أمّ تقلب الجريدة… فتجد ابنتها المفقودة منذ 25 سنة!
أمّ تقلب الجريدة… فتجد ابنتها المفقودة منذ 25 سنة!
اختفت فتاة عام 1985 وبعد 25 عاما عثرت أمها على صورتها في الجريدة.
تمتمت ماريا كونثبثيون سانتوس لنفسها وهي تعدل نظارة القراءة بينما تقلب صفحات صحيفة المدينة المحلية جازيتا دي فيلافيلا في صباح مشمس من سبتمبرأيلول 2010 دعينا نرى ماذا حدث في مدينتنا هذا الأسبوع.
في الصفحة السادسة لفت انتباهها تقرير عن النجاح في عالم الأعمال تظهر فيه امرأة أنيقة تقص شريط افتتاح متجرها الثالث.
قرأت ماريا الاسم تحت الصورة آنا كلارا رودريغيز 32 عاما من مواليد ساو باولو وصلت إلى فيلابيلا منذ 10 سنوات.
وحين دققت ماريا النظر في الصورة كاد قلبها يتوقف.
همست وقد ارتجفت فنجان القهوة بين يديها يا إلهي.
كان الوجه مألوفا على نحو لا يخطئه قلب أم العينان اللوزيتان شكل الأنف خط الذقن وتلك العلامة الصغيرة قرب الأذن اليسرى تفاصيل حفرتها ماريا في ذاكرتها خلال خمسة وعشرين عاما من البحث الذي لم ينقطع عن ابنتها آنا بياتريز التي اختفت من المدرسة عام 1985.
قالت ماريا بحزم لا يتزعزع إنها هي إنها ابنتي.
ولم تكن تدري أنها على وشك أن تقترب من حقيقة مزلزلة تتعلق باختفاء غامض وتبن غير قانوني وجهة غير نظامية فصلت بين أم وابنتها ربع قرن.
كانت ماريا كونثبثيون سانتوس تتناول فطورها في مطبخها الصغير في فيلافيلا ولاية إسبيريتو سانتو صباح يوم 15 سبتمبرأيلول 2010 حين قررت أن تلقي نظرة على الجريدة التي وصلت مع فواتير الشهر.
في الثانية والخمسين من عمرها وبعد أن أصبحت أرملة منذ ثلاث سنوات صار لديها عادة ثابتة أن تقرأ أخبار المدينة التي عاشت فيها طوال عمرها بتأن وكأنها تمسك بخيوط الأيام حتى لا تفلت منها.
تمتمت وهي تعدل نظارتها دعينا نرى ماذا حدث في مدينتنا هذا الأسبوع.
تقلبت الصفحات بين أخبار
البلدية والفعاليات الثقافية والوقائع اليومية الصغيرة إلى أن توقفت عند الصفحة السادسة.
كان العنوان عن نجاح تجاري سيدة أعمال محلية تفتتح متجرها الثالث للأزياء النسائية.
أظهرت الصورة امرأة في الثلاثين تقريبا أنيقة المظهر شعرها البني معتنى به ابتسامتها واثقة وفي ملامحها شيء من العزم يخرج من الصورة بلا استئذان.
قرأت ماريا الاسم مرة أخرى وكأنها تريد التأكد أن عينيها لا تخدعانها
آنا كلارا رودريغيز 32 عاما من ساو باولو جاءت إلى فيلافيلا قبل عشر سنوات وبنت مشروعا مزدهرا في عالم الموضة النسائية.
وعندما أعادت ماريا النظر إلى الوجه مرة أخرى شعرت أن الهواء ثقل فجأة في صدرها.
همست يا إلهي وارتجفت القهوة بين يديها دون أن تستطيع السيطرة على ذلك.
ذلك الوجه لم يكن مجرد شبه. كان وجها تعرفه بالتفاصيل. عينان لوزيتان نفس تقوس الأنف نفس الخط الرقيق في الذقن تفاصيل ظلت ماريا تحفظها كما يحفظ الإنسان اسمه طوال خمسة وعشرين عاما من البحث المنهك.
تمتمت باسم ابنتها الغائبة آنا بياتريز.
نهضت بسرعة واتجهت إلى غرفتها فتحت درجا خاصا لم تكن تفتحه إلا بقلب يرتجف وأخرجت ألبوم صور آنا بياتريز.
وبأصابع مرتعشة بدأت تقارن صور الطفلة ذات السبع سنوات بصورة المرأة في الجريدة.
