القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سمع خادمته تقول: أحتاج صديقًا للغد… ففعل ما لم يتوقعه أحد!

 سمع خادمته تقول: أحتاج صديقًا للغد… ففعل ما لم يتوقعه أحد!



سمع خادمته تقول: أحتاج صديقًا للغد… ففعل ما لم يتوقعه أحد!

 

لقد بنيت حياتك كما بنيت قصرك ناصعة صامتة ومصممة بحيث لا يجرؤ أي أمر غير متوقع على أن يلمسك.

في الخامسة والأربعين يناديك الناس السيد سالغادو بذلك الاحترام الحذر الذي يشبه المسافة أكثر مما يشبه التقدير.

يتحرك موظفوك كالظلال لأنك دربت البيت على أن يعمل بلا ضجيج بلا أسئلة بلا قصص.

تقنع نفسك أن الانضباط هو السلام وأن النظام هو ذاته السعادة.

لكن في الليل حين يطفأ آخر مصباح لا يعود الصمت نظيفا.

يصبح كغرفة تنتظر اعترافا.

يتبعك في الممر الرخامي ويردد صدى خطواتك كأنه يذكرك بشيء تحاول تجاهله.

وفي يوم ثلاثاء عابر أدركك أخيرا.

كنت في منتصف الدرج متجها إلى مكتبك حين سمعت صوتا في المطبخ لا ينتمي إلى روتينك المثالي.

كان صوت إيزابيل لكنه ليس الصوت المهذب الذي يقول مساء الخير سيدي ثم يختفي.

كان هذا الصوت يرتجف كمن يحاول أن يحبس عاصفة بيدين عاريتين.

توقفت من دون قصد لأن جسدك فهم الإلحاح قبل أن يتظاهر كبرياؤك بعدم فهمه.

أعلم أن الأمر يبدو جنونيا يا لوبيتا همست إيزابيل لكنني أحتاج إليه.

ثم صمت قصير تلاه ما جعل صدرك يضيق لأسباب لا تستطيع تسميتها.

أحتاج إلى صديق للغد.

وقعت الكلمات كأنها دعابة لكن نبرتها كانت خوفا خالصا.

كان عليك أن تتابع السير فهذا ما تفعله حين تصبح الأمور عاطفية.

كان عليك


أن تمنح الناس خصوصيتهم فالخصوصية في بيت كهذا أكثر أمانا من التعاطف.

لكن صوتها انكسر مرة أخرى وشيء داخلك رفض أن يتحرك.

إنه زفاف أختي قالت وكان الصمت في الطرف الآخر من المكالمة ثقيلا حتى عبر الجدار.

أمي مريضة جدا يا لوبيتا وتقول إنها تريد فقط أن تراني مع أحد مرة واحدة.

تخيلت يديها تلتفان بمئزرها وعينيها محمرتين وظهرها يحمل أكثر مما ينبغي.

أبي يقول إنني إن ذهبت وحدي سيتحدث الناس أضافت ولا أريد لأمي أن تغادر هذا العالم وهي قلقة علي.

حين شهقت بدا الصوت ككارثة صغيرة خاصة لكنك شعرت بها بعمق.

اقتربت من الجدار دون أن تدرك أنك بدأت تنصت وكأن الأمر يهمك.

خلال ثلاث سنوات كانت إيزابيل شبه غير مرئية بالنسبة لك لا لأنها بلا حياة بل لأنك رفضت رؤيتها.

كنت تدفع راتبها في موعده تعطي التعليمات تنتظر الصمت وتسمي ذلك عدلا.

الآن سمعت الحقيقة تحت كلماتها

هي لا تطلب حبا بل رحمة.

لا تسعى إلى إعجاب أحد بل تحاول أن تمنح أمها طمأنينة أخيرة.

وفجأة بدا قصرك أقل شبها بالبيت وأكثر شبها بمتحف لسيطرتك الخاصة.

أنهت إيزابيل المكالمة بنفس مرتجف ونبرة مصطنعة من التفاؤل لم تخدعك.

وحين خرجت إلى الممر ورأتك واقفا شحب وجهها كأنها ضبطت متلبسة.

سيدي أنا آسفة جدا قالت بعينين مذعورتين وصوت مستعد للاعتذار.

