القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

زوجته تركته أعمى في الغابة ليموت… لكن ما فعله الذئب صدم القرية كلها!

 


زوجته تركته أعمى في الغابة ليموت… لكن ما فعله الذئب صدم القرية كلها!




زوجته تركته أعمى في الغابة ليموت… لكن ما فعله الذئب صدم القرية كلها!




في قريةٍ صغيرة من ولاية أواكساكا، حيث تعبق الأمسيات برائحة الحطب ويلتصق غبار الطريق بالأحذية، كان يعيش ميغيل سالغادو.


قبل أن يحلّ الظلام، كان ميغيل قويًا. حطّابًا. رجلًا ذا يدين قاسيتين وضحكةٍ عريضة. كانت فأسه تهوي بثباتٍ على الجذوع، وصوته يملأ ساحة القرية أيام الأحد. لم يكن ثريًا، لكنه كان محترمًا، وذلك كان بالنسبة إليه كافيًا.


إلى أن جاء المرض.


في البداية ضبابٌ خفيف.

ثم ظلال.

ثم لا شيء.


كان الطبيب في العاصمة واضحًا: لن يعود إليه بصره.


لم يكن الأسوأ أن يفقد الرؤية، بل أن يشعر أن العالم استمرّ في السير… من دونه.


زوجته، غلوريا، كانت في البداية صبورة. تصف له الغروب، ترتّب له طبقه، وتقول: “أنا هنا معك.”


لكن الشهور صارت سنوات.


لم تعد أكوام الحطب تتراكم في الفناء. بدأ المال يقلّ. وشيءٌ آخر أخذ يتكسّر: الحنان.


لم يكن ميغيل بحاجةٍ إلى عينين ليفهم ذلك. كان يسمعه في الزفرات الطويلة، في الخطوات المتعجلة، في صمت الفراش ليلًا.


— لا تستطيع حتى أن تصبّ لنفسك كأس ماء — قالت له ذات يوم.


لم تصرخ.


ولهذا


كان الألم أشدّ.

ابتلع ميغيل ريقه، وصار الكبرياء حجرًا في صدره. كان يعلم أنه يعتمد عليها، وأنه صار عبئًا.


لكن شيئًا أن تعرف ذلك…

وشيئًا آخر أن تشعر به كل يوم.


إلى أن جاء ذلك الصباح من شهر أكتوبر.


كان الهواء باردًا، والسماء — كما أخبروه لاحقًا — رمادية.


— لنذهب إلى الغابة — قالت غلوريا — أنت بحاجةٍ إلى بعض الهواء.


منذ أشهر لم تقترح عليه شيئًا. فأشعل ذلك في قلبه أملًا أخرق، طفوليًا تقريبًا.


سارا في الطريق الترابي. كانت خشخشة الأوراق مألوفة له، وكذلك رائحة الصنوبر. لكنهما تابعا التقدّم، أبعد من المعتاد.


صار الأرض أكثر وعورة، والصمت أكثر كثافة.


— هل ابتعدنا كثيرًا؟ — سأل ميغيل.


— قليلًا بعد.


بلا دفء.


وأخيرًا توقّفا.


— اجلس هنا. سأجلب لك ماءً من الجدول.


أطاعها.


سمع خطواتها تبتعد.


انتظر.


هبّت الريح بين الأغصان.


— غلوريا…


صمت.


— غلوريا!


لا شيء.


حينها فهم.


لا بعينيه.

بل بروحه.


لن تعود.


تسلّق الخوف ظهره. نهض مرتبكًا، يلوّح بعصاه في كل اتجاه.


لكن بالنسبة لرجلٍ أعمى، الغابة لا نهاية


لها.

عاد إلى الجذع وجلس. ترك نفسه يسقط عليه.


بدأ البرد يتسلّل إلى عظامه.


فكّر في بيته.

فكّر في السرير الذي لم يعد له.

فكّر أن أحدًا لن يبحث عنه.


“لعلّها محقّة”، فكّر.

“لعلّني لم أعد أنفع لشيء.”


مات النهار. تغيّر نفس الغابة. صمتت الطيور.


وجاء الليل.