كان شكل العينين متطابقا. وكانت العلامة الصغيرة قرب الأذن اليسرى واضحة في صورة الجريدة. وحتى تلك الابتسامة التي تميل قليلا نحو اليمين الابتسامة التي كانت تميز آنا بياتريز وهي طفلة كانت هناك على وجه سيدة الأعمال البالغة.
قالت ماريا وكأنها تعلن حقيقة أمام العالم إنها هي إنها ابنتي.
عاشت ماريا سانتوس خمسة وعشرين عاما وقلبها منقسم. ففي 12 مارسآذار 1985 اختفت ابنتها آنا بياتريز من مدرسة دون بيدرو البلدية أثناء
الاستراحة دون أن تترك أثرا.
ورغم البحث المكثف من الشرطة والأسرة والمتطوعين تلاشت الطفلة وكأن الأرض ابتلعتها.
رددت ماريا اسم المرأة في الجريدة آنا كلارا رودريغيز ثم قالت بحنق موجوع لكن اسمها الحقيقي آنا بياتريز سانتوس.
كان التشابه الجسدي لا جدال فيه لكن كان هناك أيضا تفصيل صغير لا تلتقطه إلا أم في الصورة كانت المرأة ترتدي خاتما في خنصر يدها اليسرى تماما في المكان الذي اعتادت آنا بياتريز أن تضع فيه خاتما صغيرا وهي طفلة هدية من جدتها.
في تلك اللحظة لم تعد ماريا قادرة على التردد.
اتصلت فورا بأختها لوسيا ذات الثمانية والأربعين عاما الشخص الوحيد الذي ظل يؤمن طوال السنوات بأن آنا بياتريز ما زالت حية.
قالت ماريا بصوت متقطع من فرط الانفعال لوسيا لازم تيجي حالا. أنا لقيت آنا بياتريز.
صمتت لوسيا لحظة قبل أن تقول بقلق ماريا شو بتحكي حلم جديد من أحلامك
ردت ماريا بحزم مش حلم يا لوسيا. هي في جريدة اليوم. سيدة أعمال هنا في فيلافيلا. اسمها آنا كلارا رودريغيز.
قالت لوسيا بتردد ماريا متأكدة
أجابت ماريا أنا أمها. بعرف بنتي في أي مكان بأي عمر.
وصلت لوسيا بعد عشرين دقيقة. جلست بجانب ماريا وأخذت تقارن صورة الجريدة بصور آنا بياتريز القديمة.
قالت لوسيا ببطء ماريا فعلا في شبه قوي جدا.
قاطعتها ماريا بعصبية مختنقة مش شبه يا لوسيا هي نفسها.
ثم تراجعت لوسيا قليلا بسؤال يخترق القلب بس إذا كانت هي آنا بياتريز ليه ما دورت عليك كل هالسنين
ابتلعت ماريا ريقها بصعوبة مش عارفة يمكن ما بتتذكر. يمكن حدا حكى إلها حكاية تانية.
قضت ماريا بقية الصباح تفكر كيف ستقترب من آنا كلارا.
لم يكن بإمكانها أن تظهر في المتجر وتقول ببساطة أنا أمك. كانت تحتاج خطة أكثر حذرا.
قالت لوسيا محذرة
انتبهي يا ماريا ممكن تكون مصادفة غريبة.
لكن ماريا كانت تحدق في الصورة وكأنها تجيب شوفي عيونها هي نفس عيون آنا بياتريز.
في المساء تهيأت ماريا بعناية وتوجهت إلى العنوان المذكور في التقرير.
كان متجر Moda Clara Boutique في مركز تجاري بفيلا بيلا في شارع حيوي قريب من الشاطئ.
دخلت ماريا وقد صار قلبها يدق بسرعة تكاد تسمع.
كان المكان أنيقا ملابس نسائية مرتبة ديكور حديث وإضاءة دافئة تشبه متاجر المدن الكبيرة.
وخلف المنضدة كانت هي.
آنا كلارا رودريغيز كما في الصورة تماما.
ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت مساء الخير هل أستطيع مساعدتك
تجمدت الكلمات على لسان ماريا لحظة. الصوت مختلف بالطبع عن صوت طفلة تتذكرها لكن في النبرة شيء مألوف في الإيقاع شيء قديم.
تمكنت ماريا أخيرا من الرد مساء الخير أبحث عن فستان لمناسبة خاصة.
