القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اختفى طفل سنة 1997… وبعد 17 سنة الفرن بدأ يتنفّس!

 اختفى طفل سنة 1997… وبعد 17 سنة الفرن بدأ يتنفّس!



اختفى طفل سنة 1997… وبعد 17 سنة الفرن بدأ يتنفّس!

 

في عام 1997 اختفى طفل من مزرعة عائلية دون أن يترك أثرا. لم تكن هناك نوافذ مكسورة ولا آثار أقدام على الثلج ولا علامات شجار. لم يبق سوى شيء واحد غريب شيء لم يعرف أحد كيف يفسره ومع مرور الوقت تعلم الجميع تجاهله. صار فرن القبو القديم يبدأ بالتنفس.

لم تسمع إميلي كيسلر صوت أمها منذ ما يقارب ست سنوات. ليس لعدم وجود أرقام محفوظة ولا بسبب خلافات غير محسومة بل لأن الصمت صار أسهل من الذكرى. لذلك حين ترك ساعي البريد ظرفا مصفرا بين كشف حساب ومنشور عقاري لم تشعر إميلي بالخوف في البداية. شعرت بشيء أسوأ. شعرت بالتعرف.

لم يكن على الظرف مرسل. كان مفتوحا كما لو أن أحدا قرأه ثم ندم ومع ذلك قرر إرساله. كان اسمها مكتوبا بخط اليد بخط شد معدتها. إميلي كيسلر. بدت الحبرة قديمة لكنها ثابتة. ارتجفت وهي تمسكه.

في الداخل كانت هناك ورقة واحدة من دفتر مسطر مطوية مرة واحدة. لم تكن هناك تاريخ ولا تحية ولا ختام. كانت هناك جملة واحدة فقط

إنه ما يزال هناك. خلف الفرن.

جلست إميلي ببطء إلى طاولة المطبخ. كانت الشقة صامتة إلا من أزيز الثلاجة وصفارة بعيدة ترتفع وتنخفض كتنفس غريب. كان القهوة أمامها باردة. اهتزت الملعقة قليلا حين أفلتتها أصابعها.

قرأت الجملة مرة أخرى.

كان اندفاعها الأول أن تمزق الرسالة. والثاني أن تتصل بأختها. والثالث وهو الذي غلب في النهاية أن تنهض وتمشي إلى خزانة الممر. انحنت وسحبت صندوقا كرتونيا مغطى بالغبار. وعلى الغطاء مكتوبا بقلم باهت كان يقرأ صور 1997.

في الداخل كانت قصاصات جرائد ومنشورات بحث وصور فوتوغرافية انثنت حوافها من كثرة الاستعمال. نظر إليها وجه أخيها من الورق متجمدا في ابتسامة طفولية. جاكوب كيسلر 8 سنوات اختفى في 2 يونيوحزيران 1997.

كانت الشرطة قد فتشت البيت كل غرفة وكل مخزن وكل زاوية من الحظيرة. هكذا قالوا. لم يجدوا شيئا. لم تكن هناك علامات تدل على أن أحدا دخل أو خرج. كان جاكوب قد اختفى ببساطة. كأن البيت ابتلعه.

لم يبق سوى مكان واحد لم يصلوا إليه بالكامل أبدا. غرفة الفرن في القبو. كانت الباب مشوهة بسبب فيضان قديم ومحكمة بسلسلة


صدئة. قالوا إنه لا شيء مهم خلفها.

لكن إميلي كانت تتذكر شيئا مختلفا.

كانت تتذكر الصوت.

ليس الطرق المعدني لأنابيب قديمة ولا هدير الفرن المعتاد في الشتاء. كان شيئا أكثر لطفا. إيقاعيا. كأنه همس. كأنه خدش بطيء. كأن أحدا يتنفس من الجهة الأخرى للجدار.

لم تخبر أحدا بذلك أبدا. لا أمها ولا المحققين ولا المعالجة التي كانت تزورها سنوات. أقنعت نفسها أنه كان خيالا طفوليا. شيئا اخترعه الخوف لملء الفراغ.

حتى الآن.

بيدين مرتجفتين أخرجت هاتفها. كان الاسم ما يزال هناك سليما كجرح لم يلتئم قط. أمي.

رنت المكالمة مرة. مرتين. ثم جاءت نقرة.

إميلي.

كان الصوت أنحف مما تتذكر. أكثر هشاشة. لكنه كان لا يخطئ. تجمدت إميلي في مكانها. لم تشعر بغضب ولا براحة. شعرت بالخوف.

أنت أيضا وصلتك واحدة أليس كذلك سألت بصوت منخفض.

ساد صمت قصير ثقيل.

نعم هذا الصباح.

هل اتصلت بأحد

لا.

لماذا

تردد صوت أمها.

لأنني أظن أن الوقت قد حان.

نظرت إميلي إلى الرسالة مرة أخرى. بدت الحبرة شبه رطبة كأنها كتبت حديثا مع أنها كانت تعرف أن ذلك مستحيل.

سأعود إلى البيت قالت.

كان الطريق نحو الشمال كأنه رجوع في الزمن. كل مخرج من الطريق السريع ينتزع طبقة من حياتها الحالية. البحيرة ذات الرصيف المعوج. اللافتة القديمة لمعمل الألبان المغلق. الحقول الواسعة البيضاء والصامتة.

تذكرت المقعد الخلفي في سيارة بويك الخاصة بوالدها. جاكوب إلى جانبها يدندن ألحانا بلا كلمات يخترع أغاني لنفسه وحده. كانا يلعبان لعبة عد الأعمدة المكسورة والأشجار ذات الأشكال الغريبة. بعد اختفائه لم يعودا يلعبان أبدا. امتلأت السيارة بالصمت.

ظهرت المزرعة خلف تلة تماما كما في ذكرياتها. الطريق الحصوي المغطى بالصقيع. صندوق البريد المعلق بمسمار واحد. النوافذ الأمامية التي كانت قديما مليئة بالضوء والستائر الفاتحة صارت الآن مستطيلات مظلمة فارغة.

