القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت سر آخر كامله 




سر آخر 


كل ليلة كنت أجد قطعة ملابس داخلية رجالية غريبة في غرفة نومي أنا وزوجي الغارق في غيبوبة منذ سنوات

في البداية أقنعت نفسي أن الأمر مجرد خطأ من المغسلة

ثم بدأت أشم رائحة عطر رجالي فاخر ورائحة دخان سجائر لا يمكن أن تكون وهما

حتى بدأت الخيوط تتشابك أمامي واكتشفت الكارثة

سنوات طويلة وأنا أرعى زوجي في غيبوبته كانت كفيلة بأن تغيّر إنسانا بالكامل

تحولت إلى ممرضة وحارسة ومحاسبة وأرملة بلا جنازة

ومع ذلك كنت أعود كل ليلة إلى سريري لأسمع الصمت ذاته

صمت له رائحة مطهر واستسلام

اسمي رانيا عبد الرحمن

أعيش في منزل مكوّن من ثلاثة طوابق داخل مجمّع سكني هادئ في التجمع

منزل ينظر إليه الناس بحزن وإعجاب ويقولون كم هي امرأة قوية

لكن أحدا لم ير الوحدة المعلقة حول عنقي كسلسلة ثقيلة لا تنفك

زوجي كريم الشاذلي دخل في غيبوبة بعد حاــ,,ـــــدث سيارة

هكذا قيل لي وهكذا كررت لنفسي لسنوات

سرير المستشفى احتل نصف غرفة نومنا

وصوت الأجهزة أصبح إيقاع البيت كله

كانت أم سعاد تساعدني في رعايته أثناء عملي

وكانت الدكتورة دينا فؤاد تزورنا بانتظام وتمنحني في كل مرة أملا صغيرا بالكلمات

لكن تفصيلة صغيرة بدأت تفسد كل شيء

تفصيلة بدت تافهة في البداية لكنها كانت كفيلة بهدم عالمي

كنت أجد بين الحين والآخر قطعة ملابس داخلية رجالية ليست لزوجي

أقنعت نفسي بأن الغسيل اختلط أو أن الأمر مجرد خطأ عابر

لكن الرائحة كانت الحقيقة التي لا يمكن إنكارها

عطر رجالي فخم ودخان سجائر

زوجي لم يتحرك منذ ست سنوات

في إحدى الليالي نزلت إلى غرفة الغسيل وفتحت سلة ملابسه

وجدت قطعة أخرى بلون خمري ليست له

حينها أدركت أن حياة ما كانت تجري في منزلي من وراء ظهري

سألت أم سعاد إن كان أحد دخل البيت

أجابت بالنفي وكانت عيناها صادقتين

فكان السؤال الأصعب الذي طاردني بعدها

ليس من دخل البيت بل من خرج منه

اشتريت كاميرا صغيرة وأخفيتها داخل مقبس كهربائي في غرفة النوم

ثلاث ليال مرت دون شيء يذكر

في الليلة الرابعة وعند الساعة الثالثة فجرا توقفت الكاميرا عن التسجيل لمدة ساعة كاملة