قالت آنا كلارا بلطف طبعا أي نوع من المناسبات
وبينما كانت آنا كلارا تعرض الفساتين وتحدثها عن الأقمشة والألوان كانت ماريا تراقبها بتركيز يوجع العين حركة اليدين تعابير الوجه طريقة الالتفات تلك اللمسات الصغيرة التي لا ينتبه لها الغرباء لكنها بالنسبة لماريا كانت مفاتيح ذاكرة.
وكأنها ترى نسخة بالغة من ابنتها الضائعة.
سألت آنا كلارا خلال الحديث العابر حضرتك عايشة في فيلافيلا من زمان
أجابت ماريا طول عمري.
ثم سألتها ماريا بدورها وأنت
قالت آنا كلارا أنا جيت قبل عشر سنوات وأنا من ساو باولو بالأصل.
لاحظت ماريا ترددا خفيفا في الإجابة كأن الحديث عن الماضي لا يريحها.
سألت ماريا عندك عائلة هون
ردت آنا كلارا بسرعة لا جيت لحالي أبدأ حياة جديدة.
بعد نحو نصف ساعة خرجت ماريا من المتجر دون أن تشتري شيئا لكن ومعها يقين صار أثقل من أي حقيبة أنها وجدت ابنتها التي اختفت قبل خمسة وعشرين عاما.
وبينما كانت ماريا تسير في الطريق عاد بها
هو الأبد!
الزمن دفعة واحدة.
في صباح من مارسآذار 1985 قبلت ماريا ابنتها آنا بياتريز على الجبهة قبل أن تتركها عند بوابة مدرسة دون بيدرو البلدية كما تفعل كل صباح منذ عامين.
كانت الطفلة ذات السبع سنوات تلميذة الصف الثاني تلوح لأمها بفرح قبل أن تركض نحو صديقاتها في ساحة المدرسة.
قالت الطفلة باي يا ماما بحبك.
ابتسمت ماريا وأنا كمان بحبك يا أميرتي بنشوف بعض الساعة 1130.
وكان ذلك صباحا عاديا قبل أن يتحول كل شيء إلى كابوس طويل.
كانت صباحا نموذجية من صباحات مارسآذار في فيلافيلا. كانت الشمس ساطعة بقوة تعلن يوما حارا آخر من صيف المدينة. كانت آنا بياتريز ترتدي زيها المدرسي الأزرق والأبيض الذي تحبه وشعرها البني مربوطا على شكل ضفيرتين صغيرتين صنعتهما ماريا بحنان خاص ذلك الصباح.
كانت ماريا تعمل مساعدة في التمريض بالمستشفى البلدي ويبدأ دوامها في السابعة. وكان إيصال آنا بياتريز إلى المدرسة عند السادسة وخمس وأربعين دقيقة جزءا ثابتا من الروتين منذ أن بدأت الطفلة الدراسة.
عند بوابة المدرسة حيت ماريا المعلمة كارمن المربية ذات الخمسة والأربعين عاما التي كانت تشرف على دخول التلاميذ.
قالت ماريا صباح الخير يا أستاذة كارمن آنا بياتريز عندها شوية كحة. إذا زادت اتصلي فيي بالمستشفى.
أجابت كارمن بابتسامة أكيد يا ماريا بس شكلها اليوم نشيطة جدا. صدقيني ما وقفت تحكي عن عرض الرقص اللي بدهم يعملوه الأسبوع الجاي.
كانت آنا بياتريز طفلة مرحة اجتماعية محبوبة من زملائها ومدرسيها. وكانت الابنة الوحيدة لماريا التي ربتها وحدها بعدما ترك الأب الأسرة حين كانت آنا بياتريز في الثالثة من عمرها.
كانت الطفلة مركز عالم أمها.
سألت المعلمة كارمن ماريا أي ساعة بتيجي تاخديها اليوم
قالت ماريا زي العادة 1130 دوامي بالمستشفى بخلص الساعة 11.
هزت
كارمن رأسها مطمئنة ثم دخلت آنا بياتريز إلى المدرسة تركض بخفة نحو صديقاتها وكأن الدنيا كلها ملك يديها.
خلال ساعات الصباح الأولى شاركت آنا بياتريز في الأنشطة المدرسية بشكل طبيعي.
في حصة اللغة البرتغالية كتبت موضوعا بعنوان عائلتي وصفت فيه بحماس الحب الذي تشعر به تجاه أمها وكتبت تفاصيل صغيرة عن البيت والطعام الذي تحبه وكيف تغني لها ماريا قبل النوم.