أطفأت إميلي المحرك وبقيت جالسة. لم تكن هناك طيور. لم يكن هناك ريح. كان هناك سكون فقط.

انفتح الباب الأمامي قبل أن تتمكن من الطرق. كانت أمها هناك أصغر حجما ملفوفة بسترة صوفية باهتة. شعرها الداكن

تتخلله خصلات فضية. عيناها متعبتان محملتان بشيء لم يكن موجودا من قبل.

لم تتحرك أي منهما خلال ثوان بدت أبدية.

ادخلي قالت أمها أخيرا. تركت التدفئة تعمل احتياطا.

كانت رائحة البيت خشبا قديما وقهوة بايتة وشيئا معدنيا. كانت ساعة الممر ما تزال متوقفة. كانت السجادة المضفرة ما تزال في مكانها. وعلى الجدار كانت صورة جاكوب المدرسية معلقة كما هي بابتسامته الخالية من الأسنان.

كان سيتم الرابعة والثلاثين هذا العام تمتمت أمها.

في تلك الليلة بعدما ذهبت أمها إلى النوم وقفت إميلي أمام باب القبو. حين فتحته صعد الهواء البارد كأنفاس محبوسة. أشعلت الضوء. نزلت الدرج درجة درجة.

كان القبو كما هو. صناديق وعلب طلاء وزينة أعياد مغطاة بالغبار. وفي آخره باب غرفة الفرن. مغلق. ومقيد بالسلسلة. ومنتفخا بفعل الزمن.

اقتربت ببطء.

فوق المقبض مباشرة على الخشب كان هناك شيء جديد.

لطخة.

أثر مطموس لإصبع صغير.

وكان أثرا حديثا.

لم تلمس إميلي الأثر فورا. بقيت تحدق فيه كما لو أنه حيوان نائم قد يستيقظ عند أدنى لمسة. كانت البصمة في مستوى صدر طفل. لا في مستوى بالغ. لا في مستوى شخص جاء مؤخرا لينظف أو ليتفقد الفرن. كانت صغيرة جدا دقيقة جدا. وأكثر ما أرعبها ذلك اللمعان الرطب كأن الإصبع لم يترك غبارا فحسب.

تراجعت خطوة. كان القبو صامتا لكنه لم يكن صمتا فارغا. كان صمتا مشحونا كثيفا كالهواء قبل عاصفة. شعرت إميلي بوخز في قفاها وبقناعة طفولية عادت دون استئذان. لم تكن وحدها.

صعدت الدرج دون أن تنظر خلفها وأغلقت باب القبو بقوة أكبر مما يلزم. دوى الصوت اليابس في البيت كفرقعة حادة. أسندت جبينها إلى الخشب وهي تتنفس بصعوبة. لثوان كرهت نفسها لأنها عادت. ثم كرهت نفسها لأنها لم تعد قبل ذلك.

لم تنم تلك الليلة.

عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرا بدأ الصوت.

لم يكن طرقا ولا تكسرا. كان زفرة عميقة طويلة كأنها تصعد من تحت البيت. جلست إميلي فجأة في السرير وقلبها يخبط صدرها. تكرر الصوت أبطأ هذه المرة. شهيق. زفير. كأنه رئة عملاقة مدفونة تحت الأرض.

نهضت ومشت حافية في الممر. كانت الأرض باردة. كان باب

غرفة نوم أمها مغلقا. لم يخرج منه أي صوت. إما أنها كانت نائمة بعمق أو أنها تعلمت تجاهل أشياء أسوأ.

سمعت الزفرة ثانية وهذه المرة رافقها صرير معدني خفيف. نزلت إميلي درجات القبو بحذر ممسكة بالدرابزين كأنها تخشى أن ينهار تحتها الأرض. أشعلت الضوء.

كان كل شيء يبدو كما هو.

كان الفرن مطفأ. وكانت قراءة منظم الحرارة ثابتة. لم يكن هناك بخار ولا اهتزازات ولا إشارات مرئية على التشغيل. ومع ذلك استمر الصوت. لم يكن يأتي من الفرن نفسه بل من الخلف. من الجدار.

ألصقت إميلي أذنها بالطوب البارد. كانت الزفرة أوضح هناك. بل إنها استطاعت أن تميز عدم انتظام في الإيقاع كأن ما يتنفس كان متعبا. أو متألما.

ثم سمعت شيئا آخر.

طرق خفيف. ثلاث مرات.

توك. توك. توك.

ابتعدت فجأة وكادت تسقط إلى الخلف. شعرت كأن قلبها يريد أن يقفز إلى حلقها. عاد الصمت ليملأ القبو فجأة وبشكل غير طبيعي. بقيت إميلي جامدة تنتظر صوتا آخر. لا شيء.

صعدت مسرعة وأغلقت على نفسها الحمام وشغلت كل الأضواء. نظرت إلى نفسها في المرآة. كانت شاحبة بهالات عميقة وشفاه جافة. بدت نسخة أكبر سنا من نفسها كأن البيت كان يسرع الزمن لها وحدها.

في صباح اليوم التالي وجدت أمها جالسة في المطبخ أمامها كوب شاي لم يمس. لم تبد متفاجئة حين رأت إميلي منهكة.

هل سمعته سألت إميلي دون مقدمات.

أومأت أمها ببطء.

لم يتوقف عن الصدور أبدا قالت. أنا فقط تعلمت ألا أستمع.

قبضت إميلي يديها بقوة.

لماذا لم تخبريني

لأنني حين بدأت أتحدث عنه ظن الجميع أنني أفقد صوابي. رجال الشرطة. الأطباء. وحتى أنت في النهاية. وبعد جاكوب لم أستطع أن أفقدك أنت أيضا.

