القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ليلة إنقاذ بقلم منــال عـلـي



ليلة إنقاذ بقلم منــال عـلـي

 

هي اللي كلمتني"، قولتها وأنا عيني في عينها. "هي اللي استنجدت بيا وقالتلي تعال خدني.. دلوقتي يا تفكي الترباس ده بالذوق، يا إما هكسر الباب ده بالجزمة وهفهم البوليس كسرته ليه.. اختاري!"

التليفون رن الساعة 11:43 بالليل، ورنته ماكانتش عادية.. كانت عاملة زي سارينة الإسعاف، صوت حاد بيخرم هدوء أوضة نومي. كنت نص نايم، وبحلم إني قاعد على النيل بصطاد والجو رايق، وفجأة النغمة دي سحبتني للواقع المر. اتأففت وأنا بمد إيدي أجيب التليفون من على الكومودينو، قلت أكيد نمرة غلط أو حد بيعاكس.. أصل عاداتي لما كنت شغال في الإسعاف لسه ماراحتش، حتى بعد المعاش، لسه جسمي بيفز من أي صوت عالي في الليل وكأنه بلاغ مستعجل.

بصيت على الشاشة، شفت اسم واحد بس: "آمال".

قلبي اتنفض نفضة غريبة، وجع بدأ في صدري ووقف في حلقي. بنتي عمرها ما كلمتني في وقت متأخر كده أبداً. آمال عندها 24 سنة، متجوزة بقالها سنة وشوية، وعايشة في محافظة تانية بعيد عني. مكالماتنا دايماً كانت يوم الجمعة بعد الصلاة.. دردشة خفيفة عن شغلها في المكتبة، والستاير الجديدة اللي جابتها، والميكانيكي اللي صلح لها العربية.


كانت تسألني على الجنينة وركبي لسه بتوجعني ولا لأ، وأنا كنت بكذب وأقولها إني زي الفل. كنا قريبين من بعض بالنوع اللي فيه البنت فاكرة إنها لازم تحمي أبوها من القلق، والأب فاكر إن بنته محتاجة تاخد حريتها عشان تتعلم من غلطها….بقلم منال علي 

سحبت الشاشة بسرعة: "آمال؟ يا بنتي في إيه؟ أنتي كويسة؟"

تلات ثواني كاملة مافيش غير صوت نفس.. بس مش نفس حد نايم، ده كان نهجان متقطع ومكتوم، كأنها بتغرق وبتحاول تبلع الهوا بالعافية وهي بتشهق. شعر إيدي وقف.. اتعدلت في السرير وكلي انتباه متوفره على صفحه روايات واقتباسات "يا بابا"، قالتها وهي بتشرق في عياطها. "يا بابا.. أرجوك.. أرجوك تعالى خدني".

الدنيا دارت بيا، وكأن الأرض اتهزت من تحت مني. "آمال؟ أنتي فين؟ في إيه اللي حصل؟ حد لمسك؟"

"أنا في بيت أهل محمود"، همست وصوتها طالع بالعافية، كأنها مستخبية جوه دولاب. "مش عارفة.. مش عارفة أمشي من هنا".

"يعني إيه مش عارفة تمشي؟ هاتي محمود أكلمه!".. الكلمات طلعت مني حادة وغشيمة، عقلي كان بيلف في مية احتمال: العربية عطلت؟ تعبانة؟ خناقة عادية؟ حالة نفسية؟ بس رغم كل ده، كان فيه

نغزة في قلبي بتقول إن الموضوع أكبر من مجرد كلام.

"لأ!"، صرخت بهلع يخوف. "لأ يا بابا، بلاش هو.. أرجوك يا بابا.. أنا محتاجة لك".

وقبل ما أسألها سؤال تاني، قبل ما أتطمن هي في أمان ولا لأ، السكة اتقفلت. ثانية كان صوت نفسها موجود، والثانية اللي بعدها مابقاش فيه غير السكوت. بصيت للتليفون وكأنه شاهد صامت على مصيبة.

ما حاولتش أتصل بيها تاني. الغريزة اللي اتكونت عندي من سنين الشغل في الطوارئ قالت لي إن الاتصال ممكن يئذيها. لو هي خاطرت وكلمتني، يبقى استغلت فرصة مش هتتكرر، ولو رنيت عليها ممكن أقفل الفرصة دي في وشها. قعدت لحظة والتليفون في إيدي، وشعور وحش بدأت أحس بيه: العجز.. أصعب شعور على الأب.