رفعت

يدك لا بقسوة ولا بأمر بل بثبات كأنك تهدئ حيوانا خائفا.

لم أقصد أن أسمع قلت وللمرة الأولى بدت عبارة لم أقصد عذرا لا حقيقة.

أمسكت بطرف مئزرها كما لو أن القماش وحده يحفظ كرامتها.

هذا ليس شأنك قالت بإصرار وبدت العبارة مألوفة كأنها قالتها طوال حياتها لتنجو.

كان عليك أن تومئ وترحل فهذا ما يفعله المدير وما يفعله الرجل الوحيد أيضا.

لكن سؤالا مختلفا خرج من فمك قبل أن تتمكن من إيقافه

ما مدى خطورة مرض والدتك

ابتلعت بصعوبة فبدت أصغر مما لاحظت يوما.

قلبها قالت بهدوء وبدا الممر فجأة ساطعا أكثر مما ينبغي.

يقولون إن الوقت ليس طويلا أضافت وانكسر صوتها في الكلمة الأخيرة.

شعرت بالرغبة في إصلاح الأمر كما تصلح كل شيءبالمال بالاتصالات بالحلول التي لا تتطلب منك شعورا.

لكن هذا ليس ملفا تجاريا وطريقتها في الوقوف أمامك أوضحت أنها لا تريد صدقة.

تريد لحظة طبيعية لا تضطر فيها لأن تكون القوية.

تنفست وسألت كأنك تخطو على أرض غير مستقرة

متى الزفاف

غدا بعد الظهر أجابت بخفوت كأنها تخجل من الحاجة إلى شيء في وقت قصير.

في سان إيسيدرو دي لا سييرا بعد خالبان.

رسم عقلك المسافة والطرق والوقت فورا.

تخيلتها تدخل ساحة صاخبة وحدها محاطة بأحكام حادة كالسكين.

تخيلت أمها تبحث في وجهها عن طمأنينة بعينين لا وقت لديهما

للتمثيل.

شيء ما التوى داخلك وكرهت مدى شخصية الشعور.

أمضيت سنوات تبني جدرانا كي لا تدين لأحد بقلبك.

والآن امرأة بالكاد تحدثت إليها كشفت صدعا في حياتك.

وسمعت نفسك تقول الجملة التي غيرت كل شيء

إذا كنت ما زلت بحاجة إلى أحد يمكنني أن أذهب معك.

رمشت كأنك تحدثت بلغة أخرى ثم ضحكت بارتباك.

سيدي هذا مستحيل.

أنت رئيسي.

لست أفعل ذلك لأنني مضطر قلت تمرر يدك على وجهك كأنك تعبت من نفسك.

أفعله لأن لا أحد ينبغي أن يكون وحيدا في أمر كهذا.

لمعت عيناها بدهشة لا رومانسية فيها بعد بل صدمة من فكرة أن أحدا قد يحضر بلا مقابل.

سيطرحون أسئلة وسيحكمون همست.

فليحكموا قلت ممسكا بنظرتها كأنك تعد بشيء.

إذا سخروا منك فهم يسخرون مني أيضا.

ارتجفت كتفاها قليلا ثم قالت أخيرا حسنا.

وضعت قواعد لأنك لا تريد أن يتحول الأمر إلى التباس.

يوم واحد. لا لمس إلا إن رغبت. لا توقعات. لا مال. لا ديون.

أومأت بسرعة شاكرة للحدود لأنها تعني الأمان.

وحين ابتعدت أدركت أنك تجاوزت أخطر خط لقد اكترثت.

في صباح اليوم التالي وقفت أمام خزانتك كأنك نسيت كيف تكون عاديا.

بدت بدلاتك كزي رسمي وكرهت للمرة الأولى مدى ملاءمتها لك.

اخترت قميصا فاتحا بسيطا حذاء نظيفا سترة عادية لا شيء يصرخ ثروة.

في المطبخ كانت إيزابيل تغير بلوزتها بيدين مرتجفتين كأن ملابسها ستحدد قيمتها.

رفعت رأسها وتجمدت ما تزال تتوقع أن تقول إن

 

الأمر مزاح.

لم يكن مزاحا قلت.

لنذهب.

في الطريق إلى السييرا كان الصمت مختلفا عن صمت قصرك.

الطريق يضيق التلال ترتفع والمنظر يرخي صدرك دون إذن.

