أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي
أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي
أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي لكنهم لم يعرفوا أنني أملك سرا سيغير كل شيء
اسمي ليلى عمري ستون عاما.
هل جربت يوما أن تربي أبناءك بعرقك ودموعك ثم تأتي اللحظة التي يلقونك فيها في الشارع كأنك غريبة
هل جربت أن تبكي ليس من الجوع بل من انكسار القلب
أخبرك شيئا أعنف الچروح في هذه الحياة لا تترك دما بل تترك صمتا.
ذلك الصمت الذي ينام إلى جوارك ويناديك ماما.
أنجبت ثلاثة أدهم ومنى ويوسف.
حملتهم في رحمي تسعة أشهر من الألم والقلق والدعاء ثم كرست حياتي لهم.
عملت ليلا ونهارا كي أعلمهم. رهنت خاتم زواجي لأشتري لهم كتبا. وفي كل ليلة مرض فيها أحدهم كنت السهر الذي يحميهم.
لكن
اليوم
أجلس على رصيف بارد أمام متجر مغلق أضم حقيبة صغيرة فيها ثيابي القليلة. أبنائي لحمي ودمي طردوني من البيت الذي بناه أبوهم بعرقه ودمه.
كل شيء حدث بسرعة كالکابوس.
في ذلك الصباح كنت أعد الفطور عدس وخبز ساخن وأدندن بلحن قديم. فجأة دخل أدهم ابني الأكبر وقال بوجه جامد
ماما لازم نتكلم.
وراءه ظهرت منى ابنتي الوحيدة وبجانبها يوسف مطأطئ الرأس.
ابتسمت وسألت خير يا ولاد
قالت منى ببرود قررنا لازم تتركي البيت.
سقط الملعقة من يدي.
أتركه إلى أين أذهب
رد أدهم بعنا البيت. وجدنا مشتريا. نحتاج المال يا أمي.
نظرت إلى يوسف أصغرهم بحثت عن بصيص رحمة في عينيه لكنه تهرب مني كأنه غريب.
قلت هذا
بيت أبيكم. بناه للعائلة.
فقالت منى ونحن العائلة. دورك انتهى يا ماما.
انهرت على الكرسي. سألتهم إلى أين أذهب
رد أدهم بلا مبالاة عند خالتك سعاد ربما أو عند أي صديقة.
كسر قلبي.
كل ما فعلته من أجلهم عاد إلي بنكران.
مرت أيام ضبابية. جاءوا بشاحنة وحزموا أغراضي كما لو أنني ضيفة غير مرغوبة. أعطتني منى مبلغا تافها وقالت تصرفي يا أمي. سنتصل بك لاحقا.
ثم رحلوا. وباعوا كل شيء حتى ساعة الحائط التي أهداني إياها زوجي يوم زفافنا.
كنت أتجول في الشوارع كالأشباح. وفي الليل أدعو الله أن يأخذني.
لكن الله كان له تدبير آخر.
أتذكر ما قاله زوجي قبل رحيله
ليلى لا تثقي تماما بأحد. حتى أحب الناس. الحياة
مليئة بالمفاجآت.
ثم أعطاني مفتاحا صغيرا وقال أخبئيه. يوما ما ستحتاجينه. وعندها لا تبكي فقط افتحي الصندوق وابدئي من جديد.
لم أنس تلك الكلمات.
وفي الليلة التي طردت فيها عدت خلسة إلى البيت.
انتظرت حتى نام أصحابه الجدد. دخلت من الباب الخلفي وتجنبت البلاطة التي تصدر صريرا. رفعت الخزانة بحركة أعرفها جيدا. ثم أزحت اللوح الخشبي ووجدت الصندوق.
ما زال هناك. لم يمسه أحد.
فتحته بيدين مرتجفتين ورأيت الثروة الصغيرة التي تركها زوجي لي. كافية لأبدأ حياة جديدة. كافية لأثبت أنني لم أكسر.
ابتسمت وسط دموعي.
ظنوا أنهم أنهوني لكنهم لم يعرفوا أنني زوجة رجل حكيم.
خرجت من البيت ليلا والصندوق في
حضڼي. لم يكن مالا فقط بل كان حياة
جديدة
استأجرت غرفة صغيرة بجوار السوق. بسيطة فراش نافذة ضيقة موقد قديم. أعددت لنفسي عشاء متواضعا. نظرت في المرآة ولم أجد نفس المرأة التي طردت قبل أيام. وجدت امرأة أقوى.
استخدمت جزءا من المال لسداد ديون قديمة وفتحت حسابا بنكيا باسم جديد. ثم قررت أن أعمل. لم أرد أن أعيش على المال فقط.
فتحت مطبخا صغيرا عند زاوية السوق. كنت أطبخ نفس الأطباق التي أحبها أولادي يوما عدس سلطات خبز طازج.
