القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء! 😱🐎

 طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء! 😱🐎

 



طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء! 😱🐎

 

على مدى سنوات طويلة كان حصان جميل مصاب بإصابة خطيرة يتعرض لإساءات يومية دون أن يفعل أحد شيئا لمساعدته. كانت نظراته قد فقدت بريقها إلى أن جاء يوم تقاطع فيه طريقه مع طفل فقير. لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر بكثير من مجرد فعل شفقة عابر. ما فعله الطفل لم يدهش الجميع فحسب بل كان بداية قصة ستجعل القشعريرة تسري في جسدك.

هيا أيها الحيوان القذر تحرك!

صرخ أحد العمال وهو يجر الحصان بحبل مربوط بإهمال حول عنقه.

تعثر الحصان. لم تستطع ساقه الأمامية أن تحمل وزنه. سقط على جانبه فارتفعت سحابة من الغبار. لم يصهل لم يئن بل تنفس بصعوبة وكأن الألم نفسه يتطلب منه جهدا إضافيا. كان باقي العمال يشاهدون المشهد بلا اكتراث. لم يقترب أحد. بعضهم كان يضحك تحت الشمس وآخرون يشربون الماء دون أن يلتفتوا. بالنسبة لهم لم يعد ذلك الحيوان حصانا بل أصبح كتلة عديمة الفائدة عبئا مهملا في وسط الحظيرة.

قال أحد العمال وهو يرمي قشرة برتقال على ظهره

كل ما يعرفه هذا هو إضاعة المكان.

لم يتحرك الحصان. لم تحرك أذنه حتى. منذ أن أصيب في حادث أثناء نقل الخشب لم يعد صالحا لشيء. لم يهتم أحد بعلاجه. لم يعتن به أحد. لم يحبه أحد. كان دون روكي صاحب المزرعة يراقب المشهد من كرسيه تحت سقيفة المستودع يمضغ تبغا رخيصا بلا مبالاة. قال ببرود

اتركوه هناك سيموت وحده. من الذي سينفق المال على عديم الفائدة

انفجرت الضحكات من حوله.

كان الحصان ممددا على الأرض خطمه مغروسا في التراب وجانبه يعلو ويهبط بصعوبة. لم ينظر إليه أحد بعين احترام إلى أن فعلت ذلك عينان صغيرتان من خلف المخزن.

كان ألف في الحادية عشرة من عمره يحمل دلوا فارغا بين يديه. لم يكن عاملا ولا سيدا. كان يعمل مقابل الطعام له ولجدته. ينام على فراش بال قرب قن الدجاج ولا يكلمه أحد إلا ليعطيه أوامر.

في ذلك اليوم عندما رأى الحصان يسقط شعر بعقدة حادة في معدته. ترك الدلو ملقى على الأرض واستغل انشغال الجميع وعبر الحظيرة حتى وصل إلى الحيوان. حرك الحصان رأسه قليلا عندما سمع خطواته. لم تكن لديه القوة حتى ليخاف.

قال ألف بصوت خافت

مرحبا.

أخرج من جيبه قطعة خبز يابسة كان قد ادخرها لوقت لاحق. كسرها إلى نصفين ووضع أحدهما قرب فم الحصان.

لا أعرف إن كنت ما زلت جائعا لكنه كل ما أملك.

كان الحصان يتنفس بصعوبة. كانت ساقه متورمة وبها جرح مفتوح لم ينظف ولم يعالج. جثا ألف على الأرض وراح يراقبه بصمت. لم يقل شيئا آخر. لم يقدم وعودا. فقط بقي هناك إلى جانبه إلى أن دوت صيحات العمال.

اخرج من هنا أيها الوغد!

قفز ألف واقفا وركض دون أن يلتفت خلفه. اختبأ بين براميل الماء وانتظر حتى يتأكد أن لا أحد يتبعه. كان قلبه يخفق بقوة لا خوفا بل غضبا غضبا لم يعرفه من قبل.

في تلك الليلة حين كان الجميع نائمين عاد إلى الحظيرة يحمل مصباحا مكسورا ووعاء فيه ماء. اقترب دون أن يحدث صوتا. كان الحصان ما يزال ممددا هناك وعيناه مفتوحتان.

همس له ألف

لم أنسك اسمي ألف. تقول جدتي إن كل كائن حي يحتاج أن ينظر إليه أحد بعطف ولو مرة واحدة.

حرك الحصان أذنه بخفة. وضع ألف الماء قربه ثم مسح الجرح قليلا بكم قميصه وبدأ يحدثه عن أشياء بسيطة عن جدته وعن الذرة التي جمعها وعن البرد الذي يجعل قدميه تؤلمانه.

وحين انتهى بقي جالسا إلى


جانبه. لم ينم بل ظل مستيقظا حتى صاح الديك. وقبل أن يطلع الفجر اختفى من جديد.

لكن تلك الرابطة غير المرئية بعد للآخرين كانت قد بدأت تتكون ولم يكن شيء قادرا على إيقافها.

ألف! هل انتهيت من الماء أم يجب أن أفعل ذلك أنا أيضا

صرخ المشرف من الجهة الأخرى للمستودع.

خرج الصبي راكضا والدلو نصف ممتلئ يتخبط في الوحل. لم يجب بل أنكس رأسه.

وكما في كل مرة لم يكن أحد ينتظر منه إجابة.

كان ألف ذلك الصبي النحيل الذي ينام في الزوايا ولا يظهر إلا حين يكون هناك ما يجب حمله أو كنسه أو أمر ينفذ.

هذا الصغير أبطأ من بغلة عجوز تمتم أحد العمال.

لم يدافع عنه أحد ولم يحيه أحد.

ولو اختفى يوما لما لاحظوا سوى أن دلوا واحدا لم يعد يستعمل.

منذ أن ماتت أمه بالحمى وبقيت جدته بعين واحدة شبه عمياء كان ألف يعيش بتقديم خدماته في المزرعة. كانوا يمنحونه بقايا الطعام ويتركون له ركنا ينام فيه.

لم يدفعوا له أجرا قط لكنه لم يشتك يوما.

بعد أن سلم الدلو توجه إلى المطبخ. ألقت الطباخة إليه عظما مجردا داخل منديل دون أن تنظر إليه. شكرها بصوت خافت ثم خرج.

جلس في ظل شجرة قرب الحظيرة. أكل بصمت مسندا ظهره إلى جذع يابس. ومن هناك كان يرى الحصان.

كان ما يزال ممددا لكن رأسه كان مرفوعا الآن. كان ينظر إلى الأفق كأنه ينتظر شيئا.

شعر ألف بحرارة غريبة في صدره. لم يكن يعرف إن كانت جوعا أم حزنا أم غضبا لكنها كانت عميقة.

ومن بعيد أدار الحصان رأسه. تلاقت نظراتهما. لم تدم سوى لحظة لكنها كانت كافية.

في فترة ما بعد الظهر بينما كان ألف يحمل أكياس الذرة إلى المستودع سمع ضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.

ذلك لا يصلح حتى ليكون ظلا.

إنه قطعة أثاث لها أرجل.

انظر كيف يجر ساقه.

شد ألف قبضتيه لكنه لم ينطق. كان يعرف كيف يعمل عالم الكبار. لو فتح فمه لطرد.

عندما غربت الشمس انتظر حتى دخل الجميع إلى المباني. تأكد أن لا أحد يراه ثم توجه إلى المكان الصغير حيث تنام جدته كوخ خلف الإسطبل.

كانت جالسة على كرسي خشبي تحيك في الظلام.

قالت

هل ذهبت إلى الحقل اليوم يا ألف

قال

نعم يا جدتي. أعطوني حساء ظهرا وعظما بعد ذلك.

ابتسمت دون أن تتوقف عن الحياكة

هذا أكثر مما كان بالأمس.

اقترب منها ولمس يدها. ثم قال بتردد

جدتي هل تعتقدين أن الحيوانات تفهم حين نكلمها

أجابت بهدوء

نعم بالطبع. ليس بعقولها بل بأرواحها.

صمت ألف ثم قبل خدها وخرج.

كان الليل قد حل حين عاد إلى الحظيرة. كان الحصان هناك بدا وكأنه نائم. اقترب ألف على أطراف أصابعه. هذه المرة لم يحمل خبزا ولا ماء جاء فقط ليكون حاضرا.

همس

لم تضحك عندما رأيتني وهذا يكفيني.

أدار الحصان رأسه ببطء. كانت عيناه مفتوحتين وفيهما شيء جديد. ليس بريقا ولا قوة بل انتباه.

جلس ألف إلى جانبه وقال

هناك من يقول إنني عبء كما يقولون عنك.

أخرج من جيبه حصاة ملساء كان قد وجدها في الحقل قبل أسابيع. كانت الشيء الوحيد الذي يملكه حقا. وضعها قرب الساق المصابة وقال

احتفظ بها إن اختفيت يوما.

ثم أسند رأسه إلى جسد الحصان الدافئ. لم ينم لكنه استراح.

وعندما صاح الديك اعتدل في جلسته. كان الحصان ينظر إليه دون حركة. مسح ألف عنقه براحة يده. لم يبتعد الحصان.

همس

أنت أيضا لا أحد لك.

كانت تلك أول لمسة. ولم يرها أحد. لكنها كانت أثمن من

أي كلام.

حل الصباح مغبرا كعادته. كان العمال قد استيقظوا منذ وقت مبكر يصرخون ويدفعون ويقودون الحيوانات بعنف. كان ألف يتحرك بينهم بعينين متورمتين من السهر يحمل كيسا من الذرة على كتفيه لكن انتباهه لم يكن هناك.

في كل مرة تسنح له الفرصة كان يلتفت نحو الحظيرة. هناك كان الحصان ممددا كما في كل يوم لكنه بدا مختلفا. لم يعد غارقا في اللامبالاة.

حين مر ألف بمحاذاة السياج رفع الحصان رأسه وراحت عيناه تبحثان عنه وسط الحركة.

