بطاقة مرفوضة وثلاثة دولارات… طفلة فقيرة غيّرت قلب ملياردير في دقيقة واحدة!
بطاقة مرفوضة وثلاثة دولارات… طفلة فقيرة غيّرت قلب ملياردير في دقيقة واحدة!
كان جهاز التكييف في السوبرماركت يطن بذلك الصوت الرتيب الخافت الذي يوهم بتوقف الزمن ممتزجا بالصفير المنتظم لأجهزة المسح الضوئي والهمهمة غير الواضحة لعشرات الأحاديث العادية. كانت أمسية ثلاثاء عادية في حي اعتاد سكانه أن يعدوا نقودهم قبل الوصول إلى الصندوق. لكن ذلك الرجل لم يكن ينسجم مع المكان. بدلته ذات القصة الإيطالية المتقنة بلون أزرق ليلي كانت تتناقض بحدة مع سراويل الرياضة والقمصان البالية لمن يحيطون به. ألكسندر غرانت اسم كان ينطق في ناطحات السحاب الزجاجية في المدينة بإجلال وخشية كان يقف هناك يطرق بأصابعه على الحزام الناقل بنفاد صبر بالكاد يخفى.
كان ألكسندر قد بنى إمبراطورية من العدم. كان الفولاذ والإسمنت وإرادة من حديد أدواته. لم تكن هناك قاعة اجتماعات لم يفرض فيها هيمنته ولا منافس لم يسحقه. غير أن نزوة عابرة وغياب العاملين المنزليين في ذلك اليوم دفعاه إلى فعل شيء لم يفعله منذ عقود شراء مؤونته بنفسه. كان يشعر بالغربة كأنه أسد محبوس في حديقة حيوانات للحيوانات الأليفة يحكم بصمت على بطء أمينة الصندوق وعدم كفاءة النظام.
وحين جاء دوره أخيرا لم ينظر حتى إلى المرأة التي تتولى الصندوق. مرر بطاقته السوداء تلك القطعة المصنوعة من التيتانيوم التي ترمز
إلى قدرة شرائية غير محدودة عبر القارئ. كان ينتظر صوت الموافقة المعتاد ذلك النقر الصغير الذي يسمح له بمتابعة حياته الحافلة بالنجاحات.
لكن الصوت لم يأت. وبدلا منه شق الهواء صفير حاد نشاز.
نظرت أمينة الصندوق وهي امرأة في منتصف العمر قست ملامحها بفعل سنوات من العمل المتدني الأجر وقلة الصبر تجاه الرجال ذوي البدلات الباهظة إلى الشاشة ثم إليه. وقالت بصوت مسطح مرتفع بما يكفي ليسمعه من يقف خلفه
مرفوضة.
عقد ألكسندر حاجبيه وهو تعبير كان يرعب عادة موظفيه التنفيذيين.
مستحيل. أعيدي المحاولة أمر بنبرة اعتادت أن تنحني لها الوقائع.
تنهدت المرأة وأدارت عينيها وأعادت تمرير البطاقة ببطء متعمد يكاد يحمل سخرية. وكانت النتيجة نفسها. بدا صفير الخطأ أعلى في الصمت المفاجئ الذي خيم على الصف. كانت الشاشة تومض بكلمة حمراء قاسية أموال غير كافية مرفوضة.
للحظة واحدة توقف عالم ألكسندر. هو الرجل الذي كان يحرك الملايين بمكالمة هاتفية ومالك الأبنية التي تلامس السحاب كان يقف هناك عاجزا عن دفع ثمن كيس من التفاح وقليل من الخبز وزجاجة نبيذ. لم يكن خطأ مصرفيا أو ربما كان كذلك ربما حظرا أمنيا بسبب عملية شراء غير معتادة لكن السبب التقني لم يكن مهما. المهم هو حقيقة اللحظة.
تبدل الجو فورا.
الناس الذين كانوا قبل دقائق ينظرون بإعجاب حاسد إلى ملابسه وهيئته صاروا الآن يشمون رائحة سقوطه. بدأت الهمسات تنتشر كحريق في غابة صيفية.
انظروا إلى الثري تمتم مراهق وهو يخرج هاتفه ليصور لا بد أن كل شيء مزيف.
