القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت ظابط شرطه كامله 





ظابط شرطه 


خـدمت فـي الشـرطة ثـلاثين سنـة… ولا شـيء ك.سـرني حـتى رأيـت مـا كـانت تـلك الطـفلة تحتضـر وهـي تقبـض عـليه فـي يـدها.


كانت غرفة الانتظار في مستشفى الرحمة التخصصي ساطعة أكثر من اللازم، العاصفة التي تضر.ب صدري. جلست منحنياً، قبعتي بين يديّ، وأصابعي شاحبة من شدة الضغط. كنت أحدق في بقعة على الأرضية كأنها أهم شيء في العالم… فقط لأتجنب النظر إلى باب الطوارئ المتأرجح.


أربع ساعات. أربع ساعات وأنا هناك، وصورتها الصغيرة الشاحبة محفورة خلف جفوني. كلما أغمضت عيني رأيت أصابعها النحيلة… شعرها المتلبد.


— رائد حسام؟


رفعت رأسي بسرعة. طبيبة تقف أمامي، التعب مرسوم على وجهها، نظارة رفيعة الإطار وملف في يدها.


— أنا الدكتورة ندى الشافعي.


كنت واقفًا قبل أن أشعر بنفسي أتحرك.


— كيف حالها؟ الطفلة… هل هي…؟


— استقرت حالتها الآن، قالت بهدوء وهي تشير لي أن أجلس. لم أجلس.


— وضعها خطير. سوء تغذية حاد، جفاف، والتهاب تنفسي شديد. نعالجها بشكل مكثف.


— هل ستعيش؟ لم أستطع إكمال الجملة. الكلمات علقت في حلقي.


— هي تستجيب للعلاج قالت بلطف خافت. عندها روح مقاتلة ثم عادت ملامحها المهنية.


— لكن هناك ما يقلقني أكثر من حالتها الجسدية يا رائد.


أومأت برأسي. كنت قد رأيت العلامات.


— اثار التقييد قالت.


— بالضبط. العلامات حول معصميها وكاحليها ليست جديدة. تشير إلى احتجاز طويل الأمد. وردة فعلها تجاه أبسط الأشياء… التلفاز، حتى صينية الطعام… ترتجف رعبًا. يبدو أنها كانت معزولة لفترة طويلة.


شدّ فكي حتى شعرت بالألم.


— هل نطقت بأي اسم؟


— لا. سجلناها مؤقتًا باسم مجهولة الهوية.ترددت لحظة.


— ذكرت عبر اللاسلكي شيئًا عن سوار؟


أخرجت كيسًا شفافًا صغيرًا من جيبي. كنت قد أصررت أن أضعه فيه بنفسي. رفعت السوار القماشي الصغير، المخيط بخيط خشن.


— لولو.


— قد يكون اسمها… أو اسم شخص مهم بالنسبة لها قالت الطبيبة. سنحاول مناداتها به عندما تستيقظ.”


— متى أستطيع رؤيتها؟


— هي نائمة الآن. عد صباحًا.


خرجت إلى موقف السيارات وكأن الأرض تميد بي. كل شيء بدا مائلًا، غير طبيعي. رنّ هاتفي بصوت مرتفع في السكون. كان اللواء سامح العطار.


— حسام. سمعت أنك وجدت طفلة؟ التقرير وصلني.


— طفلة مهملة بشدة، قلت بصوت آلي. جلست في سيارتي.


— وجدتها في بيت مهجور بمنطقة عزبة النخيل. حالتها حرجة.


— الشؤون الاجتماعية استلمت الملف؟


— تم إبلاغهم. لكنها غير قادرة على الاستجواب الآن.


ساد صمت للحظة، ثم قال: حكايات توته وستوته


— اسمع يا حسام… أنت على وشك التقاعد. لا تتورط عاطفيًا. اتبع الإجراءات. اكتب تقريرك… ودع النظام يتولى الأمر. حكايات توته وستوته


أغلقت الهاتف ببطء.


حسام…. صلي على محمد وتابع👇


حسام مسح وجهه بكفّيه المرتعشتين، ثم أسند رأسه إلى مقعد السيارة وأغمض عينيه لحظة.

“لا تتورط عاطفيًا.”

كلمة اللواء ظلت تتردد في أذنه كصدى بارد.

ثلاثون سنة في الخدمة.

ثلاثون سنة رأى فيها الجريمة في أبشع صورها:

جثثًا في شقق مغلقة، أطفالًا ضائعين في الشوارع، أمهات يصرخن على أبواب الأقسام، رجالًا انهارت حياتهم في لحظة غضب.

تعوّد أن يضع بينه وبين كل ذلك حاجزًا غير مرئي.

يكتب تقريرًا.

يوقّع.

يسلّم الملف.

وينام.

لكن هذه المرة… لم يستطع النوم.

عاد إلى منزله تلك الليلة متأخرًا. البيت كان هادئًا حد القسوة.

