سكريبت في عزا جوزي كامله
في عزا جوزي
في عزاء زوجي وقفت أمه أمامي، تثبّت عينيها في وجهي بنظرة جامدة لا تحمل ذرة ندم، ثم قالت بصوت واضح لا تعبأ إن كانت القاعة بأكملها تسمعها
الحمد لله أنه ارتاح، فالمو.ت أكرم من العيش مع العار الذي جلبتِه إلى حياته
ساد المكان صمتٌ ثقيل للحظة، ثم بدأت همهمات خافتة تنتشر بين الأقارب، هزّ بعضهم رؤوسهم موافقين، وتبادل آخرون نظرات ذات معنى، كأن الجملة لم تكن إهانة لأرملة في عزاء زوجها، بل حكمًا جاهزًا ينتظر التصفيق
عضضتُ على شفتي بقوة، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني كنت أعرف أن هذا المكان ليس ساحة مواجهة، وأن هذا العزاء ليس لي وحدي، بل لابني الذي فقد أباه، ولذكرى رجل مهما أخطأ يبقى ميتًا، والميت لا يُخاصَم
كنت أستعد لأن ألوذ بالصمت، أن أبتلع الإهانة كما ابتلعت كثيرًا قبلها، حين حدث ما لم أتوقعه، وما لم يكن في حسبان أحد
نهض ابني ياسين، ذو الأعوام الثمانية، من على الكرسي ببطء شديد، وكأن الزمن قرر أن يسير على مهل احترامًا للحظة، أمسك هاتف والده بكلتا يديه، الهاتف ذاته الذي استخرجته من المستشفى بعد الحادث، وشاشته ما تزال متشققة، ثم رفع رأسه ونظر إلى جدته بثبات لا يشبه عمره، وقال بصوت هادئ لكنه نافذ كالسهم
يا جدتي، هل تحبين أن أشغّل التسجيل الذي سجله أبي لكِ الأسبوع الماضي؟
في لحظة واحدة تغيّر كل شيء
تبدّل وجهها
انسحب الدم من بشرتها
واتسعت عيناها كأنها رأت شبحًا خرج من الذاكرة
القاعة بأكملها سقطت في صمت خانق
لا سعال
لا همهمة
حتى صوت أجهزة التكييف بدا كأنه اختفى
كانت رائحة البخور ثقيلة تمتزج برائحة القهوة المُرّة، وأنا أقف ممسكة بحقيبتي السوداء من جانبيها بقوة، كأن تركها يعني أن ينهار كل ما تبقى من توازني
أمام النعش، وسط الزهور المتزاحمة، والشرائط التي كُتبت عليها عبارات الرحيل، كانت كلمة واحدة تحترق في صدري
العائلة
وقفت حماتي، الحاجة فاطمة، على بعد خطوة واحدة مني، ترتدي السواد الكامل، منقّبة بعناية، لا كأنها في عزاء، بل كأنها جاءت إلى معركة فاصلة، اقتربت أكثر، كأنها تحجز موضعها في المواجهة، ثم التفتت إليّ مجددًا وقالت بصوت أعلى من ذي قبل
الحمد لله أنه مات بدري، بدل ما يفضل شايل فضايح غيره
مرّت موجة رضا خافتة بين بعض أقاربها
قالت امرأة أخيرًا
وتنهد رجل بصوت مسموع
شعرت بالدم يصعد إلى وجهي، بحرارة حارقة، لكنني بقيت ثابتة
لم يكن هذا مكان شجار
ولا وقت رد
كان وداعًا
وكان الأهم أن ابني يقف إلى جواري
كان ياسين يرتدي بدلة أكبر من مقاسه بقليل، استعرناها خصيصًا لهذا اليوم، ملامحه لم تكن ملامح طفل، لم يبكِ، لم ترتجف شفتاه، كانت أسنانه مطبقة، ويده تقبض على الهاتف بقوة
كنت قد همست له قبل دقائق