كل هذه البدلة ولا يملك ما يأكل ضحك آخر.
لكن الأسوأ كانت أمينة الصندوق. لم تبد أي رحمة. أمالت رأسها إلى الخلف وأطلقت ضحكة جافة قاسية ضحكة كانت كإشارة للآخرين.
يبدو أن السيد المهم ليس سوى واجهة أليس كذلك قالت مستمتعة برؤية سقوط من بدا أنه فوق الجميع هل ستدفع أم ستستمر في إضاعة وقت من يعملون فعلا
ضربه الإذلال بقوة مطرقة. شعر بالحرارة تصعد إلى عنقه وتصطبغ بها أذناه وتحرق وجنتيه. خفض بصره عاجزا عن مواجهة أعين من حوله. اشتد فكه حتى آلمته أسنانه. شعر بأنه عار مجرد من درعه المصنوع من النجاح. في ذلك السوبرماركت من دون سند رصيده المصرفي أدرك برعب أنه بالنسبة إلى هؤلاء الناس لا يساوي شيئا. كان محتالا. عبئا.
استمرت ضحكة أمينة الصندوق تتردد وراح زبائن الصفوف الأخرى يتمددون ليروا المشهد. أراد ألكسندر أن يختفي. تمنى لو ينشق أرض المشمع الرخيص وتبتلعه. كان على وشك أن يستدير يترك كل شيء ويهرب نحو سيارته الليموزين مهزوما أمام آلة بطاقات وقسوة البشر حين شعر بشدة
خفيفة في كم سترته التي تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف دولار.
خفض بصره. كان هناك إلى جانبه من لم ينتبه إليه أحد. طفلة صغيرة لا تتجاوز السابعة. كانت ترتدي قميصا أرجوانيا رأى أياما أفضل بهت لونه من كثرة الغسل وحذاء رياضيا بأشرطة لاصقة بالية. كانت عيناها واسعتين داكنتين ممتلئتين بقلق صادق جرده تماما من دفاعاته. لم تنظر إليه بسخرية ولا بحسد. نظرت إليه كما لو كان أكثر الكائنات هشاشة في تلك اللحظة.
وحين ظن ألكسندر أن كرامته قد تبخرت تماما حدث ما غير مسار حياته إلى الأبد.
لم تقل الطفلة شيئا في البداية. أخرجت يدها الصغيرة ببطء ووقار إلى جيب بنطالها الجينز. سمع رنين معدني خافت صوت ضئيل بدا مع ذلك كأنه جرس في خضم الضحكات القاسية.
كان ألكسندر يراقبها مشلولا. أخرجت قبضتها المغلقة ووقفت على أطراف أصابعها لتصل إلى المنضدة. فتحت يدها.
سقطت على السطح الرمادي البارد ثلاث ورقات نقدية مجعدة قديمة حتى بدت لينة كالنسيج ومعها حفنة من العملات المعدنية بفئات مختلفة. لم تكن مبلغا كبيرا. ربما كانت كل ما تملكه في العالم مدخرات أسابيع أو مال فأر الأسنان أو ما وجدته تحت وسائد الأريكة. كانت ثروة لطفلة وتفاهة لرجل بالغ لكنها في تلك اللحظة كانت تلمع أكثر من أي سبيكة ذهب في خزائن ألكسندر.
ساد السوبرماركت
صمت جديد. لكنه هذه المرة لم يكن صمتا متوترا أو ساخرا بل صمتا ثقيلا كثيفا مشبعا بخجل جماعي مفاجئ. انقطعت الضحكات فجأة. تجمدت يد أمينة الصندوق التي كانت على وشك أن تبعد مشتريات ألكسندر بازدراء في الهواء.
دفعت الطفلة العملات نحو أمينة الصندوق وقالت بصوت بالكاد يسمع لكنه انطلق واضحا في الصمت التام
من فضلك خذي من هنا. إنه يحتاج إلى طعامه.
شعر ألكسندر بشيء ينكسر داخل صدره. لم يكن ألما جسديا بل تحطم درع كان يرتديه منذ أربعين عاما. هو ألكسندر غرانت الرجل الذي كان يوقع شيكات قادرة على شراء جزر بأكملها وقف عاجزا أمام ثلاثة دولارات وأربعين سنتا.