لم يصدر صوتا لم يصهل فقط نظر إليه.

شعر ألف بشيء يخفق في صدره. لم يكن خوفا بل اعترافا.

لم يكن يستطيع التوقف فأنزل الكيس في المخزن وحمل آخر ثم مر من جديد. تكررت النظرة. لم تعد مصادفة بل صلة صامتة وثابتة.

أسرع أيها الصغير! صرخ أحد العمال.

أنكس ألف رأسه ومضى لكن شيئا ما كان قد اشتعل داخله.

طوال اليوم كان يبحث عن لحظات يعود فيها إلى الحظيرة. عند الظهيرة تظاهر بأنه ذاهب لجلب الماء وحمل معه قطعة قماش مبللة. انحنى قرب الحصان ونظف الجرح دون أن يتكلم. لم يئن الحصان بل كان يراقبه بانتباه وكأن تلك اليدين الصغيرتين أكثر أمانا من كل الأيدي التي لمسته من قبل.

قال ألف وهو يزيل الطين اليابس عن جبينه

أنا أفهمك أنا أيضا أشعر أنني مكسور.

لم يكن ذلك شعرا بل حقيقة.

لم يكن لألف أب. ماتت أمه منذ عامين. وكانت جدته بالكاد تستطيع المشي. توقف عن البكاء حين فهم أن لا أحد سيأتي لينقذه. تعلم أن يتحرك بصمت وألا يشغل حيزا مثل الحصان.

في تلك الظهيرة بينما كان الآخرون نائمين في الإسطبلات بقي ألف قرب الحصان دون أن يلمسه. كانا يتقاسمان الوقت فقط. كانت أذنا الحصان تتحركان مع حركة الريح وأحيانا كان يدير رأسه وينظر إليه. لم يكن هناك حاجة لشيء آخر.

قال ألف بصوت منخفض

هناك أناس يتكلمون كثيرا لكنهم لا يقولون شيئا وأنت لا تقول شيئا ومع ذلك أفهمك.

أغلق الحصان عينيه للحظة. ابتسم ألف. كانت تلك النظرة الصامتة كأنها جواب. وكأن أحدا ما رآه أخيرا كما هو.

عندما بدأت خطوات العمال تسمع من جديد نهض ألف.

قال

هل يجب أن أذهب

فتح الحصان عينيه وحرك رأسه قليلا كأنه يريد منعه. توقف ألف ثم قال

سأعود كلما استطعت سأعود.

وفعل.

في كل يوم خلال الفراغات غير المرئية من عمله كان يعود. أحيانا ومعه خبز يابس أحيانا كلمة وأحيانا مجرد حضوره. وفي كل مرة كان الحصان يستقبله بالنظرة نفسها مزيج من حذر انهزم وحاجة صامتة.

في إحدى الأمسيات بينما كان العمال الآخرون يحملون الحطب تمكن ألف من البقاء وقتا أطول. جلس إلى جانب الحصان وبدأ يحكي له عن أمه كيف كانت وعن طبخ جدته وعن حلمه بأن يملك دراجة يوما ما حتى وإن لم يكن يعرف كيف يركبها.

كان يتحدث ببطء كأن الكلمات ماء لا يريد أن يسكبه. لم يتحرك الحصان لكنه كان ينفخ أنفاسا خفيفة بين الحين والآخر كأنه يرد.

ثم حدث شيء مختلف.

مد ألف يده ووضعها على عنق الحصان دون ضغط. كان اللمس دافئا. لم يبتعد الحصان لم يرتجف بل بقي ساكنا. شعر ألف بعقدة في حلقه.

قال

شكرا لأنك لا تخاف مني.

وعندما غادر في ذلك اليوم ظل الحصان يتبعه بنظره حتى اختفى خلف المخزن.

ولم يتبادلا كلمة واحدة لكن ما قالته أعينهما كان أقوى من أي وعد.

في تلك الصباح هبت الرياح بقوة وارتفع الغبار الجاف واضطر العمال إلى تغطية

أعينهم بأذرعهم. كان ألف يحمل كيسا من الشوفان على ظهره يمشي بصعوبة والغبار يدخل فمه وأنفه لكنه لم يشتك. كان يفكر في شيء واحد فقط هل الحصان بخير

كان قد قضى الليل يحلم به. لا كلمات ولا مشاهد واضحة بل إحساسات تنفسه دفء عنقه الطريقة التي ينظر بها إليه كأنه يستطيع أن يودع لديه ثقل ألمه.

استيقظ ألف وهو يشعر برغبة في أن يفعل شيئا أكثر.

عندما أنهى جولته توجه مباشرة إلى المطبخ ومن دون أن يستأذن أخذ قطعة خبز يابس كانت على الطاولة أخفاها تحت قميصه وخرج من الباب الخلفي.

ركض نحو الحظيرة وهو يلهث. كان الحصان هناك كما في كل يوم ممددا قرب السياج. كان رأسه منخفضا لكنه ما إن سمع الخطوات حتى رفعه. أضاءت عيناه بذلك الوميض الصغير الذي تعلم ألف أن يميزه.

قال الصبي وهو ينحني

أحضرت لك شيئا.

أخرج الخبز وقسمه بعناية إلى نصفين. وضع أحدهما قرب فم الحصان واحتفظ بالآخر في جيبه.

قال

اليوم لم آكل شيئا لا يهم. أنت بحاجة إليه أكثر.

شم الحصان الخبز ثم أخذه وبدأ يمضغه ببطء. كان ألف يراقبه وكأنه معجزة.

همس

تقول جدتي إن الخبز يقاسم مع من يصغي إليك وأنت تصغي حتى من دون كلام.

وبينما كان الحصان يأكل لاحظ ألف أمرا لم ينتبه له من قبل. كان الجرح أسوأ. الجلد ممزق والصديد يحيط به وحوافه محمرة. تصاعدت رائحة حادة من اللحم.

همس بفزع

آه لا.

نظر الحصان نحوه بنفس متضايق لكنه لم يتحرك. التفت ألف حوله. لم يكن هناك أحد.

ركض إلى المستودع أحضر دلوا من الماء وخرقة قذرة وعاد مسرعا. جثا وبدأ ينظف الجرح بحذر شديد. تحول الماء إلى لون أحمر فورا.

قال وهو يبلل الخرقة مرارا

أعدك أنني لن أؤذيك.

كان الجرح عميقا مفتوحا كشق في الأرض وعالقة به بقايا قش. شعر ألف بالغثيان لكنه لم يتوقف. عمل بصمت وبعناية لم يظهرها أي بالغ للحصان من قبل.

قال وهو يواصل التنظيف بلطف

كانت أمي تعالجني هكذا عندما كنت أجرح ركبتي كانت تقول إن الحنان يشفي أسرع من الكحول.

تنفس الحصان بقوة لكنه لم يبتعد. كان ساكنا كأنه يفهم أن الصبي لا يريد إيذاءه.

عندما انتهى جلس ألف إلى جانبه وحدق فيه طويلا.

قال

أنت مليء بالجراح لكنك لا تخاف أو ربما تخاف لكنك لا تظهر ذلك. أنت قوي.

أخرج نصف الخبز الآخر من جيبه وقدمه له في راحة يده. هذه المرة أخذه الحصان مباشرة من بين أصابعه.

قال ألف هامسا

هكذا تبدأ الثقة أليس كذلك

بدأت الشمس تميل نحو الغروب حين سمع أصواتا من بعيد. نهض الصبي فجأة رمى الخرقة في الدلو وابتعد راكضا خلف المخزن. لم يكن يمكن أن يرى. لو اكتشفوه لطردوه أو أسوأ من ذلك قد يؤذون الحصان.

من خلف الأكياس راقب المشهد. كان الحصان يتبعه بنظره رغم أن أحدا غيره لم ينتبه لذلك. كان في معدته خبز وفي جسده ماء وجرحه أنظف قليلا لكن الأهم كان في عينيه.

كان هناك أمل.

شد ألف شفتيه وأقسم في سره أنه سيعود كل يوم مهما اضطر للاختباء ومهما عوقب لأنه بات يعرف الآن

لم يكن الوحيد الذي يحمل جراحا.

وإذا كان هذا الحصان قادرا على تحمل ألمه بكرامة فسيفعل هو أيضا ذلك من أجله ذاك الذي كان من دون كلمة واحدة يعلمه كيف يصمد.

حل الليل ببرودة تسللت عبر الجدران الخشبية وجمدت العظام. تقرب ألف من جدته التي كانت نائمة تحت بطانية رقيقة تتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يستطع النوم. كان يشعر أن

شيئا ما يناديه.

نهض ببطء من دون صوت وأخذ مصباحه القديم المرتجف. كانت الريح تجر الأوراق اليابسة في فناء المزرعة. مشى حافي القدمين بخطوات خفيفة

 

متجنبا البرك والأغصان المكسورة.

عندما وصل إلى الحظيرة كان الليل حالكا. لا قمر فقط الصمت وصوت تنفس الحصان الهادئ. كان هناك كعادته مستلقيا على جانبه الأقل ألما. بدا جسده الكبير أكثر هشاشة في الظلام.

اقترب ألف وجلس إلى جانبه.

لم يقل شيئا.

فتح الحصان عينيه ونظر إليه.

قال ألف هامسا

لم أستطع النوم ظللت أفكر إن كنت أنت أيضا لا تستطيع.

أغمض الحصان عينيه ببطء كأنه يفهم. وضع ألف المصباح جانبا واستلقى على الأرض رأسه قرب عنق الحيوان. بقيا هكذا طويلا يتقاسمان الهواء والحضور.

قال الصبي بصوت منخفض

صرخوا علي اليوم مرة أخرى لأنني لم أحمل الدلو بسرعة. دفعوني لكنني لم أجب. إن رد الإنسان يصبح الأمر أسوأ.

كان تنفس الحصان بطيئا منتظما. جسده يعلو ويهبط بهدوء.

قال ألف

أنت أيضا يصرخون عليك ويضربونك حين لا تفعل ما يريدون.

