القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

خرج من دار الأيتام بكيسٍ أسود… وبعد أشهر قلب الطاولة على شركة بمليون بيزو!

 خرج من دار الأيتام بكيسٍ أسود… وبعد أشهر قلب الطاولة على شركة بمليون بيزو!



خرج من دار الأيتام بكيسٍ أسود… وبعد أشهر قلب الطاولة على شركة بمليون بيزو!


في اليوم الذي أتممت فيه الثامنة عشرة قرر النظام أنني أصبحت مستعدا لأعتمد على نفسي.

لم تكن هناك حفلة.

لم يكن هناك عناق.

فقط كيس أسود من البلاستيك يضم كل ما أملك ومغلف بني يحتوي على ورقة بدت وكأنها مزحة.

كان شهر مارس لكن مارس في تولوكا ما يزال يعض ببرده.

كانت السماء بلون صابون قديم والريح تتسلل عبر ثقوب حذائي الرياضي كأنها تعرف تماما أين يؤلمني.

كنت واقفا على الدرج المتشقق لدار سان غابرييل المكان الذي كان عالمي منذ بلغت الثانية عشرة.

عندما أغلق الباب خلفي لم يكن الصوت عاليا. لم يكن هناك مشهد درامي.

مجرد طقة صغيرة وحاسمة.

كأنك تطفئ الضوء وينتهي الأمر.

تهانينا يا ليوناردو قالت الأخصائية الاجتماعية بلا قسوة لكن بلا دفء هذه مساعدتك الأخيرة. ألفا بيزو.

و وصل هذا من موثق. يبدو أن جدك ترك لك شيئا.

ضممت المغلف إلى صدري ومن خلال الزجاج الشبكي لغرفة الطعام لمحت أختي ماريانا. كانت في الثانية عشرة. وجهها ملتصق بالزجاج. يدها ممدودة كأنها تريد اختراقه. لم يسمحوا لنا بتوديع بعضنا. قالوا لا يسمح بالمشاهد. إنها تزعزع الاستقرار.

فاكتفينا بالنظر.

وأصبح ذلك الزجاج بلدا كاملا يفصل بيني وبينها.

كان كيسي الأسود خفيفا سروالان ثلاث قمصان سترة خفيفة كتاب حكايات كانت


أمي تقرؤه لي حين كانت الحياة ما تزال تعرف أيام الآحاد وصورة لنا الأربعة في مدينة ملاه أبي يحملني أمي تضحك ماريانا تمسك بغزل البنات وجدي في الخلف كأنه لا يريد أن يظهر في الصورة لكنه في الحقيقة كان يحرس كل شيء.

سرت دون أن ألتفت لأنني لو التفت لبقيت هناك متجمدا حتى يبتلعني الرصيف.

كانت محطة الحافلات تفوح برائحة قهوة معاد تسخينها ومطهر أرضيات. جلست على مقعد بلاستيكي وفتحت المغلف. كانت هناك رسالة من الموثق أنسيلمو فيغيروا من قرية في جبال إيدالغو بالكاد أستطيع نطق اسمها.

الرسالة المليئة بالمصطلحات القانونية تقول إن جدي أورثني قطعة أرض. أرضا بلا خدمات. نحو هكتار واحد القطعة 7ب دون طريق رسمي للوصول إليها. ولتسلمها يجب أن أحضر شخصيا وأدفع ضريبة متأخرة ورسوم نقل الملكية.

المجموع مئة بيزو.

مئة بيزو مقابل أرض.

ضحكت بخفوت. مئة بيزو تعني شطيرتين ومشروبا. لا بد أنها خدعة. أرفقوا صورة جوية ضبابية مربع رمادي محاط بالغابة وفي الوسط جسم طويل نصف أسطواني من المعدن مستودع نصف دائري يشبه حظائر الطائرات القديمة.

خردة في أرض بلا صاحب.

كان اندفاعي الأول أن أمزق الورقة وأبحث عن عمل فورا. كنت بحاجة إلى خطة إلى غرفة إلى أي شيء. كنت بحاجة إلى أن أجمع المال لأقاتل من

أجل ماريانا لأن النظام لا يمنحك إخوتك بدافع الشفقة. وكان وقتها يمضي أيضا ست سنوات أخرى وكيس أسود.

لكن الورقة لم تغادر رأسي.

مئة بيزو.

مكان أذهب إليه.

نقطة على الخريطة حتى لو كانت قبيحة فهي لي.

اقتربت من شباك التذاكر ورأيت وجهتين واحدة إلى مكسيكو سيتي بوعد الملاجئ والاختفاء في الزحام. والأخرى إلى اسم القرية الجبلية.

