القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الاخـوة الثـلاثة كـاملة 



الاخـوة الثـلاثة كـاملة 

الفصل الأول البيت الذي لم يعد سكنا

كان الفجر يزحف بخجل فوق أسطح البيوت في حي كرموز القديم بالإسكندرية. خيوط الشمس الباهتة كانت تتسلل من شقوق الشيش المكسور في غرفة الإخوة رضوان لتوقظ فارس قبل أن ترن ساعة هاتفه المتهالك. صاحب السبعة عشر عاما لم يعرف طعم النوم الهانئ منذ زمن بعيد.

اعتدل في فراشه بهدوء يراقب إخوته الصغار. ليلى ابنة الأربعة عشر ربيعا كانت نائمة وهي تحتضن كراسة رسمها كأنها طوق نجاة بينما ياسين الصغير عشر سنوات كان منزويا في ركن السرير ملتصقا بالحائط كأنه يحاول أن يختفي من العالم حتى وهو نائم. لاحظ فارس بحرقة آثار دموع جفت على وجنتي أخيه الصغير. 

كانت ليلة أمس هي الأقسى. والدهم المعلم جابر عاد في حالة من السكر لم يسبق لها مثيل. لم يكتف بالصراخ وتكسير أطباق المطبخ كما اعتاد بل امتدت يده الغليظة إلى الصندوق الخشبي القديم.. الصندوق الذي يحوي الصور الوحيدة الباقية لأمهم زينب التي رحلت قبل عامين بعد صراع مرير مع المرض


 في وقت كانت فيه الأسرة تعجز حتى عن ثمن الروشتة.

أغمض فارس عينيه وهو يسترجع صوت تكسير براويز الصور وبكاء ياسين المرير وهو يرى ذكريات أمه تتناثر شظايا تحت قدمي والده. في تلك اللحظة نجحت ليلة في سحب الصغير إلى الغرفة بينما تصدى فارس لوالده ليتلقى دفعة قوية أطاحت به نحو حافة الخزانة.

تحسس فارس الندبة فوق حاجبه الأيمن كانت لا تزال تؤلمه وتذكره بالهزيمة. همس لنفسه بقرار لا رجعة فيه

لحد هنا وكفاية.. مش هنستنى لما يقتلنا بالبطيء.


اتجه إلى الحمام المتهالك وغسل وجهه بماء بارد لعله يطرد الكوابيس. المرآة المشروخة عكست وجها أكبر من عمره بكثير ملامح سمراء لوحتها شمس الوكالة حيث يعمل في تحميل البضائع كل جمعة وعينين تحملان هما ينوء به العصبة من الرجال.

حين عاد للغرفة وجد ليلة مستيقظة تجلس على طرف السرير وتنظر إليه بعينين ثاقبتين تفهمان ما يدور في رأسه قبل أن ينطق.

سألت بصوت خفيض ومرتجف النهاردة يا فارس

أومأ فارس برأسه بمرارة

مبقاش ينفع نقعد

هنا يا ليلة.. مش بعد اللي حصل امبارح.

نظرت ليلة نحو ياسين النائم وقالت بوجل

هنقول له إيه وهنروح فين القطر للقاهرة غالي وعمتك سعاد في شبرا مقطوعة أخبارها عننا من سنة.. تفتكر هتقبلنا

بصيص من الأمل

جلس فارس بجوار أخته ووضع يده على كتفها يطمئنها. كانت ليلة هي عقل الإخوة دائما ما تحسب العواقب وتفكر في الغد.

قال فارس وهو يخرج مفكرة صغيرة من تحت مرتبته

معايا حوالي 7000 جنيه شيلتهم قرش على قرش من شغل الوكالة. هيكفونا تذاكر ومصاريف كام أسبوع لحد ما نلاقي عمتي. أنا معايا آخر عنوان ليها ونمرة تليفونها القديمة أكيد حد هناك هيدلنا عليها.

هزت ليلة رأسها بالموافقة رغم الشكوك التي تملأ قلبها لكنها كانت تثق في أخيها الأكبر كظلها. قامت لتوقظ ياسين برفق الذي انتفض فزعا بمجرد لمس كتفه كعادة من يعيش في بيت يحكمه الخوف.