طال صمت طويل ممتلئ بأشياء لم تقل.

أمي ماذا كان خلف الفرن سألت إميلي بصوت منخفض.

رفعت المرأة نظرها. كانت عيناها زجاجيتين.

اشترينا أنا وأبوك البيت دون أن نعرف. كانت مزرعة قديمة مع توسعات أنجزت بلا مخططات. وبعد سنوات وجدت بعض الوثائق في العلية. مخططات قديمة. كان هناك فراغ لا يظهر في أي مكان. غرفة مغلقة خلف الفرن. كان مكتوبا عليها ملجأ.

ملجأ لأي شيء

للحرب على ما أظن. أو للاختباء. لا أدري. قال أبوك إن لا نلمس ذلك. إن بعض الأشياء أفضل أن تترك مدفونة.

شعرت إميلي



بعقدة في معدتها.

هل كان جاكوب يعرف بتلك الغرفة

لم تجب أمها فورا. نهضت ببطء ومشت إلى درج وسحبت شيئا ملفوفا بمنديل. وضعته على الطاولة.

كان رسما طفوليا مصفرا بفعل الزمن. كان يظهر البيت والحظيرة وشمسا ملتوية في السماء. لكن تحت البيت كان جاكوب قد رسم شيئا آخر. شكلا كبيرا داكنا له عينان.

وكانت هناك عبارة مكتوبة بخط مرتجف

صديقي يعيش هنا.

أغمضت إميلي عينيها.

كانوا يظنون دائما أن جاكوب لديه صديق متخيل تابعت أمها. كان يقول إنهما يلعبان حين لا يراقب أحد. وإنه كان يخبره بأشياء. وإنه كان يعده بأنه لن يكون وحيدا أبدا.

وعاد تنفس القبو يسمع بوضوح عميقا كأن البيت قرر أن يشارك في الحديث.

نهضت إميلي فجأة.

علينا أن نفتح ذلك الباب.

هزت أمها رأسها.

فتحناه مرة. بعد اختفاء جاكوب.

تجمدت إميلي.

ماذا

لم ندخل. فقط أزلنا السلسلة. لكن الباب لم ينفتح. ليس لأنه كان عالقا. بل لأن شيئا من الجهة الأخرى كان يدفعه إلى الخارج. كأنه لا يريدنا أن ندخل.

اهتز الشاي في الكوب قليلا.

ثم سمعنا جاكوب قالت أمها بصوت واهن. لا كذكرى. ولا كتسجيل. صوته. وهو يطلب ألا نتركه وحيدا.

شعرت إميلي بأن الهواء ينقصها.

لماذا لم يعرف أحد هذا

لأنه في اليوم التالي حين عدنا مع الشريف كان الباب قد أحكم إغلاقه مرة أخرى. والسلسلة موضوعة كما كانت. والصوت توقف.

إلى الآن.

عاد الطرق من القبو. هذه المرة كان أقوى. أشد إلحاحا.

توك. توك. توك.

نظرت إميلي إلى أمها.

ليس الفرن قالت. لم يكن يوما هو.

وبقيتا صامتتين بينما كان البيت يتنفس تحت أقدامهما منتظرا.

لم يتكرر الطرق فورا. كان ذلك التفصيل هو الأكثر إقلاقا لإميلي. لم تكن هناك إلحاحية ولا عجلة. كانت هناك فقط قناعة بأن ما كان في الجهة الأخرى يعلم أنه قد سمع.

خلال بقية الصباح بقي البيت في هدوء يكاد يكون مستفزا. كانت ساعة المطبخ تعد الوقت بنقراتها المنتظمة وكانت الثلاجة تطن كالمعتاد وكان يصل من الخارج صوت بعيد لآلة جز عشب. كان العالم يستمر وكأن شيئا لم يحدث. كأن لا وجود لتنفس خفي تحت الأساسات.

لم تتحدث إميلي وأمها عن القبو لساعات. ليس إنكارا بل خوفا من أن تسميته

ستجعله أكثر واقعية. كانت كل واحدة منهما تتحرك في البيت بحذر كما لو أن الأرض قد ترد على ثقل خطواتهما.

وكانت إميلي هي من كسرت الصمت.

أحتاج أن أرى المخططات قالت أخيرا.

رفعت أمها نظرها ببطء. لم تسأل أي مخططات. كلتاهما كانتا تعرفان ما تقصده.

هي في العلية أجابت. حيث تركتها. حيث أقسمت ألا أنظر إليها ثانية.

صعدتا معا رغم أن أيا منهما لم تقترح ذلك صراحة. كانت العلية تفوح منها رائحة غبار قديم وكرتون رطب. كانت الإضاءة تدخل من نافذة مثلثة صغيرة تضيء صناديق مكدسة وأثاثا مغطى بملاءات مصفرة.

كانت الوثائق داخل ملف جلدي متشقق. وحين فتحته شعرت إميلي بقشعريرة فورية. لم يكن الأمر مجرد ورق قديم. كان إحساس قراءة شيء لم يرغب يوما أن يعثر عليه.

كانت المخططات بدائية مرسومة باليد. تظهر الهيكل الأصلي للبيت وعدة توسعات أضيفت عبر السنوات. لكن كانت هناك شذوذ واضح. مساحة مستطيلة بلا قياسات دقيقة معلمة بكلمة واحدة مكتوبة بحبر أغمق.

ملجأ.

قارنت إميلي الرسم بالذاكرة التي تحملها عن القبو.

إنه خلف الفرن تمتمت. ليس تحته. خلفه.

أومأت أمها.

اكتشفه أبوك عندما حاول إصلاح تسرب. قال إن الجدار لا يبدو أجوف. كان يبدو حيا.

ابتلعت إميلي ريقها.

لماذا لم يبلغ أحد لماذا لم يفتش

لأنه قانونيا لم يكن موجودا. لم يظهر في أي سجل. ولأنه حين حاول أبوك ثقب الطوب انكسرت المثقاب. مرتين. كأنه اصطدم بمعدن صلب. لكن لم يكن هناك معدن.