لم يكن هناك جواب. لم يكن ضروريا.

اعتدل ألف قليلا ونظر إلى وجه الحصان. كانت عيناه الكبيرتان اللامعتان تحدق فيه بشيء لا يشبه الخوف. كان أشبه بالاعتراف بأنه في تلك اللحظة ليس وحده.

مد ألف يده المرتجفة. تردد. أبقاها معلقة في الهواء لحظة طويلة كأن الزمن توقف.

ثم بحركة بطيئة رقيقة وضعها على عنق الحصان. كان الجلد دافئا خشنا حيا. لم يتحرك الحصان لم ينفخ لم يرتجف.

حبس ألف أنفاسه. انزلقت أصابعه برفق فوق الوبر كأنه يلمس شيئا مقدسا. كانت لمسة قصيرة بطيئة مرتبكة لكنها صادقة.

همس

كانت أمي تقول إن الإنسان حين يلمس بقلبه يشعر الآخر بذلك حتى لو لم يقل شيئا.

أغلق الحصان عينيه. بدا وكأنه نام.

بقي ألف ساكنا ويده ما تزال على عنقه كأن ذلك اللمس كان يبقيه هو أيضا واقفا.

قال بصوت مرتجف في آخره

سأعتني بك لا أعرف كيف. لا أملك شيئا لكنني سأعتني بك.

لم يكن الارتجاف خوفا ولا حزنا بل قوة شعور لم يعرفه من قبل. شيء جديد. ارتباط حقيقي.

بعد وقت طويل سحب ألف يده برفق. لم يفتح الحصان عينيه كان قد غرق في النوم. تمدد الصبي إلى جانبه من جديد.

لم يكن البرد مهما ولا الظلام ولا التعب. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم يشعر أليف بأنه غير مرئي. للمرة الأولى أدرك أن لوجوده قيمة وأنهحتى وإن كان صغيرا متسخا صامتا وفقيرايمكن أن يعني شيئا لأحد. غلبه النوم في مكانه ووجهه مسنود إلى ظهر الحصان الدافئ ومعه وعد خفي برابطة لا يمكن كسرها بعد الآن. وحين شق أول شعاع للشمس السماء كانا لا يزالان هناك يتنفسان الإيقاع نفسه.

سعال خفيف. وتلك المداعبة البسيطة الصامتة كانت قد غيرت إلى الأبد موقع كل منهما في هذا العالم. كان صياح الديكة قد خمد حين فتح أليف عينيه. ظل ممددا إلى جوار الحصان ووجهه ملتصق بظهر الحيوان الدافئ وجسده متيبسا من برد التراب. كان الحصان لا يزال نائما أو على الأقل لم يتحرك. أنفاسه عميقة هادئة. نهض أليف ببطء محاولا ألا يوقظه. لقد نام سلاما لم يعرفه منذ كانت أمه حية والآن صار يخشى أن يفقد ذلك السلام.

وقف ينفض الغبار عن ثيابه وألقى نظرة أخيرة على الحصان قبل أن يركض عائدا إلى الكوخ. كانت جدته لا تزال نائمة جالسة على الكرسي ورأسها مائل وبطانية على ساقيها. قبل أليف جبهتها وعدل الشال عليها ثم خرج في صمت. كانت الشمس قد ارتفعت والمزرعة تغلي بالحركة. العمال يصرخون بالأوامر

والمراقب يستحث المتباطئين ودخان الموقد أخذ يرتفع حلزونيا من جهة المطبخ.

كان أليف يعلم أنه لا ينبغي أن يترك أثرا. سره هش. إن اكتشفه أحد فلن يعرض نفسه للضرب فقط بل سيفقد أيضا الشيء الوحيد الجيد الذي حدث له منذ سنين. عاد إلى عمله كأن شيئا لم يكن. جمع الأدوات حمل الأحمال أطاع الأوامر دون أن يرفع عينيه. ظل غير ملحوظ كما كان دائما لكن ذهنه كان في مكان آخر في الحظيرة في جرح الحصان في لمسة الليلة الماضية. وحين حان وقت الغداء تسلل إلى المخزن ومعه خبز يابس وكوب من مرق بارد.

جلس فوق برميل مخبوء بين أكياس الذرة وأكل على عجل. ثم تناول قطعة قماش نظيفة وزجاجة فيها قليل من ماء كان قد أخفاها في اليوم السابق. قال لنفسه بصوت خافت لا يمكنني أن أترك الأمر يزداد سوءا. وباستغلال كون الجميع يستريحون ركض نحو الحظيرة. كان الحصان قد نهض رغم أن ساقه المصابة لا تزال ترتجف. وحين رأى أليف حرك أذنيه وأطلق نفخة خفيفة تكاد تكون تحية. قال الطفل وهو يقترب ببطء مرحبا يا رعد.

كان قد سماه بالفعل وإن لم يكن أحد سواه يعلم رعد. لا لأنه صاخب بل لأنه كان يشعر أنه في يوم ما حين يمر كل شيء سيعود ليدوي في الأرض كما كان من قبل. تركه الحصان يقترب بلا خوف. نظف أليف الجرح بحذر بمهارة أكبر من اليوم السابق. كان يتعلم سريعا. وكل يوم يمر بجوار رعد كان يجعله أقوى وأكثر عزيمة. همس أنت تسمح لي أن أعتني بك هذا يعني أنك تثق بي أليس كذلك رمش الحصان بعينيه.

ابتسم أليف لكن ذلك السلام انكسر فجأة. ماذا تفعل هناك أيها الصغير دوى صوت المراقب من خلف السياج. استدار أليف فورا وقلبه في حلقه. كان الرجل ينظر إليه وذراعاه مطويتان وعبوسه شديد. قال أليف متلعثما لا شيء يا سيدي كنت فقط فقاطعه المراقب وهو يقترب أتريد أن تضيع الوقت مع دابة عرجاء ألم يعلموك أن الحيوانات المكسورة ترمى نهض أليف واقفا وهو يخفي قطعة القماش خلف ظهره.

قال بصوت بالكاد يسمع إنه ليس مكسورا إنه بحاجة إلى مساعدة فقط. أطلق المراقب ضحكة جافة وانحنى نحوه وانتزع القماش من يده. صرخ في المرة القادمة أرسلك لتنام في الخارج بلا طعام! لم يرد أليف. لم يبك. اكتفى بخفض نظره. مضى المراقب يتمتم بالشتائم فعاد الطفل ينظر إلى الحصان. كان رعد لا يزال ساكنا لكن عينيه لم تكونا فارغتين. شعر أليف أنه ينظر إليه بشيء يتجاوز الفضول.

كأنه يفهم. في ذلك المساء لم يستطع الطفل العودة إلى الحظيرة. راقبوه عن قرب. أجبروه على تنظيف الإسطبلات ثم حمل الحطب. انتهى ويداه متشققتان وقدماه متسختان وجسده مرهق لكن روحه لم تنكسر. وحين دخل الليل وعاد الصمت إلى المزرعة تسلل أليف مرة أخرى. مشى ببطء بلا ضوء حتى بلغ الحظيرة. كان رعد مضطجعا لكنه ما إن سمعه حتى رفع رأسه. همس الطفل آسف لأنني لم آت قبل.

وأضاف بصوت خفيض اكتشفوني يا رعد لكن لا يهم لن أتركك. جلس إلى جواره وأخذ يربت عليه ببطء. أغمض الحصان عينيه. قال أليف أهو سرنا ثم أجاب نفسه وكأنه يثبت الأمر نعم. لا أحد غيرنا يعرف. ولا ينبغي لأحد أن يعرف. أسند رأسه إلى صدر الحيوان ولليلة الثانية على التوالي غلبه النوم. وفي مكان ما من المزرعة كان المراقب يراقبه من بعيد دون أن يلحظ الطفل وفي تلك اللحظةدون أن يدريبدأ

سر أليف يتهدده الخطر.

شق صفير حاد للمراقب الصباح كأنه سوط غير مرئي. توقف العمال جميعا عما يفعلون وركضوا إلى وسط الساحة. وصل أليف في آخرهم يلهث وفي يده مجرفة وقلبه قلق. كان يعلم أن شيئا ما ليس على ما يرام. أحس بذلك منذ استيقظ ولم يجد رعدا في موضعه المعتاد. كان دون روكي بقبعته المتسخة وملامحه العابسة الدائمة واقفا في الوسط وإلى جواره رجل نحيل يرتدي قميصا أبيض وحذاء جلديا لامعا.

لم يكن عاملا ولا من أهل القرية. كانت عيناه تجولان في المزرعة بتعال كأنه يقدر قيمة كل شيء دون أن يسأل. قال دون روكي معلنا هذا هو المشتري. سيأخذ بعض الحيوانات إنه يعرف ما يريد. لم يتكلم الرجل اكتفى بإيماءة ثم سار نحو الحظائر. تبعه أليف من حيث لا يراه أحد بخطوات حذرة وحلقه جاف وعقدة تتضخم في معدته. توقف الغريب أمام آخر سياج.

هناك وحده مربوطا إلى وتد كان رعد. نظر الحصان إليه من طرف عينه دون أن يتحرك كأنه يعرف ما سيأتي. قال الرجل مشيرا بإصبعه ليس هذا إنه نحيل جدا وأعرج. هز دون روكي كتفيه بلا اكتراث خذه مجانا. خذه للحم أو لما تريد لم يعد ينفع بشيء. شعر أليف كأن العالم ينهار فوقه. تقدم خطوة مدفوعا بشيء أقوى من الخوف.

صرخ لا! فالتفت الجميع إليه. ساد صمت ثقيل غير مريح. صاح أحدهم ومن أعطاك إذنا لتتكلم يا صعلوك كان دون روكي يحدق في الطفل لكن أليف لم يتراجع. قال يمكنه أن يتحسن لم يضع. انفجرت ضحكات العمال كالرعد. رفع المشتري حاجبا في فضول هذا الصغير يدافع عن حصان أعرج! قال دون روكي بصوت قاس لا أدري ماذا علموك لكن هنا الحيوانات إما أن تنفع وإما أن تؤخذ. هذا عبء ولن نخسر المال بسبب نزواتك.