وفي حصة الرياضيات حلت تمارين الجمع والطرح بسهولة تدل على ذكاء طفلة في مثل عمرها.
عند التاسعة والنصف حان وقت الاستراحة.
خرجت آنا بياتريز إلى الساحة مع أقرب صديقتين لها باتريسيا ذات الثماني سنوات ولوتشيانا ذات السبع سنوات.
صرخت باتريسيا بفرح آنا بياتريز! تعالي نلعب لعبة المطاردة!
ضحكت آنا بياتريز وقالت يلا بس أول شي بدي أروح الحمام.
كانت البنات يلعبن بسعادة في الساحة تتعالى أصواتهن بين ضحك ونداءات قصيرة عندما قالت آنا بياتريز إنها تحتاج للذهاب إلى الحمام.
كان الوقت قرابة العاشرة وخمس عشرة دقيقة عندما اتجهت وحدها إلى حمام البنات الواقع في الممر القريب من الصفوف.
لاحقا ستروي باتريسيا للشرطة قالت لنا رايحة الحمام وبرجع نكمل لعب.
لكنها لم ترجع.
عندما انتهت الاستراحة في العاشرة والنصف لاحظت المعلمة كارمن غياب آنا بياتريز أثناء تسجيل الحضور للعودة إلى الصف.
سألت كارمن بقلق باتريسيا وين آنا بياتريز
قالت باتريسيا راحت الحمام يا أبلة بس ما رجعت.
اتجهت كارمن فورا إلى حمام البنات فتحت الأبواب واحدة تلو الأخرى ونادت باسم آنا بياتريز لكن لم يكن هناك أحد.
في اللحظات الأولى ظنت كارمن أن الطفلة ربما تأخرت أو ذهبت لمكان آخر داخل المدرسة.
بدأت عملية بحث منظمة داخل المبنى الصفوف المكتبة السكرتارية المطبخ المخزن كل زاوية وكل غرفة يمكن لطفلة في السابعة أن تختبئ
فيها.
لم يعثروا على شيء.
ذهبت كارمن سريعا إلى مديرة المدرسة السيدة روزا ماريا سيلفا ذات الاثنين والخمسين عاما.
قالت كارمن وهي تحاول ضبط صوتها يا مديرة آنا بياتريز سانتوس اختفت. فتشنا عنها بكل مكان وما لقيناها.
تغير وجه المديرة روزا ونهضت فورا.
أطلقت تعليمات عاجلة بإشراك كل موظفي المدرسة في البحث. أعادوا تفتيش كل غرفة كل زاوية حتى الأماكن الضيقة خلف الأبواب والخزائن وأعادوا النداء عبر الممرات.
ومع مرور الدقائق بدأ التوتر يتحول إلى خوف حقيقي.
عند الساعة الحادية عشرة وبعد أن صار واضحا أن آنا بياتريز ليست في المدرسة اتصلت المديرة روزا بالمستشفى البلدي لتطلب ماريا.
ما إن سمعت ماريا صوت المديرة حتى شعرت بأن شيئا غير طبيعي يحدث.
قالت المديرة ماريا ممكن تيجي المدرسة فورا في موضوع بخصوص آنا بياتريز.
ارتجف صوت ماريا شو صار تعورت
قالت المديرة بسرعة لو سمحتي تعالي بنشرحلك لما توصلي.
ألقت ماريا كل شيء من يدها وخرجت من المستشفى تقريبا تركض.
وصلت إلى المدرسة عند الساعة 1115 قبل موعدها المعتاد بخمس عشرة دقيقة وقلبها منقبض من القلق.
دخلت مسرعة وهي تبحث بعينيها في كل اتجاه مديرة روزا! وين بنتي
قالت المديرة وهي تحاول أن تبدو ثابتة ماريا اقعدي لو سمحتي.
لكن ماريا لم تستطع الجلوس.
قالت المديرة أخيرا آنا بياتريز اختفت أثناء الاستراحة وإحنا بندور عليها من ساعة.
تجمدت ماريا لحظة كأن الكلمات لم تصل لمعناها الحقيقي.
ثم صرخت كيف يعني اختفت! كانت في الاستراحة!
قالت المديرة راحت الحمام وقت الاستراحة وما رجعت. فتشنا المدرسة كلها.
في تلك اللحظة لم تعد ماريا تسمع شيئا سوى دقات قلبها.