أغلقت إميلي الملف.

علينا أن نتصل بأحد. مهندس. الشرطة. أي شخص يفتحه.

هزت أمها رأسها ببطء.

حاولنا ذلك. بعد جاكوب. ثم مرة أخرى. لا أحد يجد شيئا. لا أحد يسمع شيئا. كأن البيت يختار لمن يظهر الأشياء.

شعرت إميلي بموجة غضب.

إذا ماذا من المفترض أن نفعل ننتظر حتى يأخذ أحدا آخر

علقت الكلمة في الهواء. يأخذ. لا يقتل. لا يؤذي. يأخذ.

في تلك الليلة قررت إميلي ألا تنام. جلست على أريكة غرفة الجلوس ببطانية ومصباح يدوي تحدق في باب القبو. كانت أمها قد ذهبت إلى السرير مرهقة مهزومة بسنوات من السهر غير المجدي.

عند الثانية وثمان وأربعين دقيقة فجرا عاد الصوت.

لم يكن تنفسا هذه المرة.

كان

احتكاكا بطيئا ثقيلا كأظافر تمر على سطح خشن من داخل الجدار. وقفت إميلي فورا. كان الصوت يتحرك لا إلى الأعلى بل إلى الجانبين. كأن شيئا كان يتحرك داخل بنية البيت نفسها.

أضاء منظم الحرارة ثم خفت.

وانطفأ ضوء الممر لثانية ثم عاد.

فتحت إميلي باب القبو.

لم يكن الهواء الذي صعد باردا. كان دافئا. ورطبا. وكانت رائحته ترابا مقلوبا وشيئا معدنيا قديما يصعب تمييزه.

نزلت الدرج بخطى ثابتة رغم أن كل غريزة فيها كانت تصرخ أن تتوقف. أشعلت الضوء.

كان الفرن هناك ساكنا. لكن شيئا كان قد تغير.

السلسلة.

السلسلة الصدئة التي قالت أمها إنها كانت تعود للظهور وحدها قبل سنوات لم تعد مشدودة. كانت تتدلى رخوة كأن أحدا عبث بها من الداخل.

اقتربت إميلي ببطء. وعاد صوت الاحتكاك مباشرة خلف الجدار.

لن أتركك وحيدا مرة أخرى قالت بصوت مرتفع دون أن تعرف لمن كانت تتحدث تحديدا.

توقف الصوت.

لم يحدث شيء لثوان. ثم سرت رجفة خفيفة في الطوب. ليس ضربة. بل رد.

وضعت إميلي يدها على الجدار.

شعرت بحرارة.

سحبت يدها فورا ونبضها يتسارع. كان السطح أدفأ من بقية القبو كجلد حي تحت طبقة من حجر.

ثم سمعت الصوت.

لم يأت من الجدار. جاء من داخل رأسها.

إميلي.

لم ينطق الاسم بكلمات بل بقصد. وبمعرفة.

تراجعت خطوة ترتجف.

جاكوب همست.

ازدادت الرجفة. وخشخشت السلسلة بهدوء.

لم تكن متأكدة إن كان ما تشعر به أملا أم فزعا. ربما كانا كلاهما. وربما كانا دائما قادرين على التعايش.

صعدت مسرعة وأيقظت أمها.

إنه مستيقظ قالت دون مقدمات. وهو يعلم أننا هنا.

لم تجادل أمها. لم تنكر. فقط أغمضت عينيها لحظة كأن تلك الجملة أكدت شيئا كانت تخشاه منذ سنوات.

إذا لقد تأخرنا أجابت. حين يبدأ بمناداتك باسمك لا يكون الوقت متأخرا بالنسبة له.

شدت إميلي على أسنانها.

لن أهرب مرة أخرى.

نظرت أمها إليها بخليط من الخوف والارتياح.

قال أخوك الشيء نفسه.

عاد الصوت يزحف عبر البيت. هذه المرة كان أقوى. أقرب. كأن شيئا كان يتهيأ يستعد.

أمسكت إميلي بالمصباح اليدوي.

إن كانت تلك الغرفة موجودة قالت فسنفتحها. وإن كان هناك شيء في الداخل فسنراه في الضوء.

دوى الطرق

مرة أخرى من القبو.

مرة واحدة فقط.

كأنه موافقة.

وجد الفجر البيت في حالة تيقظ مشدود. لم ينم أحد بعد آخر طرق. كانت الليلة قد علقت في الجدران لزجة كأن الشمس لا تضيء إلا السطح دون أن تلامس ما تحته.

تناولت إميلي وأمها إفطارهما بصمت. بردت القهوة دون أن تمس في الأكواب. بدا كل صرير في الخشب كأنه جواب متأخر لما حدث قبل ساعات. لم تكن هناك أصوات أخرى من القبو وكانت تلك الغيبة أسوأ حتى من الضجيج. كان ذلك هدوء شيء قد قرر بالفعل.

عند الثامنة تماما أجرت إميلي أول اتصال. مهندسا إنشائيا أوصى به جار قديم. لم تشرح كل شيء. لم يفعل أحد ذلك أبدا. قالت فقط إن هناك جدارا لا يظهر في المخططات وأنها تحتاج إلى تفقد عاجل.

وافق الرجل على المجيء بعد ظهر ذلك اليوم.

كان الانتظار لا يحتمل.

قضت إميلي الساعات تتجول في البيت بدفتر صغير تسجل تفاصيل كانت تتجاهلها سابقا. شقوق صغيرة في أماكن غير منطقية. مناطق من الأرض دائما أدفأ. ميل خفيف في جدار الممر لم يكن هناك من قبل. لم يكن البيت ساكنا. كان يتكيف.