خفض أليف نظره لكنه لم يتراجع خطوة. نظر إلى رعد. كان الحصان لا يزال هناك ساكنا لا يفهم تماما ما يحدث لكنه يرفع رأسه بشموخ. كان في هيئته في صمته شيء يتكلم أعلى من أي كلمة. همس أليف هو أنقذني. ثم قال لن أتركه وحده. نفخ دون روكي بضيق والتفت إلى المشتري خذه إن شئت وإلا نذبحه غدا. شعر أليف أن الهواء يهرب من صدره.

ارتجت كلمة الذبح في أذنيه كحكم نهائي. قال مذعورا لا لا تقتلوه! أمسكه المراقب من ذراعه وجذبه بعنف بعيدا كفى! لن تقرر أنت ما الذي يفعل بالحيوانات. أفلت الطفل نفسه بقوة. كانت عيناه تلمعان غضبا ويأسا معا. قال دون تفكير أنا أتحمل مسؤوليته. سأعتني به وأطعمه لن يكلف شيئا. أنا سأفعل. ضحك المشتري وهو يهز رأسه لكننا لسنا في رواية هذا عمل وتجارة.

رفع دون روكي يده فقط إشارة إلى إنهاء الكلام. غدا في أول ساعة. وتفرق الجمع كأن شيئا لم يحدث. عاد العمال إلى أعمالهم. اتجه المشتري نحو المدخل. وألقى المراقب نظرة أخيرة على أليف وبصق على الأرض وقال أتلعب بالنار يا فتى وحين ابتعد الجميع ركض أليف إلى الحظيرة. كان رعد لا يزال هناك. ترتجف ساقه والغبار يعلو ظهره لكن عينيه لم تنكسرا. كان ينظر إليه كما يفعل دائما كأن أليف وحده موجود.

همس أليف وهو يقبض على قضبان السياج لن يأخذوك لن يمسوك. أمال الحصان رأسه. اقترب أليف واحتضنه من عنقه ودس وجهه في شعره الخشن. شعر بحرارة الحيوان على خده وللمرة الأولى منذ زمن طويل انحدرت دمعة. قال أقسم لك لن أسمح لهم أن يؤذوك. في تلك الليلة لم ينم الطفل. بقي

قرب الحظيرة مختبئا بين الأكياس ساهرا يراقب.

كلما أغمض عينيه رأى الرجل صاحب الحذاء اللامع والحبل والشاحنة وعادت العقدة نفسها تخنقه. كان رعد صديقه وسره وعزاءه والآن عليه أن يقاتل من أجله ولو كان وحده ولو لم يصدقه أحد ولو كلفه ذلك كل شيء. جاء الصباح التالي صامتا كأن المزرعة حبست أنفاسها بعد إعلان الأمس. استيقظ أليف مثقلا بالنعاس لكن العقدة في معدته لم تدعه يعود للنوم.

فكر في رعد منذ أول رمشة. دون تردد ارتدى ثيابه بأسرع ما يستطيع. في جيبه قطعة خبز يابس وزجاجة ماء زاده الوحيد لذلك اليوم. اقترب من موضع المراقب بخطوات مترددة. كان الرجل واقفا وذراعاه مطويتان يراقب العمال وهم ينظفون الساحة. ابتلع أليف ريقه ووقف أمامه رافعا نظره بشجاعة لا يمنحها إلا الأمل.

قال بصوت مرتجف سيدي أرجوك لا تأخذ رعدا إلى المسلخ. يمكنه أن يتحسن. لوى المراقب فمه وضحك ضحكة جافة وماذا تعرف أنت عن الخيل أيها الجاهل زمجر وهو يدفعه بكتفه اذهب لشأنك. تراجع أليف ويده ترتجف على الخبز. حاول أن يتنفس بهدوء لكن صدره كان يحترق قهرا. شعر بضغط في صدره يشبه ما كان يشعر به حين يتذكر أمه وهي تهدهده قبل الفجر وتحكي له قصص الصيادين والدروب السرية.

في تلك الأيام كان يعتقد أن العالم طيب حتى تعلم أن يصمت. قرر حينئذ أن يبحث عن دون روكي. وجده جالسا على كرسيه القديم يشرب جرعة من العرق بينما يتفحص أوراقا. وضع أليف يده على كتفه. رفع دون روكي رأسه ببطء. قال أليف متوسلا هل يمكن أن تعيد النظر بشأن رعد أنا سأعتني به وأطعمه وأعالجه لن يكلف شيئا. قل لي ما الذي تحتاجه وسأفعله. نظر إليه صاحب المزرعة بازدراء وأبعد يده بلا رحمة.

قال ببرود يا أليف ليس لدي وقت لنزوات الأطفال. هذا الحصان مستبعد. شعر الطفل بطعنة اللامبالاة كخنجر. عاد إليه فراغ أمه وغياب أبيه وألم جدته العمياء عاد كل شيء دفعة واحدة. ومع ذلك اشتعلت نار صغيرة في أحشائه. قال بصوت مكسور لكنه أنقذني من وحدتي إن فقدته فمن سيبقى لي نهض دون روكي ومشى نحو الباب الرئيسي متجاهلا إياه.

بقي أليف وحده قرب الأوراق يشعر أن العالم يدور حول شخص لا يفهم صلته بالحيوان. سار في الساحة يبحث عن عامل يلتفت إليه لكن العمال كانوا يتهامسون ضاحكين ويواصلون أعمالهم. بعضهم ابتعد حين رآه يقترب وبعضهم تظاهر بأنه لا يسمعه أو لوح بازدراء. هذا الولد مجنون يظن أنه سينقذ حصانا لا يكاد يقوم! فليلتزم شأنه وإلا أرسلناه لينام في الخارج! لم تمنحه أي من الأصوات عزاء.

شعر بأنه غير مرئي أكثر من أي وقت مضى. سرت قشعريرة في ظهره حين تخيل رعدا محاطا بالسكاكين. أغمض عينيه وتذكر وجه أمه الرحيم ولمعان عينيها حين كانت ترى مهرا بريا في جبال قريتهم. جلس على جذع شجرة يابسة ورأسه بين يديه. كان الخبز اليابس لا يزال في جيبه كما هو. أخرج قطعة منه وأمسكها يراقب الفتات وهو يتساقط على التراب.

تمتم باكيا دون أن تفيض دمعة على الأقل أنت تسمعني أنت الوحيد الذي يفهمني. عاد إلى الحظيرة عند الظهيرة متخفيا كي لا يرى. كان رعد واقفا يحمل ثقله على ساقه السليمة. وحين رأى أليف أدار رأسه واقترب بخطوة بطيئة لكنها ثابتة. أخرج الطفل الخبز وقدمه له. شم الحصان القطعة ثم أخذها بحذر ومضغها ببطء.

مسح أليف يده على خطمه يلاطفه.

كانت الإيماءة صغيرة مجرد

 

لمسة لكنها كانت تعني كل شيء. وبينما كان يربت عليه شعر أليف بأن صدره يلين. أدرك أن إيمانه برعدحتى إن لم يلتفت إليه أحديتجاوز الكلمات. كان وعدا صامتا. أمضى بعد ذلك العصر هناك في صمت مشترك يشعر كيف تتحول الوحدة إلى صحبة. كان العالم الخارجي يتلاشى ولا يبقى سوى هما موصولين بخيط غير مرئي. وحين مالت الشمس إلى الغروب عاد إلى الكوخ وعزمه يرتجف في صوته.

لقد فهم أن التوسل لا يكفي وأن عليه أن يثبت بالأفعال. فتش بين أشيائه القليلة فوجد قطعا من حبل وبطانية قديمة وعلبتين فارغتين ما يكفي ليبدأ. كانت خطته بسيطة كل صباح قبل أن يطأ أول عامل الساحة سيحمل الطعام والماء وسيعزز مخبأه بجوار الحظيرة وحين يستطيع سيصنع فراشا من أغصان صغيرة ليرتاح الحصان أفضل. كانت خطة هشة لكنها خطته. تلك الليلة بينما كانت المزرعة نائمة جلس أليف تحت الشجرة العتيقة يرسم في ذهنه خطواته خطوة خطوة.

نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم ووعد رعدا بصوت منخفض سأنقذك مهما كلفني الأمر. كان يشعر أن صوته في ذلك الصمت يكفي. كان يعلم أنه ليس وحده وإن أنكر العالم ذلك. حقا. ظهرت القمر شاحبة حين خرج أليف من ركنه وبيده قبضة من أعشاب يابسة جمعها من أرض مهجورة مجاورة. كان قد مشى قرابة أربع شوارع دون أن يراه أحد متجنبا الكلاب والبرك مدفوعا بإلحاح تهدئة ألم رعد.

في ذلك الصباح كان الحصان يعرج أشد من المعتاد وكان الجرح يرشح سائلا أخضر ذا رائحة حامضة. عرف أليف أن الأمر مسألة ساعات قبل أن تسوء العدوى فارتجل مزيجا من ماء دافئ وإكليل الجبل والأوكالبتوس وأوراق الفصفصة المهروسة بحجر أملس كان يحتفظ به كتعويذة. وصل إلى الحظيرة قبل انبلاج الفجر بقليل. كان الهواء تفوح منه رائحة التراب الرطب وصوت صرصور وحيد يرافق خطواته.

كان رعد واقفا يرتكز على ساقه السليمة ورأسه منكسا وعيناه لامعتين. ما إن رآه أليف حتى شعر بعقدة في حلقه وارتجفت ساقاه. ومع ذلك ركع بأصابع مرتجفة وسكب المنقوع على موضع الكسر المؤلم حتى أطلق الحصان نفخة عميقة. همس أليف آسف سامحني لأنني لم أحضر لك من قبل شيئا أفضل. ومن مخبئه كان المراقب يراقب في صمت يقيم الأمر بازدراء. لم يلتفت الطفل إلى هناك بل أخرج خرقة قديمة وراح ينظف الجرح بحذر.

