القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بعد سنه غربه رجعت 



بعد سنه غربه رجعت 


لا يتـرك الله دينًا..يرد الديون مهما طال الزمن


بعد سنـه غربه رجعت ادور علي مراتي لقيت اخويا طلقها واختفت وهي حامل في ابني بالتـوكيل اللي سبته ليه يدير كل ما املك…ولما سالته قال بكل برود قاله هربت مع واحد غيرك


بعد سنة غربة كاملة قضيتها وأنا أعيش على وعد الرجوع عدت إلى البلد وأنا أحمل يقينًا ساذجًا بأن الأشياء التي نتركها خلفنا تظل كما هي وأن البيوت لا تتغير والنساء لا يمللن والدم لا يغدر وأن ما يُسلَّم للأخ لا يمكن أن يتحول يومًا إلى سـ,ـكين في الظهر كنت أجر حقيبتي في الشارع القديم وأشعر أن خطواتي أبطأ من ذاكرتي وأن قلبي سبقني إلى البيت قبل جسدي بلحظات كأنه يريد أن يتأكد وحده أن كل شيء ما زال في مكانه.

وقفت أمام باب البيت أتأمله بشغف غريب وتوقفت عيني عند الشباك الذي كانت تقف خلفه كل مساء تراقب الطريق وتنتظر عودتي حتى قبل أن أسافر طرقت الباب طرقات هادئة تحمل فرحة رجل عاد ولم يجب أحد أعدت الطرق أقوى قليلًا فظل الصمت سيد المكان ولم أشعر بالقلق فورًا لأنني أقنعت نفسي أنها ربما خرجت لقضاء حاجة أو عند الجيران جلست على السلم ألتقط أنفاسي وأتخيل ملامحها وهي تفاجأ بي فجأة.

مر الوقت ثقيلًا والبيت لم يتحرك بداخله شيء لا صوت ولا ظل ولا رائحة حياة هنا فقط بدأ القلق يتسلل إلى صدري رفعت الهاتف واتصلت بها فجاءني الرد البارد الهاتف مغلق أعدت الاتصال أكثر من مرة ولم يتغير شيء وكأن الغربة قررت أن تستقبلني عند باب البيت.

صعدت إلى شقة أخي الرجل الذي تركته وديعة حياتي حين سافرت الرجل الذي سلمته التوكيل العام ليدير كل ما أملك وأنا مطمئن لأن الدم لا يحتاج إلى ضمان طرقت بابه ففتح بعد وقت وصوته يحمل فتورًا لم أفهمه وقتها قلت له وأنا أحاول أن أتماسك مراتي فين فرد ببرود مش هنا.

ضحكت ضحكة قصيرة ظننتها مزحة ثقيلة وقلت مش هنا إزاي فقال بهدوء متعمد اتطلقت.

سألته وأنا لا أصدق اللي بتقوله طلقها إزاي قال بالتوكيل اللي سيبتهولي.

في تلك اللحظة فقط فهمت أن الكلمة التي كنت أرددها في الغربة كأمان تحولت إلى لعنة سألت ليه قال كانت مشاكل ومش نافع معها قلت مشاكل إيه قال كانت بتعاند قلت بتعاند مين قال الكل.

سكت لحظة ثم سألته وهي فين قال معرفش.

قلت يعني إيه معرفش قال اختفت.

وقبل أن أستوعب الكارثة أضاف كأنه يتذكر أمرًا هامشيًا بس كانت حامل.

الكلمة سقطت عليّ كضـ,ـربة في الصدر حملت معها كل الصور التي لم أعشها وكل اللحظات التي سـ,ـرقها الغياب ابني الذي لم أعرف بوجوده إلا الآن والذي تُركت أمه تواجه العالم وحدها لم أصرخ لم أضـ,ـرب فقط خرجت من الشقة وأنا أشعر أن شيئًا ما في داخلي انكسر بلا صوت.