صباح الخير يا بطل.. همست ليلة وهي تمسح على شعره المشعث. فارس عايز يقول لنا حاجة مهمة.

الفصل الثاني رحلة نحو المجهول

كان قطار الإسكندريةالقاهرة ينهب الأرض نهبا وفارس

يجلس بجوار النافذة محشورا بين ليلة وياسين في أبعد ركن في العربة الأخيرة. اختار هذا المكان ليكونوا بعيدين عن أعين الفضوليين.

ياسين كان يغالب النعاس وهو يحتضن دبدوبه القديم بندق وسأل بصوت مرتعش إحنا هنوصل إمتى يا فارس مسح فارس على رأسه وقال قربنا يا بطل القاهرة غير الدنيا كلها وهناك عمتك سعاد مستنيانا.

ليلة كانت ترسم في كراستها خريطة خيالية لرحلتهم لكن قلبها كان معلقا بهاتف فارس الذي لم يتوقف عن الاهتزاز. أبوك بيتصل يا فارس.. قالتها بهمس. نظر فارس للشاشة اسم بابا يلمع كأنه قنبلة موقوتة. لم يرد بل أغلق الهاتف تماما وقال بحزم من النهاردة مفيش تراجع.. إحنا اخترنا طريقنا.

الفصل الثالث شوارع المحروسة والغدر

نزلت الأقدام الصغيرة على أرصفة محطة مصر برمسيس. الزحام كان مرعبا أصوات الباعة ضجيج القطارات وبشر من كل صنف ولون. فجأة بدأت السماء تمطر بغزارة القاهرة في مارس متقلبة كالمواجع.

يا خبر! العنوان اللي معايا قديم

والتليفون مقفول!.. نطقها فارس بذهول وهو يقف أمام كابينة تليفون عمومي في 


 منطقة عابدين. الرقم الذي تركه له والده لعمتهم غير موجود بالخدمة. وجدوا أنفسهم وحيدين يلفهم البرد والبلل والحقائب بدأت تثقل فوق أكتافهم.

بينما كانوا يسيرون في حواري وسط البلد الضيقة هربا من المطر ظهر من خلفهم ثلاثة شباب أشكالهم لا تبشر بخير.

إيه يا بلدينا تايهين ولا إيه هات الشنطة اللي معاك دي نريحك منها!.. قالها زعيمهم وهو يقترب بمطواة تلمع تحت ضوء الأعمدة الباهت. انكمش ياسين خلف ليلة ووقف فارس وقفة الرجال رغم صغر سنه ابعدوا عنا.. إحنا مش بتوع مشاكل.

الفصل الرابع المنقذ الغامض العم غريب

في اللحظة التي ظن فيها فارس أن كل شيء قد انتهى خرج من عتمة زقاق مجاور صوت أجش ورزين

يا سرجة! بقى دي الرجولة بتستقوي على عيال غريبة في منطقتي

التفت الشباب بذعر. خرج رجل يبدو من هيئته أنه شحاذ ملابسه ممزقة لحيته كثيفة ومهمشة لكن عينيه كانتا تشعان بسلطة غريبة.

العم غريب!.. تمتم زعيم العصابة بخوف إحنا آسفين يا عمي مكناش نعرف إنهم تبعك.

دلوقتي عرفت.. غورا من وشي!.. قالها العم غريب بلهجة لم تقبل النقاش.

انصرف الشباب كالفئران. اقترب العم غريب من الإخوة نظر


في عيونهم طويلا ثم قال

إنتو شكلكو ولاد ناس وإيه اللي جاب القلوب البيضا دي في سواد الليل والمطر

حكى له فارس باختصار عن هروبهم وبحثهم عن عمتهم. صمت العم غريب قليلا ثم ابتسم ابتسامة غامضة وقال

الدنيا مش دايما زي ما بنشوفها يا ابني.. تعالوا ورايا فيه لوكاندة شعبية قريبة صاحبتها ست طيبة هتشيلكم في عينيها لحد الصبح.