عند الثانية والنصف وصل المهندس. كان اسمه ماركوس هيل رجلا في حدود الخمسين عمليا ذو يدين كبيرتين وتعبير اعتاد أن يشرح الأمور البسيطة لأناس متوترين.

بدت له القبو طبيعيا في البداية. طبيعيا أكثر مما ينبغي.

طرق ماركوس على الجدران بأصابعه وقاس مسافات وقارن بالمخططات القديمة. ثم عقد حاجبيه.

هنا شيء غريب قال أخيرا. الحجم لا يتطابق. هناك فراغ غير مسجل لكن لا ينبغي أن يكون ذلك ممكنا دون تغيير البنية الرئيسية.

شعرت إميلي براحة غريبة. شخص آخر كان يراه.

أخرج ماركوس كاشفا حراريا. أظهرت الشاشة بقعة غير منتظمة خلف الفرن. أكثر حرارة من البقية.

هذا ليس رطوبة تمتم. ولا أنبوبا.

طلب الإذن قبل أن يثقب. أومأت إميلي دون أن تنظر إلى أمها. كان صوت المثقاب وهو ينفذ في الطوب يصم الآذان. تساقط غبار رمادي على الأرض.

وتوقف المثقاب فجأة.

سحبه ماركوس وفحصه.

غريب قال. ليست حجرا. ولا معدنا.

حاول مرة أخرى أعلى قليلا. وكانت النتيجة نفسها. كأن شيئا يمتص الضربة دون أن ينكسر.

ثم حدث الأمر.

من داخل الجدار جاء صوت واضح. لم يكن طرقا. ولا احتكاكا.

كانت زفرة.

تراجع ماركوس خطوة فورا.

هل سمعتم ذلك سأل.

أومأت إميلي. وكانت أمها قد

 

وضعت يدا على صدرها.

هذا غير ممكن تمتم المهندس لكن صوته لم يعد يحمل قناعة.

اهتز الجدار برفق. وبدأ الكاشف الحراري يومض مشيرا إلى ارتفاع مفاجئ في الحرارة.

أطفأ ماركوس الأداة.

لن أتابع قال. هذا ليس آمنا. أنا آسف.

لم ينتظر نقاشا. صعد الدرج بسرعة جمع معداته وغادر دون أن يقبل الأجر. وقبل أن يغلق الباب استدار.

مهما يكن أضاف لا تستفزوه. هناك أشياء لا تحتاج أن تفتح كي تكون موجودة.

حين اختفى السيارة عند نهاية الشارع عاد الصمت ليستقر. أثقل مما كان.

في تلك الليلة حلمت إميلي بالغرفة.

لم تكن غرفة مظلمة. كانت واسعة بجدران ملساء وأرض من تراب مضغوط. في الوسط هيئة مقيدة منحنية تتنفس بصعوبة. لم تستطع أن ترى وجهها لكنها عرفت من هي.

جاكوب لم يكن ميتا.

استيقظت مفزوعة والاسم ما يزال على شفتيها.

لم يأت الطرق تلك الليلة.

جاء شيء أسوأ.

عند الرابعة واثنتي عشرة دقيقة فجرا انفتح باب القبو من تلقاء نفسه.

لم ينفتح دفعة واحدة. بل ببطء. كأن أحدا كان حريصا ألا يحدث ضجيجا.

نزلت إميلي والمصباح اليدوي في يدها وقلبها يضرب أضلاعها. لحقت بها أمها شاحبة حاسمة.

كان الجدار قد تغير.

حيث كان هناك طوب فقط ظهرت الآن خط عمودي شبه غير مرئي كدرزة. وكانت السلسلة تتدلى إلى جانب واحد منفلتة من الخطاف.

مررت إميلي أصابعها على الخط. استسلم السطح قليلا.

لم يكن هذا محكم الإغلاق يوما همست. كان فقط مخفيا.

دفعت.

انفتح الجدار بلا مقاومة كاشفا ممرا ضيقا يقود إلى غرفة أعمق. لم يكن الهواء الخارج فاسدا. كان مشحونا. حيا.

دخلتا.

كانت الغرفة أكبر مما توحي به المخططات. كان السقف المنخفض مدعما بعوارض قديمة. وعلى الجدران علامات. خدوش. لعد الأيام. السنوات.

وفي الوسط موضع التثبيت.

حلقة حديدية مغروسة في الأرض. وكانت السلسلة متصلة بها.

لكن لم يكن هناك أحد.

شعرت إميلي بموجة من الارتباك والخوف.

أين بدأت.

ثم فهمت.

لم تكن هذه سجنا.

كانت نقطة عبور.

لم تكن الجدران مغلقة تماما. كانت هناك شقوق عميقة أنفاق ضيقة تضيع تحت البيت تمتد إلى اتجاهات مستحيلة. كالجذور.

لم يكن البيت يحتوي الغرفة.

كانت الغرفة تحتوي البيت.

خرج صوت من خلفهما.

بدأ

الجدار الذي دخلا منه ينغلق ببطء.

تحركت إميلي فورا ووضعت قدمها لتمنعه. ازداد الضغط.

أمي! صاحت.

دفعت أمها بكل قوتها. فتوقف الجدار وهو يرتجف.

ثم عاد الصوت.

لا داخل رأسيهما.

بل في الهواء هذه المرة.

إميلي.

وجهت المصباح نحو أحد الأنفاق.

تكونت هيئة في الظلام. طويلة. نحيلة أكثر مما ينبغي. وكانت السلسلة ما تزال متدلية من معصمها تجر على الأرض.

كانت العينان تلمعان بانعكاس رطب غير بشري.

شعرت إميلي بأن الخوف اختلط بشيء أسوأ.

التعرف.

جاكوب قالت مرة أخرى مع أنها لم تعد متأكدة أن ذلك الاسم ما يزال صحيحا.

تقدمت الهيئة خطوة.

صر البيت كأنه يحبس أنفاسه.

ولأول مرة فهمت إميلي الحقيقة التي حاولت أمها إخفاءها لسنوات.