عند منتصف الليل، بينما كانت أجراس الكنيسة تُقرع بعيدًا، سمع شيئًا آخر.


أغصانًا تتكسّر.

تنفّسًا عميقًا.

خطواتٍ ثقيلة.


لم تكن بشرية.


وصلت الرائحة أولًا: رائحة برية، رطبة، قديمة.


ذئب.


شدّ ميغيل قبضته على العصا. كانت الغريزة تصرخ فيه أن يهرب.


لكن إلى أين؟


أغمض عينيه — رغم أنه لا يرى — وهمس:


— إن كانت هذه نهايتي… فلتكن سريعة.


اقترب الحيوان.


شمّه.


وبدل الأنياب، شعر بأنفٍ دافئة تلامس يده.


لم يتحرّك ميغيل.


أدار كفّه ببطء، ولمس الخطم. فراءٌ كثيف، حرارةٌ حيّة.


لم يزمجر الذئب.


جلس إلى جواره.


في تلك الليلة المتجمّدة، كان ذلك الدفء أقوى من أي كلمة.


— هل أنت أيضًا وحيد؟ — همس ميغيل.


وبدأ يتكلم.


حدثه عن الأشجار التي لم يعد يستطيع رؤيتها وهي تسقط،


عن أيام الأحد التي لم يعد يراها تشرق، عن خجل الحاجة إلى المساعدة في كل شيء.

— لم يكن الأسوأ أن أفقد بصري… — اعترف بصوتٍ مكسور —

الأسوأ أن أشعر أن لا أحد يحتاجني بعد الآن.


انسابت الدموع.


— ظننت أنني لم أعد أساوي شيئًا… أنني مجرد عبء.

لكنّك… أنت لا تراني كذلك.


ظلّ الذئب بجانبه.


وعندما رقّ ضوء الفجر الهواء، نهض الحيوان، ودفع ميغيل بأنفه، ثم جذب بلطف طرف سترته.


— أتريدني أن أتبعك؟ — سأل ميغيل.


استدار الذئب…


وبدأ يسير نحو عمق الغابة.


أدرك ميغيل أنه لن تكون هناك إشارة ثانية.


تقدّم الحيوان بضع خطوات… ثم عاد.


شعر ميغيل بعودته. لم يره، لكنه أحسّ بها.


لم تكن العودة صدفة. كانت دعوة.


نهض بصعوبة. كانت ساقاه ترتجفان. كان يشعر بالبرد والخوف، لكن شيئًا داخله — شيءٌ ظنّه مات — اشتعل من جديد.


إيمان.


أمسك العصا بيد، وبالأمل في صدره، وبدأ يسير خلف الذئب.


كان الطريق قاسيًا.


تعثر بجذورٍ خفية.

سقط على حجارةٍ رطبة.

خدشت الأرض الباردة كفيه.


أكثر من مرة فكّر في الاستسلام.


“لعلني لا ينبغي أن أثق…”

“لعلني


أسير نحو ظلامٍ آخر.”

لكن كلما تردّد، عاد الذئب. لامس ساقه. انتظر. لم يدفعه، لم يجرّه، بل كان هناك فقط.


وكان ذلك كافيًا.


سارا ساعاتٍ بدت كعمرٍ كامل.


حتى سمع ميغيل فجأة ما جعل صدره ينفجر.




 

نُباح كلب.


ثم آخر.


أصوات بشر.


ضحكة امرأةٍ من بعيد.


ورائحة لا تخطئها الأنوف: خبزٌ طازج على الصاج.


القرية.


سقط ميغيل على ركبتيه عند حافة الغابة. لم يبكِ كمن يخاف، بل كبكاء من يولد من جديد.


مدّ يده ولمس الفراء الدافئ للمرة الأخيرة.


— شكرًا… — همس بصوتٍ متهدّج — لم تُعد إليّ بصري… بل أعدت إليّ شيئًا أعظم. أعدت إليّ حقي في أن أعيش.


بقي الذئب لحظاتٍ أخرى.


ثم توارى بين أشجار الصنوبر، ذائبًا في الجبل كظلٍّ قديم، كأسطورةٍ لا تظهر إلا حين تحتاجها الروح.