كانت يداه تؤلمانه من برودة السائل ومن تكرار الفرك. ارتجف رعد لكنه لم يسحب ساقه. وبثبات رسم أليف دائرة حول المنطقة المصابة كأنه يضع حدا غير مرئي يريد به إيقاف تمدد الشر. ثم همس بما هو أخفض كسر بينهما أعدك أنك ستشفى حتى لو أراد العالم أن يمزقك سأعيد بناءك. رفع الحصان رأسه ونظر إليه. لم يكن في عينيه خوف بل حزن يطلب مواساة.

مد أليف يده وربت عليه للمرة الأولى بثقة كاملة متتبعا أثر ندبة قديمة. خفض رعد أذنيه وأطلق صهيلا خافتا ثم ألقى رأسه الكبير على كتف الطفل. كانت تلك الصلة قوية إلى حد أن أليف شعر بحرارة تسري في عظامه كأن الحصان منحه نفسه. بسرعة لف قطعة قماش نظيفةمغموسة بنخالة القمححول الجرح لتمتص الرطوبة ثم أخذ البطانية التي رقعها بقطع قماش وارتجل رباطا شده برفق.

ولكي يضمن استمرار العناية وضع الزجاجة الفارغة قرب باب الحظيرة إلى جانب قطعة الخبز اليابس كرمزين لروتين يجب أن يتكرر كل يوم. قال وهو ينظر في عينيه عدني بشيء مهما حدث غدا لا تستسلم تمسك بالحياة. نفخ الحصان وأغمض جفنيه كأنه

فهم. أسند خطمه إلى يد أليف الممدودة وتنفس عليها برفق.

حينئذ أدرك الطفل مدى الاستعجال. لم تعد الكلمات تكفي كان عليهما أن يتحركا معا. وفي تلك اللحظة انكسر صمت الليل بصرير خشب. تحرك باب الإسطبل. ظهر المراقب تحت ضوء القمر بعينين باردتين وقبضتين مشدودتين. زمجر كفى لعبا. عند السادسة تأتي الشاحنة. ستأتي لهذا الحيوان ولكل من يفيض. ابتلع أليف ريقه لكنه لم يتراجع. نهض ببطء وهو يمسح يديه في سرواله.

قال سأثبت لك أنه قد يستحق سترى. ضحك المراقب ساخرا ثم ابتعد وتركه وحده. شعر أليف بالدم يصعد إلى وجهه لكنه لم يتردد. عاد إلى رعد وربت عليه من جديد بقدر أكبر من الحنان. همس هذه وعود جراحنا أنا سأداويها وأنت ستصمد. سعال خفيف. أمال الحصان رأسه ونفخ كأنه يختم العهد. في تلك اللحظة فهم أليف أنه لا يقاتل قسوة الرجال وحدها بل يقاتل أيضا الخوف الذي جعله صغيرا وأنهمامن هذا الاعتناء المشتركسيصيران أقوى مما تخيلا يوما.

وبالرباط مشدودا والقلب مشتعلا عاد أليف إلى مخبئه مرة أخرى. لم يشعر في حياته بمثل هذا الإصرار ولا بمثل هذا الخوف لكن الوعد الذي قيل في العتمة وبريق تلك العينين الواسعتين سيدفعانه لتحدي أي كان كي ينقذ صديقه. في الليلة السابقة لم يكد أليف ينام. كانت رأسه ممتلئة بالصور وجه دون روكي وهو ينظر بازدراء إلى الرباط المرتجل لرعد هيئة المراقب وهو يعلن قدوم الشاحنة وضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.

وفي صباح ذلك اليوم حين استيقظ شعر بثقل الذنب وبإلحاح حماية صديقه الجريح. سار نحو الحظيرة بخطوات حاسمة رغم ألم ركبتيه من كثرة الاختباء. وحين وصل رأى عدة عمال مجتمعين عند الباب الخشبي. كانوا يضحكون ويشيرون إلى شيء على الأرض بين القش وروث حديث. كان كلب الحراسة ترينودو يشم بتوتر. فهم أليف فورا لقد مزقوا رباط رعد ودفعوه بعصا.

كانت القماشة الممزقة والدم الطازج في الوحل شاهدين على قسوة مجانية. قال أحد الرجال وهو يركل الرباط الملطخ انظروا كم هو عديم الفائدة مجرد عبء آخر للمسلخ. ضحك الآخرون وهم يرمون الحصان بالسخرية. شعر أليف بألم حاد في صدره. اقترب ببطء دون أن ينتبهوا إليه وجمع بقايا الرباط. كانت قطع القماش مملوءة بالوحل والشر. شعر بغضب لم يعرفه من قبل.

لكنه تذكر الوعد تحت القمر مداواة الجراح والصمود معا. دوى صوت مألوف خلفه ماذا تفعل هنا أيها الصغير سأل المراقب وهو يمسك مصباحا. قلت لك لا تعد حتى يتم إنجاز العمل. استدار أليف وواجهه ووجهه مشتعل بالغضب ودموع محبوسة. قال هم مزقوا رباط رعد ليس عملي أن أنظف شرهم. عقد المراقب حاجبيه وماذا تريدني أن أفعل هذا الحصان لا ينفع. وبصق وهو يشير إلى الحظيرة. ثبت أليف نظره ينفع للحياة ينفع للنضال ينفع ليثبت أن الرحمة أقوى من السوط. سكت العمال. نبح ترينودو مرة كأنه يساند الطفل. لعن المراقب واقترب بخطوات بطيئة لقد صرت شجاعا أكثر مما ينبغي لك. فكر جيدا فالبيت الذي يطعمك يستطيع أن يطردك. شعر أليف بقشعريرة لكنه لم يتراجع. كان يمسك قطع القماش بيمينه وباليسرى لمس جرح رعد المفتوح.

قال سأصلح هذا وهو سيشفى. نظر إليه المراقب بازدراء ثم استدار على عقبيه ورحل. عاد العمال إلى أعمالهم لكن الصمت لم يعد لامبالاة بل صار هروبا. جمع أليف ما تبقى من الرباط وبدلا من أن يختبئ جلس إلى جانب الحصان وبدأ ينظف الجرح

بعناية. صنع مرهما صغيرا من شحم خنزير كان قد سرقه قبل أيام ممزوجا بأعشاب عطرية.

دهن الخليط على اللحم الجريح وهو يهمهم بأغنية كانت أمه تغنيها له وهو صغير. نفخ رعد وخفض رأسه كأنه يشكر تلك اللمسة. شعر أليف بحنان عميق. كان يعلم أن هذه الأفعال الصغيرة المتكررة ستقوي ليس لحم الحصان فحسب بل إرادته الجامحة أيضا. وحين انتهى جمع أدواته المرتجلة وانسحب إلى العتمة. وفي تلك الساعات قبل الفجر كان الطفل والحصان يتنفسان معا يتشاركان نفس العناية المتبادلة.

ظل ألم قسوة الأمس خلفهما لكن ذكرى القلوب الجبانة انطبعت في عقولهم كوشم. ومع أول خيوط الصباح التي صبغت الحظيرة بذهب خفيف عاد أليف إلى رعد. كان رعد نائما في هدوء والرباط مستقرا نظيفا على جلده. ركع الطفل وهو يستعيد في ذهنه ضحكات العمال الساخرة ونظرة المراقب الباردة. شعر بالخوف لحظة ثم تذكر القوة التي كانت تولد من وعده الصامت.

بأصابع حذرة رفع القماش ورش الجرح بماء بارد ثم وضع قطرات من مرهمه المنزلي وأعاد لف المنطقة المصابة. كانت كل حركة بمثابة مداعبة وكل لمسة فعل إيمان. وحين انتهى عقد في نهاية الرباط عقدة صغيرة علامة على رابط لا يستطيع أحد كسره. همس للحيوان سنواصل القتال. وعلى الرغم من كل شيء فتح رعد عينا واحدة ونظر إليه بثبات. لم تكن تلك النظرة حيرة بل تواطؤا.

نهض أليف وربت على جانب الحصان على حرارة الجسد القوي الذي يشترك معه في المصير. خلف سياج الحظيرة كان الرجال قد بدأوا أعمالهم اليومية. صرير الخشب واحتكاك المعدن كانا يعلنان قدوم الشاحنة. ومع ذلك كان أليف يعرف أنه ما دام يبقي تلك العناية الليلية حية فلن يستطيع أحد أن ينتزع منهما الأمل.

بدأت ليلة الهروب بصمت كثيف كأنه تجمد في الهواء. استيقظ أليف قبل أن يلمع أول نجم في السماء وقلبه يخفق بعنف. كانت أنفه رطبة من الانفعال وعيناه تحترقان من السهر وظهره ممتلئا بألم بعد حمل أكياس الشوفان والبردي أياما طويلة. لكن شيئا من ذلك لم يكن مهما. كانت تلك الليلة التي سينفذ فيها أخطر خطة لديه. في مخبئه قرب الحظيرة راجع الطفل كل خطوة في ذهنه أولا فتح باب الحظيرة بحذر مستخدما الخطاف المعدني الذي وجده في الورشة. ثانيا ربط الحبل في عنق رعد دون أن يوقظ الحراس.

ثالثا قيادة الحصان عبر ممر الأشواك والحجارة إلى بوابة العربات القديمة. وأخيرا اجتياز السور الرئيسي قبل أن يطلع الفجر. كان ساذجا أن يظن أن كل شيء سيجري على نحو مثالي لكن أليف كان قد تدبر كل تفصيل. كان قد تمرن على كل حركة في رأسه مئات المرات. وبيدين مرتجفتين فتح المزلاج الخشبي الصغير المؤدي إلى الحظيرة. جعل الصرير الذي صدر منه أن يحبس أنفاسه. في الداخل كان رعد نائما واقفا والرباط محكما والساق تكاد لا تتحرك.