ثم عادت للعمل

وعندما راجعت التسجيل لاحظت أن يد كريم تغير موضعها

في تلك اللحظة عرفت أن هناك شيئا خطأ حقا

أعلنت أمام الجميع أنني مسافرة ليومين

وقالت الدكتورة بهدوء مريب إنها ستعتني بكل شيء

لكنني لم أسافر

بقيت مختبئة خارج المنزل حتى منتصف الليل

وقفت تحت النافذة أنظر إلى الداخل

وما رأيته لم أكن أتخيله أبدا

كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل عندما أضاءت غرفة النوم

رأيت ظل شخص يتحرك ببطء داخل الغرفة

تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بها في أذني

فتحت نافذة الطابق الأرضي بهدوء شديد ودخلت المنزل كأنني غريبة عنه

كل شيء بدا طبيعيا في الطابق السفلي

الصمت ذاته والرائحة نفسها

لكن الضوء في الطابق العلوي كان يفضح الحقيقة

صعدت الدرج خطوة خطوة وأنا أكتم أنفاسي

كل درجة كانت كأنها تصرخ تحت قدمي

وعندما وصلت إلى باب غرفة النوم سمعت صوتا خافتا

صوت رجل يتنفس بعمق

تجمدت في مكاني

لم يكن من المفترض أن يكون هناك أي رجل في هذا البيت سواي وزوجي الغارق في غيبوبته

دفعت الباب ببطء شديد

وما رأيته جعل العالم يتوقف للحظة

كانت الدكتورة دينا تقف قرب سرير زوجي

لكنها لم تكن وحدها

كان هناك رجل آخر يقف بجانبها

لم أستطع رؤية وجهه في البداية

لكنني رأيت جسده يتحرك بثقة وكأنه يعرف المكان جيدا

رأيت ملابسه الملقاة على الأرض

ورأيت قطعة الملابس الداخلية الخمرية التي كنت أجدها كل ليلة

اختلطت المشاعر داخلي بين الصدمة والغضب والخوف

لكن أكثر ما كان ي.ني هو سؤال واحد

ماذا يفعل هذا الرجل في غرفة نومي

اختبأت خلف الباب أراقب بصمت

كان الرجل يقترب من سرير زوجي

يمد يده نحو الأجهزة الطبية وكأنه يعرف كيف يتعامل معها

بينما كانت الدكتورة تراقبه بتركيز

قالت بصوت خافت

الوقت قصير لا تتأخر

اقترب الرجل أكثر من السرير

ثم حدث ما لم أكن مستعدة لرؤيته

تحركت يد زوجي مرة أخرى

لم تكن حركة عشوائية

كانت حركة واعية بطيئة لكنها واضحة

ارتجف جسدي كله

أردت أن أصرخ لكن صوتي اختفى

تبادل الرجل والدكتورة نظرة سريعة

ثم قال الرجل بهدوء

بدأ يستجيب

سقطت الكلمات فوقي كصاعقة

بدأ يستجيب

هل كان زوجي واعيا طوال هذه السنوات

هل كان يسمع ويرى كل شيء

تراجعت خطوة إلى الخلف وأنا أشعر أن الأرض تميد بي

لكن صوتا آخر وصل إلى أذني

صوت زوجي

صوت ضعيف مبحوح لكنه واضح

اسمي

في تلك اللحظة انهار كل شيء داخلي

اندفعت إلى داخل الغرفة دون تفكير

التفت الرجل نحوي بصدمة

أما الدكتورة فبدت وكأنها توقعت حضوري

صرخت باسمه وأنا أبكي

فتح عينيه ببطء شديد

ست سنوات من الصمت انتهت بنظرة واحدة

لكن الحقيقة التي سمعتها بعد ذلك كانت أشد قسوة من كل ما سبق

لم يكن حاــ,,ـــــدث السيارة مجرد حاــ,,ـــــدث

ولم تكن غيبوبته طبيعية

ولم يكن الرجل غريبا عن حياتنا

كان شقيقه الذي أخفاه عني لسنوات

وكانت الغيبوبة جزءا من خطة طويلة

خطة لحمايته من شركاء أرادوا .ه بعد أن اكتشف تورطهم في صفقة خطيرة

أما الدكتورة فكانت جزءا من تلك الخطة

تراقبه وتحافظ على حياته في الخفاء

كل تلك السنوات كنت أعيش في نصف الحقيقة

بينما كان النصف الآخر يحدث في غرفتي نفسها

انهرت على الأرض وأنا أبكي

ضحكت بمرارة وأنا أدرك أن الخيانة التي كنت أخشاها لم تكن خيانة قلب

بل خيانة سر

في تلك الليلة انتهت سنوات الصمت

لكن حياتي التي كنت أعرفها انتهت معها أيضا

وبدأت قصة أخرى لم أكن مستعدة لها أبدا.