وجد أهل القرية ميغيل مرتجفًا عند حافة الغابة. غطّوه بالأغطية، أعطوه ماءً،  .


وصلت غلوريا راكضة.


كانت تبكي.


قالت إنها بحثت عنه طوال الليل، وإنها كانت يائسة، وإن الأمر كان حادثًا.


لكن ميغيل سمع ما لم يسمعه غيره.


الفراغ بين الكلمات.

الذنب بلا حب.

البكاء بلا صدق.


وللمرة الأولى منذ فقد بصره… لم يشعر بالألم.


لم يتهمها.

لم يذلّها.

لم يصرخ.


لأن تلك الليلة في الغابة غيّرته.


فهم أن قيمته لا تعتمد على من يختار البقاء أو الرحيل.


بعد أيام، عرضت عليه أرملة من القرية، السيدة لوبّيتا — امرأة ذات يدين ثابتتين وقلبٍ واسع — أن يقيم في بيتها.


— هنا لست عبئًا — قالت له — هنا أنت ميغيل، وذلك يكفي.


لم تكن الجملة طويلة، لكنها دخلت صدره كما يدخل الضوء إلى غرفةٍ أُغلقت سنواتٍ طويلة. لم يكن معتادًا على أن يُختصر وجوده في اسمه فقط. دون وصفٍ آخر. دون شفقة. دون تذكيرٍ


بما فقد.

وكانت تلك الكلمات أقوى من أي خيانة.


لأن الخيانة تكسر القلب مرة،

أما الكلمة الصادقة فتعيده للحياة.


بدأ ميغيل من جديد.


لم يكن البدء سهلًا. كان عليه أن يتعلّم كيف يتحرّك في بيتٍ جديد، كيف يحفظ عدد الخطوات بين الباب والنافذة، كيف يميّز صوت الأرضية في المطبخ عن صوتها في الممر. كانت السيدة لوبّيتا تمشي إلى جانبه أحيانًا، لا لتقوده، بل لتكون قريبة إن احتاج.


— خذ وقتك — كانت تقول — لا أحد يطاردك هنا.


وكانت تلك الجملة أيضًا شفاءً.


شيئًا فشيئًا، عاد صوته.


عاد صوته أولًا في الحكايات.


كان الأطفال يجلسون حوله في فناء البيت الترابي عند المغيب. بعضهم على الأرض، وبعضهم فوق صناديق خشبية مقلوبة. كانوا يصغون إليه كما لو كان يرى أكثر منهم.


كان يصف لهم الغابة كما يعرفها:

كيف يتغيّر صوت الريح بين شجرةٍ وأخرى.

كيف تختلف رائحة الأرض بعد المطر عن رائحتها في القيظ.

كيف يمكن للإنسان أن يعرف الطريق لا بعينيه، بل بأذنيه وأنفه وقلبه.


لم يعد الرجل القوي صاحب الفأس.


صار شيئًا أصعب.


رجلًا نجا من الظلام.


الرجال في الساحة صاروا يحيّونه باحترامٍ مختلف. لم يكن احترام القوة الجسدية، بل احترام من واجه سقوطه وعاد واقفًا.


النساء كنّ يرسلن له أطباقًا صغيرة من الحساء أو قطع خبزٍ دافئة، لا بدافع الشفقة، بل بدافع المشاركة. صار جزءًا من نسيج القرية بطريقةٍ لم يكنها حتى حين كان يبصر.


أما هو، فكان كل مساء يمشي بعصاه إلى حافة


الغابة.

لم يكن أحد يرافقه. لم يكن بحاجةٍ إلى دليل.


كان يقف هناك، حيث يبدأ الصمت الحقيقي، ويصغي إلى الريح وهي تمرّ بين الصنوبر. كان يعرف أن الأشجار لا تزال في أماكنها. أن الأرض لا تزال تحت قدميه. أن العالم لم يتوقف لأنه لم يعد يراه.


أحيانًا لا يحدث شيء.


فقط صمتٌ ونسيم.


وأحيانًا، في ليالٍ يكتمل فيها القمر، يدوّي عواء طويل عميق عبر الوادي.