منذ وفاة زوجته قبل سبع سنوات، أصبح الصمت ضيفه الدائم.

لا أطفال.

لا صوت تلفاز.

فقط ساعة الحائط، تدق بثبات، كأنها تذكّره أن الزمن يمضي… سواء شعر به أم لا.

وضع السوار القماشي على الطاولة أمامه.

“لولو.”

مرر إصبعه على الخيط الخشن.

لم يكن سوارًا يُشترى من محل فاخر.

كان مصنوعًا بيدين صغيرتين… أو ربما بيد أمّ فقيرة تحاول أن تمنح ابنتها شيئًا يخصها.

تخيّل الطفلة وهي تقبض عليه.

حتى وهي فاقدة الوعي، لم تتركه.

قبض حسام على السوار فجأة، وكأن خوفًا غامضًا داهمه من أن يختفي.

لم ينتظر الصباح كاملًا.

عاد إلى المستشفى عند السادسة والنصف.

كانت الممرات شبه خالية.

رائحة المطهرات حادة، والإضاءة البيضاء تلسع العين.

استوقفته الممرضة:

— حضرتك رائد حسام؟

— نعم.

— الطفلة استيقظت قليلًا… لكنها لم تتكلم.

دخل الغرفة بخطوات بطيئة.

كانت أصغر مما تذكّر.

جسد نحيل تحت البطانية البيضاء.

أنبوب أكسجين رفيع، ويد موصولة بالمحلول.

شعرها الأسود مغسول الآن، مسرّح بخفة، لكنه لم يخفِ هشاشتها.

فتح الباب فأصدرت المفصلات صوتًا خافتًا.

ارتجفت.

تجمّد في مكانه.

— لا… لا تخافي، قال بصوت خفيض، وهو يرفع يديه قليلًا ليُظهر أنه لا يحمل شيئًا.

عيناها كانتا واسعتين.

داكنتين.

مليئتين بشيء لا يشبه عمرها.

اقترب خطوة واحدة فقط.

— أنا… أنا الذي وجدك. في البيت المهجور.

لم ترد.

أخرج السوار ببطء من جيبه.

رفعَه أمامها.

— هذا كان معك.

تغير شيء في وجهها.

حركة صغيرة جدًا… لكن واضحة.

مدّت أصابعها ببطء، وكأنها تخشى أن يختفي.

وضعه في يدها.

قبضت عليه فورًا… بقوة.

وهمست.

صوت بالكاد يُسمع.

— بابا…

شعر حسام كأن الأرض انسحبت من تحته.

— ماذا قلتِ؟ انحنى قليلًا.

لكنها أغلقت عينيها من جديد.

كأنها استنزفت آخر ذرة قوة في تلك الكلمة.

في الخارج، كانت الدكتورة ندى تنتظره.

— سمعتُها، قال وهو يمرر يده على وجهه.

— ماذا قالت؟

— قالت… بابا.

صمتت الطبيبة لحظة.

— الأطفال أحيانًا يستخدمون الكلمة بدافع الأمان… ليس بالضرورة أنك…

— أعرف، قاطعها بسرعة. أعرف.

لكن قلبه لم يعرف.

عاد إلى القسم بعد ذلك بساعتين.

طلب ملف البلاغات المفقودة لآخر ثلاث سنوات.

ثم خمس.

اسم “لولو” ليس اسمًا رسميًا غالبًا.

قد يكون تدليلًا.

جلس أمام الحاسوب، عينه تتحرك بين الصور.

وجوه كثيرة.

قصص كثيرة.

بعضها أُغلق.

بعضها ما زال مفتوحًا.

ثم…

توقفت يده.

بلاغ منذ عامين.

طفلة اسمها: ليلى محمود حمدي.

سبع سنوات آنذاك.

مختفية من منطقة المطرية.

ضغط الصورة.

نفس العينين الداكنتين.

نفس الشامة الصغيرة تحت الأذن اليسرى.

تسارعت أنفاسه.

فتح التقرير.

الأب متوفى.

الأم… لا توجد بيانات واضحة.

آخر شخص كان يراها معها: زوج الأم.

أغلق الملف ببطء.

شعر بالبرد يجتاحه رغم حرارة الغرفة.

في المساء، عاد إلى المستشفى مرة أخرى.

جلست ليلى — أو “لولو” — نصف جالسة هذه المرة.

تأكل ببطء.

حين رأته… لم ترتجف.

هذا وحده كان انتصارًا صغيرًا.

جلس على الكرسي القريب من السرير.

— هل اسمك ليلى؟

لم تجب.

أخرج صورة مطبوعة من جيبه.

— هل هذه أنتِ؟

نظرت للصورة.

حدّقت طويلًا.

ثم هزّت رأسها… ببطء.

— هل تتذكرين بيتًا في المطرية؟

سكتت.

ثم فجأة، وضعت يديها على أذنيها.