هناك اتخذت أول قرار حقيقي في حياتي.

اشتريت تذكرة إلى الجبال.

في الحافلة ارتفعت الجبال من حولي كأن العالم ينغلق علي. اتصلت بماريانا من هاتف مستعار في متجر على الطريق نعم كسرت قاعدة الثلاثين يوما فبعض الوعود لا تعترف بالقوانين.

ليو كان صوتها صغيرا مرتجفا أين أنت

أنا ذاهب إلى مكان يا ماي. إنها ورثة من جدي.

بيت

ليس بعد لكنه أرض. ومستودع. سأصلحه. سأصنع بيتا. ثم آتي لأجلك. أعدك.

ساد صمت طويل.

هل له سقف

ضحكت والدمعة في حلقي.

نعم هو تقريبا كله سقف.

إذن هذا شيء همست اعتن بنفسك يا ليو.

وأنت أيضا. أحبك.

أغلقت الهاتف ونظرت إلى انعكاسي في النافذة شاب بعينين متعبتين يحمل كيسا أسود. بالغ بقرار إداري وطفل في الداخل.

استقبلني الموثق في مكتب تفوح منه رائحة الخشب القديم والورق الأصفر. كان رجلا مسنا بنظارات سميكة.

وضعت المئة بيزو على مكتبه.

وقع هنا

وهنا قال بلا انفعال.

وقعت بخط مرتجف.

ثم قال

جدك اشترى هذه الأرض قبل ثلاثين عاما. لا كهرباء لا ماء لا طريق. والمستودع حالته سيئة. إن أردت نصيحة بعها. لقد سألوا عنها.

أخرج عرضا من شركة سييرا أزول للتطوير مئة وخمسون ألف بيزو مقابل القطعة كما هي.

قفز قلبي. بذلك المبلغ يمكنني استئجار غرفة أن أعيش مدة أن أبحث عن محام ربما أبدأ إجراءات ضم ماريانا إلي.

كان ذلك نعم السهلة.

لكن جدي لم يكن رجل مزاح قاس.

لا قلت.

رفع الموثق حاجبه.

أنت متأكد

أريد أن أراها أولا. إنها لي.

دفع نحوي مفتاحا قديما ثقيلا صدئا.

تركه جدك مع تعليمات واحدة فقط لليو. إن وصل فهذا لأنه يريد أن يبني حقا.

شدتني العبارة من صدري.

سرت حتى ابتلعتني الغابة.

كانت الأشجار صامتة على نحو يثير الريبة كأنها تعرف سرا لا تريد أن تبوح به. وكان كيسي الأسود رغم خفته يضغط على كتفي كما لو أنني أحمل فيه سنوات كاملة لا ملابس قليلة. كل خطوة كنت أخطوها فوق التراب الرطب كانت تحدث صوتا مكتوما كأن الأرض تبتلع أثري قبل أن يثبت.

وعندما ظهر المستودع أخيرا بين الأشجار انقبض قلبي.

كان أكبر مما تخيلت وأشد كآبة مما توقعت. صفائح معدنية مموجة تآكلها الصدأ بقع بنية داكنة تشبه جروحا قديمة باب منبعج كأنه تعرض لاصطدام لم يصلح أبدا وأعشاب برية تنمو حوله كما لو أنها تحاول دفنه أو حمايته أو

 عزله عن العالم.

تابوت من صفيح.

وقفت أمامه طويلا.

كان يمكنني أن أضحك.

كان يمكنني أن أبكي.

كان يمكنني أن أستدير وأعود أدراجي.

لكنه كان لي.

وهذه الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قدمي ثابتتين في مكانهما.

أخرجت المفتاح القديم من جيبي. كان ثقيلا باردا خشنا. أدخلته في القفل. قاومني. كأن المستودع نفسه لا يريد أن يفتح. أدرته بقوة أكبر حتى شعرت بعروق يدي تشد. صرخ المعدن صرخة حادة ثم صدر صوت طق.

ذلك الصوت الصغير.

كان أجمل صوت سمعته في حياتي.

فتحت الباب ببطء. تحرك على مفصلاته بصوت احتكاك طويل وكأن الزمن نفسه ينزلق. ضربتني رائحة الرطوبة والزمن والحديد المعتق في وجهي. كان الداخل مظلما تقريبا إلا من شعاع ضوء يتسلل من شق في السقف يسقط مثل إصبع ذهبي على نقطة محددة في المنتصف.

هناك كان شيء موضوع بعناية.