بس العجز ده فجأة اتقلب لحركة..

في تلاتين ثانية كنت لابس هدومي. ما نورتش النور، ولا شربت قهوة. لبست جزمتي، خدت مفاتيحي ومحفظتي، وفتحت درج المكتب طلعت منه الكشاف الحديد التقيل اللي لسه محتفظ بيه.. حاجة ناشفة تسند إيدي لو احتجت. ماكنتش عارف أنا رايح أقابل إيه، بس كنت عارف حاجة واحدة زي الشمس: بنتي الصغيرة خايفة، وأنا لازم أكون عندها مهما كانت المسافة.

بقلم منال علي 

طريق


السفر في نص الليل عالم تاني.. الأسفلت أسود مليل، والخطوط البيضاء بتجري تحت العربية زي الأشباح. العربيات اللي بتقابلني قليلين، مجرد أنوار بتعدي وتختفي. كنت سايق بتركيز جبار، الأدرينالين مخليني مش شايف قدامي غير الطريق. عداد السرعة كان داخل على الـ 140، وكل ما أقول لنفسي هدي السرعة، ألاقي رجلي بتدوس أكتر.

بدأ عقلي يراجع شريط السنة اللي فاتت، وكأنه بيدور على خيط فاتني. محمود ويلسون.. مهندس لسه بيبدأ حياته. سلامة حار، بيبص في العين وهو بيكلمك، بيسأل عن أحوالي بكل أدب، وبيفتح الباب لآمال في كل حتة. كنت فاكره ابن حلال. قلت يمكن عصبي شوية، أو بيغير عليها زيادة، بس قلت ده حب شباب.. ياما شفت أوحش من كده. مابقتش عايز أكون الأب اللي بيكره أي حد بنته تختار تتجوزه.

بس كان فيه لحظات "صغيرة" ضايقتني وطنشها. محمود اللي كان بيقاطع كلامها دايماً.. ضحكتها اللي كانت بتهز البيت وبقت مكتومة وهي معاه.. الطريقة اللي بقت تستأذن منه في كل كبيرة وصغيرة. ولما قالت لي إنهم رايحين يقضوا الويك إند عند أهله، سعاد وروبرت، عشان "نقرب العائلات من بعض"، ماكنتش فرحانة.. كان باين عليها إنها مجبورة.

 

"عادي يا بابا، يومين وهعدوا"، قالتها وقتها. "يوم الأحد هكون عندك".

الويك إند ما ينفعش يكون تقيل على القلب كده وكأنه عقوبة.

كنت كابس على الدريكسيون لدرجة إن صوابعي ابيضت. الغضب كان طالع في حلقي زي المرارة.. غضب من محمود، ومن أهله، ومن نفسي أكتر حاجة. ليه ما ضغطتش عليها؟ ليه ما سألتش أسئلة أصعب؟ ليه بنربي بناتنا على الأدب والسكوت قبل ما نعلمهم إزاي يحموا نفسهم؟ ليه بنعلمهم ييجوا على نفسهم عشان "البيت يعمر" وما يزعلوش حد؟

الساعة 4:15 الفجر، الـ GPS قالي "وصلت". الحي كان هادي وشيك، الجناين متساوية بالمسطرة، والسكوت فيه تحس إنه مفروض بالعافية. البيت كان فيلا كبيرة ومرعبة في ضلمة الليل، بس كان فيه نور شاحب طالع من ورا الستائر التقيلة في الصالة. المنظر ده خلى دمي يتجمد.. الناس اللي نايمة مابتسيبش نور الصالة قايد الساعة 4 الصباحية.

ركنت ونزلت، الهوا الساقع خبط في وشي فوقني أكتر. صوت جزمتي كان عالي على الرصيف. رحت ناحية الباب وما دوستش على الجرس. الجرس ده للناس


الغريبة اللي جاية بزيارة، وأنا مش جاي أزور حد.

خبطت على الباب الخشب تلات خبطات يهدوا الحيطة، صدى الخبط كان زي ضرب النار في الشارع الهادي. إيدي وجعتني بس ما اهتمتش. مفيش في دماغي غير فكرة واحدة: افتحي الباب.. افتحيه بدل ما أخلعمبقلم .