في الليلة نفسها لم أنم لحظة واحدة


جلست بجوار سريره حتى أشرقت الشمس وأنا أحدق في وجهه كأنني أخشى أن يختفي من جديد


كانت الأجهزة ما تزال تصدر أصواتها الرتيبة لكن الغرفة لم تعد كما كانت


لم يعد الصمت صمتا بل صار ثقلا يضغط على صدري بأسئلة لا تنتهي


جلس شقيقه في المقعد المقابل لي صامتا وكأنه ينتظر الحكم


أما الدكتورة دينا فكانت تراجع الأجهزة بعينين حذرتين كأنها تخشى أن ينهار كل شيء في لحظة


سألت أخيرا بصوت مبحوح


كم من الوقت كان واعيا


تبادلا نظرة صامتة قبل أن تجيب الدكتورة


منذ عام تقريبا


عام كامل


عام وأنا أبكي أمامه وأتحدث إليه وأخبره عن وحدتي وعن خوفي وعن كل تفصيلة في حياتي وهو يسمعني ولا يستطيع الرد


لم أشعر بالغضب بقدر ما شعرت بانكسار غريب


انكسار يشبه اكتشاف أن حياتك كانت مسرحية طويلة وأنك الممثل الوحيد الذي لم يعرف النص


بدأ شقيقه يروي الحقيقة كاملة


بعد الحاــ,,ـــــدث بأسابيع قليلة اكتشف كريم أن شركاءه في العمل تورطوا في شبكة غسيل أموال ضخمة


عندما حاول الانسحاب هددوه بال.


وقبل أن يتمكن من إبلاغ الشرطة وقع الحاــ,,ـــــدث


لم يكن حاــ,,ـــــدثا عاديا


كان محاولة اغتيال فاشلة


أصيب إصابة بالغة دخل بعدها في غيبوبة حقيقية لسنوات


لكن عندما بدأت حالته تتحسن سرا خاف الأطباء من تسريب الخبر


فلو علم شركاؤه أنه استيقظ فلن يترددوا في إنهاء ما بدأوه


هكذا بدأت الخطة


تم إخفاء تحسنه عن الجميع


حتى عني أنا


قالت الدكتورة بصوت خافت


كنا نحاول حمايتك أيضا


ضحكت بمرارة


الحماية التي تحوّل زوجي إلى غريب في بيتي


مرّت الأيام التالية ببطء شديد


بدأ كريم يستعيد وعيه تدريجيا


كلماته كانت متقطعة وحركته ضعيفة لكن عينيه كانتا تمتلئان بالحياة شيئا فشيئا


في كل مرة كان ينظر إلي كنت أشعر بمزيج من الحب والغضب والحنين والخوف


مشاعر متشابكة لا أعرف كيف أفككها


في إحدى الليالي طلب أن نبقى وحدنا


خرج الجميع وتركونا في الغرفة الصامتة


قال بصوت متعب


كنت أسمعك كل ليلة


انفجرت بالبكاء


لم أستطع التوقف


سنوات من الألم خرجت دفعة واحدة


قال إنه كان يحاول الحركة منذ شهور لكنه كان محاصرا داخل جسده


قال إنه كان يخاف أن أفقد الأمل أو أن أُصاب بالأذى إن عرفت الحقيقة


سألته بصوت مرتجف


هل كنت ستخبرني يوما


أغمض عينيه لحظة طويلة قبل أن يجيب


كنت أخاف أن أفقدك


لم أجد ما أقول


لأن الحقيقة المؤلمة كانت واضحة


لقد فقدت نفسي بالفعل خلال تلك السنوات


بدأت التحقيقات الرسمية بعد أسابيع


قُبض على شركائه وتفككت الشبكة التي كادت ت.ه


أصبح منزلنا فجأة محاطا بالحراسة والزيارات والأسئلة


لكن كل ذلك لم يكن الأصعب


الأصعب كان أن نتعلم كيف نعيش معا من جديد


كنا مثل غريبين يحاولان التعرف إلى بعضهما مرة أخرى


نتعلم كيف نتحدث دون خوف


كيف نصمت دون أن نخاف من الصمت


وفي ليلة هادئة جلسنا في الشرفة لأول مرة منذ سنوات


نظر إلي طويلا وقال


هل ما زلت تحبينني


نظرت إلى السماء قبل أن أجيبه


الحب لم يختف


لكنه تغيّر


نضج وجرح وتعب لكنه لم يمت


ابتسم لأول مرة منذ سنوات


ابتسامة ضعيفة لكنها حقيقية


في تلك اللحظة أدركت أن النهاية التي كنت أظنها نهاية حياتي لم تكن سوى بداية جديدة


بداية أصعب وأكثر صدقا من أي بداية عرفتها من قبل.