صندوق خشبي.

لم يكن ملقى بإهمال. لم يكن مدفونا تحت الغبار. كان في منتصف المساحة كأنه ينتظرني.

تقدمت نحوه ببطء وكأنني أخشى أن يتلاشى إن اقتربت بسرعة. ركعت أمامه ورفعت الغطاء.

في الداخل مرطبانات زجاجية من تلك التي تستخدم لحفظ الطعام. لوهلة ظننت أنها مليئة بفواكه محفوظة أو حبات فاصولياء قديمة.

لكنها لم تكن خوخا.

كانت لفافات من أوراق نقدية مربوطة بأربطة مطاطية قديمة مضغوطة داخل القش.

مددت يدي ببطء. التقطت مرطبانا. ثقيل.

آخر. ثقيل.


وثالث.

جلست على الأرض الخرسانية دون أن أشعر. شعرت أن الأرض تميل وأن الهواء صار أثقل.

وبكيت.

لم يكن بكاء فرح فقط. كان بكاء سنوات. بكاء على أبي الذي رحل على أمي التي لم تمهلنا الحياة على السنوات التي عشتها أتعلم كيف أكون قويا لأن لا أحد سيتطوع ليكون قويا عني. بكيت على يد ماريانا الممدودة خلف الزجاج على شعوري بأنني قابل للاستبدال على كل مرة قلت فيها لنفسي إنني لا أستحق أكثر.

وبكيت على جدي.

ذلك الرجل الذي لم يكن يتكلم كثيرا لكنه ترك لي نجاة صامتة.

بين القش وجدت دفترا جلديا بلون داكن مكتوبا عليه بخط باهت توماس فارغاس.

فتحته.

في الصفحة الأولى رسالة.

ليو إن كنت تقرأ هذا فأنت لم تختر السهل. جيد. لديك قلب أمك وعنادي. وهذا سينقذك.

توقفت لحظة ومسحت وجهي بطرف سترتي ثم تابعت.

المال لك ولماريانا. لكنه ليس الأهم. الأهم في الأساس.

الأساس.

أعدت قراءة الكلمة مرات عدة.

رفعت رأسي ونظرت إلى الأرضية الخرسانية التي أجلس عليها. كانت عادية رمادية مشققة قليلا.

في تلك الليلة نمت في المستودع. لم ألمس المال. لم أعده. لم أرتبه. تركته كما هو.

ليس لأنني زاهد بل لأنني كنت خائفا.

فالمال حين يأتي فجأة قد يكون فخا أيضا.

في اليوم التالي ذهبت إلى القرية واشتريت أدوات بسيطة مطرقة مسامير معجونا مانعا للتسرب بعض الألواح المعدنية وقفازات.

عدت

وبدأت العمل.

أصلحت الشق في السقف. أغلقت الفتحة التي كان الضوء يتسلل منها. نظفت الأرضية. أزلت الأعشاب المحيطة بالمبنى. في الزاوية الخلفية وجدت موقد حطب قديم صدئا لكنه قابل للإصلاح.

ملأت يداي بالبثور. تقشرت أطراف أصابعي. دخل التراب تحت أظافري. كنت أتعب حتى أستلقي على الأرض بلا قوة.

وللمرة الأولى في حياتي لم أشعر بالخجل من التعب.

شعرت بالفخر.

كنت أتصل بماريانا كل بضعة أيام.

أصبح لدينا موقد قلت مرة.

حقا كان صوتها أكثر إشراقا.

نعم. وأبني غرفة لك.

صمتت لحظة ثم قالت بصوت مكسور قليلا

لا تبك.

ضحكت رغم الدموع. لم أكن أعلم كيف تعرف أنني أبكي لكنها كانت تعرف دائما.

بعد شهر وصلت رسالة جديدة من شركة سييرا أزول للتطوير. العرض ارتفع إلى ثلاثمئة ألف بيزو. وتحت العرض جملة مبطنة حديث عن إمكانية اعتبار العقار خطرا وطلب تدخل البلدية.

لم يكن ذلك عرضا فقط. كان تهديدا مغلفا.

عندها فهمت.

لم يكونوا يريدون المستودع.

كانوا يريدون شيئا آخر.

تذكرت كلمات جدي الأهم في الأساس.

عدت إلى الأرضية. نظفتها بعناية. بدأت أطرق ببطء. أبحث عن اختلاف في الصوت. أراقب الشقوق.

حتى رأيت مربعا مرسوما بدقة بالكاد يلاحظ كأنه غطاء مخفي.

