أختي التوأم – حين تحولت الشبه إلى سلاح في مواجهة العنف الأسري
فبراير 13, 2026
أختي التوأم – حين تحولت الشبه إلى سلاح في مواجهة العنف الأسريأختي التوأم – حين تحولت الشبه إلى سلاح في مواجهة العنف الأسري
أختي التوأم
الموبايل رن الساعة الثانية وسبعٍ وأربعين دقيقة فجرًا، ذلك التوقيت الذي لا يحمل عادةً إلا الأخبار الثقيلة أو القلوب المكسورة. لم أكن نائمة بعمق، لكن الرنة اخترقت صدري قبل أن تخترق أذني، وكأن شيئًا داخلي كان يعرف مسبقًا أن تلك اللحظة ستغير كل ما بعدها. مددت يدي إلى الكومودينو أتحسس الهاتف، ورأيت الاسم الذي أعرفه أكثر مما أعرف اسمي: مي. أختي التوأم. النصف الآخر من وجهي وروحي. للحظة تجمدت أصابعي فوق الشاشة، شعرت بانقباض مفاجئ في صدري، فمي لا تتصل في هذا الوقت إلا إذا كانت الدنيا قد ضاقت بها إلى حدٍ لم تجد فيه أحدًا سواي.
فتحت الخط وقلت بصوتٍ مبحوحٍ من النوم والقلق: “مي؟” لم يجبني سوى صمت قصير، ثم صوت نفسٍ ثقيلٍ متقطع، كأن صاحبه يحاول أن يتماسك فلا يستطيع. ناديت اسمها مرة أخرى، فجاءني صوتها منخفضًا، مكسورًا، يحمل خوفًا لم أسمعه منها من قبل: “ينفع أطلع عندك لو سمحتي؟” قفزت من سريري دون تفكير، أضأت النور، وشعرت ببرودة الأرض تحت قدميّ كأنها تصفعني لأستيقظ تمامًا. سألتها بسرعة: “إنتي فين؟ كويسة؟” قالت: “أنا تحت العمارة… معرفتش أروح فين غير عندك.”
لم أذكر كيف ارتديت ملابسي ولا كيف نزلت الدرج، كل ما أتذكره أن قلبي كان يدق بعنف، وأن فكرة واحدة كانت تدور في رأسي: أختي التوأم لا تطلب النجدة إلا إذا كانت تغرق فعلًا. نحن متطابقتان، في الثانية والثلاثين من عمرنا، طول عمرنا الناس تخلط بيننا. نفس الطول، نفس الملامح، نفس الشامة الصغيرة قرب الحاجب الأيسر، وحتى الضحكة التي كانت أمي تقول إنها تضيء الغرفة. لكن رغم التشابه، كانت مي دائمًا أكثر هدوءًا، أكثر ميلًا للسكينة، بينما كنت أنا أكثر اندفاعًا، أسرع في الغضب والدفاع.
عندما فتحت باب المدخل ورأيتها واقفة في الضوء الخافت، شعرت كأنني أنظر إلى مرآة محطمة. كانت ترتدي سويت شيرت بغطاء رأس، ضامة نفسها بذراعيها، وكأنها تحاول أن تختبئ داخل جسدها. رفعت رأسها ببطء، وعندما التقت أعيننا رأيت الكدمة البنفسجية الداكنة على خدها الأيسر، ورأيت الشفاه المتورمة، وعندما أزاحت الغطاء قليلًا رأيت آثار أصابع واضحة على رقبتها. في تلك اللحظة لم أشعر بالصدمة بقدر ما شعرت بنارٍ باردة تشتعل داخلي، نار لا تصرخ لكنها تحرق كل شيء في طريقها.
احتضنتها بقوة، وكانت تبكي بطريقة لم أعرفها عليها من قبل، بكاءً لا يشبه الحزن العادي، بل يشبه انكسار شيءٍ كان صلبًا. صعدنا إلى الشقة، وتحت ضوء المطبخ القوي بدت الحقيقة أقسى. لم تكن كدمة واحدة، بل عدة كدمات بألوان مختلفة، بعضها حديث، وبعضها قديم بدأ يصفرّ. عندها فقط فهمت أن ما أراه الليلة ليس بداية، بل حلقة جديدة في سلسلة صامتة امتدت لسنوات.
جلست أمامي، ويديها ترتعشان حول كوب الشاي الذي لم تشرب منه شيئًا. قالت اسمه بصوتٍ خافت: “كريم.” زوجها منذ خمس سنوات. الرجل الذي وقف بجوارها في قاعة على النيل وسط التصفيق والتهاني، الرجل الذي بدا للجميع مثالًا للالتزام والهدوء. لم أرتح له يومًا، لكنني لم أملك دليلًا، ولم أشأ أن أكون الأخت المتحاملة.
حكت لي كيف بدأ الأمر بزعيق، بسيطرة على ملابسها، على مواعيد خروجها، على صديقاتها. ثم تحول إلى دفعٍ خفيف، ثم إلى قبضٍ مؤلم على الذراع، ثم إلى صفعة “عن غير قصد”، ثم إلى اعتذارٍ ووردة، ثم إلى تكرار. قالت إن الأمر استمر ثلاث سنوات، وإن الليلة كان أعنف من كل ما سبق، وإنها شعرت للحظة أنه قد يقتلها فعلًا. لم تبالغ، كنت أرى ذلك في عينيها.