اندفعت في الممرات تركض وتصرخ باسم ابنتها تفتح أبواب الصفوف واحدا واحدا تفتش الزوايا خلف الستائر قرب السلالم قرب الساحة.
آنا
بياتريز! آنا بياتريز! وينك يا بنتي
لكن المدرسة كانت تجيبها بصمت ثقيل.
كانت الطفلة قد اختفت كأنها تبخرت.
عند الساعة 1145 اتصلت المديرة روزا بالشرطة المدنية في فيلافيلا وأبلغت عن اختفاء طفلة من داخل المدرسة.
قالت في البلاغ طالبة عمرها 7 سنوات اختفت من مدرستنا أثناء الاستراحة نحتاج مساعدة فورا.
استجاب المفوض خوان كاربالو البالغ من العمر ثمانية وأربعين عاما وهو مختص بقضايا الأطفال.
وصل إلى المدرسة عند الساعة 1230 مع فريق من المحققين.
اقترب من ماريا بلطف واضح محاولا تهدئتها وسط الانهيار.
قال يا سيدة ماريا رح نعمل كل ما بوسعنا لنلاقي آنا بياتريز. بس لازم تحكيلي كل شيء عن روتينها.
قالت ماريا وهي تبكي مفوض بنتي مستحيل تطلع من المدرسة لحالها. هي بتعرف إنها لازم تستناني دايما بنفس المكان.
سأل المفوض هل في حدا ممكن يكون عنده سبب يأخذها أي خصومات
هزت ماريا رأسها بقوة لا ما عنا أعداء. إحنا ناس بسطاء.
مع بداية بعد الظهر توسع البحث في كل أنحاء فيلافيلا.
عشرات من رجال الشرطة ورجال الإطفاء والمتطوعين فتشوا الشوارع الساحات الأراضي الخالية وأي مكان يمكن لطفلة ضائعة أن تكون فيه.
كانت الأصوات تتكرر في كل مكان
آنا بياتريز آنا بياتريز!
لكن كلما مرت الساعات صار واضحا أن الأمر ليس مجرد ضياع طفلة.
كانت آنا بياتريز قد اختفت في ظروف غامضة ستربك المحققين وتغير حياة أمها إلى الأبد.
أقام المفوض خوان كاربالو غرفة عمليات مؤقتة داخل مدرسة دون بيدرو لتنسيق التحقيق في اختفاء آنا بياتريز سانتوس.
لم يسبق له خلال عشرين عاما من خدمته أن واجه حالة تختفي فيها طفلة من داخل مدرسة أثناء الدوام دون أن يراها أحد تغادر.
قال للمحقق سيلفا أريد استجواب كل موظف في هذه المدرسة. البوابون الطاهيات عاملات النظافة الجميع.
ثم أضاف والأطفال أيضا. أي واحد كان في الساحة وقت الاستراحة ربما لاحظ شيئا مهما.
خلال
الأيام الثلاثة الأولى جرى استجواب أكثر من خمسين شخصا معلمين موظفين تلاميذ وأولياء أمور كانوا في المدرسة ذلك الصباح.
قدم الجميع شهادات مفصلة عن صباح الثاني عشر من مارس.
قال خوسيه دا سيلفا البواب البالغ من العمر ثمانية وخمسين عاما كنت عند البوابة الرئيسية طوال الوقت. لم تغادر أي طفلة من هنا.
سأله المفوض هل أنت متأكد تماما
أجابه بثقة أعمل هنا منذ خمسة عشر عاما أعرف كل الأطفال. آنا بياتريز لم تمر من أمامي.
وقدمت المعلمة كارمن جدولا دقيقا لأحداث الصباح.
قالت شاركت آنا بياتريز في كل الأنشطة بشكل طبيعي. كانت سعيدة تلعب مع صديقاتها ولم تظهر أي سلوك غير معتاد.
سألها المفوض هل ذكرت خوفا من أحد
أجابت أبدا كانت طفلة واثقة ومطمئنة.
أما صديقتاها باتريسيا ولوتشيانا فتم استجوابهما بحضور والديهما وأخصائية نفسية للأطفال.
قالت باتريسيا قالت إنها رايحة الحمام وبرجع نكمل لعب.
وسأل المفوض بلطف وشفتيها تدخل الحمام
قالت نعم لكن ما رجعت.
أما لوتشيانا فهزت رأسها وهي تكاد تبكي هل ستجدونها
أجاب المفوض سنفعل كل ما نستطيع يا عزيزتي.