وضعت المعتلة في طرفه. ضغطت بكل قوتي.

ارتفع الجزء الخرساني ببطء كأنه يتنفس بعد طول صمت.

تحته تجويف مظلم.

وسلم معدني.

أشعلت

مصباحا ونزلت.

في الأسفل غرفة حجرية جافة مبنية بعناية. الهواء فيها بارد ونظيف. في الوسط قاعدة حجرية وعليها صندوق معدني. وبجانبه مرطبان يحتوي رسالة أخرى.

فتحتها.

ليو إن وجدت هذا فقد فهمت اللعبة. قيمة الأرض ليست فيما فوقها بل فيما تحتها. حين كنت شابا عملت مع مهندس قاس المنطقة. هنا نبع عميق خزان ماء نقي. لم يسجله أحد كما يجب. أنا فعلت.

فتحت الصندوق.

مستندات. مخططات قديمة. دراسات جيولوجية. وملف طلب امتياز ماء مبدئي.

حينها فهمت كل شيء.

الشركة لم تكن تريد الأرض لأنها قريبة من شيء جميل.

كانت تريد الماء.

عدت إلى الموثق بالمستندات. قرأها ببطء ورفع رأسه نحوي بعينين مختلفتين.

جدك قال ببطء كان رجلا بعيد النظر.

استأجرنا محاميا مختصا. حاولت الشركة الضغط. ثم أرسلت عرضا جديدا.

مليون بيزو.

هذه فرصتك لتبدأ بكرامة قال أحدهم مبتسما ابتسامة بلا حرارة.

نظرت إليه.

فكرت في كيسي الأسود. في يد ماريانا خلف الزجاج. في الموقد الذي اشتعل بيدي. في الغرفة التي كنت أبنيها لها.

لن أبيع قلت.

سكتوا.

لكنني مستعد لاتفاق أضفت حق مرور لأنبوب في زاوية الأرض. أنتم تمولون البئر والكهرباء. الامتياز يبقى باسمي. وتنشئون صندوقا يضمن وصول الماء لأهل القرية بسعر عادل.

نظر بعضهم إلى بعض. خرجوا دون جواب.

عادوا بعد أسبوعين.

وقعوا.

ليس لأنهم طيبون. بل لأنهم لا يملكون خيارا أفضل.

وبتوقيع ذلك الاتفاق تغير ميزان حياتي بالكامل. لم يعد الأمر مجرد

 

أرض ومياه ومال محفوظ في مرطبانات. صار لدي سند قانوني دخل ثابت وخطة واضحة. لم أعد ذلك الفتى الذي خرج بكيس أسود يبحث عن سقف يأويه أصبحت صاحب مشروع وصاحب قرار.

بفضل الاتفاق ومع بئر قانوني ودخل منتظم توجهت إلى المحكمة لطلب حضانة ماريانا. لم أذهب بوجه متوسل بل بملف سميك يضم صور البيت بعد ترميمه عقود الاتفاق شهادات الجيران تقارير مالية تثبت قدرتي على الإنفاق ورسالة بخط يدي أشرح فيها لماذا لا يمكن أن تبقى أختي رقما في سجل.

دخلت القاعة وقلبي يخفق لكن ظهري كان مستقيما.

هل تفهم معنى المسؤولية سألتني القاضية بنبرة لا تعرف المجاملة.

نظرت إليها بثبات.

أفهمها منذ كنت في الثانية عشرة وهي في السادسة. أفهمها منذ أن كنت أقتسم معها قطعة الخبز وأدعي أنني لست جائعا.

ساد صمت قصير.

بعد جلستين حصلت على الحضانة المؤقتة. ثم النهائية.

لم أبك في القاعة. انتظرت حتى خرجت. جلست على درج المحكمة وضغطت الملف إلى صدري وبكيت بصمت يشبه الامتنان.

في اليوم الذي خرجت فيه ماريانا من الدار بكيسها الأسود كنت أنتظر عند الباب تماما كما تخيلت هذا المشهد مئات المرات.

لم يسمح بمشهد طويل ولم يسمح بدموع صاخبة. القوانين لا تحب العواطف.

لكن حين تجاوزت العتبة احتضنتها بكل قوة السنوات الست التي فصلتنا.

قلت إنني سأعود همست في شعرها.

تأخرت قالت وهي تبكي وتضحك في آن واحد لكنك أتيت.

في السيارة لم تتوقف عن النظر إلي كأنها تخشى أن أختفي إن رمشت.

وعندما وصلنا إلى المستودع لم يعد مستودعا.