امتلأت عيناه المعتادتان على جداول البيانات والعقود القانونية بالدموع. حاول أن يرمش ليحبسها لكن دون جدوى. انحدرت دمعة واحدة ساخنة وثقيلة على خده. لم تكن الطفلة تعرف من يكون. لم تكن تعلم بأبراجه ولا بيخوته ولا بنفوذه. بالنسبة لها كان مجرد رجل في ضيق إنسان يتعرض للإساءة وكان دافعها الفطري ألا تنضم إلى القطيع في الهجوم بل أن تضحي بالقليل الذي تملكه لتحميه.
تبدلت الطاقة في المتجر جذريا. انتقل الخجل إلى الجانب الآخر. لم يعد ألكسندر من يريد الاختباء. الزبائن الذين ضحكوا خفضوا رؤوسهم يتظاهرون بالنظر إلى هواتفهم
أو عرباتهم. توقف المراهق عن التصوير. وأمينة الصندوق التي كان وجهها قبل دقائق قناعا من احتقار أصبحت شاحبة. نظرت إلى مال الطفلة ثم إلى ألكسندر ولأول مرة رأت الإنسان خلف البدلة.
لا تمتم ألكسندر بصوت متهدج جاثيا ليكون في مستوى الطفلة لا أستطيع قبول هذا. إنه مالك.
هزت الطفلة رأسها وقدمت له ابتسامة خجولة ينقصها سن أمامي.
أمي تقول إنه عندما يكون أحدهم حزينا ولدينا شيء نعطيه فعلينا أن نعطيه. لقد بدا عليك الحزن يا سيدي.
كانت تلك الجملة أشد وقعا عليه من أي حجة منطقية. لقد بدا عليك الحزن. لم يخبره أحد بذلك منذ سنوات. الجميع كانوا يرون القرش القائد الفائز. وحدها طفلة في السابعة بقميص قديم استطاعت أن ترى وحدته.
بيدين مرتجفتين أتمت أمينة الصندوق العملية. وفي النهاية عمل نظام البطاقة مجرد خطأ اتصال عابر لكن الضرر والدرس كانا قد وقعا. دفع ألكسندر لكنه لم يتحرك. التقط العملات والأوراق المجعدة وأعادها إلى الطفلة برفق لم يكن أحد ليصدق أنه في يديه.
شكرا قال ولم ينطق هذه الكلمة يوما بصدق كهذا لقد أنقذتني.
خرجا معا من السوبرماركت. نسي ألكسندر تماما السائق الذي كان ينتظره في السيارة المكيفة. شعر بحاجة ملحة إلى معرفة المزيد إلى فهم مصدر ذلك الضوء في عالم
كان يظنه مظلما وقائما على المعاملات.
هل يمكنني أن أرافقك إلى المنزل لأتأكد من وصولك بأمان مع مشترياتك سأل. أومأت الطفلة موافقة سعيدة بالرفقة.
سارا بضع شوارع مبتعدين عن المنطقة التجارية إلى حي لم يكن ألكسندر قد رآه إلا في الأخبار أو من خلف زجاج سيارته المعتم وهو يسرع نحو المطار. الأرصفة متشققة والبيوت بطلاء متقشر وفي الجو رائحة كفاح دائم. ومع ذلك كانت الطفلة تقفز بخفة غير واعية بالفقر تخبره عن مدرستها وكلبها المتخيل.
وصلا إلى منزل صغير بشرفة متهالكة ونوافذ ينبعث منها ضوء دافئ أصفر. عند دخوله ملأ رائحة حساء بسيط أنفه. رأى امرأة شابة على وجهها آثار تعب لكن بعينين طيبتين تطوي الملابس وتراقب قدرا قديما.
تفاجأت الأم برؤية رجل ببدلة باهظة في غرفة جلوسها الصغيرة لكن لم يكن في عينيها خوف بل فضول. ركضت الطفلة نحوها.
أمي! ساعدت صديقا اليوم!
وقف ألكسندر عند العتبة أكثر تواضعا من أي وقت مضى. تحدث مع الأم. علم أن الأب توفي قبل عامين وأنها تعمل في وظيفتين لتبقي السقف فوق رأسيهما وأنها رغم كل شيء تعلم ابنتها أن اللطف هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها.