القبو لم يكن يأخذ الناس.

كان يغيرهم.

والآن بعد كل هذا الوقت قرر أن يعيد واحدا.

توقف الزمن عن التصرف بصورة طبيعية ما إن خطت الهيئة خطوة أخرى إلى داخل الغرفة. لم تتقدم بسرعة ولا بعنف. فعلت ذلك ببطء يكاد يكون محترما كأنها تخشى أن تكسر شيئا هشا ما يزال معلقا في الهواء. خدشت السلسلة أرض التراب بصوت منخفض ثابت وانغرس الصوت في ذهن إميلي كإبرة.

كانت أم إميلي أول من تفاعلت حقا. لم تصرخ. لم تتراجع. وضعت يدا على فمها وارتخت ركبتاها لثانية قبل أن تسند نفسها إلى الجدار.

لا همست. هذا لا يمكن.

أمالت الهيئة رأسها. كانت الحركة خرقاء غير طبيعية كأن الجسد لم يعد يتذكر تماما كيف يقلد إنسانا. وحين تكلمت خرج الصوت مكسورا متقطعا كأنه اضطر أن يمر عبر ممرات ضيقة كثيرة ليصل إلى هناك.

أمي.

شعرت إميلي بأن شيئا انكسر داخلها. ذلك الصوت وتلك الكلمة لم يكونا لمخلوق ولا لظل. كان ذلك جاكوب. أو على الأقل كان كذلك يوما ما.

قالوا إنك مت قالت إميلي دون أن تدري لماذا كانت بحاجة إلى أن تقول ذلك بصوت عال. قالوا إنك رحلت.

تقدمت الهيئة خطوة أخرى. ارتجف المصباح في يد إميلي فأضاء وجهه كاملا.

لم تكن هناك جروح ظاهرة. ولا آثار واضحة لإيذاء. لكن كان هناك خطأ عميق. بدا الجلد مشدودا أكثر مما ينبغي كأنه كبر فوق شيء لم يعد يلائم. لم تكن العينان ترمشان. كانتا تراقبان. تقيسان.

لم أمت قال جاكوب. بقيت.

كان الصمت الذي

تلا ذلك لا يحتمل.

رفعت أم إميلي نظرها ولم يكن في عينيها دهشة بل إنهاك قديم تراكم عبر السنوات.

حذرتك قالت أخيرا. قلت لك ألا تنزل تلك الليلة.

ابتسم جاكوب. أو حاول. توقفت الحركة في منتصفها.

أنت تفعلين ذلك دائما أجاب. تحذرين بعد فوات الأوان.

نظرت إميلي إلى أمها تبحث عن تفسير لم يأت قط. خلال سنوات كانت قد قبلت الرواية الرسمية. حادث. اختفاء بلا جسد. طفل تلاشى ببساطة في بيت كبير جدا وقديم جدا.

كم من الوقت سألت إميلي. كم من الوقت كان هنا

أمالت الهيئة رأسها كأن السؤال بلا معنى.

لا وقت هنا قال. هناك عمق فقط.

أغمضت الأم عينيها.

سبعة عشر عاما قالت بصوت مطفأ. سبعة عشر عاما أسمع أصواتا في الجدران. وأقنع نفسي أنها أنابيب. حيوانات. خيالي.

اجتاح إميلي غضب حاد.

هل كنت تعرفين صاحت. هل كنت تعرفين أنه هنا في الأسفل

هزت المرأة رأسها ببطء.

كنت أعرف أن شيئا أخذه أجابت. كنت أعرف أن البيت يطلب أشياء. لكنني لم أعرف لم أعرف أنه يستطيع أن يعيدها.

تقدم جاكوب خطوة. صار الهواء أكثر كثافة كأن كل نفس يتطلب جهدا واعيا.

لا يعيد الشيء نفسه قال. لا يفعل ذلك أبدا.

تراجعت إميلي بلا وعي.

ما أنت الآن سألت وكرهت طريقة خروج السؤال.

خفض جاكوب نظره إلى السلسلة التي ما تزال تتدلى من معصمه.

أنا ما بقي حين انتهيت من الدفع أجاب.

صر البيت بقوة. ومن الأنفاق جاء همس منخفض رجفة لم تكن صوتا بل قصدا.

نهضت أم إميلي بصعوبة.

لم يكن عليك أن تعود قالت. ليس هكذا.

حدق جاكوب فيها.

لقد ناديتم أجاب. فتحتم الجدار.

فهمت إميلي حينها. لم تكن فضولا. لم تكن مصادفة. لم يتفاعل البيت مع مرور الوقت بل مع القصد. مع الرغبة حتى لو كانت غير واعية في معرفة الحقيقة.

ماذا يريد البيت سألت إميلي.

لم يجب جاكوب فورا. مشى إلى أحد الأنفاق ووضع يده على جدار التراب. اهتزت الأرض تحت قدميه.

توازن قال أخيرا. يريد دائما توازنا.

تذكرت إميلي الشقوق والمناطق الدافئة والفراغات التي لا تتطابق مع المخططات.

وأنت هل أنت التوازن سألت.

هز جاكوب رأسه ببطء.

كنت الثمن قال. لكن هناك الآن دين جديد.

تغير الخوف. لم يعد فزعا لحظيا بل فهما بطيئا متجمدا.

تقدمت

الأم خطوة.

لا قالت بحزم. لقد أخذت واحدا من أبنائي.

نظر جاكوب إليها بشيء يشبه الحزن.

لم يكن أخذا أجاب. كان تبادلا.

شعرت إميلي أن الأرض تميل قليلا تحت قدميها.

تبادل ماذا سألت.

رفع جاكوب رأسه ونظر إليها مباشرة.

تبادل البقاء قال. يجب أن يبقى أحد لكي لا يتوسع البيت.

دوت ضربة قوية هزت الجدران. تساقط غبار من السقف المنخفض.

