطار.
في غرفة مؤمنة أعدت مؤقتا داخل بلدية أوتشتال وضعت دفاتر كلاوس ريختر على طاولات طويلة 143 دفترا في المجموع. بعضها بحالة ممتازة وبعضها متعفن وهش. كلها مكتوبة بخط ألماني متصل كثيف.
بدأ آدلر القراءة مرتديا قفازات بيضاء وباستخدام عدسة مكبرة. أدرك بسرعة أنه أمام شيء غير عادي. لم تكن مجرد يوميات لنازي هارب بل وثيقة مباشرة عن الأيام الأخيرة للرايخ والأكثر إثارة للاضطراب ماذا يعني أن يعيش الإنسان مختبئا ستين عاما.
كانت الدفاتر الأولى المؤرخة في مايو 1945 تصف هروبه من برلين بتفاصيل دقيقة. دون كل مرحلة الطرق التي سلكها الدوريات التي تفاداها وصوله إلى النمسا. حتى أنه رسم خرائط بدائية.
تمتم آدلر لمساعدته ليزا ماير إنه أمر لا يصدق لقد وثق كل شيء كأنه كان يعلم أن أحدا سيقرأه يوما.
ثم غطت الدفاتر التالية عامه الأول في الكهف الوحدة البرد الخوف الدائم من أن يكتشف لكن معها شيء آخر إصرار غريب على حفظ نسخته من التاريخ.
كتب في سبتمبر 1945 ما معناه إنهم يسموننا الآن وحوشا. ربما كنا وحوشا لكننا كنا أيضا رجالا. رجالا اعتقدوا أنهم يفعلون الصواب لبلادهم. سيحكم علينا التاريخ لكن تاريخي على الأقل سيحفظ هنا بكلماتي.
لم تكن اعترافات. لم يظهر ريختر ندما حقيقيا. كان يشرح يبرر يعقلن. بالنسبة إليه كان قد أطاع الأوامر وخدم وطنه وأدى واجبه. وأن ذلك الواجب شمل فظائع لم يواجهه صراحة.
لكن دفاتر الخمسينيات والستينيات أظهرت تطورا. كانت الوحدة تغيره. بدأ يكتب مقاطع أكثر فلسفة لا يشكك فيها في أفعاله بقدر ما يشكك
في معناها.
كتب في 1963 ما معناه أنا جبان ليس لأني اختبأت بل لأني لا أملك الشجاعة لمواجهة ما فعلته. أقول لنفسي إنني أحفظ كرامتي برفضي أن يحاكمني منتصرون منافقون لكن الحقيقة أنني لا أستطيع أن أنظر في عيون عائلات أولئك الذين قتلتهم.
أما دفاتر السبعينيات والثمانينيات فبدت فيها علامات انحدار نحو ما يشبه الجنون. صارت الملاحظات متقطعة ومتكررة. كان يكتب الجمل نفسها مرارا كأنها تعاويذ لا أخاف أنا حر لن يجدني أحد.
لكن آخر دفاتره في التسعينيات وبدايات الألفية أظهرت رجلا وصل إلى سلام غريب. تقبل أنه سيموت في الكهف. تقبل أن لا أحد سيبكيه. تقبل أن خلوده الوحيد سيكون في هذه الدفاتر إذا كشف عنها يوما.
كانت آخر ملاحظة بتاريخ 7 يناير 2003 ومعناها أشعر أن النهاية تقترب. رئتي لم تعودا تعملان. بالكاد أستطيع الوقوف. لكنني سأموت كما عشت هذه الستين سنة الأخيرة حرا بطريقتي. من يقرأ هذا فليعلم أنني لم أستسلم قط. لا للحلفاء ولا للسوفييت ولا للتاريخ. اخترت قدري وقبلته. كلاوس ريختر عقيد الفيرماخت حتى النهاية.
أغلق آدلر الدفتر ونزع نظارته ومسح عينيه المتعبتين. كان قد قرأ ست عشرة ساعة متواصلة. خارج الغرفة كان الليل قد هبط على أوتشتال.
سألته ليزا بهدوء ما رأيك أجاب آدلر ببطء أظن أن هذا أحد أهم وأشد الوثائق اضطرابا التي قرأتها. ليست يوميات ندم وليست تمجيدا للنازية. إنها شيء آخر شهادة رجل رفض أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحرب واختار عزلة كاملة بدل المواجهة.