ابقَ بجانبي، لا ترد، ولا تسمع كلام أحد
لكن أمه لم تتوقف
لو كنتِ زوجة صالحة، لما اضطر ابني أن يتحمل علاقاتك ومشاكلك، ولا ما تسمّينه أصدقاء
دخلت كلمة أصدقاء حلقي كسكين
كانت تلك الإشاعة التي دُبّرت بعناية
رسائل ملفّقة
صورة ليست لي
كلام نُشر وتداول بسرعة
ومات زوجي قبل أن أتكلم
ومات ومعه صوتي
وأمه حرصت أن تنتشر القصة قبل أن تلحق الحقيقة بأنفاسها الأولى
استنشقت نفسًا عميقًا
كنت على وشك أن أتكلم
أن أدافع
أن أصرخ
لكن صوتًا آخر سبقني
تحرك الكرسي خلفي بصوت حاد
نهض ياسين
تقدم خطوة واحدة إلى الأمام
كانت كل العيون عليه
نظر إلى جدته وقال بالهدوء ذاته، الهدوء الذي لا يشبه الطفولة
جدتي، هل تريدين أن أشغّل الصوت الذي سجله أبي عنك الأسبوع الماضي؟
تجمدت الحاجة فاطمة
انفتح فمها، لكن لم يخرج صوت
ثم همست أخيرًا
أي تسجيل؟ ماذا تقول؟
لم يجبها
فتح الهاتف وقف إصبعه فوق زر التشغيل ثانية واحدة كانت أطول من العمر كله
ضغط ياسين زر التشغيل فانبعث من الهاتف صوتٌ مألوفٌ لا يخطئه السمع صوت أبيه لكنه هذه المرة لم يكن الصوت الواثق الذي اعتاد الناس سماعه ولا الصوت الغاضب الذي كان يعلو أحيانًا في البيت بل كان صوتًا مبحوحًا منخفضًا كأن صاحبه يتحدث وهو يعلم أن ما يقوله اعتراف أخير لا رجعة فيه وقال الصوت بوضوح رغم التشويش الخفيف في الخلفية أنا بسجل الكلام ده عشان لو جرالي حاجة الحقيقة ما تم.وتش معايا يا أمي أنا تعبت من السكوت وتعبت من إنك تحملي مراتي ذنب اختياراتي أنا اللي غلطت وأنا اللي خنت وأنا اللي عملت علاقة وضيعت بيتي وإنتي كنتي عارفة وساكتة بل وبتبرري وبتقوليلي الراجل ما يعيبوش غير جيبه وسمعته وأنا سمعتي ضاعت بسببك وبسببي واللي حصل من إشاعات ورسائل ملفقة كان بعلمك وموافقتك عشان تضغطي عليها تمشي وأنا ضعفت وما وقفتش قدامك فلو الكلام ده اتسمع يومًا اعرفي إن مراتي بريئة وإن العار الحقيقي مش عليها العار عليّ أنا وعليكي عشان سكتنا عن الغلط وسمحنا له يكبر لحد ما قت.ل كل حاجة الصوت انقطع فجأة وساد صمت أثقل من الأول صمت لم يعد صمت دهشة بل صمت سقوط شيء كبير في نفوس الجميع كأن سقف القاعة انهار دفعة واحدة دون أن يُسمع له دوي الحاجة فاطمة تراجعت خطوة للخلف يدها ارتفعت لا إراديًا كأنها تحاول أن تمسك بالكلمات الهاربة لكن الكلمات كانت قد خرجت ولم تعد ملكها شفتاها ارتجفتا وصوتها خرج مكسورًا وهي تردد لا لا الكلام ده مش حقيقي ده تسجيل متفبرك لكن أحدًا لم يرد عليها لأن الوجوه التي كانت قبل دقائق تهز رؤوسها موافقة صارت الآن تتجنب النظر إليها والهمهمات التي كانت ضدي تحولت إلى همسات خافتة بينها وبين نفسها والمرأة التي قالت أخيرًا قبل قليل أنزلت رأسها في الأرض والرجل الذي تنهد بصوت عالٍ شحب وجهه