الناس أحبوا طعامي. قالوا طعمه يذكرنا ببيوتنا.
تحول الركن الصغير إلى مكان يجمع الزبائن ثم إلى مصدر رزق وكرامة.
اللقاء
بعد أسابيع بينما كنت أغلق المطبخ دخل رجل أعرفه جيدا. أدهم.
لم يتعرف إلي في البداية. بدا متعبا يحمل ورقة بيده. جلس بصمت ثم رفع رأسه فالتقت عينانا.
تجمد.
وضعت أمامه طبقا من العدس وقلت هذا على البيت.
لم أصرخ في وجهه. لم أظهر الصندوق ولا المال.
تركت ضميره يتكلم.
غادر وهو ينظر إلي بخجل لم أره منه من قبل.
القوة الحقيقية
لم أبحث عن اڼتقام. لم أفضحهم. عملت بنيت وساعدت جيراني.
أصبحت الحاجة ليلى التي يحبها أهل السوق.
سمعت أن أولادي غرقوا في مشاكل بعد بيع البيت ديون خلافات متاعب. لم أشمت. دعوت لهم فقط.
القوة الحقيقية لم تكن في المال الذي خبأه زوجي بل في أنني وجدت نفسي من جديد.
النهاية التي لم يتوقعها أحد
مرت شهور وأنا في مطبخي الصغير بالسوق. صرت جزءا من حياة الناس هناك الطفل الذي يمر كل صباح ليأخذ رغيفا ساخنا التاجر الذي يطلب عدسا بالليمون قبل أن يبدأ عمله والمرأة التي تأتي لتأكل وتفضفض عن همومها.
كنت أستمع للكل لكن قلبي ظل جريحا من أبنائي.
في إحدى الليالي بعدما أغلقت المطبخ وجلست أمام نافذتي وجدت ظرفا مدسوسا تحت الباب. فتحته فإذا بخط يوسف ابني الصغير
ماما سامحيني. من يوم ما مشيت
من البيت وأنا ما بنام. قلبي موجوع. كنت ضعيف قدام أخي وأختي ما قدرت أدافع عنك. حياتي اتشقلبت من يوم ما فارقتينا. سامحيني لو بتقدري.
سالت دموعي. قلبي كان يريد أن ېصرخ ابني رجع! لكن الچرح لم يلتئم بعد. وضعت الرسالة في صندوق خشبي صغير بجوار سريري وابتسمت لأول مرة منذ زمن.
لم يمر وقت طويل حتى جاءني خبر أن أدهم خسر كل المال الذي أخذه من بيع البيت. دخل في مشاريع خاسرة ثم بدأ الدائنون يلاحقونه. ومنى اختلفت مع زوجها بعد أن علم كيف عاملتني فتركها.
أما يوسف فترك عمله وتاه في ضيق الدنيا.
كنت أسمع كل ذلك من الجيران والزبائن. لم أذهب إليهم لكنني دعوت لهم كل ليلة.
بعد سنة كاملة جاء الثلاثة إلى مطعمي. دخلوا واحدا تلو الآخر أدهم منكسر منى تبكي ويوسف ينظر للأرض.
تجمد السوق كله كأن الناس ينتظرون المشهد.
قال أدهم بصوت مبحوح
ماما إحنا غلطنا. سامحينا.
رجعينا لحضنك. والله إحنا ما لقينا أحن منك.
منى وقعت على ركبتيها تمسك بيدي وهي تبكي
يا أمي البيت ما يسوى شيء من غيرك. ضيعنا كل شيء.
يوسف لم يتكلم فقط بكى.
نظرت لهم طويلا. قلبي كان يتأرجح بين الألم والحب. ثم قلت بهدوء
أنا ما بعتكم أنتم اللي بعتوني. بس الأم قلبها بحر ما بيتقفل بوش أولادها.
مددت يدي واحتضنتهم. بكينا جميعا. السوق كله صفق والدموع في عيون الناس.
لم أخبرهم عن الصندوق ولا عن المال. لم يعرفوا أن زوجي أنقذني بحكمته. تركتهم يظنون أنني بدأت من الصفر حتى يتعلموا أن الحياة لا تقاس بالبيوت ولا بالمال بل بالقلب.
اليوم صار مطعمي أكبر. صار اسمه مطعم الحاجة ليلى وأولادها.
أبنائي يعملون معي أدهم يشتري البضاعة منى تطبخ ويوسف يخدم الزبائن.
صرنا عائلة من جديد لكن بشروط جديدة الاحترام الحب والوفاء.
وأنا
أنا صرت أعرف أن أصعب الچروح قد تتحول
إلى أبواب نور لو فتحنا لها باب السماح.


تعليقات
إرسال تعليق