كانت هناك نوافذ جديدة تسمح للشمس بالدخول دون أن تجرح. شرفة صغيرة تطل على الأشجار. جدران داخلية من الخشب الدافئ. أرضية نظيفة. مطبخ تفوح منه رائحة الحساء والخبز المحمص. غرفة صغيرة بسرير مغطى ببطانية زهرية اخترتها لها بعناية رغم أنني لم أكن أعرف إن كان اللون يعجبها بعد كل هذه السنوات.

دخلت ببطء كأنها تخشى أن يتلاشى كل شيء إن تحركت بسرعة.

لمست الجدران بأطراف أصابعها.

هل فعلت هذا

نظرت إليها وشعرت أن الإجابة أكبر من كلمة.

فعلناه قلت أنت انتظرت. أنا بنيت. وجدي خطط.

ابتسمت ثم ركضت نحو الغرفة الصغيرة.

هذه غرفتي

إن لم تعجبك نغيرها.

لا قالت بسرعة أحبها.

في تلك الليلة جلسنا على الأرض لأن الطاولة لم تكن قد وصلت بعد. وضعنا الصحون

فوق صندوق خشبي مؤقت. أكلنا حساء بسيطا وخبزا دافئا.

وكانت ألذ وجبة في حياتي.

لأننا لم نكن نأكل طعاما فقط.

كنا نأكل أمانا.

مرت الأيام ثم الأسابيع. بدأ البيت يتغير أكثر. زرعنا شجرتين أمام الشرفة. صنعت لها مكتبا صغيرا لتدرس عليه. علقنا الصورة القديمة التي تضمنا مع والدي وجدي على الحائط لا لتذكرنا بما فقدناه بل بما بدأنا منه.

صارت ماريانا تذهب إلى مدرسة القرية. في البداية كانت صامتة حذرة كأنها ما تزال تنتظر من يخبرها أن كل هذا مؤقت. ثم بدأت تضحك أكثر. بدأت تحكي عن صديقة جديدة عن معلمة تحبها عن واجب في الرياضيات استطاعت حله وحدها.

وفي المساء كنا نجلس على الشرفة ونستمع إلى الغابة.

تمسك بيدي كأنها تخشى أن يأخذني العالم منها.

وأنا أمسك يدها كأنني أعد نفسي كل ليلة ألا أسمح لذلك أن يحدث.

بئر الماء بدأ يعمل رسميا. القرية صارت تستفيد من المشروع. صار الناس ينادونني باسمي لا بصفتي الولد الخارج من الدار. بدأنا نخطط لتوسعة صغيرة غرفة إضافية مخزن وربما ورشة عمل.

في إحدى الليالي سألتني ماريانا فجأة

لو عرضوا عليك مبلغا أكبر هل كنت ستبيع

فكرت

طويلا.

لا.

حتى لو أصبحنا أغنياء جدا

نظرت إلى السقف الخشبي فوقنا.

نحن أغنياء يا ماريانا.

ضحكت.

ليس بهذا المعنى.

أعرف قلت لكن هناك أشياء إن بعتها مرة لن تستطيع استعادتها أبدا.

صمتت قليلا ثم همست

مثل ماذا

مثل نفسك.

تأملت تلك الكلمة طويلا بعد أن نامت.

تذكرت كيسي الأسود. المئة بيزو. البرد في مارس. صوت الباب وهو يغلق خلفي في الدار. النظرة الأخيرة عبر الزجاج.

ثم نظرت إلى السقف فوق رأسي الآن.

إلى الجدران التي بنيتها بيدي.

إلى الغرفة التي تنام فيها أختي بطمأنينة.

وأدركت أخيرا ما قصده جدي بكلمة الأساس.

لم يكن الأساس الخرسانة فقط.

لم يكن المال في المرطبانات.

لم يكن النبع المخفي تحت الأرض.

كان الفكرة.

أنك حتى لو بدأت من لا شيء يمكنك أن تبني شيئا يسندك.

أن الكرامة لا تشترى بل تصنع.

وأن أعظم الأسرار لا تكون دائما في الدم ولا في المال.

أحيانا تكون مدفونة تحت قدميك

تنتظر شخصا عنيدا بما يكفي

شخصا مثلك

ليقرر في لحظة فاصلة

ألا يبيع نفسه بثمن بخس.

ومنذ ذلك اليوم كلما نظرت إلى ذلك الباب المعدني الذي كان يوما صدئا وكئيبا أتذكر أن الحياة قد تبدأ بكيس أسود

لكنها قد تنتهي ببيت دافئ

إذا اخترت أن تبني لا أن تبيع.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close