إن لم يبق أحد تابع جاكوب فستنمو الأنفاق. ستصل إلى بيوت أخرى. عائلات أخرى.

هزت إميلي رأسها.

هذا غير حقيقي قالت. هذا لا يمكن أن يكون حقيقيا.

تقدم جاكوب نحوها خطوة. أضاء المصباح عينيه ولثانية رأت إميلي شيئا إنسانيا. خوفا. ذنبا.

بقيت لأنني كنت صغيرا قال. لأن لا أحد استمع إلي. لكن الآن الآن صار البيت يعرفني أكثر مما ينبغي. لم أعد كافيا.

فهمت الأم قبل إميلي.

إنه يريد بديلا همست.

أومأ جاكوب.

البيت يحتاج إلى شيء ما يزال سليما قال. شيء لم يشكل بعد.

شعرت إميلي بأن الهواء ينقصها.

لا قالت بقوة. لا.

خفض جاكوب نظره.

ليس بالضرورة أن تكوني أنت قال. يمكن أن يكون أي شخص يعبر العتبة.

عاد الصمت ليسقط ثقيلا حاسما.

فهمت إميلي لماذا انتظر البيت كل هذا الوقت. ولماذا اشتدت الأصوات حين عادت لتقيم هناك. ولماذا لان الجدار الآن.

لم يكن البيت يطلب انتقاما.

كان يطلب استمرارا.

تقدمت الأم دون تفكير.

إذا سأكون أنا قالت.

رفع جاكوب رأسه فجأة.

لا قال بحزم. أنت تركت أثرا بالفعل. لن يصلح الأمر.

أمسكت إميلي بذراعها.

لا تفعلي هذا قالت ودموعها تنزل.

نظرت المرأة إليها ولأول مرة منذ سنوات رأت إميلي ارتياحا في ملامحها.

ربما لم يكن هذا البيت هو المشكلة يوما قالت. ربما هو فقط أرانا ما كنا قادرين على إخفائه.

من الأنفاق اشتد الهمس. وبدأ الجدار يهتز من جديد كقلب يستيقظ.

تراجع جاكوب خطوة.

قرروا بسرعة قال. لا يحب الانتظار.

نظرت إميلي إلى أمها. ثم نظرت إلى جاكوب. ثم إلى الأنفاق مظلمة لا نهائية.

وفهمت الحقيقة الأخيرة.

البيت لا يختار.

هو فقط يقبل.

وكان على أحد في تلك الليلة أن يقدم نفسه.

لم تتذكر إميلي بوضوح اللحظة الدقيقة التي اتخذت فيها القرار. لم تكن هناك جملة مهيبة ولا إيماءة بطولية. لم يكن هناك عد تنازلي. كانت هناك فقط قناعة صامتة استقرت في صدرها ثقيلة ولا مفر منها كحقيقة كانت دائما هناك تنتظر أن تعرف.

ازداد همس الأنفاق شدة. لم

 

يعد همسا بعيدا بل صار رجفة عميقة تمر في الجدران والأرض والعظام. كان البيت مستيقظا بالكامل.

تراجع جاكوب حتى صار نصفه مخفيا في ظل أحد الممرات. بدا وجوده يتلاشى كلما استجابت البنية كأنه لم يعد ينتمي تماما إلى ذلك المستوى.

أمي قالت إميلي بصوت ثابت وفاجأت نفسها. لا تتحركي.

نظرت إليها المرأة برعب فوري.

لا يا إميلي. لا. لقد خسرت واحدا بالفعل.

هزت إميلي رأسها ببطء.

لم تخسريه أبدا أجابت. نحن فقط لم نفهم.

اهتزت الأرض بقوة أكبر. انفتحت شقة على بعد سنتيمترات من قدميها ثم انغلقت كفم يختبر عضته.

تحدث جاكوب بإلحاح.

ليس هذا تضحية قال. إن دخلت فلن يقتلك البيت. سيجعلك جزءا منه. سيمدك. سيعلمك أن تصغي إليه.

شعرت إميلي بقشعريرة تسري في ظهرها.

وأنت سألت. هل ما تزال تصغي إليه

تردد جاكوب. كانت تلك أول مرة يبدو فيها إنسانيا حقا منذ ظهر.

طوال الوقت أجاب. حتى حين لا أريد.

تنفست إميلي بعمق. فكرت في طفولتها في الذكريات المشوشة لأصوات بعيدة ليلا وفي الإحساس الدائم بأن البيت يراقب. فكرت في كل مرة شعرت فيها أن شيئا يناديها بلا كلمات.

ربما لم تكن مصادفة أنني عدت قالت بصوت منخفض.

تقدمت الأم خطوة يائسة.

إميلي أرجوك. لا تحملي هذا معك. لقد عشت أخفي حقائق. لا أريد لك أن تعيشي عالقة في واحدة.

نظرت إميلي إليها بحزن هادئ.

لن أكون عالقة أجابت. سأكون أمسك شيئا لكي لا يسقط الآخرون.

رفع جاكوب رأسه ببطء.

إنها تناسب قال. البيت يعرف ذلك بالفعل.

تحول الهمس إلى ضغط ثابت

يدفع من كل الجهات. بدت الأنفاق كأنها تتسع وكانت الجدران تتنفس.

سقطت السلسلة من معصم جاكوب إلى الأرض بصوت معدني جاف. وتحول الحديد إلى غبار داكن ما إن لامس التراب.

حان دورك قال بلا حكم.

خطت إميلي خطوة نحو النفق الأوسط. كان الهواء هناك مختلفا. لم يكن باردا ولا حارا. كان منتبها.

كانت كل غريزة فيها تصرخ أن تهرب لكن شيئا أعمق أبقاها ثابتة. لم يكن شجاعة. كان تعرفا.

لم يكن البيت شريرا. كان ناقصا.

توقفت إميلي ونظرت إلى أمها للمرة الأخيرة.