سألت وماذا سيحدث لهذه الدفاتر قال بثقة ستنشر لا لتمجيد ريختر بل لأن التاريخ يحتاج كل الزوايا حتى الأكثر إزعاجا. هذه الدفاتر تظهر أن النازية لم تكن شأن وحوش غير بشرية فقط بل كانت أيضا شأن رجال عاديين اتخذوا
قرارات سيئة على نحو استثنائي. وهذه اليوميات تظهر نتائج تلك القرارات حياة كاملة في الاختباء وخداع الذات ورفض مواجهة الحقيقة.
انتشر خبر الاكتشاف بسرعة. توافدت وسائل الإعلام من كل العالم. جاءت العناوين صاخبة ومثيرة عقيد نازي اختبأ 79 عاما في كهف نمساوي الأيام الأخيرة للرايخ تكشفها يوميات سرية مرسيدس العار. طالبت منظمات يهودية بفحص الدفاتر بحثا عن أدلة محددة على جرائم حرب. ووعدت الحكومة النمساوية بتحقيق شامل.
وتجادل المؤرخون حول أخلاقيات نشر كتابات نازي غير نادم لكن لم يستطع أحد إنكار أهميتها التاريخية. كان ريختر قد اختفى عام 1945 وعاش مختبئا حتى 2003 ثمانية وخمسون عاما من العزلة الطوعية. والآن بعد واحد وعشرين عاما من موته كشف أخيرا محفوظا داخل مرسيدسه كأنه كبسولة زمنية مروعة. أدركه التاريخ متأخرا عن العدالة لكنه لم يتأخر عن الحقيقة.
في أكتوبر 2024 أغلق الكهف بأمر من المحكمة الفيدرالية النمساوية. نقلت سيارة مرسيدسبنز 770K وبداخلها رفات كلاوس ريختر بعناية إلى فيينا لتحليل شرعي كامل ولأغراض الحفظ التاريخي. وكان مقررا أن تعرض السيارة لاحقا في متحف التاريخ العسكري في فيينا لا باعتبارها غنيمة بل باعتبارها تحذيرا.
أما الدفاتر ال فقد رقمنت بالكامل. ظل الأصل تحت السيطرة الحكومية لكن وزعت نسخ على مؤسسات أكاديمية حول العالم. أمضى البروفيسور آدلر الأشهر الستة التالية يترجم ويعلق على المقاطع الأكثر دلالة تمهيدا للنشر. نشر كتاب بعنوان يوميات العقيد 58 عاما في الظل في أبريل 2025 وأثار جدلا فوريا.
اتهمه بعض النقاد
بأنه يمنح منصة لنازي غير نادم. ودافع آخرون عن قيمته التاريخية والتعليمية. احتدمت النقاشات في الجامعات ووسائل الإعلام والبرلمانات. لكن ما لا يمكن إنكاره كان الأثر العاطفي لقراءة كلمات رجل اختار أن يقضي قرابة ستة عقود مختبئا في كهف بدل مواجهة تبعات أفعاله. لم يكن ذلك بطولة ولا استشهادا بل فرارا ممتدا حتى صار حياة كاملة.
استضيفت سارة غولدشتاين وهي ناجية من الهولوكوست عمرها اثنان وتسعون عاما للتعليق في مقابلة تلفزيونية. كانت كلماتها محسوبة لكنها قوية المعنى. قالت بما معناه هذا الرجل ريختر عاش مختبئا 58 عاما. عائلتي اختبأت عامين في قبو في أمستردام قبل أن نكتشف. قتل والداي في أوشفيتز. وأسأل نفسي من كان السجين حقا نحن الذين أجبرنا على الاختباء كي نعيش أم هو الذي سجن نفسه بجبنه ورفضه مواجهة ما فعله
أما الكهف نفسه فأصبح موضع اهتمام عام. ناقشت الحكومة النمساوية طويلا ما الذي ينبغي فعله به. أراد بعضهم تحويله إلى موقع تذكاري بينما أراد آخرون محوه تماما. وفي النهاية تم التوصل إلى حل وسط سيحفظ الكهف لكن من دون تمجيد.
بني متحف صغير عند المدخل يشرح من كان ريختر وما ارتكبه وما تعنيه السنوات التسع والسبعون بين حياته واكتشافه. ووضعت لوحات تعليمية تناقش الموضوعات الأوسع العدالة المتأخرة والاختيارات الأخلاقية زمن الحرب والنتائج النفسية لحياة يعيشها المرء وهو يحمل أفعالا لا تغتفر.