فجأة كأن الحقيقة صفعت الجميع في وقت واحد شعرت بيد صغيرة تمسك يدي بقوة ياسين عاد يقف إلى جواري رافع الرأس كأنه أدى مهمة أكبر من عمره ولم أجد في نفسي قدرة على الكلام ولا رغبة في الانتصار كل ما شعرت به أن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا على صدري منذ شهور قد انزاح أخيرًا دون ضجيج تقدمت خطوة واحدة فقط وقلت بصوت هادئ واضح لم أكن أنا من أراد هذا اليوم ولا هذا المشهد كنت أريد فقط أن أدفن زوجي بسلام لكن يبدو أن الحقيقة أصرت أن تُدفن معه ثم التفت إلى ابني وربتُّ على كتفه وقلت له تعال يا ياسين كفاية كده مشينا لم ألتفت وراءي لم أسمع صراخ الحاجة فاطمة ولا بكاءها ولا محاولاتها الفاشلة لتبرير نفسها لأن كل شيء بعد الحقيقة يصبح ضجيجًا بلا معنى خرجنا من القاعة والهواء في الخارج كان أخف كأننا انتقلنا من غرفة مغلقة إلى فضاء مفتوح وفي الطريق إلى البيت لم يتكلم ياسين ظل ينظر من النافذة بصمت وحين اقتربنا من البيت سألني بصوت خافت ماما أنا عملت صح نظرت إليه وقلت له أنت عملت الحق والحق دايمًا تقيل بس هو اللي بيخلينا نعرف نمشي مستقيمين هز رأسه وكأنه فهم أكثر مما ينبغي لطفل في عمره وفي الأيام التي تلت العزاء لم أبحث عن مواجهة ولم أطلب اعتذارًا لأن ما حدث لم يعد بحاجة إلى كلمات لكن العواقب جاءت وحدها ثقيلة وبطيئة كعقاب زمني لا يستعجل الحاجة فاطمة التي كانت ترفع رأسها بين الناس صارت لا تخرج إلا نادرًا بعدما انقلبت الهمسات عليها وصار اسمها مقرونًا بالتدخل والتلفيق وابنها الذي كانت تدافع عنه فقد صورته في أعين الجميع لا كزوج خائن فقط بل كرجل اعترف بخطئه ولم يُمهله القدر ليصلحه أما المرأة الأخرى فقد اختفت تمامًا بعدما أدركت أنها كانت مجرد أداة في صراع أكبر منها وأن الرجل الذي وعدها بالحماية ترك لها وصية صوتية يفضح فيها الجميع بقيت أنا وياسين نعيد بناء حياتنا بهدوء لم أستخدم التسجيل للانتقام ولم أقدمه لأي جهة لأن أقسى عقاب كان قد وقع بالفعل أن تُكشف الحقيقة أمام من صنعها وأن يعيشوا بعدها مع ذاك الصوت الذي لا يمكن إسكاته صوت اعتراف خرج من قبر صاحبه ليلاحقهم في يقظتهم ونومهم وبعد عام كامل وقف ياسين في فناء المدرسة يلعب ويضحك كأي طفل في سنه بينما كنت أراقبه من بعيد وأفكر أن العدالة ليست دائمًا صاخبة ولا تحتاج إلى محاكم أحيانًا تأتي في صورة تسجيل قصير وصوت ميت يقول أخيرًا ما لم يستطع قوله وهو حي وأحيانًا يكون الانتصار الحقيقي أن تمضي قدمًا دون أن تحمل معك حقدًا لأن الخائن حين لا يهنأ بخيانته ولا يجد من يصدقه بعدها يكون قد تلقى أقسى نهاية ممكنة نهاية يعيش فيها طويلًا مع نفسه ومع الحقيقة التي حاول دفنها يومًا لكنها اختارت أن تتكلم.


تعليقات
إرسال تعليق