القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

دفنت سرّها تحت المطبخ 30 سنة… والرسالة كسرت قلبي قبل الصندوق

 


دفنت سرّها تحت المطبخ 30 سنة… والرسالة كسرت قلبي قبل الصندوق

 






دفنت سرّها تحت المطبخ 30 سنة… والرسالة كسرت قلبي قبل الصندوق

 



ترك زوجي والدته المړيضة مرضا خطېرا معي وذهب في رحلة عمل استمرت قرابة عام كامل. طوال ذلك الوقت كنت أعتني بها كل يوم أطعمها بملعقة وأشتري الأدوية بآخر ما أملك من مال 

وقبل أن ټموت أمسكت حماتي بيدي وقالت بهدوء

اذهبي إلى القرية واحفري في القبو تحت صندوق البطاطس.

بعد الچنازة ذهبت إلى هناك وعندما رأيت ما كان مخبأ في الأرض اجتاحني ړعب حقيقي 

أحضر زوجي والدته إلينا في أواخر الخريف. كانت بالكاد تستطيع المشي وكانت تتكلم بصعوبة. قال الأطباء إن السړطان في مراحله الأخيرة وإن الوقت المتبقي لها قصير جدا. وفي المساء نفسه أخبرني زوجي أنه سيرسل في رحلة عمل طويلة إلى الخارج قد تمتد لنحو عام كامل.

ساعد والدته على الاستلقاء على الأريكة قبلها على جبينها ثم الټفت إلي وقال إن هذه فرصة لكسب مال جيد وإنني سأتمكن من تدبير الأمور. وبعد يومين رحل.

منذ تلك اللحظة سقطت كل المسؤولية على عاتقي. بقيت وحدي مع إنسانة مريضة مرضا خطېرا. كنت أستيقظ قبل الفجر لأن حماتي

لم تكن تستطيع البقاء

في وضع واحد لفترة طويلة. كنت أغسلها أغير ملابسها أطعمها بملعقة وأتأكد من أنها تأخذ أدويتها. وفي الليل كنت بالكاد أنام لأن الألم كان يعود كل بضع ساعات.

كان زوجي يرسل المال بشكل غير منتظم ولم يكن يكفي إلا بالكاد لشراء الأدوية. أما باقي المصاريف فكنت أدفعها من مالي الخاص. ومع مرور الوقت نفدت مدخراتي وبدأت أستدين المال لأنني لم أستطع ترك إنسانة مريضة بلا مساعدة.

مع حلول الشتاء أصبحت حماتي ضعيفة جدا. وفي إحدى الليالي بينما كان الثلج يتساقط في الخارج


وكان البيت هادئا على غير العادة نادتني. ضغطت على يدي بقوة لم أتوقعها وقالت بصوت خاڤت إنه بعد ۏفاتها يجب علي حتما أن أذهب إلى القرية. طلبت مني الذهاب إلى المطبخ الصيفي والحفر تحت صندوق البطاطس. ولم تشرح شيئا أكثر من ذلك.

بعد أيام قليلة ټوفيت.

بعد الجنازة ظللت أياما طويلة أتردد.

كنت أقول لنفسي إن الرحيل هو الحل الأسهل وإن العودة إلى القرية ستفتح أبوابا أغلقتها بالكاد لكن كلمات حماتي لم تفارق ذهني لحظة واحدة.

كانت كلماتها تتسلل إلي في صمتي في نومي المتقطع وفي كل مرة أظن أنني تجاوزت الألم.

وفي النهاية تشجعت.

لم يكن شجاعة حقيقية بقدر ما كان استسلاما لشيء أقوى مني.

حملت حقيبة صغيرة وذهبت إلى القرية.

عندما دخلت البيت استقبلني الصمت.

ذلك الصمت الثقيل الذي لا يشبه الفراغ بل يشبه الامتلاء بالذكريات.

الجدران كما هي الأبواب الخشبية العتيقة رائحة الرطوبة الممزوجة برائحة الخبز القديم وكل شيء بدا وكأنه ينتظرني.

دخلت المطبخ القديم.

توقفت طويلا عند العتبة.