حين سمع الصوت خفض رأسه وحرك أذنا واحدة منتبها. أشعل أليف المصباح الصغير في لحظة وهو يخفيه خلف ظهره وهمس بصوت واهن إنها الآن يا صديقي ثق بي. أطلق الحصان صهيلا خافتا كزفرة ثم اقترب. أخرج أليف الخطاف وبدأ يدخله في القفل الصدئ. كان كل ثانية تمر عليه ثقيلة كمن ينتظر الموت. وحين شعر أخيرا بأن المزلاج قد انزلق ورضخ اجتاحه مزيج من النصر والخوف في آن واحد.

دفع الباب بحذر فصدر صرير غامق أعلن انتقال خطته إلى مرحلة لا رجعة فيها. خرج تروينو مترنحا من الحظيرة يعرج عرجا خفيفا بالكاد

يلاحظ. توقف الحصان خلف الباب والتفت إلى الوراء كأنه متردد. ركع أليف وربت على عنقه وهمس في أذنه

نوميريس أترايس تقدم.

نعم بدا أن الحصان قد فهم. شد أليف الحبل حتى اقترب من الجلد نصف سنتيمتر فقط ثم سحب برفق. تقدم تروينو وحوافره تثير سحبا صغيرة من الغبار البطيء.

كان كل خطوة نصرا صامتا لكنها في الوقت ذاته خفقة قلب مكشوفة للخطر. سارا بمحاذاة ممر المخزن حيث بقايا القش والبرك الراكدة تشكل فخاخا خادعة. كان أليف ينحني ليتفادى العوارض المنخفضة وفي الوقت نفسه يقود الحصان بيد ثابتة حنونة. دوى صرير بعيد فأفزعه. كان ديك قد استيقظ قبل أوانه. حبس الطفل أنفاسه وألح على الصمت كأن إرادته قادرة على إيقاف الصياح.

سقط الطائر وعم العالم ظلام صوتي ارتج في أذنيه. وصلا إلى البوابة الخشبية القديمة المؤدية إلى طريق ترابي. هناك كانت الخطة بسيطة دفع الضلفة اليسرى بقوة بينما ينفذ أليف بالحبل إلى الحقل. لكن البوابة كانت متخشبة بفعل سنين الرطوبة. أسند أليف كتفيه ودفع بكل ما أوتي من قوة وهو يشعر بعظامه تكاد تتكسر. دفع تروينو من الخلف بصدره. انشقت البوابة بفرقعة جافة وسقطا معا في الجهة الأخرى بين الأعشاب والحجارة.

تلقى أليف ضربة في ركبته لكنه لم يتوقف. سرعان ما احتواهما الظلام. الآن جاء أخطر جزء عبور الحقل المفتوح والوصول إلى السور الرئيسي دون أن يراهما أحد. كانت السماء ملبدة بغيوم منخفضة والقمر بالكاد يرشد الطريق. تقدما بصمت الطفل يجر ساقه المصابة والحصان يقوده بحاسة الشم. من بعيد سمع حد صوت بشري. كان عاملان يتحدثان قرب مخزن الأدوات.

التصق أليف بالحصان وتنفس بعمق وانتظر. ابتعد الهمس وحين عاد الصمت واصلا السير. كان كل متر أبدية. كل حجر يطعن قدمي أليف. وكل شوكة تغرز في جلد الحصان تخرج منه زفيرا كاد يفضحهما. ومع ذلك تابعا معا إيقاع الأمل. عند أطراف الملكية وجدا السور المعدني السميك ذو القضبان الصدئة. هناك كانت الخطة استخدام الكماشة التي سرقها أليف من الحدادة لقطع قضيبين وفتح فجوة.

أخرج الكماشة من حقيبة بالية وبدأ القطع. كل عضة معدن بأخرى كانت ترج يديه وعرق بارد يسيل على جبينه. وقف تروينو إلى جانبه كأنه يحميه بعينين ممتلئتين تعبا وثقة. أخيرا وبعد دقائق بدت دهورا أزاح قضيبا ووسع الفتحة بما يكفي لمرور رأس الحصان. حانت لحظة الحقيقة. انزلق أليف عبر الفجوة وشعر بالسور يخدش ظهره لكنه لم يهتم.

وحين أصبح في الخارج شد الحبل بقوة فمر تروينو رغم عرجه إلى الجهة الأخرى. كانا حرين. صفعهما هواء الخارج كإعلان نصر. أمامهما امتد طريق ترابي يتلوى نحو أقرب قرية تبعد ساعات. لم تكن هناك أضواء سوى خيط شاحب من الفجر. تنفس أليف بعمق ثم التفت لينظر إلى الحظيرة المظلمة خلفه حيث كان ينام الرجال الذين كانوا سيقتلون صديقه لو لم يهربا.

شعر بالغضب والراحة معا.

هيا همس علينا أن نصل قبل شروق الشمس.

وانطلقا. كان كل وقع لحوافر تروينو صدى للحرية وكل خطوة لأليف صرخة أمل مكتومة. كانا يعلمان أن الفجر قد يفاجئهما وأن الخطر ما زال يتربص لكنهما أدركا أيضا أنه منذ تلك اللحظة لم يعد هناك رجوع. والطفل ويده على ظهر الحصان شعر بأن قلبه لم يعد يخفق خوفا بل حبا.

وهكذا في تلك الليلة من الهروب أبرما عهدا أقوى من أي خوف عهد الحرية المشتركة المؤسس على التضحية والشجاعة والرابطة

الصامتة بين كائنين تعلما كيف

 

يعتني أحدهما بالآخر. كانت الليلة قد انقضت حين بلغا أطراف المزرعة. لم يكن الفجر قد أشرق بعد لكن ضوءا باهتا لاح خلف التلال. تمسك أليف بالحبل بيدين مرتجفتين وقاد الحصان عبر ممر ضيق لا يتعدى كونه أخدودا في التراب.

كانت خطوات تروينو تثير غبارا يتسلل إلى حلق الطفل ويلهب عينيه. امتزج ألم الجرح بإرهاق الهرب وبخوف بدائي يضغط صدره الخوف من الانكشاف من فقدان صديقه من أن يعود وحيدا. عبرا منطقة مليئة بالأشواك. كان تروينو يعرج بشدة يرفع ساقه المصابة كلما وطئ حصاة.

كان أليف يشجعه بهمسات رقيقة

قاربنا اصمد يا تروينو اصمد.

رد الحصان بنفخة عميقة كأنها زئير مكتوم وعد بالاستمرار. شعر أليف بفخر ومحبة واثقا أن صديقه لن يخذله. كان الحقل من حولهما متاهة من صفوف الذرة ودوار الشمس الذابل. الريح تحرك السيقان اليابسة فتصدر همسا يشبه أصواتا بعيدة.

شد الطفل الحبل بحذر منتبها لأي طقطقة. نعب غراب في البعيد فارتجف أليف ورفع بصره فرأى ظلا أسود يعبر السماء. انقبض قلبه. أكان نذير شؤم لكنه تذكر وعده لتروينو بأن يصمدا معا فاستنشق الهواء بقوة ومسح دمعة وتابع. انتهى الممر إلى طريق ترابي أوسع تسلكه أحيانا عربات الصيادين المتجهين إلى النهر.

توقف أليف عند صخرة كبيرة وهمس مرتجفا

سأستريح قليلا يا صديقي نبضي متسارع.

جلس مسندا ظهره إلى الصخرة وأسند وجهه إلى ركبتيه وأغمض عينيه. شعر بنبض تروينو قريبا ثابتا. قبض يديه ليهدئ ارتعاشهما. كان يخشى أن ينام ويستيقظ في عالم لا حصان فيه. أجبر نفسه على التنفس ببطء والتركيز على دفء الزفير القادم عبر الحبل.

بعد برهة نهض وقدم لتروينو ما تبقى من خبز قاس. أخذه الحصان بحذر ومضغ ببطء كأنه يدرك أن تلك اللقمة ثمرة شجاعة. ركع أليف إلى جواره وقال

علينا عبور ذلك الجسر الخشبي. سيصر فلا تخف. أنا معك.

أمال تروينو رأسه وتقدم خطوة بثقة. شعر أليف بقشعريرة حين وطئت قدماه الألواح.

كان كل لوح يئن وينحني تحت ثقل الحصان. سار الطفل بمحاذاة رأسه متجنبا الألواح المتعفنة. ومع كل صرير يتسارع قلبه لكنهما عبرا سالمين كأن الخوف ذاب في ضجيج الجسر. بعده انحدر الطريق إلى واد كثيف الأشجار. لم ير أليف من قبل هذا العدد من الأشجار. كانت الأدغال كثيفة والعتمة شبه مطلقة. كان التنفس هناك كالدخول في كيس من الظلال.

أخرج المصباح المعطل وأشعله. ارتجف خيط الضوء بالكاد يضيء خطوات قليلة. تقدم بحذر ممسكا بالحبل شاعرا بنفس تروينو الدافئ إلى جانبه. ومع كل اهتزاز للضوء كان يتخيل أشباحا أغصانا كالأذرع جذوعا كهيئات بشرية. لعب عقله بالعتمة ملأها بمخاوف وهمية. قبض أصابعه على المصباح متمنيا نهاية الوادي. أخيرا خرجا إلى فسحة حيث بزغت شمس الصباح بين القمم.

توقف أليف وشعر بقشعريرة أمام الضوء الجديد. خفض تروينو رأسه وصهل بخفة كأنه يحتفل بانتهاء الظلام. ترك الطفل الحبل وربت على ظهر الحصان. كانت الساق المصابة رخوة لكن الحصان تحمل بكرامة. عقدت الغصة حلق أليف وفاضت مشاعر الارتياح والحب بدموع مكبوتة. جلس على صخرة وراقب الوادي خلفه حيث لا تزال الظلال متشبثة بالأدغال.

ثم نظر إلى الطريق أمامه يتلاشى بين تلال خضراء وجدول يتلوى بين أزهار برية. كان الهواء معطرا بالعشب والحرية. استعاد أليف قواه بصمت يتغذى على الشمس التي جففت دموعه ودفأت وجهه.

