القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 نصيـب مكتـوب كـاملة



نصيـب مكتـوب كـاملة


في وسط الزحمة على رصيف المحطة، الدنيا اتقلبت في لحظة. ست شكلها مڼهار وقفت قدامي، وفي إيدها شنطة جلد قديمة، وبتقرب مني طفل صغير.

"خديه.. أبوس إيدك خديه!".. الست زقت الشنطة في إيدي وحذفت الولد ناحيتي وهي بتترجاني. كنت لسه ماسكة أكياس الخضار والطلبات اللي جايباها من مصر وراجعة بيها لبيتنا في البلد. رديت وأنا مش فاهمة حاجة: "يا ستي في إيه؟ إنتي مين؟ والولد ده ابن مين؟"



"اسمه مروان.. عنده تلات سنين ونص".. الست كانت ماسكة في كم جلاليبي بكل قوتها لدرجة إن صوابعها ابيضّت. "الشنطة فيها كل حاجة محتاجها.. أرجوكي ما تسيبيهوش!"


الولد اتسند على رجلي وبص لي بعيون بنية واسعة، شعره كان ملموم ولونه فاتح، وفي خربوش صغير على خده. قولت بذهول: "إنتي أكيد بتهزري! خدي ابنك يا ست إنتي.. الشرطة والشؤون والناس تقول إيه؟"


"مفيش وقت!".. صوتها


كان طالع بالعافية، يقطع القلب. "الدنيا ضاقت بيا ومفيش قدامي حل غير كدة.. افهميني، مفيش مفر!"

فجأة، فوج من الركاب زقونا ودفعونا جوه القطر والزحمة كانت عمياء. لفت وشي وبصيت من الشباك، لقيت الست واقفة على الرصيف حاطة إيدها على وشها والدموع نازلة من بين صوابعها زي الشلال.


"ماما!".. مروان شاور على الباب، بس أنا مسكته بسرعة وقلبي بيدق بطريقة غريبة. القطر اتحرك، متوفرة علي روايات و اقتباسات وصورة الست بدأت تصغر وتصغر لحد ما اختفت في ضلمة الغروب…قعدنا على دكة خشب بالعافية، الولد كش في حضڼي وبدأ يشم في هدومي ويهدى. والشنطة في إيدي تقيلة.. تقيلة بزيادة، هو فيها إيه؟ طوب؟


"يا طنط.. ماما هتيجي؟"


"هتيجي يا حبيبي.. أكيد هتيجي."


طول الطريق فكرة واحدة في راسي: "إيه الجنان ده؟" بس الولد حقيقي، جسمه دافي، وريحته بيبي وبسكوت.


لما وصلت البيت، كان منصور جوزي


بيرص الحطب في الحوش. أول ما شافني ومعايا الطفل، اتسمّر مكانه والخشب وقع من إيده.

"يا مشيرة! مين ده؟ وجبتيه منين؟"


"مش منين.. قولي نصيبنا إيه.. ده مروان."


حكيت له كل حاجة وأنا بعمل شوية مهلبية للولد. منصور كان بيمسح جبهته وعروق إيده باينة من التفكير: "إحنا لازم نبلغ المركز فوراً!"


"يا منصور مركز إيه؟ هقولهم إيه؟ واحدة سلمتني ابنها في المحطة كأنه شنطة هدوم؟"


"أومال ناوية على إيه؟"


مروان كان بياكل المهلبية بلهفة، بس كان بياكل بنظام، ماسك المعلقة بإيد ثابتة. ولد مؤدب ومتربي. قولت لمنصور: "تعال نشوف الشنطة دي فيها إيه الأول."


قعدنا مروان قدام التلفزيون يتفرج على "بوجي وطمطم"، وفتحنا الشنطة.. ونازل عليا الذهول. فلوس! رزم ورا رزم، متغلفة بعناية.


"يا نهار أبيض!".. صړخة مكتومة من منصور.


مسكت رزمة عشوائية.. ميتات، ومتينات.. عدينا بالنظر كدة، كان


فيه بتاع 15 مليون جنيه. "ده كنز يا منصور.. كنز وقع علينا من السما." بصينا لبعض متوفرة على روايات و اقتباسات ، وبصينا للولد اللي بيضحك قدام التلفزيون ببراءة ميعرفش إن حياته وحياتنا اتغيرت في اللحظة دي…



عوض، صاحب منصور الانتيم، هو اللي حلها لنا. جه بعد أسبوع وقال بصوت واطي: "بصوا.. هنقيده كأنه طفل لقيناه قدام الجامع. ليا معارف في الشؤون وفي مكتب الصحة هيخلصوا الأوراق من غير شوشرة.. بس الموضوع ده هيحتاج.. مصاريف إدارية شوية."


الأوراق خلصت في تلات أسابيع. مروان منصور البحيري، رسمياً بقى ابننا. قلنا للجيران إنه ابن أخويا من مصر وأهله ماتوا في حاډثة.


بدأنا نصرف من الفلوس بحكمة. لبس غالي لمروان، كتب، ألعاب، وعجلة. ومنصور صلح السقف وبنى أوضة زيادة. مروان كبر قصاد عينينا، وهو عنده 5 سنين كان بيقرأ ويكتب ويحل مسائل حسابية. المدرسة


قالت لي: "ابنك نابغة! ده لازم مدرسة لغات في البندر."