تلك الليلة في شقته العلوية ذات الطوابق الثلاثة المطلة على المدينة المضيئة لم يستطع ألكسندر النوم.
سكب لنفسه كأس ويسكي معتق لكنه وجده بطعم الرماد. نظر حوله أعمال فنية أصلية أثاث مصمم صمت كامل لوحدته. بدا كل شيء فجأة فارغا. قضى حياته يجمع الأصفار في حساب مصرفي معتقدا أن ذلك هو النجاح. لكن تلك الطفلة بثلاث ورقات مجعدة كانت أغنى منه بلا حدود. كانت تملك القدرة على أن تعطي كل شيء دون انتظار مقابل وهو لم يعط يوما شيئا لم يكن استثمارا محسوبا.
طاردته صورة الطفلة وهي تمد يدها. لقد أعطته درسا في الاقتصاد لا تدرسه أي جامعة مرموقة القيمة الحقيقية للأشياء ليست في ثمنها بل في التضحية التي تنطوي عليها.
في صباح اليوم التالي لم يذهب ألكسندر غرانت إلى مكتبه. أجرى سلسلة اتصالات لكن ليس لشراء أسهم أو دمج شركات.
بعد أسابيع بدأت الأخبار المحلية تتحدث عن أحداث غريبة ورائعة في ذلك الحي الصغير. عائلات تأخرت أشهرا في الإيجار تلقت إشعارات بأن ديونها سددت مجهولا. السوبرماركت الذي وقع فيه الحادث تلقى تبرعا ضخما لخفض أسعار السلع الأساسية للمجتمع. أنشئ صندوق منح دراسية لأطفال المنطقة لضمان ألا يترك أحدهم الدراسة بسبب نقص الموارد.
لكن ألكسندر لم يفعل ذلك من برجه العاجي. بدأ يرى في الحي. لم يعد يرتدي بدلات إيطالية بل ملابس بسيطة. كان يزور المطبخ المجتمعي يستمع إلى كبار السن ويتعلم
أسماء الناس. وفي قلب كل ذلك حرص على ألا تقلق تلك الطفلة ووالدتها يوما من أجل البقاء.
اشترى المنزل الذي تعيشان فيه ووضعه باسم الأم وجدده بالكامل مع الحفاظ على روحه البسيطة التي شهدت سنوات الكفاح. لم يحوله إلى قصر فاخر يقطع صلته بالماضي بل أصلح السقف المتداعي وجدد الجدران المتشققة وثبت النوافذ التي كانت تسرب البرد شتاء وزرع في الحديقة الصغيرة شجرتي ليمون كما كانت الأم تتمنى. أراد للبيت أن يبقى بيتا لا استعراضا للثراء. وأنشأ صندوقا ائتمانيا باسم الطفلة يضمن تعليمها ومستقبلها لكنه اشترط أن تبقى تفاصيله طي الكتمان حتى تبلغ سن الرشد حتى لا يثقل المال قلبا تعلم أن يعطي قبل أن يطلب.
ولم يكتف بالدعم المادي. صار يزور المنزل بانتظام لا بصفته متبرعا بل صديقا للعائلة. كان يجلس مع الأم في المطبخ يحتسي قهوتها البسيطة ويتبادل معها الحديث عن شؤون الحياة اليومية. كان يستمع أكثر مما يتكلم ويتعلم كيف تدار البيوت بالقناعة لا بالحسابات البنكية. ومع الوقت اكتشف أن الكرامة لا تحتاج إلى رصيد ضخم بل إلى احترام صادق.
أما الطفلة فقد صارت
جزءا من عالمه كما صار هو جزءا من عالمها. كان ألكسندر الذي لم يعرف طعم الأبوة ولا دفء العائلة يجد في ضحكتها ما لم يجده في صفقات بملايين الدولارات. كانا يجلسان أحيانا على الشرفة المجددة عند الغروب. يحدثها عن مدن بعيدة وأسفار طويلة وعن أبراج شاهقة بناها بيديه فتستمع بدهشة صافية. ثم تشير إلى زهرة نبتت بين حجارة الرصيف أو إلى سرب عصافير يمر في السماء وتقول له إن الجمال لا يحتاج إلى خرائط ولا إلى طائرات خاصة.