وأثناء حديثها أخرجت هاتفها، وأرَتني صورًا وتسجيلات. كانت توثق كل شيء في صمت. صور للكدمات، تسجيلات لصوته وهو يهددها، رسائل يعتذر فيها ثم يلومها. لم يكن الأمر غضبًا عابرًا، بل نمطًا متكررًا، سيطرة وعنف وإذلال. عندها فقط أدركت أن إنقاذ أختي التوأم لن يكون بكلمات مواساة فقط، بل بخطة ذكية تضع حدًا لما يحدث.
رفعت عيني إليها، ونظرت إلى وجهي الذي يشبه وجهها تمامًا. فجأة لمع في رأسي احتمال مجنون، خطير، لكنه منطقي في عالمٍ لا ينصف الضحايا بسهولة. قلت لها بهدوء: “إحنا طول عمرنا الناس بتتلخبط بينا… إيه رأيك المرة دي نستغل ده لصالحنا؟” لم تفهم في البداية، ثم اتسعت عيناها عندما أدركت قصدي. اقترحت أن نبدل الأدوار لفترة قصيرة، أن تبقى هي عندي بأمان، وأذهب أنا إلى بيته مكانها، أجمع الأدلة بطريقة مدروسة، وأرصد سلوكه، وأدفعه إلى كشف حقيقته كاملة.
اعترضت في البداية، خافت عليّ، قالت إنه قد يكون خطيرًا. لكنني لم أكن أتهور. شرحت لها أنني لن أذهب وحدي بلا خطة. سنتواصل مع محامية مختصة، وسنستشير جهة معنية بحماية المرأة، وسأكون على اتصال دائم بأصدقاء موثوقين، وسنستخدم وسائل تسجيل قانونية تحفظ حقوقها. لم تكن الفكرة انتقامًا أعمى، بل كانت استردادًا للكرامة.
في الأيام التالية بدأنا التنفيذ. قصصنا شعري بنفس الطريقة، ارتدينا ملابسها المعتادة، حفظت تفاصيل بيتها، ترتيب الأثاث، مواعيده، عاداته. لم يكن الهدف خداعًا طويل المدى، بل كشفًا سريعًا. وعندما دخلت بيته لأول مرة، شعرت ببرودة غريبة، كأن الجدران نفسها تعرف ما يحدث داخلها.
كان كريم في البداية هادئًا، يراقبني بنظرات فاحصة، وكأنه يشعر أن شيئًا مختلفًا. حاول أن يختبرني بأسئلة عن تفاصيل يعرفها، لكنني كنت قد حفظتها جيدًا. ومع مرور الساعات بدأ قناعه يسقط تدريجيًا. نفس الأسلوب، نفس السيطرة، نفس نبرة الأمر. لكن الفرق أنني لم أكن خائفة. كنت أجيبه بهدوء ثابت، وأرصد كل كلمة.
وعندما ارتفع صوته ذات مساء، وحاول أن يمسك ذراعي بعنف، كنت مستعدة. ابتعدت فورًا، ونبهته بصوت واضح أنني لن أقبل بهذا السلوك، وأن كل شيء موثق. ارتبك للحظة، ولم يكن يتوقع مقاومة مباشرة. في الأيام التالية تصاعدت محاولاته للضغط، وكنت أتعامل بحزم، وأجمع الأدلة خطوة بخطوة، بالتنسيق مع المحامية التي أكدت أن ما نوثقه كافٍ لاتخاذ إجراءات قانونية.
لم يدم التبديل طويلًا. بعد أن اكتملت الأدلة، واجهناه بطريقة قانونية منظمة. حضرت مي معي، ووقفت بجانبي، وعرضنا ما لدينا أمام الجهات المختصة. لم يكن يتوقع أن صمته الطويل سيُكسر بهذا الشكل. حاول الإنكار، ثم التبرير، ثم اللوم، لكن التسجيلات والصور كانت أوضح من أي كلام.
انتهت القصة ليس بصرخة انتقام، بل بقرار رسمي يحمي مي ويمنع اقترابه منها، وبخطوات قانونية أنهت تلك الدائرة المؤذية. انتقلت مي إلى مرحلة علاج نفسي ودعم، وبدأت تستعيد نفسها تدريجيًا. لم يكن الطريق سهلًا، لكن أهم ما حدث أننا كسرنا حاجز الصمت.
اليوم، عندما أنظر إلى أختي التوأم وهي تضحك من جديد، أعرف أن تلك الرنة في الثانية وسبعٍ وأربعين فجرًا لم تكن مجرد مكالمة طارئة، بل كانت لحظة فاصلة بين خوفٍ طويل وشجاعة قررت أن تولد. تعلمت أن التشابه بيننا لم يكن مجرد صدفة جينية، بل كان هدية، لأن وجودي بجانبها أعطاها مساحة لتلتقط أنفاسها، ووجودها بجانبي أعطاني سببًا لأكون أقوى.
هذه الحكاية ليست عن الخداع، ولا عن الانتقام، بل عن الأخت التي رفضت أن ترى أختها تنكسر، وعن امرأة قررت أن العنف ليس قدرًا محتومًا، وأن الصمت ليس الحل. في عالمٍ قد يخذل أحيانًا، يظل التضامن والدعم واللجوء للقانون طريقًا حقيقيًا للنجاة.
ولو عاد الزمن إلى تلك اللحظة، إلى رنة الهاتف في عمق الليل، سأفتح الخط بنفس السرعة، بنفس الخوف، لكن بثقة أكبر أن مواجهة الظلم، مهما كانت صعبة، تبدأ بخطوة… وبكلمة واحدة: أنا هنا.


تعليقات
إرسال تعليق