فضلت واقف دقيقتين.. دقيقتين وأنا باصص من ورا الإزاز المنقوش وشايف خيال بيتحرك جوه. كانوا صاحيين.. كانوا بيتشاوروا.. كانوا بيحاولوا يماطلوا.

وأخيراً، القفل اتحرك.. الباب اتفتح حتة صغيرة، ووقف عند السلسلة. "سعاد" - حماة بنتي - بصت لي. كانت لابسة هدومها كاملة، طرحتها مظبوطة، وشعرها متسرح، كأنها كانت مستنية ضيوف. عينيها كانت زي الحجر، فيها برود يغيظ.

"إحنا أربعة الصبح"، همست بغل. "إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟"

ما رديتش عليها، مكنتش مستاهلة رد. "افتحي الباب يا سعاد"، قلتها بصوت واطي وناشف. "أنا جاي آخد آمال".

"آمال نايمة"، كذبت. والكدبة كانت طالعة من بوقها مترتبة وزي الفل. "جالها شوية تعب نفسي من شوية.. هي حساسة زيادة. محتاجة

ترتاح، مش محتاجة أبوها يجيلها وهو فاقد أعصابه كده".

"تعب".."حساسة".. كلمات ناعمة بيحاولوا يغطوا بيها على المصيبة. سمعت الكلام ده كتير في الطوارئ من رجالة مش عايزين يعترفوا باللي عملوه.

"افتحي.. الباب"، كررتها تاني.

سعاد ضمت شفايفها وبصت وراها لحد مش شايفه، وبعدين بصت لي بتعالي وقامت شايلة السلسلة وفاتحة الباب. ما وسعتش لي الطريق بالذوق، فضلت واقفة مكانها عشان أضطر أعدي من جنبها وأنا حاسس بفرض سيطرتها.

دخلت الطرقة، ريحة البيت كانت خليط بين قهوة بايتة وريحة زناخة.. ريحة عرق ومنظفات بيحاولوا يداروا بيها على حاجة حصلت. الجو كان مكتوم، كأن الحيطان حابسة نفسها. عيني خدت على الضلمة بسرعة.. مفيش صور لآمال في الصالة، كله صور لمحمود وهو صغير، ومحمود وهو بيتخرج، ومحمود مع أهله في المصيف. آمال، الزوجة الجديدة، لسه مالهاش مكان في "حكايتهم".

"يا محمود!"، سعاد ندهت بصوت زي الأمر. "تعالى، حماك هنا".

مشيت للصالة والكشاف الحديد في إيدي. البيت كان غالي بس فاضي من جوا..

عفش مذهب ولوحات بتلمع، بس تحس بالخنقة. محمود كان واقف جنب النيش، وشه مخطوف، وحاطط إيده في جيوبه. مابصش في عيني، كان باصص في السجادة كأنها فيها سر مش عايز يواجهه.

وهنا شفتها..

آمال كانت في الأرض.

ماكانتش قاعدة على كنبة ولا كرسي.. كانت منكمشة في ركن ضيق بين الكنبة والحيطة، لامة رجليها لصدرها ومخبية وشها بين إيديها، كأنها بتحاول تصغر وتختفي في الحيطة.

"آمال؟"، قلتها والكلمة طالعة زي الدعا.

بصت لي..

الهوا طار من صدري مرة واحدة. وشها كان وارم، والجلد مشدود وبيلمع. عينها الشمال كانت قفلة ولونها أزرق في أسود. شفتها مقطوعة. بس مش الوجع ده اللي وجع قلبي.. اللي وجعني عينيها. كانت مبرقة، زي إزاز مكسور، شكلها أصغر من سنها بكتير، كأنها طفلة عرفت فجأة إن الدنيا غدارة ولسه ماعرفتش مين اللي هيحميها بقلم منــال عـلـي 

"بابا؟"، همست بصوت يدوب يتسمع.

نزلت على ركبي في الأرض، مابقتش حاسس بتعب ولا سن، وزحفت ناحيتها: "أنا هنا"، قلتها وصوتي بيترعش غصب عني. "أنا هنا يا حبيبة بابا.. ما تخافيش".

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close