نجحنا همس لكن الطريق ما زال طويلا.

أسند تروينو رأسه على كتفه تأكيدا للعهد. مد أليف يده وربت على خده لمسة مفعمة بالامتنان والوعد. لم يبعد الحصان نظره.

كانت عيناه تعكسان إصرارا على المضي رغم الألم. بزفرة أخيرة التقط أليف الحبل ونهض وتابع مع تروينو. كان كل خطوة على ذلك الطريق الممزوج بالخوف تعمق رابطتهما وتحيل الرهبة شجاعة فقد تعلما أن الأمل والمحبة قادران على هداية من يعتني أحدهما بالآخر مهما اشتد وعثاء الطريق وسواد الليل. كانت الشمس تزحف ببطء فوق التلال لكن اليوم بدا لهما أبديا.

سارا ساعات طويلة على طرق منسية يعبران حقول العشب الجاف وتلالا لينة لا تمنح راحة. ضربت الشمس ظهريهما واختلط العرق بالغبار على جلد الطفل. كان تروينو يعرج أكثر فأكثر يجر ساقه المصابة بجهد ظاهر ونفسه يثقل ويبطؤ. أحيانا بدا أنه سيتوقف. حاول أليف ألا يحدق في الجرح كثيرا.

كان يعلم أن منظره سيصيبه بالهلع. كانت الضمادة متسخة وحافتها السفلى تعاود الاحمرار بالدم. المرهم البدائي الذي وضعه ليلا لم يعد ينفع ولا ماء ولا طعام سوى عزيمة عمياء على عدم العودة. عند منطقة صخرية محاطة بالشجيرات توقف أليف. كانت منخفضا صغيرا

يحمي من الريح. ربط حبل تروينو بغصن منخفض وتركه يستلقي.

سقط هو أيضا على الأرض الساخنة. كان فمه جافا ولسانه ملتصقا بحنكه وبطنه خاوية منذ الليلة الماضية. كان جسده يطالب بالراحة لكن عقله ظل متيقظا مدفوعا بالخوف من أن يعثر عليهما أحد ومن أن يذهب تضحية تروينو سدى وأن يكون الأمل وهما طفوليا. أطلق تروينو حين استلقى صهيلا قصيرا كأن شكوى داخلية. زحف أليف ووضع رأسه على عنقه.

أعلم أنا جائع مثلك همس لكن اصبر قليلا. لا بد أن نجد شيئا.

بقي دقائق يستمع إلى دقات قلب الحصان بطيئة ثابتة كطبل يحدد إيقاع شجاعته. ثم نهض بصعوبة وبدأ يبحث حوله. لم ينتظر معجزات فقط لقمة ثمرة يابسة بركة ماء. فتش بين الشجيرات تحت الصخور والجذور اقتلع عشبا مر الرائحة كان يعلم أنه غير سام وجمع أوراقا عريضة.

حملها في قميصه وعاد إلى تروينو الذي لم يتحرك.

ليس وليمة لكنه أفضل ما وجدت قال وهو يضع الأوراق قرب فم الحصان.

شم تروينو العشب وأكل قليلا بلا حماسة. ابتلع أليف نصيبه بصعوبة. كان طعم التراب لاذعا لكن لم يشتك. تألم معدته واشتعل حلقه فشد على أسنانه. لم يكن مسموحا له بالضعف. استلقى بجوار الحصان وحدق في السماء.

كانت غيوم كثيفة تغزو الزرقة. شعر بنسمة باردة أدرك معها اقتراب المساء. لا يمكنهما المكوث هناك ليلا لكنه لا يمكنهما المتابعة دون راحة. تقوس تحت ظل الحيوان وأغمض عينيه قليلا. ثم كذكرى تحولت لحنا بدأ يدندن. أغنية كانت أمه تغنيها له حين يمرض أو يخاف. كان صوته يرتجف لكن كل نغمة خرجت من القلب.

أدار تروينو رأسه ونظر إليه. كانت الأغنية جسرا غير مرئي بينهما. أغمض الحصان عينيه. خفض أليف صوته وبطأ اللحن حتى غفا ورأسه على التراب الدافئ.

استيقظ مذعورا. كان الجو أبرد والسماء أكثر رمادا. صهيل تروينو أيقظه. نهض فجأة وتفحص المكان. لا شيء سوى الريح تحرك الشجيرات.

اقترب وربت عليه.

اهدأ إنه الريح فقط.

لكنهما كانا يعلمان أن الأمر ليس كذلك. كان جسد تروينو يرتجف. المشي والجرح أنهكاه. شعر أليف بفراغ عميق. لا يمكن أن تنتهي القصة هكذا. لا بعد كل هذا. انحنى إلى الضمادة فكها بحذر ونظر إلى الجرح. كان مفتوحا متورما والصديد يعود للظهور.

لم يكن هناك وقت للانتظار. كان عليه أن يفعل شيئا. مزق قميصه إلى شرائط وبقبضة من طين رطب وأوراق نظيفة صنع ضمادة جديدة. سيضغط الطين ويخفف الالتهاب لساعات على الأقل. عمل بسرعة يداه موحلتان وعيناه جافتان. بقي تروينو ساكنا كأنه يقبل المحاولة اليائسة. حين انتهى سقط أليف إلى جانبه.

لا تمت ليس الآن قال بصوت خافت وعينين مغمضتين.

وعدتني أن تصمد.

لم يجب الحصان صوتا لكنه أمال رأسه حتى لامس جبين الطفل. كان ذلك الإيماء البسيط عميقا إلى حد كسر أليف من الداخل. بكى أخيرا لا كطفل ضعيف بل كقلب محطم من الظلم. بكى على أمه الغائبة على الفقر على الوحدة على السخرية والضرب. بكى لأنه لأول مرة يقاتل من أجل أحد غيره وذلك الأحد قد يموت.

مسح وجهه بساعده ونهض. كان لا بد من المتابعة ليلا إن لزم مهما طال الطريق ولو حمل تروينو بروحه.

هيا يا صديقي قليلا بعد.

ومن بين الخوف والجوع والتعب ولدت قوة صامتة لا من الجسد بل من الرابطة بين طفل وحصان أنقذا بعضهما. وبهذه القوة واصلا السير عالمين أن خلف الخوف ما زال هناك أمل.

هبط المساء بلون رمادي ثقيل يصبغ المشهد بسكينة مقلقة. تابع أليف وتروينو السير في طريق مغبر تحفه أشجار واهنة تصدر طقطقة مع الريح. كان الطفل يمسك الحبل دون شد. كان الحصان يتبعه بلا أوامر. سارا كندين يتقاسمان التعب والإيمان والصمت. كل خطوة فتح. ورغم العرج لم يعد تروينو يتوقف كثيرا.

صمدت الضمادة الطينية وإن كان أليف يعلم هشاشتها أمام جرح يحتاج عناية حقيقية لكنه لم يسمح للفكرة بالدخول. تعلم العيش في اللحظة. لاح له من بعيد عمود دخان بين الأشجار. توقف مترددا. قد يكون مدخنة مزرعة أو نارا أو أسوأ.

تردد لكن تروينو لم يعد يحتمل. كانا بحاجة ماء ومأوى ولو لساعات. تنفس بعمق وقرر الاقتراب. ربما يجدا رحمة. لم يقطعا مئة متر حتى شعر أليف بشيء مريب. صوت خافت كسر الإيقاع.

طقطقة ليست من خطواته بل من خشب تحت حذاء ثقيل. استدار بسرعة ولم ير أحدا. أصغى. شد تروينو أذنيه وتصلب عنقه. لم يكونا وحدهما. خفق قلب أليف بقوة. بحث عن مهرب لكن الطريق ضيق والأدغال كثيفة.

شد الحبل وتراجع خطوة.

ثم سمعها

ها هما.

خرج رجلان من الشجيرات. قبعتان منخفضتان قمصان متسخة. أحدهما يحمل منجلا على خصره. تعرف أليف فورا على الآخر أحد عمال المزرعة. كانت ابتسامته

الملتوية كافية.

كنت أعلم أنك لم تبتعد قال وهو يقترب. السيد غاضب.

تقدم أليف ووقف بينهما وبين تروينو. كان خائفا لكنه لم يتحرك.

لن يعود قال بثبات.

ضحك العامل ضحكة نابية.

أنقذت قطعة لحم بساق مكسورة وتظنها لك

لم يجب أليف.

كان ينظر في عينيه. خلفه كان تروينو يلهث لكنه لم يتراجع. تقدم الرجل الآخر ممسكا بحبل في يده.

أعطني الحبل يا صبي. لا أريد أذيتك. الحصان يعود معنا.

لا قال أليف.

إنه ملك السيد رد الأول.

فانفجر أليف

ليس ملك أحد. لا لكم ولا للسيد ولا للعالم. ليس أداة ولا عبئا. إنه صديقي وأنا اخترته حين لم يختره أحد.

ارتجف جسده غضبا وانهالت دموعه لا حزنا بل كرامة. تبادل الرجلان نظرة ارتباك. لم يتوقعا هذه الشراسة. تردد حامل المنجل لحظة وكانت كافية.

فك أليف الحبل وصرخ

اهرب يا تروينو!

انتفض الحصان وصهل بقوة وانطلق عبر الممر الضيق. حاول الرجلان الإمساك به لكن أليف اندفع وصد أقربهما بجسده. اختفى تروينو بين الأشجار. سقط أليف وأمسك العامل بذراعه بعنف.

أيها اللعين.

قال أليف بين أسنانه

أفضل أن تضربوني على أن تقتلوه. لم أعد خائفا.

خفض الرجل الآخر نظره ثم قال بهدوء

اتركه.

تردد الأول ثم أفلت يده.

نهض أليف متألما ونظر إلى الأفق. اختفى تروينو لكنه كان واثقا أنه سيعود أو ينتظر حيث لا تصل الصرخات. كان الجسد يؤلمه لكن الروح متقدة. لقد قاوم اختار وكان أكثر من طفل فقير كان شجاعا.