كان كل شيء كما كان منذ سنوات طويلة وكأن الزمن توقف احتراما لوجودها.

الرفوف الخشبية الموقد الكرسي الذي كانت تجلس عليه وحتى الشقوق الصغيرة في الجدار لم يتغير شيء.

تقدمت بخطوات بطيئة.

أزحت صندوق البطاطس جانبا ذلك الصندوق الذي كنت أتعثر به كل يوم تقريبا وأمسكت مجرفة كانت موضوعة في الزاوية.

لم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك لكن يدي تحركت وكأنها تعرف الطريق.

بدأت الحفر.

كل ضربة مجرفة في الأرض كانت كأنها ضربة في قلبي.

كانت الأرض قاسية متماسكة وكأنها تخفي سرا لا يريد أن يكشف بسهولة.


وعلى عمق يقارب نصف متر اصطدمت المجرفة بشيء صلب.

تجمدت في مكاني.

ركعت على ركبتي وأسقطت المجرفة وبدأت أزيل التراب بيدي.

وفي تلك اللحظة سرت قشعريرة في جسدي قشعريرة باردة جعلت أنفاسي تتقطع عندما أدركت أن حماتي كانت تخفي شيئا هناك منذ أكثر من ثلاثين عاما.

داخل الحفرة كان هناك صندوق معدني قديم.

ثقيل مغطى بالصدأ حوافه متآكلة لكنه ثابت صامد كأنه انتظر هذه اللحظة تحديدا.

بصعوبة وبقلب يرتجف فتحت الغطاء.

وما إن انفتح حتى رأيت ما لم أتوقعه أبدا.

نقود

نقود كثيرة مرتبة في رزم بعناية مذهلة وكأنها كانت تعد لهذا اليوم.

وبجانبها أوراق ووثائق وظرف أبيض يحمل اسمي.

جلست على الأرض.

لم أستطع الحركة.

لم أستطع حتى البكاء.

كان هناك مال أكثر مما حملته بين يدي طوال حياتي.

أكثر من كل ما حلمت به وأكثر من كل ما ظننت يوما أنني قد أملكه.

وفهمت في تلك اللحظة أنها كانت تدخره بصمت سنة بعد سنة ولم تخبر أحدا عنه.

فتحت الظرف.

كانت يداي ترتجفان وكأنني أمسك بقلبها لا بورقة.

داخل الظرف كانت هناك رسالة بخط يدها

خطها الذي كنت أعرفه جيدا بخطوطه المتعبة وانحناءاته الهادئة.

كتبت حماتي أنها كانت تدخر هذا المال لأكثر من ثلاثين عاما.

ثلاثين عاما من الصمت

ومن الصبر

ومن الانتظار الذي لا يراه أحد.

كانت تضع القليل كل شهر

ليس من فائض ولا من رفاهية

بل من تعبها

من أيام كانت تؤجل فيها احتياجاتها

ومن ليال كانت تقنع نفسها أن الغد قد يحتاج هذا المال أكثر منها.

كانت تخفيه

لا خوفا من الناس

بل خوفا عليه

كما تخاف الأم على طفلها حين لا تجد من تثق به ليحمله عنها.


كانت تحميه

وتراقبه

وتطمئن عليه بين الحين والآخر

كأنها تطمئن على قلبها نفسه

وكأنها تقول في سرها

سيأتي اليوم الذي أعرف فيه لمن يجب أن يصل.

ثم كتبت

وكتبت كلمات لم تكن قاسية لكنها كانت صادقة حد الوجع.

قالت إنها كانت تعلم أن ابنها لا يفكر إلا في نفسه.

لم تكتب ذلك لتشوه صورته

ولا لتنتقم

ولا لتبرر قرارها.

كتبته لأنها وصلت إلى يقين مؤلم

يقين لا يأتي إلا بعد خيبات متكررة.

كتبت أنها رأت فيه إنسانا اعتاد أن ينجو بنفسه

أن يترك غيره خلفه عند أول عاصفة

أن يحمي ذاته حتى لو احترق كل شيء من حوله.

وقالت إنها كانت تعرف أنه

عندما تأتي اللحظات الصعبة

سيمضي

دون أن يلتفت

دون أن يسأل

دون أن يتحمل.