مرت الشهور التالية وكأنها زمن جديد لا يشبه أي شيء عشناه من قبل

البيت الذي كان يشبه غرفة عناية مركزة صار يمتلئ بصوت الحركة والكلام

لكن الغريب أن الضجيج لم يبدد الفراغ الذي تراكم داخل قلبي طوال السنوات الماضية

تعافى كريم ببطء شديد

كل خطوة كان يخطوها كانت معجزة صغيرة

وكل مرة يمسك يدي فيها كنت أشعر بفرح يشبه الدموع

لكن مع كل تحسن كان سؤال خفي يكبر داخلي

كيف نعيش بعد كل ما حدث

كيف نعود زوجين بعد أن كنا ممرضة ومريضا وظلا وصمتا

أصبحنا نحاول إعادة ترتيب حياتنا كما يعيد شخص ترتيب بيت احترق نصفه

نحتفظ بما نجا ونحاول ترميم ما تهدم

عاد كريم إلى متابعة قضيته مع الشرطة

كانت التحقيقات طويلة ومتعبة

استدعاءات ومحاضر وشهادات

وأسماء كنت أسمعها للمرة الأولى رغم أنها كانت جزءا من حياته

في أحد الأيام عاد إلى المنزل متعبا على غير عادته

جلس على الأريكة صامتا وقتا طويلا قبل أن يقول

هناك شيء لم أخبرك به بعد

تجمدت في مكاني

تعلمت خلال الأشهر الماضية أن الجملة التي تبدأ بهذه الكلمات تحمل عاصفة بعدها

قال إن شركاءه لم يكونوا يعملون وحدهم

كانت هناك أسماء أكبر وأقوى لم تصل إليهم التحقيقات بعد

وأحدهم ما زال حرا

شعرت بأن الهواء يختفي من حولي

كأن السنوات الست الماضية عادت فجأة لتجلس معنا في الغرفة

سألته بصوت خافت

هل نحن في خطر

نظر إلي طويلا قبل أن يجيب

ربما

لم أنم تلك الليلة

كل صوت في البيت صار يوقظ قلبي

وكل ظل خلف النافذة صار احتمال خطر

في صباح اليوم التالي استيقظت على صوت جرس الباب

فتحت الباب فوجدت باقة زهور ضخمة موضوعة على الأرض

لا بطاقة ولا اسم

حملتها بيدين مرتجفتين إلى الداخل

وحين وضعتها على الطاولة سقطت بطاقة صغيرة مخبأة بين الزهور

كانت جملة واحدة فقط

الحمد لله على السلامة

نظرت إلى كريم وقرأت الخوف في عينيه قبل أن ينطق بكلمة

بدأت الأيام التالية بقلق دائم

شعور بأن أحدا يراقبنا من بعيد

أن الماضي الذي ظننا أننا هربنا منه لم ينته بعد

وفي إحدى الليالي بينما كنا نشاهد التلفاز انقطعت الكهرباء فجأة

غرق البيت في ظلام كامل

سمعنا صوتا خافتا في الطابق العلوي

تبادلنا نظرة صامتة

تلك النظرة التي تقول كل شيء دون كلمات

صعد كريم الدرج ببطء رغم ضعفه

تبعته وأنا أكتم أنفاسي

كان باب غرفة النوم مفتوحا قليلا

يدفعه الهواء بحركة خفيفة كأنه يدعونا للدخول

دخلنا الغرفة معا

كانت النافذة مفتوحة والستائر تتحرك ببطء

وعلى السرير كانت هناك قطعة ملابس داخلية رجالية بلون خمري

تماما مثل تلك التي بدأت بها القصة

نظر إلي كريم بصدمة حقيقية هذه المرة

وقال بصوت مرتجف

هذه ليست لي

في تلك اللحظة فهمت أن القصة التي ظننا أنها انتهت لم تبدأ بعد.