لا تدعيهم ينسون قالت. لا تطمسي الأصوات. إن عاد البيت يوما ليتغير فاستمعي.

كانت الدموع تسيل على وجه المرأة لكنها لم تصرخ. أومأت مكسورة وقد فهمت متأخرة أن الصمت كان دائما التهديد الحقيقي.

عبرت إميلي العتبة.

لم يكن هناك ألم فوري. ولا ظلام كامل. كان الإحساس أشبه بالغوص في ماء عميق ضغط محيط ثابت لا يسحق بل يشكل.

انغلقت جدران النفق خلفها لا بعنف بل بهدوء. كأنه باب لا يريد أن يحدث صوتا.

راقب جاكوب بصمت.

هدأ البيت.

تراجعت الرجفات حتى اختفت. انغلقت الشقوق. عاد الهواء ثقيلا قديما ساكنا.

وحين انتهى كل شيء لم يعد جاكوب هناك.

استيقظت الأم بعد ساعات على أرض القبو وحدها. عاد الجدار أملس صلبا بلا علامات. لم يبق أثر للنفق ولا للغرفة ولا للحلقة.

تغير شيء واحد فقط.

لم يعد الصمت فارغا.

كان عميقا. محتوى. ثابتا.

خلال الأشهر التالية لم يعد البيت يصر ليلا. اختفت المناطق الدافئة. عادت المخططات لتتطابق. لم يسمع أحد خطوات

تحت الأرض.

انتقلت الأم بعد سنة. باعت البيت دون تفسيرات. ولم تمر بتلك الشارع مرة أخرى.

لكن أحيانا نادرا جدا حين كان العالم في صمت كامل كانت تظن أنها تسمع شيئا.

لا طرقا.

ولا احتكاكا.

تنفسا.

هادئا. منتظما.

كأن البيت لأول مرة منذ عقود صار مكتملا.

وفي مكان ما تحت الأرض في شبكة أنفاق مستحيلة لا تقود إلى أي خريطة كانت إميلي تتعلم أن تصغي لما لا صوت له.

لا كسجينة.

بل كحارسة.

لأن بعض البيوت لا تترك.

بل تحتوى.

مرت سنوات. واصل العالم تقدمه بلامبالاة معتادة غير واع لما بقي مدفونا تحت بيت عادي في شارع عادي. تغيرت ملكية العقار مرتين. جرى تجديده وطلاؤه وتحديثه. هدموا جدرانا وبدلوا أنابيب وعززوا الأساسات. لم يجد أحد شيئا غريبا. لا مساحة إضافية. لا ضجيجا ليليا. لا مخططا مستحيلا.

أحسن البيت السلوك.

تحدث السكان الجدد عنه كما يتحدثون عن أي بيت آخر. مريح. متين. هادئ. بيت بطاقته جيدة قال بعضهم. تعليق عابر لم يكن أحد ليأخذه على محمل الجد لو عرف ما الذي يعنيه حقا.

في القبو الذي صار الآن غرفة ألعاب كان الهواء دائما ثابتا. لا باردا أكثر من اللازم ولا رطبا أكثر من اللازم. كان الأطفال الذين عاشوا هناك يلعبون دون خوف. ينامون جيدا. لا يحلمون بأنفاق.

لكن أحيانا حين لا يراقب أحد كان شيء ما يستمع.

كبرت أم إميلي بعيدا عن هناك. لم ترو القصة كاملة يوما. ليس لأن أحدا لن يصدقها بل لأنها أدركت أن بعض الحقائق تفقد وظيفتها حين تقال بصوت عال. صارت امرأة صامتة منتبهة

إلى البيوت التي تئن إلى الفراغات التي لا تتطابق إلى القرارات التي تتخذ متأخرا.

كل عام في التاريخ نفسه كانت تبقي شمعة مضاءة طوال الليل. لم تكن تدعو. لم تكن تطلب شيئا. كانت فقط تبقى مستيقظة تصغي إلى العالم وتتأكد أنه ما يزال في مكانه.

وأحيانا كانت تحلم بإميلي.

لم ترها محبوسة ولا متألمة. كانت تراها تمشي في ممرات من تراب مضغوط تلمس الجدران بكف مفتوحة تضبط الشقوق وتغلق الفراغات قبل أن تصير خطرة. في الأحلام لم تكن إميلي تتكلم. لم تكن بحاجة. كان البيت يجيب على حضورها.

ومع الوقت تحول الذنب من جرح مفتوح إلى ندبة. لم يؤلم إلا حين يلمس. ومع ذلك كانت الأم تعرف أن تلك الندبة كانت دليلا على شيء جرى احتواؤه لا تدميره.

في مكان آخر من المدينة في بيوت مختلفة كانت تقع حوادث صغيرة. شقوق تظهر من ليلة إلى صباح ثم تختفي. إحساسات غريبة تدوم ثواني. فراغات تبدو أعمق مما ينبغي. لا شيء يكفي لإخافة أحد. لا شيء يحتاج تفسيرا.

مجرد تعديلات.

كأن شيئا ما في مكان ما كان يراقب الحدود.

لم يعد البيت الأصلي يطلب شيئا. لم يكبر. لم يتمدد. لم يهمس. تعلم أن يصمت لأن أحدا كان يصغي عنه.

وكان ذلك هو النهاية الحقيقية للقصة.

لا مأساة.

ولا لعنة.

بل توازن.

لأن بعض الأشياء القديمة لا تريد التدمير.

إنها تريد البقاء.

وما دام هناك من هو مستعد أن يبقى حيث لا يستطيع الآخرون سيظل العالم في الأعلى يظن أن البيوت مجرد بيوت.

وأن الأقبية مجرد أقبية.

وأن الصمت فراغ.

لكنه ليس كذلك.

لم يكن يوما كذلك.

أحيانا يكون الصمت مجرد شخص يبقي الباب مغلقا من الجهة الأخرى.

تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close