لم تكتب ذلك بغضب

بل بهدوء يشبه الاستسلام للحقيقة.

ثم طلبت مني بوضوح

أن لا أعطيه شيئا.

وأن لا أشعر بالذنب.

وكتبت جملة جعلتني أرتجف

الذنب ليس ذنبك.

ثم كتبت ما جعل قلبي ينهار بالكامل.

قالت إنها كانت تراقبني بصمت منذ اليوم الأول.

منذ اللحظة التي دخلت فيها بيتها

ولم أكن أعرف أن هناك عينا ترى

وقلبا يلاحظ

وعقلا يحفظ التفاصيل الصغيرة.

لم تكن تتدخل

لم تكن تعلق

لم تكن تمدح ولا تذم.

كانت فقط ترى.

ترى كيف أنظر إليها

لا كواجب

ولا كحمل

ولا كأمر مفروض

بل كإنسانة تحتاج من يحتويها.

كتبت أنها عرفت من نظراتي

من الطريقة التي أناديها بها

من صوتي عندما أقول اطمني

أنني لم أكن أتعامل معها بدافع الواجب

بل بدافع الرحمة.

كانت ترى كيف أصلح وسادتها قبل أن أنام

وكيف أحرص أن يكون رأسها مرتاحا

حتى لو كنت أنا بالكاد أقف على قدمي.

كانت تلاحظ كيف أطمئن عليها

ليس لأن أحدا طلب مني

بل لأن قلبي لم يكن يعرف غير ذلك.

كانت ترى كيف أخفي دموعي

وكيف أبتسم رغم الإرهاق

وكيف أبتلع تعبي

حتى لا

 

تشعر أنها عبء على أحد.

وكتبت أنها لم تكن تثق في ابنها.

ليس لأنها تكرهه

بل لأنها عرفته جيدا.

عرفت أن قلبه تعود على الهروب

عند أول امتحان صعب

وأن الصبر ليس من طباعه

وأن الألم يخيفه أكثر مما يعلمه.

لكنني

كنت مختلفة.

قالت إنها شعرت بالأمان معي.

أمان لم تشعر به منذ سنوات طويلة.

أمان امرأة مريضة

وجدت أخيرا من لا ينظر إليها كوقت ثقيل

ولا كمسؤولية مرهقة

بل كأم تستحق الرعاية.

كانت متأكدة

بيقين لا شك فيه

أنني لن أتركها مهما اشتد الألم

وأنني سأبقى

حتى عندما يرحل الجميع.

وأنني سأعاملها كأم لي

لا كعبء

ولا كواجب

ولا كمرحلة مؤقتة.

ولهذا السبب

قررت أن تضع ثقتها كلها في

أنا لا فيه.

وكتبت بوضوح

وبخط ثابت لا يرتجف

خط امرأة عرفت ماذا تريد

وعرفت متى تقول كلمتها الأخيرة

أنها أرادت أن يكون هذا المال في يد إنسانة تعرف قيمته حقا.

لا قيمته كأرقام تعد

ولا كأوراق تخبأ

ولا كثراء يتباهى به

ولا كفرصة للسيطرة أو التفوق أو رد الصفعات.

بل قيمته كأمان.

كطمأنينة.

كفرصة لالتقاط

الأنفاس بعد سنوات من الركض.

كبداية جديدة لا يشوبها الخوف.

وكحق لم يمنح يوما بسهولة.

أرادت أن يكون في يد إنسانة

تعرف معنى أن تستيقظ وأنت لا تملكين إلا قلبك.

تعرف معنى أن تعطي دون انتظار مقابل.

إنسانة عطوفة

صبورة

تعرف جيدا كيف يكون الإنسان محتاجا

ولا يملك في لحظات ضعفه

سوى نظرة رحمة

أو يد لا تتركه.

إنسانة لا ترى في الضعف فرصة للاستغلال

ولا بابا للسيطرة

ولا وسيلة لفرض النفوذ

بل تراه سببا للحماية

ودافعا للرحمة

ومرآة تذكرها بإنسانيتها.