سار الإخوة خلفه وهم لا يعرفون أن هذا الرجل الذي ينام على الرصيف هو الوحيد الذي سيغير قدرهم للأبد ليس فقط  لأنه أنقذهم من اللصوص بل لأن خلف هذا السمال الرث تكمن أسرار ملايين وحكايات لا تخطر على بال بشر.

الفصل الخامس انكشاف المستور.. من الشارع إلى القصر

مرت الأيام في بيت الضيافة بحي السيدة زينب وفارس يعمل بجد في مطبخ المكان ليساعد الست كرامات صاحبة المكان بينما ليلة ترسم وياسين يذاكر دروسه. لاحظت ليلة تفاصيل غريبة العم غريب رغم ملابسه البسيطة يمتلك يدا ناعمة كأنه لم يلمس شقاء قط وحديثه لبق ينم عن ثقافة واسعة.

في أحد اللقاءات على سطوح البيت فاجأته ليلة قائلة إنت مين يا عم غريب إيديك وطريقة كلامك بتقول

إنك مش مجرد راجل غلبان في الشارع.

ابتسم العم غريب ابتسامة هادئة وقال أنا غريب الجارحي يا ليلة.. كنت في يوم من الأيام صاحب أكبر شركات المقاولات في مصر لكن لما وصلت للقمة حسيت بفراغ كبير فقررت أعيش بين الناس الحقيقية  أشوف مين فيهم لسه قلبه أبيض ومين اللي المصالح بتغيره.

الفصل السادس العهد الجديد

لم يكتف العم غريب بحمايتهم بل كشف لهم عن مفاجأة زلزلت كيان فارس أنا عرفت مكان أبوكم المعلم جابر.. الراجل بقاله 3 شهور بطل يشرب ودخل مصحة وبيدور عليكم بدموع عينيه.

انقسمت مشاعر الإخوة فارس كان يرفض العودة للماضي لكن ياسين الصغير كان يشتاق لحضن والده القديم. بفضل حكمة العم غريب تم ترتيب لقاء في حديقة الأندلس. هناك رأوا والدهم بملامح هادئة وملابس نظيفة بكى المعلم جابر وهو يطلب السماح أنا ضيعتكم وضيعت نفسي بس ربنا بعت لي العم غريب عشان يشدني من السواد اللي كنت فيه.

قرر العم غريب أن يتبنى الإخوة تعليميا وماديا من خلال مؤسسة الجارحي ليس كصدقة بل كاستثمار في فارس الذي أثبت جدارته بالعمل في إحدى شركاته وفي ليلة الموهوبة وفي

ياسين العبقري في الرياضيات.

الفصل السابع بعد مرور عام.. المحروسة تبتسم

مر عام كامل.. الآن يجلس الإخوة في شقة واسعة تطل على نيل القاهرة بضواحي المعادي. فارس أصبح مساعدا إداريا ناجحا وليلة تستعد لأول معرض فني لها وياسين حصل على منحة للمتفوقين.

في ليلة دافئة اجتمع الكل على مائدة الست عزة شقيقة العم غريب التي استضافتهم في بيتها. كان المعلم جابر جالسا بينهم يبتسم بوقار وقد استعاد كرامته وعمله.

وقف العم غريب ليرفع كأسا من الشربات وقال بشرب نخب الصبر.. ونخب العيلة اللي

اتكسرت واتجمعت تاني أقوى من الأول.

نظر فارس من الشرفة إلى أضواء القاهرة التي كانت يوما ما ترعبه وشعر بالسكينة. لم يعد هاربا بل أصبح سيدا لمصيره.

همس ياسين وهو يمسك يد فارس تفتكر ماما شايفانا دلوقتي

رد فارس وهو يتطلع للنجوم أكيد يا حبيبي.. ومبسوطة إننا فضلنا إيد واحدة وإن الدنيا لسه فيها ناس زي العم غريب.

خاتمة الحكاية

انتهت رحلة الهروب لتبدأ رحلة الحياة. الإخوة رضوان لم يجدوا فقط ثروة العم غريب بل وجدوا الإنسان الذي بداخلهم وتعلموا أن البيوت لا تبنى بالجدران بل بالرحمة والقدرة على الغفران.


تعليقات

التنقل السريع
    close