أشارت إلى شجرة كانت تتأرجح عليها طفلة إلى كشك خبز كانت أمها تشتري منه الحلوى.

ضحكت مرة بخفة كأنها نسيت أنها ما تزال تستطيع.

كنت تنصت كأن ذكرياتها ذات قيمة لا مجرد خلفية موظفة.

ودون أن تدرك بدأت تتعلمها بين الجبال.

حين وصلتما إلى سان إيسيدرو كان الهواء مشبعا بدخان الطهي وحلاوة الاحتفال.

كراس بلاستيكية أشرطة ملونة فرقة موسيقية تستعد وناس يتحركون بانتماء.

خرجت من الشاحنة والتفتت العيون إليك كضوء مسلط.

ناداها أحدهم فتصلبت ثم اعتدلت.

ظهرت امرأة عند الباب تمشي ببطء يحمل جسدها إرهاق المرض.

وجهها شاحب لكن عينيها حادتان.

ثبتت نظرتها على إيزابيل بحب مؤلم ثم انتقلت إليك.

من أنت سألت بهدوء ممتحن.

ريكاردو قلت ببساطة.

تأملت وجهك طويلا.

ريكاردو سالغادو

نعم يا سيدتي.

وضعت يدها على فمها كأن ذكرى أصابتها جسديا.

لا يمكن

حين كانت إيزابيل في الخامسة قالت بصوت مرتجف وقع حادث في كيريتارو صبي جريح ينزف وحيد.

حملته إلى شاحنتنا وضغطت جرحه بوشاحي وغنيت كي لا يغمى عليه.

نظرت إليك بعينين تشقان الزمن.

أتذكر عينيه وهما هاتان العينان.

شد حلقك واندفعت رائحة الغبار

والصوت القديم اصمد يا بني.

أنت أنقذتني تمتمت.

شهقت إيزابيل.

كنت ذلك الطفل قلت تفرقت عن والدي يومها ثم تبناني عمي والبقية صارت عملا.

بكت دونا تيريزا بلا حرج.

كنت أتساءل إن كنت عشت.

والآن أدركت أنك عشت لكنك عشت كأن النجاة كل ما تستحقه.

تواصل الزفاف لكن القصة في الفناء أعادت كتابة كل شيء.

لم تعد مجرد صديق ليوم ولم تعد هي مدبرة المنزل ولم تعد الأم مريضة.

هناك خيط غير مرئي يشد كل شيء.

تقدم عم صارم يسأل بنبرة تحقيق

بم تعمل يا ريكاردو

عقارات.

ولماذا هي ماذا تريد من ابنة أخي

نظرت إلى إيزابيل فأومأت.

أريد أن تكون بخير قلت بثبات.

تنفست دونا تيريزا وقالت بهدوء يكفيني كيف ينظر إليها.

مع حلول الليل رأيت ثراء لم تتعلم تقديره.

ضحك جدال دافئ أطفال حفاة جيران يحملون الطعام بلا دعوة.

قصرك لم يصدر صوتا كهذا قط.

قرب البوابة همست إيزابيل خرج الأمر عن السيطرة. أردت معروفا فقط.

ظننته معروفا أيضا اعترفت.

فما هو إذن

لا أعلم بعد لكنني شعرت الليلة بأني أقل وحدة.

صرخ أحدهم قبلة!

اقتربت ببطء.

إن لم تريدي

أريد.

كانت قبلة قصيرة حقيقية أكثر من أن تكون تمثيلا.

في طريق العودة كان الصمت ممتلئا لا فارغا.

يجب أن أستقيل قالت فجأة.

أردت الاعتراض ثم فهمت.

إن كان هذا سيصبح شيئا فلا يبدأ كرئيس وموظفة.

دفعت مستحقاتها

كاملة وزيادة لا رشوة بل حقا متأخرا.

لا تدينين لي بشيء.

في الأسابيع التالية جلست في عيادات لا يعني فيها اسمك شيئا.

حملت الحقائب قدت السيارة أنصت.

تعلمت أن الحضور أهم من الحلول.

قالت دونا تيريزا يوما تبدو كمن نجا من شيء.

كنت قد نجوت من أكثر من حادث.