اتسع التحقيق ليشمل كل البالغين الذين دخلوا المدرسة ذلك اليوم موردين أولياء أمور زائرين.
تم توثيق أسماء الجميع وتتبع تحركاتهم.
بعد أسبوع من التحقيق قال المحقق سيلفا كل الشهادات متطابقة. لا دليل على دخول شخص غريب. والموظفون لديهم مبررات واضحة شوهدوا من عدة شهود.
بدأت تتشكل فرضية مقلقة
أن الطفلة ربما غادرت مع شخص تعرفه شخص تثق به بما يكفي لتتبعه دون مقاومة.
قالت ماريا في أحد الاستجوابات علمت ابنتي ألا تذهب مع الغرباء. إذا ذهبت مع أحد فهو شخص تعرفه.
لكن من
لم تكن هناك كاميرات مراقبة في المدرسة آنذاك. في عام 1985 كانت أنظمة المراقبة نادرة في المدارس العامة خاصة في المدن الصغيرة.
قال المفوض
بأسف من دون كاميرات نعتمد كليا على الشهود.
في الشهر الثاني تم توسيع نطاق البحث إلى مدن مجاورة.
وزعت ملصقات تحمل صورة آنا بياتريز في فيتوريا وسيرا وكارياسيكا وغيرها من مدن المنطقة.
توالت الاتصالات من أشخاص يعتقدون أنهم شاهدوا فتاة تشبهها لكن جميع البلاغات تبين لاحقا أنها خاطئة.
استمر رجال الإطفاء في تفتيش الأنهار والبحيرات والأحراش دون نتيجة.
أما ماريا فكانت تنظم مجموعات تطوعية كل عطلة نهاية أسبوع تجوب الأحياء بحثا عن أي إشارة.
قالت لأختها لوسيا أثناء إحدى الجولات أشعر أنها حية. الأم تعرف هذا.
أجابت لوسيا محاولة دعمها لا تفقدي الأمل.
لكن بعد ستة أشهر من التحقيق المكثف بدأت القضية تفقد زخمها.
من دون أدلة مادية ولا شهود على الاختفاء ولا خيط يقود إلى مكانها قلصت الشرطة الموارد المخصصة للقضية.
قال المفوض كاربالو في اجتماع مؤلم لن نغلق الملف لكن سنخفف التحقيق النشط حتى تظهر معلومات جديدة.
صرخت ماريا لا يمكنكم التوقف عن البحث عن ابنتي!.
قال بهدوء لن نتخلى عنها لكننا بحاجة إلى دليل يقودنا.
واصلت ماريا البحث وحدها.
زارت دور الأيتام والمدارس في مدن أخرى تسأل في كل مكان أبحث عن ابنتي ربما تستخدم اسما مختلفا.
مرت السنوات.
في عام 1987 بعد عامين من الاختفاء تلقت ماريا اتصالا رسميا من المفوض.
قال بصوت ثقيل عثرنا على رفات طفلة في فيتوريا نحتاج حضورك للتعرف.
انطلق قلبها في صدرها رعبا.
سافرت فورا لكن الفحوصات أثبتت أن الرفات تعود لطفلة أخرى.
قال المفوض هذا يعني أن آنا بياتريز قد تكون ما تزال حية.
تعلقت ماريا بهذه الجملة كما يتشبث الغريق بخشبة.
مرت الأعوام 1988 1989 1990.
لم تتوقف ماريا عن البحث يوما.
تحولت حياتها إلى مهمة واحدة العثور على آنا بياتريز.
في الذكرى الأولى للاختفاء نظمت وقفة في الساحة المركزية.
قالت أمام خمسين شخصا تجمعوا ابنتي في مكان ما ربما رآها أحدكم دون أن يعلم أنها هي.
وزعت مئات المنشورات التي تحمل صورة الطفلة ووصفها شعر بني عينان لوزيتان علامة قرب الأذن اليسرى.
في عام 1987 ادخرت مالا لتوظيف محقق خاص يدعى روبرتو سانتوس.
قال لها بعد عامين تصبح الأدلة باردة لكن سأبذل ما أستطيع.
عمل ستة أشهر وأعاد استجواب الشهود ثم خلص إلى رأي مقلق
في تقديري تم اصطحاب آنا بياتريز من قبل شخص يعرف جيدا روتين المدرسة شخص لديه وصول وثقة.
غيرت ماريا عملها لتتفرغ أكثر للبحث.