عواء لا يشبه تهديدًا. بل يشبه إعلان وجود.


حينها يمتلئ صدر ميغيل بالدفء.


لا خوف فيه.

لا رجفة.

بل امتنان.


لأنه يعلم أنه، في مكانٍ ما بين أشجار أواكساكا العتيقة، له صديق.


صديق لم يره عبئًا.

صديق لم يزن قيمته بما يستطيع أن يفعله أو بما فقده.

صديق لم يتركه حين كان أسهل ما يكون أن يُترك.


ذلك الذئب لم يعطه بصره،

لكنه أعاد إليه ما هو أثمن:

إيمانه بنفسه.


ومنذ تلك الليلة، تغيّر شيء عميق في داخله.


لم يعد يعرّف نفسه بما فقد، بل بما نجا منه.


حين يسأله أحدهم:

— كيف حالك يا ميغيل؟


كان يبتسم ويقول:

— أتعلم؟ أنا أرى الآن أكثر مما كنت أرى من قبل.


كان يرى قيمته.

يرى كرامته.

يرى أن الإنسان ليس بما تراه عيناه، بل بما يحتمله قلبه.


صار يساعد بقدر ما يستطيع. يعلّم الأطفال كيف يصغون إلى العالم، لا كيف ينظرون إليه فقط. يعلّمهم أن الشجاعة ليست في عدم السقوط، بل في النهوض بعده.


أما غلوريا، فبقيت في القرية.


كانت تمرّ أحيانًا قرب بيت السيدة لوبّيتا. خطواتها مترددة. أنفاسها قصيرة. كانت


تعرف أن الناس يعرفون. أن القصة انتشرت، لكن لا أحد واجهها بكلمة.

ميغيل لم يطلب محاسبتها.


لم يفضحها.

لم يصرخ باسمها في الساحة.

لم يقل إنها تركته للموت.


لأنه أدرك شيئًا في تلك الليلة الباردة:


أن بعض الناس، حين يخافون، يهربون.

وآخرين، حين يخافون، يبقون.


وكان الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الذئب والإنسان.


وذات مساء، بينما كان واقفًا عند حافة الغابة، سمع خطواتٍ خلفه.


— ميغيل… — كان صوتها.


لم يلتفت. لم يكن بحاجةٍ إلى الالتفات ليعرف.


— أنا… أردت أن أقول…


تعثرت الكلمات في حلقها.


وقف صامتًا.


لم يحمل في صمته غضبًا، ولا رغبة في الانتقام. فقط مسافة.


— سامحني — قالت أخيرًا.


ظلّ صامتًا لحظةً طويلة، ثم قال بهدوء:


— سامحتك منذ أن عدت من الغابة.


سكتت.


— لكن المسامحة لا تعني أن كل شيء يعود كما كان.


لم يقلها بقسوة. قالها بحقيقة.


سمعت الريح تمرّ بين الأشجار. لم يكن هناك عواء تلك الليلة. فقط صمتٌ عميق.


فهمت غلوريا أن بعض الأبواب، إن أُغلقت مرة، لا تُفتح بالطريقة نفسها.


غادرت بخطواتٍ بطيئة.


أما ميغيل، فبقي واقفًا، عصاه ثابتة على الأرض.


كان يشعر بالنسيم على وجهه. برائحة الأرض الرطبة. بأصوات الحشرات الخفيفة في العشب.


لم يعد يخاف من الظلام.


لأنه تعلّم أن الظلام ليس غياب الضوء،

بل غياب من يبقى معك فيه.


وأدرك حقيقةً غيّرت حياته إلى الأبد:


ليس كل الذئاب وحوشًا،

وليس كل البشر يعرفون كيف يحبّون.


لكن ما دام


هناك قلبٌ مستعد أن يبقى إلى جوارك حين يتخلى الآخرون…

فثمّة دائمًا فرصة ثانية.

عاد الذئب إلى الجبل،

وبقيت غلوريا في القرية.


وكلٌّ اختار أيَّ الاثنين يستحق أن يُخشى أكثر.


أما ميغيل،

فلم يعد يخشى أحدًا.

تمت 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close