تسربت الشائعات كما تفعل دائما وكأنها لا تحتاج إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى فراغ لتملأه. بدأت همسا في مقهى صغير قرب العيادة ثم انتقلت إلى مجموعات مغلقة على الهاتف ثم خرجت إلى العلن دون استئذان على هيئة عنوان مستفز وصورة غير واضحة تغري الناس بتخمين ما لا يعرفونه.

نشرت مدونة محلية صورة ضبابية لك وأنت تقف بجانب إيزابيل خارج مركز طبي لم يظهر فيها شيء صريح ومع ذلك بدت وكأنها إثبات كاف عند من يحبون الإثارة أكثر من الحقيقة. لم يكتبوا قصة إنسانية عن علاج أم مريضة ولا عن امرأة تحمل هم بيت بأكمله بل كتبوا القصة الأسهل المليونير والخادمة. كلمتان كفيلتان بإشعال الضحك الرخيص وتسهيل الأحكام الجاهزة.

وفجأة وجدت إيزابيل نفسها محاصرة بضجيج لم تطلبه. كانت تفتح هاتفها فتجد وجوها غريبة تتحدث عنها كأنها شخصية في مسلسل. كانت تمر في الشارع فتشعر بعيون تلاحقها لا لأنها فعلت خطأ بل لأن الناس اعتادوا أن ينظروا إلى امرأة بسيطة وكأنها قصة لا إنسانة.

في إحدى

الليالي جلست في شقتها الصغيرة والستائر مسدلة والهاتف مقلوب على الطاولة كأنه مصدر خطر. كانت تتنفس ببطء كمن يحاول ألا ينهار بصوت عال. وحين رفعت رأسها إليك كانت عيناها ممتلئتين بالخوف لا بالغضب.

قالت بصوت مكسور

لا أستطيع أن أكون أضحوكة.

لم تقل أخاف على سمعتي فقط. كانت تقول أخاف أن يسحق ما بقي من كرامتي. أخاف أن يعود العالم ليضعني في زاوية المذنبة لمجرد أنني سمحت لنفسي أن أتنفس. أخاف أن تصبح حياتي مادة للتسلية وأن تتحول يد امتدت لتساندني إلى شيء يؤلمني من الداخل.

في تلك اللحظة شعرت أنك أمام اختبار لم تمر به في أي مجلس إدارة. لم يكن هناك بند في عقد ينقذك ولا خبير علاقات عامة يداوي خوف امرأة تجرعت طوال حياتها طعم التقييم الاجتماعي القاسي. كان القرار الآن أخلاقيا قبل أن يكون عمليا إما أن تختبئ وراء صمتك المعتاد وإما أن تتحمل مسؤولية وجودك في حياتها لا كممول ولا كمنقذ بل كشريك يرفض أن يتركها وحدها في مرمى السهام.

اتخذت قرارا أكبر من أي صفقة.

لم تتصل لتشتري مواقع إلكترونية كي تحذف الخبر ولم ترسل تهديدات مبتذلة لتخيف من كتبوا ولم تدفع رشى لتكميم الأفواه. كنت تعرف أن المال يستطيع أن يسكت البعض لكنه يفتح أبوابا أخرى من الابتزاز. وكان هناك شيء أعمق إذا استخدمت المال لإخفاء الحقيقة فستبدو وكأنك تخجل منها. وإيزابيل لا تحتاج إلى رجل يخجل منها. تحتاج إلى رجل

 

يقف أمامها بلا قناع.

في صباح اليوم التالي خرج بيان قصير واضح بلا استعراض وبلا تفاصيل تسمح للناس بابتلاع حياتكما. بيان لا يعرفها بوظيفتها ولا يجعلها امرأة جاءت من القاع ولا يلقي عليها ضوءا جارحا.

قلت فيه إنك على علاقة بإيزابيل هرنانديز وإن حياتها الخاصة ليست مادة للتعليق وإن أي إساءة أو مضايقات أو تشويه ستتخذ حيالها إجراءات قانونية. لم يكن البيان رومانسيا ولا شاعريا. كان بيان حماية.

كان أشبه بباب يغلق في وجه موجة الفضول والتأويلات.

عندما قرأت إيزابيل البيان ظلت تحدق في الشاشة طويلا. لم تصدق في البداية. ثم رفعت نظرها إليك وبدت كمن يحاول فهم معنى أن يقف رجل غني في الواجهة ويقول هذه المرأة ليست لعبة. هذه إنسانة.