بدأت أبحث عنها في مدينة لا ترحم امرأة مطلقة ولا تغفر لأم وحيدة سألت الجيران فخفضوا عيونهم سألت أقاربها فأغلقوا الأبواب وسمعت الجملة ذاتها تتكرر اتطـ,ـلقت واختفت وكأنها جر،، يمة مكتملة الأركان لا تحتاج إلى تفاصيل.

مرت شهور وأنا أبحث دون جدوى حتى دلّتني امرأة عجوز كانت تسكن بجوارنا سابقًا وقالت لي وهي تشد على يدي مراتك ما مشيتش بإيدها كانت مرعوبة قلت مرعوبة من مين قالت من أخوك.

هنا فقط بدأت الصورة تكتمل لم يكن الطلاق نهاية زواج بل بداية تهديد لم يكن الاختفاء خـ,ـيانة بل محاولة نجاة امرأة حامل في شهور تُجبر على الخروج من بيتها بلا ظهر ولا سند.

تتبعت الخيط خطوة خطوة حتى وصلت إلى حي بعيد وهناك وجدت عنوانًا يقود إلى غرفة صغيرة فوق سطح طرقت الباب وأنا لا أعرف هل أرجو أن تفتح أم أخشى ما سأراه فتحته امرأة أخرى تحمل نفس الملامح لكنها أثقلها التعب وفي حضـ,ـنها طفل لم يتجاوز شهوره الأولى.

تجمدت في مكاني والطفل ينظر إليّ بعينين واسعتين لا تعرفانني بينما هي نظرت إليّ طويلًا ثم قالت بصوت مبحوح اتأخرت قوي.

دخلت وجثوت على ركبتي أمام الطفل ومددت يدي بارتجاف كأنني أعتذر له عن غياب لم يكن ذنبه قالت أخوك طلقني وأنا حامل وقال إنك مش راجع وقال لو فضلت هنا هيحبسني خرجت وأنا بولد في بطني وما كانش عندي غير إني أستخبى.

نظرت إلى الطفل مرة أخرى وقلت ده ابني قالت آه ولدته لوحدي.

بكيت بكاء رجل انهار متأخرًا بكاء لم يحمل صوتًا عاليًا لكنه حمل كل الندم سامحيني قلتها وأنا منكسـ,ـر فقالت أنا ما زعلتش منك أنا كنت مستنياك.

لم نرجع البيت لأن البيت لم يعد بيتنا بدأت حياة جديدة في مكان صغير لكن صادق حملت ابني بين يدي وسميته على اسمي لا لأخلد نفسي بل لأتذكر أن بعض الأبناء يولدون من رحم الخذلان ليكونوا شهادة حية على أن الغياب لا يمحو الحق.

أما أخي فلم أواجهه لأن بعض الخـ,ـيانات أكبر من العتاب يكفي أن تسقط من القلب لتصبح بلا وزن بلا اسم بلا أثر.

لكن الله كان كفيل به فانا لم أمد يدي يومًا لأنتقم لأنني منذ اللحظة التي خرجت فيها من بيت أخي وأنا أشعر أن الحساب لم يعد شأني وأن هناك عدلًا أعلى لا يحتاج إلى شهود ولا إلى محاضر ولا إلى صراخ لأن الظلم حين يكتمل يوقّع بنفسه على إذن سقوطه وكان داخلي يقين هادئ أن الله لا يترك دينًا في رقبة أحد مهما طال الزمن ومهما بدا الظالم ثابتًا في مكانه.

مرت الشهور وأنا أسمع أخباره من الناس دون أن أسأل عنه لم أبحث ولم أقترب لكنه كان يطاردني في الحكايات التي تصلني رغماً عني قيل لي إن التجارة التي استولى عليها باسمي بدأت تخسر بلا سبب مفهوم وإن الشركاء الذين كانوا يتزاحمون على بابه انسحبوا واحدًا تلو الآخر وكأن الأرض ضاقت عليه فجأة رغم اتساع المال.

في البداية ظننتها مصادفات ثم بدأت التفاصيل تتكامل كأن القدر يكتب فصوله ببطء متعمد قيل لي إن التوكيل الذي استخدمه لبيع أملاك لم يكن محكمًا كما ظن وإن توقيعات كثيرة ارتدت عليه دعاوى قديمة خرجت من الأدراج وشهادات لم يتوقع ظهورها عمال طردهم دون حق وزبائن أكل أموالهم ومحامٍ واحد فقط كان كفيلًا بأن يفتح كل الأبواب المغلقة.