قالت لأختها المال يمكن تعويضه لكن الوقت مع ابنتي لا يعود.
في التسعينيات سافرت إلى ساو باولو وريو دي جانيرو وميناس جيرايس تحمل صور آنا بياتريز وتسأل في محطات الحافلات والمستشفيات والمدارس.
عام 1995 نظمت حملة إعلامية على مستوى الولاية.
ظهرت على شاشة التلفزيون قائلة إذا عرف أحد فتاة وصلت إلى عائلته عام 1985 أرجوكم تواصلوا معنا.
تلقت عشرات الاتصالات لكنها كانت جميعها آمالا خاطئة.
في عام 2005 شاركت في برنامج وطني عن الأطفال المفقودين.
قالت للمذيعة ابنتي الآن في السابعة والعشرين ربما متزوجة ربما لديها أطفال لكني أعلم أنها تتذكرني.
وفي 2007 أسست مع أمهات أخريات جمعية أمهات في بحث لدعم الأسر التي تعيش الألم نفسه.
وفي 2009 عشية مرور خمسة وعشرين عاما صرحت للصحافة ابنتي حية وأنا أعلم ذلك.
ثم جاء سبتمبرأيلول 2010 وصورة آنا كلارا في الجريدة.
بعد أسبوع من المراقبة والزيارات المتكررة للمتجر بدأت ماريا تلاحظ تفاصيل جديدة.
في إحدى الزيارات سألتها هل عشت دائما في ساو باولو قبل قدومك
ترددت آنا كلارا قليلا كنت أتنقل كثيرا في طفولتي والداي بالتبني كانا يسافران كثيرا.
توقفت ماريا عند كلمة بالتبني.
قالت إذا أنت متبناة
أجابت بسرعة نعم كنت صغيرة
جدا.
ثم بدت غير مرتاحة كلما ذكر الماضي.
بدأت ماريا تشعر أن اللحظة الحاسمة تقترب
في إحدى الأمسيات وبعد أسبوعين من الزيارات المتكررة إلى متجر Moda Clara Boutique شعرت ماريا أن التردد لم يعد خيارا.
دخلت المتجر قبل موعد الإغلاق بقليل. لم يكن هناك زبائن وكانت آنا كلارا ترتب الفواتير خلف المنضدة.
قالت ماريا بهدوء غير معتاد
آنا ممكن أحكي معك شوية بموضوع شخصي
رفعت آنا كلارا نظرها وبدت عليها الدهشة
أكيد تفضلي.
جلستا في الزاوية الصغيرة المخصصة للضيافة داخل المتجر.
تنفست ماريا بعمق ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة لطفلة ذات سبع سنوات بشعر بني وضفيرتين.
وضعتها على الطاولة بيد ترتجف قليلا.
قالت بصوت خافت لكنه واضح
هل تشبهك هذه الطفلة
تطلعت آنا كلارا إلى الصورة وبدأ شيء في ملامحها يتغير.
تصلب جسدها واتسعت عيناها لحظة ثم قالت محاولة التماسك
هي تشبهني قليلا نعم.
قالت ماريا وهي تشعر بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها
اسمها آنا بياتريز سانتوس. اختفت من مدرستها عام 1985 هنا في فيلافيلا.
سادت لحظة صمت ثقيل.
قالت آنا كلارا ببطء
أنا لا أعرف شيئا عن هذا.
اقتربت ماريا قليلا وقالت بصوت يكاد ينكسر
أنا أمها.
انخفضت أنفاس آنا كلارا فجأة. نظرت إلى الصورة مرة أخرى ثم إلى ماريا.
قالت بصوت مضطرب
أنا كنت متبناة. قيل لي إنني ولدت في ساو باولو. أوراقي تقول ذلك.
قالت ماريا
هل تتذكرين أي شيء قبل سن السابعة مدرسة بيت صغير أغنية كانت أمك تغنيها لك
وضعت آنا كلارا يدها على رأسها وكأنها تحاول التقاط ذكرى هاربة.
قالت
أحيانا لدي أحلام غريبة. أرى مطبخا صغيرا بلون أصفر. وأسمع صوت امرأة تغني لكنني دائما ظننت أنها مجرد خيالات.
دمعت عينا ماريا.
قالت
كنت أغني لك كل ليلة أغنية قديمة عن القمر.
همست ماريا ببضع كلمات من تلك الأغنية.
تجمدت آنا كلارا في مكانها.