كتبت أنها أرادت المال أن يكون أداة للستر

لا سلاحا للإيذاء

وسندا لا قيدا

ووسيلة لبناء الحياة

لا لتمزيقها.

ثم انتقلت إلى التفاصيل

تفاصيل صغيرة

هادئة

لم أكن أظن يوما أنها لاحظتها.

تفاصيل كنت أفعلها بعفوية

دون أن أعي أنها تسجل في قلبها

كأنها تكتب سطرا سطرا.

كتبت كيف اعتنيت بها

ليس فقط حين اشتد المرض

بل في الأيام العادية

الأيام التي لا يراها أحد مهمة

لكنها تصنع الفرق الحقيقي.

كتبت كيف بقيت إلى جوارها في الليالي الطويلة

حين

يثقل الصمت

وتطول الساعات

ويصبح الألم رفيقا لا ينام.

كيف كنت أجلس قربها

أعد أنفاسها

أمسك يدها

وأتظاهر بالقوة

حتى لا تشعر بخوفي عليها.

كتبت كيف قضيت ليالي بلا نوم

كيف كنت أراقب عقارب الساعة

وأعد الدقائق

حتى يحين موعد الدواء التالي

وكيف كنت أستبق الوقت

خوفا أن أتأخر ثانية واحدة.

كتبت كيف أنفقت آخر ما لدي من مال

على الأدوية

دون شكوى

دون تذمر

دون أن أظهر لها

أن الأمر كان يفوق طاقتي أحيانا.

كتبت أنها كانت ترى ذلك

وترى تعبي

وترى ضيقي

وترى خوفي

حتى عندما كنت أبتسم وأقول

ولا يهمك كله هيعدي.

وشكرتني.

شكرتني لأنها لم تشعر يوما

أنها عبء.

ولا أن مرضها ثقيل.

ولا أن وجودها يرهق أحدا.

وشكرتني لأنني لم أتخل عنها

عندما فعل الآخرون ذلك.

عندما انسحبوا واحدا تلو الآخر.

عندما اختاروا راحتهم.

عندما خافوا من طول الطريق.

كانت كل كلمة في الرسالة

تثقل صدري أكثر

كأنها تضع يدها على كل جرح أخفيته

على كل لحظة انكسار بلعتها بصمت

وتقول لي بهدوء

رأيتك ولم أنس.

وكان الغريب

أن

هذه الكلمات نفسها

رغم ثقلها

كانت تداوي جروحا

لم أكن أعترف بوجودها أصلا.

جروح الشعور بعدم التقدير.

وجروح الإحساس بأنك دائما في الظل.

وجروح العطاء الذي لا يراه أحد.

وفي نهاية الرسالة

لم تطل.

لم تشرح.

لم تبرر.

كأنها قالت كل ما يجب أن يقال

ولم يعد هناك ما يحتاج إلى تفسير.

كتبت جملة واحدة فقط.

جملة قصيرة.

هادئة.

لكنها هزتني من الداخل

هزتني حتى الأعماق

كأنها حررت شيئا ظل مقيدا داخلي لسنوات.

طلبت مني أن أبدأ حياة جديدة.

حياة لا أجبر فيها على الدفاع عن نفسي.

ولا على تبرير اختياراتي.

ولا على إثبات طيبتي أو نواياي.

طلبت مني ألا أضطر بعد الآن

لإثبات أي شيء

لأي أحد.

أغلقت الرسالة.

وضممتها إلى صدري

كما تضم الذكريات الثمينة.

وبكيت.

بكيت بكاء طويلا

صامتا

منهكا

كأنني أفرغ سنوات من الكتمان دفعة واحدة.

بكاء لم يكن فيه صوت

لكن كان فيه راحة.

لم أبك على المال.

ولم أبك على الماضي.

بكيت على امرأة رحلت

لكنها رأتني حقا.

امرأة فهمتني دون أن أشرح.

وثقت بي دون أن أطلب.

ومنحتني اعترافا

لم يمنحني إياه أحد من قبل.

امرأة تركت لي ميراثا

أثمن من كل النقود

الثقة

والاعتراف

والحب الصادق.

وهو الميراث

الذي لا يصدأ

ولا يدفن

ولا يسرق.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close