علمته أن يقف قليلا قبل أن يجيب وأن يبتسم قبل أن يحكم وأن يسأل الناس عن أحوالهم لا عن إنجازاتهم. كانت تذكره دوما بأن الإنسان لا يقاس بما يملك بل بما يمنح. وحين كان يراها تتقاسم قطعة حلوى مع أطفال الحي دون تردد كان يشعر أن دروس الاقتصاد التي تلقاها في أعرق الجامعات لم تكن سوى حسابات ناقصة.
تغير ألكسندر ببطء ولكن بثبات. لم يعد يكتفي بالتبرعات الصامتة بل صار يشارك بوقته وجهده. دعم المدارس وطور المراكز الصحية وأنشأ برامج تدريب للشباب الباحثين عن عمل. لكنه كان يحرص أن يفعل ذلك من الميدان لا من خلف مكاتب فاخرة. كان يريد
أن يرى الأثر بعينيه وأن يسمع قصص الناس لا تقارير المستشارين.
مرت السنوات وكبرت الطفلة. تفوقت في دراستها وحصلت على منحة جامعية من الصندوق الذي لم تكن تعلم تفاصيله. بقيت متواضعة كما كانت ولم يتغير في قلبها شيء. كانت تزوره في مكتبه أحيانا فتدخل بخطوات واثقة إلى عالم كان يخيفها يوما ما وتجلس أمامه لتخبره عن أحلامها في أن تخدم مجتمعها كما علمتها أمها.
وحين تقدم به العمر وبدأ المرض ينهك جسده لم يكن يخاف الموت كما كان يخاف الفراغ في السابق. كان مطمئنا لأن حياته لم تعد قائمة على الأرقام وحدها بل على أثر باق في القلوب. كان يقول للطبيبة التي تعالجه إن أغلى استثمار قام به لم يكن في العقارات ولا في الأسهم بل في لحظة واحدة قرر فيها أن يستمع إلى ضمير صغير بصوت طفلة.
وبعد سنوات حين توفي ألكسندر كتبت الصحف عن رجل الأعمال العصامي عن مشاريعه الضخمة وصفقاته التاريخية. لكن تلك الكلمات بدت باردة أمام المشهد الحقيقي في جنازته. لم يتقدم الصفوف وزراء ولا رجال نفوذ بل الأم التي عاشت سنوات الكفاح وابنتها التي أصبحت شابة متعلمة تحمل في عينيها
الامتنان.
صعدت الشابة إلى المنصة وصمت الجمع. لم تتحدث عن الأبراج ولا عن الأرقام بل عن يوم بسيط في سوبرماركت عن بطاقة مرفوضة وعن ثلاث دولارات كانت كل ما تملكه. قالت إن ذلك اليوم لم يكن إنقاذا لرجل ثري بل بداية لإنقاذ روح كانت تظن أن المال يكفيها.
وأضافت بصوت امتزجت فيه الدموع بالابتسامة
لقد علمنا أن التغيير ممكن في أي لحظة وأن القلب إذا انفتح مرة واحدة قد لا يغلق أبدا. علمنا أن الثروة الحقيقية ليست ما نخزنه بل ما نمنحه دون خوف.
تحولت قصتهما إلى حكاية يتناقلها الناس في المدينة لا بوصفها قصة عن ثري تصدق بل عن إنسان تعلم كيف يكون إنسانا. وصار الآباء يروونها لأبنائهم ليذكروهم أن العالم لا يتغير بالخطب الكبيرة بل بأفعال صغيرة صادقة.
وأنت إن صادفت يوما مشهدا يشبه ذاك المشهد إن رأيت إنسانا يتعثر أمام عيون تضحك فماذا ستفعل هل تنضم إلى الضحكات أم تختار أن تمد يدك لأن ما يبقى في النهاية ليس البدلات المعلقة في الخزائن ولا الأرصدة في الحسابات بل اللحظات التي خففنا فيها عن قلب مثقل. ذلك هو الإرث الحقيقي والحساب الوحيد الذي لا يغلق أبدا.


تعليقات
إرسال تعليق