كنا بنخاف من المدينة، خايفين حد يعرفه، بس لما بقى عنده 7 سنين، دخلناه أحسن مدرسة في المحافظة. المدرسين مكنوش بيبطلوا مدح: "مروان عنده ذاكرة فوتوغرافية!"، "لغته متمكنة كأنه مولود في بلاد بره!"


مرة وهو بياكل معانا، سألني: "يا ماما.. هو أنا ليه معنديش جدة زي صحابي؟"


بصيت لمنصور بأسى، كنا مستنيين السؤال ده.


"ماتوا من زمان يا حبيبي.. قبل ما تنور الدنيا."


هز راسه بهدوء وسكت، بس كنت بشوفه ساعات بيسرح في الصور القديمة كأنه بيدور على ملامح تشبهه.


لما وصل 16 سنة، مروان كسب المركز الأول في أولمبياد الفيزياء. متوفرة علي روايات و اقتباسات دكاترة من جامعة القاهرة جم لحد عندنا عشان يضموه لمنحة للمتفوقين. قالوا لنا: "ده عبقري، ده مشروع عالمي."


الفلوس بدأت تخلص على الدروس والسكن في القاهرة. جبنا له شقة كويسة هناك عشان دراسته،   والباقي شلناه له في حساب في البنك.

يوم عيد ميلاده الـ 19، مروان قال لنا: "أنا بحبكم أوي.. شكراً على كل اللي عملتوه عشاني." حضناه بكل قوتنا، العيلة هي اللي بتربي مش اللي بتجيب.


بعدها بسنة بالظبط، وصل جواب. ظرف تخين ملوش عنوان مرسل، جواه ورق مكتوب بخط الإيد وصورة قديمة. مروان فتح الجواب بذهول، متوفرة علي روايات و اقتباسات وقرأ في صمت مريب. وشه بدأ يلون، يبيض ويحمر.. مكنتش قادرة أصبر، بصيت من ورا كتفه:


"ابني الغالي مروان.. لو الجواب ده وصلك، يبقى أنا مش موجودة في الدنيا. سامحني إني سبتك في المحطة. مكنش قدامي حل: أبوك ماټ، وشركاه قرروا يستولوا على كل حاجة. مكنوش هيسموا عليك، ولا عليا… بقـلم منـي الـسـيد 


أنا راقبت المحطة كتير عشان أختار "الأمانة" هتروح لمين. الست دي شكلها كان طيب، وشها مطمن،


وفي إيدها دبلة، وشنطها بتقول إنها راجعة لبيتها في الريف حيث الأمان. أبوك، محسن الشاذلي، كان صاحب شركة "الشاذلي للاستثمارات". لما ماټ، حاولوا ينهشوا فينا، وهددوني بيك.. يا إما أختفي، يا إما يحصلك حاجة. أنا اختارت حياتك.. وزيفت وفاتي وهربت.

طول السنين دي كنت براقبك من بعيد، وببعت ناس يصوروك ويطمنوني عليك. أنت كبرت وبقيت راجل يرفع الراس. أهلك اللي ربوك دول ناس قديسين، ربنا يبارك لهم. دلوقتي الناس اللي هددونا ماتوا، وحقك رجعلك: 52% من أسهم الشركة، ومبالغ متتخيلهاش. روح للمحامي إبراهيم رأفت، هو مستنيك وعنده كل الأوراق. سامحني يا ابني.. حبيت ك كل يوم في بعدنا.


أمك.. ليلى."


مروان حط الورق، وإيده بتترعش: "كنت حاسس.. طول عمري حاسس إن فيه حاجة ناقصة. بس أنتم أهلي.. أنتم سندي الحقيقي."


"يا مروان يا ابني.." الدموع غلبتني.


"إيه الورث ده كله!".. منصور قالها بذهول وهو لسه مش مستوعب.


مروان قام وحضنا إحنا الاتنين: "أنتم اللي ربيتوا، وأنتم اللي شيلتوا الهم، وصرفتوا عليا من دمكم. لو فيه مليم هيتاخد، هنقسمه علينا إحنا التلاتة بالتساوي.. أنتم عيلتي، العيلة الحقيقية."


بعد شهر، المحامي أكد إن مروان هو الوريث الشرعي لإمبراطورية الشاذلي. الشركاء القدام حاولوا يهددوا، متوفرة علي روايات و اقتباسات بس مروان بذكائه القانوني والعلمي وقف لهم زي الأسد… بقـلم منـي الـسـيد 


وفي ليلة وسط لمتنا، مروان قال: "أمي كان عندها حق.. وسط زحمة المحطة دي كلها، هي اختارت أحسن ناس.. ناس مقلقتش من شنطة فلوس، وفتحت قلبها لعيّل غريب."


رد منصور بحدة محبة: "عيّل غريب إيه يا واد؟ أنت ابننا.. مروان البحيري!"


وتجمعنا تاني في حضڼ واحد، عيلة مجمعتهاش الجينات، جمعها الحب والستر


وأمانة رصيف المحطة.


تعليقات

التنقل السريع
    close