افتتح الموقع في الثلاثين من أبريل 2026 تماما بعد واحد وثمانين عاما من هروب ريختر من برلين. حضر الافتتاح ناجون من الهولوكوست ومؤرخون ومسؤولون
حكوميون وحتى أحد أحفاد يوهان شتاينر المزارع الذي ساعد ريختر في شتاء 19451946.
تحدث توماس شتاينر حفيد شقيق يوهان بصراحة قاسية. قال بما معناه ارتكب جدي الأكبر خطأ حين ساعد ريختر. فعل ذلك من أجل الذهب لا من أجل أيديولوجيا لكنه كان خطأ مع ذلك. لا أستطيع تغيير ما فعل. أستطيع فقط الاعتراف بأن كثيرا من الناس العاديين في فوضى ما بعد الحرب اتخذوا قرارات لم يكونوا ليتخذوها في أوقات طبيعية. هذا لا يبررهم. لكنه يذكرنا أن الشر لا يوجد فقط عند كبار المجرمين بل يوجد أيضا في التواطؤات الصغيرة وفي الصمت المريح وفي التسويات مع الضمير.
كان لقضية ريختر آثار غير متوقعة. في ألمانيا أعادت فتح النقاش حول المسؤولية الجمعية والذاكرة التاريخية. وفي النمسا أجبرت المجتمع على مواجهة أسطورة وطنية مفادها أن النمسا كانت ضحية للنازية فقط بينما كان كثير من النمساويين في الواقع مشاركين متحمسين.
درست كهوف أخرى في جبال الألب النمساوية مدفوعة بنظرية أن ريختر قد لا يكون الوحيد الذي اختار هذا النوع من الهروب. حتى تاريخ كتابة هذه القصة لم يعثر على اكتشاف مماثل لكن الباحثين ما يزالون يواصلون الاستكشاف.
أما بالنسبة لماتياس بيبر وفريقه فقد تغيرت حياتهم جذريا. جعلهم الاكتشاف مشهورين لكنها شهرة غير مريحة. أعطى ماتياس عشرات المقابلات وكان يكرر الرسالة نفسها لم نكن نبحث عن نازي. كنا نستكشف كهوفا فحسب. لكن الآن بعدما وجدناه لدينا مسؤولية أن تروى قصته على نحو صحيحلا كحكاية مغامر رومانسي أفلت من العدالة بل كحكاية رجل قضى قرابة ستة عقود يعيش في الخوف
والعزلة وإنكار ما فعل. إنها قصة تحذير لا قصة إلهام.
اليوم يستقبل الموقع التذكاري لكهف ريختر نحو خمسة عشر ألف زائر سنويا مجموعات مدرسية مؤرخون وسياح فضوليون. ينزل الجميع في الدرب نفسه الصعب الذي سلكه ريختر عام 1945. يدخلون القاعة نفسها حيث عاش ومات.
لم تعد المرسيدس هناك لكن موضعها محدد بعلامة. يستطيع الزوار رؤية المكان الذي أوقف فيه ريختر سيارته والمكان الذي أنشأ فيه مساحة معيشته البدائية والمكان الذي كتب فيه يومياته الطويلة.
وفي نهاية الجولة توجد قاعة للتأمل. الجدران ليست مغطاة بصور ريختر بل بصور ضحاياه جنود سقطوا في المعارك التي قادها ومدنيون علقوا في عمليات شارك فيها وأسر دمرتها الحرب التي خدمها. وفي اللوحة الأخيرة سؤال بسيط لكنه ثقيل
عاش كلاوس ريختر مختبئا 58 عاما هربا من العدالة. هل نجح أم أنه حول حياته كلها إلى سجن طويل فرضه على نفسه
لا تقدم إجابة. يترك للزائر أن يقرر.
تبقى جبال النمسا شامخة ومهيبة وتبقى الكهوف غامضة لكنها تحمل الآن ثقل قصة تقول إن الأسرارمهما أخفيت بإحكامتنكشف في النهاية.
هرب كلاوس ريختر من نورمبرغ وهرب من السجن وهرب حتى من مواجهة علنية لجرائمه طوال حياته لكنه لم يهرب من التاريخ ولم يهرب من الحقيقة التي كتبها بيده في 143 دفترا. مات كما اختار أن يعيش معزولا غير نادم رافضا حتى النهاية أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحرب.
وعندما عثر على جثته بعد تسعة وسبعين عاما من حياته صار أخيرا ما كان يرفض أن يكونه وهو حي مثالا عاما على عواقب الإنكار والفرار.
الكهف يتذكر والدفاتر تشهد والعالم لا ينسى.


تعليقات
إرسال تعليق