تجمد الدم في عروقي وأنا أحدق في القطعة الموضوعة فوق السرير

كان المشهد يعيدني إلى البداية وكأن الزمن دار دورة كاملة وعاد إلى النقطة نفسها

لكن هذه المرة لم يكن في الأمر شك أو تفسير بريء

هذه المرة كان كريم يقف بجانبي ويرى ما أرى

اقترب ببطء ومد يده ليلتقطها ثم توقف قبل أن يلمسها كأنها شيء سام

قال بصوت منخفض

أحدهم دخل البيت

لم أجب



        



لأن الجملة كانت أكبر من أن تحتاج جوابا

تفقدنا الغرفة بسرعة

الخزانة مغلقة

الأدراج كما هي

الأجهزة لم تُمس

لا شيء مسروقا ولا شيء مكسورا

فقط تلك القطعة التي بدت كرسالة صامتة

رسالة تقول نحن هنا

أغلق كريم النوافذ بإحكام واتصل بالحراسة فورا

خلال دقائق امتلأ البيت برجال الأمن والتفتيش والأسئلة

لكن النتيجة كانت نفسها

لا أثر لكــ,,ـــــسر أو اقتحام

لا كاميرات رصدت شيئا

وكأن من دخل خرج كظل لا يترك خلفه أي دليل

مرت الليلة بطيئة وثقيلة

جلسنا في غرفة المعيشة بلا كلام

كانت تلك أول مرة أرى الخوف في عيني كريم منذ استيقظ

قال أخيرا

هم يعرفون أننا نعيش هنا

كانت جملة بسيطة لكنها فتحت بابا من الرعب في داخلي

في اليوم التالي قرر كريم تركيب نظام مراقبة جديد يغطي كل زاوية في المنزل

كاميرات داخلية وخارجية وأجهزة إنذار وأقفال إلكترونية

تحول البيت إلى حصن صغير

مر أسبوع كامل دون شيء

ثم أسبوع آخر

بدأ الخوف يهدأ تدريجيا كما يهدأ البحر بعد العاصفة

وفي ليلة هادئة كنا نجلس في غرفة المعيشة نتابع تسجيلات الكاميرات من باب الاطمئنان فقط

كنا نراجع تسجيلات الليلة السابقة عندما توقف كريم فجأة

أعاد المقطع مرة أخرى

ثم مرة ثالثة

اقتربت من الشاشة

لم أر شيئا في البداية

ثم لاحظت الحركة

باب غرفة النوم انفتح ببطء شديد من الداخل

في الساعة الثالثة فجرا

والكاميرا لم ترصد دخول أحد إلى الغرفة قبل ذلك

تسارعت أنفاسي وأنا أتابع المشهد

الضوء الخافت يتسلل من الممر

والباب يتحرك وحده ببطء

ثم ظهرت يد

يد تخرج من الظلام وتغلق الباب من الداخل

صرخت دون وعي

لكن كريم لم يتحرك

كان يحدق في الشاشة بوجه شاحب

قال بصوت بالكاد يُسمع

هذه يدي

نظرت إليه في ذهول

كانت يد التسجيل تتحرك بثبات وقوة

ليست يد رجل يتعافى بصعوبة

أعاد المقطع مرة أخرى

ثم أبطأ السرعة

كانت اليد تتحرك بثقة وكأن صاحبها يعرف تماما ما يفعل

همس كريم

أنا كنت نائما تلك الليلة

شعرت بأن الأرض تميد بي

إذا لم يكن هو

فمن كان داخل الغرفة

وفي تلك اللحظة سمعنا صوتا خافتا يأتي من الطابق العلوي

صوت خطوات بطيئة

نظرنا إلى بعضنا في صمت مرعب

لأننا كنا نجلس معا في الأسفل

وهذا يعني أن شخصا آخر كان في الأعلى الآن.