بدأت الدموع تنزل ببطء على وجنتيها.
قالت بصوت مرتجف
أنا أعرف هذه الكلمات.
لم يعد الأمر مجرد
شبه أو مصادفة.
قالت ماريا بلطف
أنا لا أريد أن أفرض عليك شيئا. فقط أريد أن نتأكد. يمكننا إجراء اختبار الحمض النووي.
سكتت آنا كلارا طويلا ثم قالت
إذا كانت هناك فرصة أن تكوني فعلا أمي أريد أن أعرف الحقيقة.
بعد أيام توجهتا معا إلى مختبر معتمد في فيتوريا لإجراء الفحص الجيني.
أرسلت العينات إلى المختبر المركزي وقيل لهما إن النتائج ستستغرق ثلاثة أسابيع.
كانت تلك الأسابيع الثلاثة أطول أيام في حياة ماريا.
أما آنا كلارا فقد بدأت تقرأ أوراق تبنيها للمرة الأولى بتفصيل لم تفعله من قبل.
لاحظت وجود تناقضات في التواريخ.
سنة الميلاد صحيحة لكن تاريخ تسجيلها في ساو باولو جاء بعد اختفاء آنا بياتريز
بعدة أشهر.
وفي إحدى الليالي فتحت صندوقا قديما تركه لها والداها بالتبني بعد وفاتهما.
وجدت داخله ظرفا بنيا يحمل مستندات إضافية.
إحدى الوثائق كانت عبارة عن شهادة تبن تحمل توقيع وسيط خاص.
بدأت الشكوك تكبر.
قالت لنفسها
ماذا لو كانت حياتي مبنية على قصة غير صحيحة
بعد واحد وعشرين يوما تلقت ماريا اتصالا من المختبر.
قال الموظف الرسمي
سيدة ماريا سانتوس نتيجة الفحص تؤكد بنسبة 99 9 وجود علاقة أمومة بيولوجية بينك وبين السيدة آنا كلارا رودريغيز.
سقط الهاتف من يد ماريا.
بكت كما لم تبك منذ خمسة وعشرين عاما.
كانت الحقيقة أخيرا واضحة.
آنا كلارا هي آنا بياتريز.
التقتا في اليوم نفسه.
لم يكن هناك كلام
كاف لوصف تلك اللحظة.
احتضنت ماريا ابنتها كما لو أنها تعانق السنوات الضائعة كلها دفعة واحدة.
قالت آنا كلارا وهي تبكي
كنت أشعر دائما أن هناك جزءا ناقصا في حياتي الآن فهمت لماذا.
لكن الفرح لم يلغ الأسئلة.
كيف خرجت طفلة من مدرسة دون أن يراها أحد
من غير اسمها وأوراقها
ومن سلمها لأسرة أخرى
أعادت الشرطة فتح الملف رسميا.
كشف التحقيق اللاحق عن وجود شبكة منظمة كانت تنشط في الثمانينيات تستغل ثغرات في النظام القانوني لإتمام عمليات تبن بإجراءات غير نظامية.
أظهرت السجلات أن وسيطا خاصا كان قد خضع سابقا لتحقيقات شارك في ترتيب تبني آنا كلارا بعد أشهر من اختفاء آنا بياتريز.
لم تتذكر آنا بياتريز
تفاصيل اختفائها بوضوح.
قالت للمحققين
آخر ما أتذكره أن امرأة أخبرتني أن أمي أرسلتها لأخذي. قالت إن هناك مفاجأة.
من هناك ضاعت الذكريات.
ورغم أن بعض المسؤولين عن تلك الإجراءات غير القانونية لم يعودوا على قيد الحياة فقد أغلقت القضية رسميا باعتبارها اختفاء غامض انتهى بلم شمل ناجح.
وقفت ماريا أمام الصحافة بعد إعلان النتيجة وقالت
لم أفقد الأمل يوما. الأم تعرف حتى لو مر ربع قرن.
أما آنا بياتريز فقد قررت الاحتفاظ بالاسمين معا
آنا كلارا رودريغيز وآنا بياتريز سانتوس.
قالت
أنا نتيجة قصتين واحدة فرضت علي وأخرى كانت تنتظرني.
وبعد خمسة وعشرين عاما من الألم عاد البيت الصغير في فيلافيلا يمتلئ بصوت كانت ماريا تخشى ألا تسمعه مجددا.
صوت ابنتها.


تعليقات
إرسال تعليق