— لا… لا… لا…

صوتها كان مبحوحًا، لكنه مليء بذعر حقيقي.

تراجع فورًا.

— حسنًا… حسنًا. لن نتكلم عن ذلك.

تنفّست بسرعة.

ثم بدأت تبكي.

بصمت.

شعر حسام بشيء ينك.سر داخله.

في اليوم التالي، استدعى زوج الأم للتحقيق.

رجل في الأربعين.

عينان زائغتان.

يداه متعرّقتان.

— زوجتكِ أبلغتِ عن اختفاء الطفلة منذ عامين، قال حسام ببرود.

— نعم… كانت تلعب أمام البيت… واختفت.

— ولماذا لم تستمروا في المتابعة بعد أول شهرين؟

— تعبنا… الشرطة قالت إنها ربما خُطفت.

نظر إليه حسام طويلاً.

ثم وضع أمامه صورة حديثة.

— وجدناها.

تجمّد الرجل.

لم يستطع إخفاء الارتباك.

— أين كانت؟

— في بيت مهجور بعزبة النخيل.

تغيّر لونه.

— لا أعرف شيئًا عن ذلك!

لكن حسام لم يكن يحتاج إلى اعتراف.

عيناه قالتا ما يكفي.

أمر بمراقبته سرًا.

وخلال يومين…

انكشف كل شيء.

البيت المهجور لم يكن مهجورًا صدفة.

كان تابعًا لأحد أقارب الرجل.

سجلّات اتصالاته كشفت زيارات متكررة للمنطقة.

وعندما داهموا المكان مرة أخرى…

وجدوا غرفة خلفية لم تُفتش جيدًا في المرة الأولى.

سلاسل.

طعام فاسد.

بطانية رقيقة.

شدّ حسام فكيه بقوة.

في غرفة التحقيق، انهار الرجل أخيرًا.

— كانت كثيرة البكاء!

— ماذا فعلت بها؟ صرخ حسام.

— لم أردها! لم تكن ابنتي! كانت عبئًا!

ارتفع صوت حسام لأول مرة منذ سنوات.

— طفلـة ليست عبئًا!

انهار الرجل باكيًا.

اعترف أنه احتجزها بعد خلاف مع زوجته.

أراد “تأديبها”.

ثم خاف من الفضيحة.

فاستمر.

سنتان.

سنتان من الظلام.

عندما عاد حسام إلى المستشفى، كانت ليلى نائمة بهدوء.

جلس بجوارها.

— انتهى الأمر، قال بصوت خافت. لن يؤذيك أحد بعد الآن.

فتحت عينيها ببطء.

نظرت إليه.

ثم همست:

— مش هيسيبني؟

— لا.

مدت يدها الصغيرة.

تردد لحظة.

ثم أمسكها.

لأول مرة…

لم يشعر أنه ضابط شرطة.

شعر أنه إنسان فقط.

بعد شهرين، تعافت ليلى تدريجيًا.

بدأت تتكلم أكثر.

تضحك أحيانًا.

الشؤون الاجتماعية بدأت إجراءات نقلها إلى دار رعاية مؤقتة.

وفي يوم جلس حسام أمام الموظفة.

— هل يوجد أقارب صالحون؟

— لا. الأم تخلّت عنها رسميًا.

— وإذا… أردتُ أنا التقدم بطلب رعاية؟

نظرت إليه بدهشة.

— أنت على وشك التقاعد.

— أعلم.

— المسؤولية كبيرة.

ابتسم لأول مرة منذ زمن طويل.

— أمضيتُ ثلاثين سنة أحمي الغرباء. ربما حان الوقت لأحمي شخصًا واحدًا… حتى النهاية.

في يوم تقاعده، سلّم سلاحه الرسمي.

صافحه اللواء سامح.

— لم تتبع نصيحتي، أليس كذلك؟

— لا، سيدي.

— هل ندمت؟

نظر حسام إلى الباب حيث كانت ليلى تنتظره، ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا… والسوار في يدها.

— أبدًا.

خرج من القسم…

يدها الصغيرة في يده.

وللمرة الأولى منذ سنوات…

لم يكن يشعر بثقل الشارة على صدره.

كان يشعر بخفة قلبه.

في المساء، جلست ليلى على الأريكة في منزله.

تنظر حولها بخجل.

— هذا بيتنا الآن، قال برفق.

نظرت إليه.

— بابا؟

توقف الزمن لحظة.

ثم انحنى أمامها، وابتسم بعينين دامعتين.

— نعم يا لولو.

وضعت رأسها على صدره.

وخارج النافذة،

كانت المدينة صاخبة كعادتها.

لكن داخل ذلك البيت الصغير…

بدأت حياة جديدة.

حياة لم تُكتب في تقرير.

ولم تُغلق بملف.

بل بدأت…

بكلمة صغيرة همست بها طفلة نجت من الظلام.

“بابا.”


 تمت 


تعليقات

التنقل السريع
    close