قالت بصوت مرتجف

لم يكن عليك.

ولم تجبها بعبارات عاطفية كبيرة. لم تقل لأنني أحبك بطريقة سهلة. قلت فقط ما كان يجب أن يقال منذ سنوات من حياتك أنت

تعبت من اعتبار مشاعري ضعفا.

كانت تلك الجملة اعترافا أكثر مما هي رد. اعتراف بأنك قضيت عمرك تعتقد أن القسوة هي الدرع الوحيد وأن الحياد هو النجاة وأن التعلق خطر. ثم جاء يوم سمعت فيه امرأة تقول أحتاج إلى صديق للغد فانهار تعريفك لكل شيء.

بعد ذلك بدأت الأيام تأخذ شكلا مختلفا.

صحة دونا تيريزا كانت ترتفع وتهبط كما يرتفع المد ويهبط. يوم تقول فيه نكتة صغيرة فتضحك إيزابيل من قلبها ويوم آخر لا تستطيع فيه أن ترفع رأسها عن الوسادة إلا بصعوبة. في كل مرة تسوء فيها حالتها كانت إيزابيل تتصرف كمن يمسك بيده شرفة قد تنهار تتماسك أمام الناس ثم تنكسر وحدها في صمت لا تريد أن يراه أحد.

تعلمت

أنت شيئا جديدا لم تتعلمه في عالم العقارات أن الخوف لا يحل بالأرقام وأن المرض لا يعترف بسطوة الأسماء.

جلست في غرف الانتظار سمعت أسماء المرضى تنادى بلا ألقاب رأيت أناسا لا يعرفون من أنت ولا يهتمون. وفي ذلك وجدت للمرة الأولى نوعا من العدل الذي غاب عن حياتك أن تكون مجرد إنسان.

في إحدى الأمسيات حين خرجت إيزابيل لتجيب على اتصال من الممرضة بقيت دونا تيريزا وحدها معك. مدت يدها نحوك ببطء وكانت يدها خفيفة كأنها ورقة شجر لكنها حملت قوة أم قضت عمرها تقاتل لأجل بيتها.

قالت

كنت ذلك الطفل والآن أنت هنا لابنتي.

لم تتحدث بصوت مرتفع ولم تعظك. كانت كلماتها كافية لتجعل حلقك يضيق. لم تكن فقط تذكيرا بماض بعيد بل شهادة على أن الحياة تعود أحيانا لتغلق دائرة تركتها مفتوحة.

قلت لها بصوت خافت كأنك تتعهد أمام شيء أكبر منك

لن تعاني.

ولم تقصد بذلك أن المال سينقذها بل قصدت أن ابنتها لن تترك وحدها لن تهان لن تسحق لن تجبر على حمل كل شيء بنفسها كما حملته طويلا.

مرت الشهور وصار ما بدأ ك صديق ليوم أصدق شيء فعلته في حياتك.

لم تعد المسألة تمثيلا ولا واجهة.

صار حضورك جزءا من واقع تبنيه بإصرار لا بخطابات بل بالأفعال الصغيرة

تسأل قبل أن تتدخل.

تستأذن قبل أن تمسك يدها.

تنتظر رأيها قبل أن تقرر.

تعلمت أن طلب الإذن ليس ضعفا بل احترام.

وإيزابيلالتي اعتادت أن تسلب منها الخياراتبدأت تتنفس لأنها تعامل كإنسانة لها قرار.

وفي لحظة كانت مفصلية لها قالت إنها تريد أن تعود للدراسة لتأخذ الشهادة التي كانت تؤجلها دائما بسبب ضغط العمل والبيت والمرض. لم تحاول أن تملي عليها

ماذا تفعل لم تقل سأتكفل وكل شيء ينتهي. لم تشتري حلمها لها بل وقفت خلفه.

قلت فقط

سأكون هنا.

وبهذه الجملة وحدها أعدت لها معنى السند.

أما هي فبدأت تعيد ترتيب نفسها. لم تعد تخاف من صوتها كما كانت. لم تعد تعتذر عن احتياجها كما لو كان عيبا. بدأت تقول لا حين لا تريد. بدأت تقول أحتاج دون أن تنكمش.