وفي ليلة شتاء باردة جاءني اتصال من رقم غريب تركته يرن طويلًا ثم أجبت فجاءني صوته مكـ,ـسورًا لأول مرة منذ عرفته قال بنبرة لم أعرفها قبل كده أخوك محتاجك.

لم أجب

سكت طويلًا

ثم قلت بهدوء أنا ما عنديش أخ.

أغلق الخط لكن الحكاية لم تُغلق لأن السقوط الحقيقي لم يكن في المال بل في العزلة بدأت زوجته تبتعد وأصدقاؤه اختفوا واحدًا واحدًا والبيت الذي كان يعج بالناس صار فارغًا إلا من صدى خطواته قيل لي إنه صار يجلس بالساعات في الصالة ينظر في الفراغ ويعيد حسابات لم تعد تعني شيئًا.

ثم جاءت الضـ,ـربة التي لم يتوقعها أحد حين اكتشف أن جزءًا كبيرًا من المال الذي جمعه باسم الإدارة كان قائمًا على ديون مؤجلة وأن أول أزمة كشفت كل شيء البنوك التي كانت تفتح له أبوابها أغلقتها في وجهه والشركاء الذين كانوا ينادونه بالأستاذ صاروا يطالبونه بالسداد.

وفي يوم واحد فقط انتقل من رجل يُخشى إلى رجل يُطارد من مكتب إلى آخر ومن هاتف إلى آخر دون رد.

جاءني بعدها بأيام يقف أمام باب بيتي لا يحمل شيئًا من هيبته القديمة كان وجهه شاحبًا وعينيه غارقتين في خوف طفل فقد أمه طرق الباب طرقات مترددة وحين فتحت لم ينطق باسمي فقط قال بصوت واطي سامحني.

نظرت إليه طويلًا ولم أشعر بشماتة ولا بانتصار شعرت فقط أن الله سبَقني بكثير قلت له وأنا ثابت مكانك ده مكانك الطبيعي بعد اللي عملته.

قال وهو يبكي أنا ضيعت نفسي

قلت لا

إنت ضيعت غيرك وربنا بس ردها لك.

حاول أن يبرر حاول أن يتكلم عن نوايا وعن خوف وعن ظروف لكن الكلمات كانت تسقط من فمه ميتة لأن بعض الأفعال لا تُفسَّر ولا تُغفَر بسهولة قلت له مراتي كانت حامل لما طردتها وابني اتولد من غيري وأنا ما رفعتش إيدي عليك لأن ربنا كان شايل المهمة.

انهار

جلس على الأرض يبكي كطفل صغير لأول مرة أراه بلا قناع وقال وربنا ما كنت فاكرها توصل لكده.

قلت وأنا أغلق الباب بهدوء في وشه الظلم دايمًا بيوصل لكده بس الناس بتستسهل أوله وبتنسى آخره.

بعدها بشهور قليلة دخل السج،، ن على ذمة قضايا لم أرفعها أنا ولم أحرّك فيها ساكنًا كأن العدالة أرادت أن تثبت لي أن الصبر ليس ضعفًا وأن الله حين ينتقم لا يترك في القلب ذرة ندم لأنك لم تتلوث بالفعل.

وفي تلك الليلة حملت ابني بين يدي ونظرت إلى وجهه النائم بسلام وفهمت أن الله لم يأخذ حقنا فقط بل أعاد التوازن إلى روحي وأن بعض الانتصارات لا تحتاج إلى د،، م ولا إلى صرا،، خ يكفي أن تترك الأمر للعدل الذي لا ينام.

وهكذا انتهى أخي من حياتي لا قتيـ,ـلًا ولا مهزومًا بل عبرة صامتة تعلمت منها أن الظلم مهما لبس ثوب القوة يظل عاريًا أمام رب لا يغفل ولا ينسى…


تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close