توقف الزمن للحظة ونحن نحدق في بعضنا

الصوت كان واضحا هذه المرة

خطوات بطيئة فوق رؤوسنا مباشرة

نهض كريم بصعوبة لكنه أصر أن يصعد

أمسك يدي بقوة وكأننا سندخل حربا لا نعرف نهايتها

صعدنا الدرج ببطء شديد

كل درجة كانت تبدو أطول من التي قبلها

والصمت حولنا كان أثقل من أي صوت

عندما وصلنا إلى الممر العلوي رأينا باب غرفة الأجهزة مفتوحا

لم يكن هذا الباب يفتح أبدا

كانت غرفة صغيرة نحتفظ فيها بمولد الكهرباء ولوحة التحكم بالكاميرات

اقترب كريم بحذر ودفع الباب

فانفتح ببطء كأنه كان ينتظرنا

لم يكن هناك أحد

لكن شاشة صغيرة كانت تعمل على المكتب

شاشة لم تكن ضمن نظامنا أصلا

اقتربنا منها معا

وعندما نظرنا إلى ما تعرضه الشاشة شعرت أن الهواء اختفى من حولي

كانت الكاميرا تعرض بثا مباشرا لغرفة نومنا

من زاوية لا تملكها أي كاميرا لدينا

زاوية مرتفعة في السقف

نظر كريم إلى السقف ببطء شديد

رفع عينيه نحو المصباح المركزي

وتقدم خطوة نحوه

أطفأ المصباح

وبعد لحظة فتح الغطاء الزجاجي بيد مرتجفة

سقطت قطعة صغيرة سوداء على الأرض

كاميرا

لم أستطع التحدث

لم أستطع حتى التنفس

قال كريم بصوت مكسور

كانوا يراقبوننا طوال الوقت

في تلك اللحظة دوى صوت إنذار الحديقة الخارجية

ركضنا نحو النافذة

ورأينا بوابة المنزل تُفتح ببطء

سيارة سوداء تقف خارجها

أضواؤها مطفأة

خرج منها رجل واحد فقط

لم يركض

لم يختبئ

كان يسير بثقة وكأنه صاحب المكان

طرق الباب الأمامي مرة واحدة فقط

نظر إلي كريم طويلا

ثم قال

انتهى الاختباء

نزلنا معا وفتح الباب

كان الرجل في منتصف الخمسينيات من عمره

ملامحه هادئة بشكل مخيــ,,ـــــف

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال

تأخرتم كثيرا

تجمد كريم في مكانه

همس باسمه بصوت خافت

كان اسم الرجل هو الاسم الوحيد الذي لم تذكره التحقيقات

الاسم الذي قال كريم إنه أخطرهم جميعا

دخل الرجل إلى المنزل دون أن ينتظر دعوة

جلس بهدوء في غرفة المعيشة كأنه يزور أصدقاء قدامى

قال بصوت هادئ

ست سنوات ونحن ننتظر أن تستيقظ

نظرت إلى كريم فوجدته شاحبا كالمــ,,ـــــوت

تابع الرجل

ظننت أن الغيبوبة ستحميك

لكننا كنا نعرف أنك ستعود يوما

أشار حوله ببطء

هذا البيت كان لنا طوال الوقت

شعرت بأن الجدران تضيق حولي

كل ليلة كنت أظن أنني وحدي

لكنهم كانوا هنا

يراقبون

ينتظرون

قال كريم بصوت مرتجف

ماذا تريد

ابتسم الرجل ابتسامة باردة

أريد ما أخذته منا

ثم نظر إلي لأول مرة

نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقي

وقال بهدوء شديد

والآن بعد أن عرفَت كل شيء

لم يعد هناك سبب لإبقائها خارج اللعبة

في تلك اللحظة فهمت الحقيقة الأخيرة

لم تكن قصتي قصة زوج مريض

ولا قصة خيانة

ولا حتى قصة مؤامرة قديمة

كانت بداية حرب جديدة

وأنا أصبحت جزءا منها رغما عني.


تعليقات

التنقل السريع
    close