ثم جاء العام التالي.

عدتما إلى سان إيسيدرو لكن ليس كما عدتما في المرة الأولى.

هذه المرة لم تكن تمثل دورا.

لم تكن تستعيرك كحل طارئ.

كانت تسير إلى جانبك لأنها اختارت ذلك لا لأنها اضطرت.

كانت القرية كما هي الهواء يحمل رائحة الخبز والرماد الخفيف من مواقد الطهي والناس يتحركون بطيبة صاخبة. لكنك أنت لم تكن كما كنت. لم تعد تنظر إلى العالم بعين الرجل الذي يقيم ويحسب. كنت تنظر بعين رجل يتعلم أن الحياة ليست مشروعا وأن القلوب ليست أصولا تجارية.

في فناء البيت جلست دونا تيريزا تحت وشاحها أضعف من قبل لكن وجهها كان أكثر سلاما. حين رأتكما لم ترفع حاجبيها بشك ولم تختبرك كما فعلت أول مرة. ابتسمت ابتسامة أم تعرف أن ابنتها لم تعد وحدها.

اقتربت منها إيزابيل وأمسكت يدها ثم نظرت إليك كأنها تقول لا تتركني الآن.

أمسكت يدها أمام الجميع بثقة لا للتحدي بل للإعلان البسيط نحن هنا كما نحن بلا خجل.

قلت بصوت مسموع

شكرا لأنكم ربيتم من علمتني الحضور.

لم تكن الجملة موجهة للعائلة فقط. كانت موجهة لك أنت أيضا. لأنك تعلمت على يد امرأة بسيطة ما عجزت عنه سنوات من النجاح أن تكون حاضرا.

وفي ذلك الحفل الصغير بلا مجلات ولا عناوين رفعت دونا تيريزا زغاريد خافتة متقطعة لكنها

صادقة. كانت كأنها تحاول أن تهزم المرض بصوتها.

قالت

أردت أن أرى ابنتي مع أحد لكنني أراها الآن محبوبة.

سكت الفناء لحظة ذلك الصمت الذي لا يولد من الخوف بل من

الاحترام.

ثم تحركت العيون بعيدا عن الفضول وبدأت ترى الحقيقة ليست مسألة غني وفقيرة ولا قصة للتندر بل حياة صادفت حياة.

اقتربت من إيزابيل كما اقتربت في تلك الليلة عند البوابة قبل عام. لكن هذه المرة لم تكن قبلة لإسكات الناس ولا لتأكيد دور. كانت وعدا.

قبلتها بهدوء وبقدر من الرقة يجعل حتى أكثر القلوب قسوة تتوقف عن السخرية.

ثم وجدت نفسك تضحك. نعم تضحك حقا. وتتحرك على إيقاع الموسيقى في مكان كنت ستتجنبه قديما لأنك لا تعرف كيف تكون بين الناس دون أن تشعر بالتهديد.

مرت السنوات.

كبرت القصص داخل بيتك لا في المدونات.

صار قصرك أقل صمتا وأكثر حياة.

لم يعد متحف السيطرة بل صار بيتا تتسلل إليه الضحكات وأسئلة الأطفال في الزيارات وطرقات الأبواب التي تحمل بشرا لا عقودا.

وحين تتذكر ما غير كل شيء في حياتك لا تتذكر تلك القبلة ولا حتى لحظة الاعتراف أمام العائلة.

تتذكر جملة بسيطة لم يكن عليك سماعها أصلا

أحتاج إلى صديق للغد.

تتذكر كيف وقفت خلف جدار المطبخ رجلا ثريا يخاف دموع امرأة بسيطة لأنها كانت حقيقية أكثر مما يحتمل.

تتذكر أن بإمكانك أن تتابع السير أن تبقي حياتك نظيفة وصامتة كما تريد.

لكنك اخترت ألا تفعل.

لم تنقذ إيزابيل من وحدتها بقدر ما أنقذتك من صمتك.

لم تمنحها مكانا في حياتك فحسب بل منحت نفسك فرصة أن تكون إنسانا لا آلة نجاح.

وتعلمت أخيرا أن المال لا يشتري ما يصنعه القرار بالبقاء وأن أعظم الثروات ليست ما تملكه بل من يطمئن لوجوده بجانبك دون خوف.

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close