حين أعيد أليف إلى المزرعة مع الغروب الأحمر كانت قدماه العاريتان تجران فوق التراب الساخن. لم يقاوم. عيناه فقط كانتا مشتعلتين. وقف دون روكي في الساحة يدخن.

أين الحصان

حر أجاب أليف.

ضحك السيد بسخرية

حر حيوان مريض أعرج

أكثر حرية من كونه عبدا هنا.

ساد صمت ثقيل. اقترب دون روكي.

وماذا تكسب

نظر أليف في عينيه

لا أريد تغيير العالم فقط أن تغير نظرتك ولو لحصان.

ثم دوى وقع حوافر. ظهر تروينو من الطريق يعرج لكنه شامخ. تقدم حتى وقف أمام الطفل. فتح أليف ذراعيه حاجزا.

إن أردته فعليك المرور فوقي.

بصق دون روكي ومضى.

افعلوا ما تشاؤون.

تنفس أليف بعمق واحتضن تروينو.

وعدتك لن يؤذيك أحد بعد الآن.

وتردد تصفيق خجول ثم عم الساحة.

لم يكن ذلك من أجل الحصان ولا من أجل السيد بل من أجل الطفل الذي تجرأ على أن يحب بلا خوف. وهكذا وسط ذلك التصفيق أدرك أليف أن نضاله لم يذهب سدى لأن تغيير حياة واحدة قد يكون أحيانا تغييرا للعالم بأسره. وما إن ظل صدى التصفيق معلقا في الهواء حتى شق اللحظة صوت محرك. من مدخل المزرعة الرئيسية تقدمت شاحنة بيضاء على الطريق الترابي مثيرة غبارا كثيفا.

توقفت المركبة بصرير خفيف ونزل منها رجل طويل شعره رمادي ووجهه مجعد بفعل الشمس. كان يرتدي قميصا يحمل شعار المركز البيطري في البلدة. بدا هادئ الملامح غير أن عينيه كانتا تتحركان بتركيز كمن يقرأ المشهد قبل أن يصدر حكمه.

ما الذي يحدث هنا سأل بنبرة حازمة وهو يغلق باب الشاحنة. لم يجب أحد على الفور. عاد الصمت ليخيم على الساحة ثقيلا خانقا.

كان دون روكي قد بدأ بالابتعاد لكنه استدار بانزعاج واضح.

لم أقل لك أن تأتي في هذا الوقت المبكر يا دكتور تمتم بضيق.

أومأ الرجل ببطء دون أن يرفع عينيه عن ترينو وأليف.

تلقيت رسالتك الليلة الماضية. ظننت أن الأمر عاجل. حصان مريض على وشك أن يعدم.

قال السيد باحتقار لم يعد الأمر كذلك كان كذلك قبل أن يقيم هذا الصبي مسرحية رخيصة. وأشار بازدراء إلى أليف.

لم يبد الطبيب أي انفعال بل سار نحو وسط الساحة وتوقف على مسافة قريبة من ترينو الذي كان يراقبه بأذنين منتصبتين حذرا لكن هادئا. لم يتحرك أليف. كان يمسك بالحبل بقوة كأن كل خيط فيه امتداد لقلبه.

ما اسمك يا بني سأل الطبيب بلطف.

أليف أجاب الطفل بصوت هادئ وثابت.

وأنت من تعتني به

أومأ أليف برأسه. منذ أسابيع لم يعد أحد يريد الاعتناء به. كان مصابا تركوه.

انحنى الطبيب بجانب الحصان تفحص الضمادة البدائية وتمعن في تورم الساق. لمس بحذر أطراف الجرح وتحقق من حرارة الجسد. لم يعترض ترينو بقي ساكنا يتنفس بعمق.

هل استخدمت الطين وأوراق الميرمية سأل بدهشة خفيفة.

نعم يا سيدي ولم يكن لدي شاش فاستعملت قميصا قديما.

نهض الرجل ببطء ونظر إلى الطفل كما لو أنه يرى أمرا لم يره أحد قبله.

نعم هناك التهاب لكنه صمد أكثر مما توقعت. لا يزال لديه قوة ولديه إرادة.

ثم التفت إلى دون روكي وقال بوضوح

هذا الحصان ليس مستعدا للموت.

نفخ السيد بضيق وماذا تريدني أن أفعل أضع له غرفة مكيفة إنه عبء وتكلفة وهذا الصبي ليس حتى من أهل البيت يأكل

من بقايا الطعام.

صمت الطبيب لحظة ثم نظر إلى أليف.

هل تعلم ما الذي فعلته

خفض الطفل رأسه مترددا. لم أسمح لهم بقتله.

قال الرجل بابتسامة خفيفة بل فعلت أكثر من ذلك. لقد أعدت له كرامته.

لمعت عيناه بدموع لم تسقط.

نظر العمال إلى الطبيب كأنهم يسمعون

حقيقة لم يجرؤ أحد على قولها من قبل.

تابع الطبيب أقترح أن آخذه معي. سأعالجه في العيادة وسأرى إن كان بالإمكان إعادة تأهيله.

ثم نظر إلى أليف نظرة ذات معنى وأود أن يأتي هذا الطفل معي. لديه غريزة راع حقيقي. لا يمكننا تجاهل ذلك.

ضحك دون روكي بسخرية الآن ستتبنى الخيول والأيتام أيضا

لكن الطبيب لم يتراجع أنت على وشك أن تدان بتهمة إهمال الحيوانات إن واصلت التعامل مع الأرواح كأنها نفايات. وإذا أردت يمكن إضافة تهمة إساءة معاملة الأطفال. لدي شهود.

ساد همس مضطرب بين العمال. لم يعد أحد يخفي نظره. كانوا ينظرون إلى دون روكي بوجوه متوترة كأنهم يرونه للمرة الأولى على حقيقته.

صمت الرجل يلوك كبرياءه ثم نظر إلى الطفل ثم إلى الحصان ثم إلى الطبيب ورفع يده بازدراء ومضى نحو منزله دون كلمة واحدة. كانت هزيمة صامتة لكنها نهائية.

تنفس أليف أخيرا بعمق. اقترب ترينو منه أكثر فاحتضنه الطفل بقوة. اقترب الطبيب ووضع يده على كتفيهما.

هيا يا بني أمامنا عمل كثير.

سأل أليف بتأثر هل يمكنني البقاء معه طوال الوقت

بالطبع لكنه الآن مسؤوليتك. لم يعد مجرد وعد بل طريق.

أومأ أليف. ولأول مرة منذ زمن بعيد شعر أن لهذا الطريق وجهة وأنه ليس وحده وأن هناك من رأى ما رآه هو منذ البداية.

بينما صعد الثلاثة إلى الشاحنة بمساعدة منحدر بدائي راقبهم العمال بصمت. أومأ بعضهم ورسم آخرون إشارة الصليب. كان الطفل الفقير والحصان الجريح يغادران لكن شيئا منهما بقي هناك شاهدا على أن الرحمة قد تزهر حتى في أكثر الأراضي قسوة.

وعندما انطلقت الشاحنة مبتعدة وسط غبار الغروب الذهبي نظر أليف من النافذة وهو يعانق عنق صديقه وشعر لأول مرة في حياته أن أحدا وصل في الوقت المناسب. شاهد غير متوقع غير مصيره إلى الأبد.

كان اهتزاز الشاحنة على الطريق الترابي أشبه بتهويدة في صدر أليف. كان جالسا في المقعد الخلفي يلف جسده ببطانية خشنة أعطاها له الطبيب. إلى جانبه كان ترينو مستلقيا على فراش بدائي من القش والخرق النظيفة. كان يتنفس بعمق منهكا لكنه مطمئن. أغمض عينيه لكنه كان يفتحهما أحيانا لينظر إلى أليف كأنه يتأكد من أنهما ما زالا معا.

لم يكن الطفل يتحدث ولا ينام فقط يراقبه بذلك المزيج من الخوف والراحة الذي يلي النجاة من أمر بدا مستحيلا. كان جسده يؤلمه من أيام السير والبرد والجوع لكن ما كان يؤلمه أكثر هو ذلك الصمت الداخلي ذلك الصوت الذي لطالما قال له إنه لا يهم. والآن ولأول مرة بدأ ذلك الصوت يخفت.

كان الدكتور إيزيكيل يقود وينظر إليهما في المرآة. لقد رأى كثيرا من الأطفال في حياته لكن في أليف كان شيء حيره. كان صغيرا هشا يداه متشققتان وعيناه جادتين أكثر من سنه. ومع ذلك فعل ما لم يفعله الكبار. حمى من لا يستطيع الكلام.

هل أنت جائع سأل بعد حين.

أومأ أليف بخجل.

لدي بعض البسكويت في درج السيارة. ليست طازجة لكنها صالحة.

أكلها ببطء لا بنهم وكأنه لا يريد أن تنتهي. وكان طعمها طعم البيت.

لماذا قررت الاعتناء به

تأخر في الإجابة. ثم قال بهدوء لأنني كنت بحاجة لأن يعتني بي أحد أيضا.

وصلوا إلى العيادة مع غروب الشمس. مكان متواضع تحيط به أشجار مثمرة وسياج أبيض وإسطبل خشبي صغير. لا ضجيج لا عنف فقط سكينة وملجأ.

أنزلوا ترينو بعناية وبدأ العلاج الحقيقي. مضادات حيوية تنظيف للجرح وربما جراحة صغيرة. كان أليف يراقب كل شيء يلمس عنق الحصان يهمس له كأن كلماته تشفي.

في تلك الليلة أخذ الطبيب الطفل إلى غرفة بسيطة. لم يطلب شيئا فقط نظر حوله بحذر كأنه لا يصدق.

قال له إيزيكيل بهدوء ما فعلته كان شجاعا لكنه كان خطيرا. هل تعرف لماذا جئت لأنني لم أر في حياتي طفلا يقاتل هكذا من أجل من لا يستطيع الكلام.

قال أليف أخيرا لم يكن لديه أحد وهو اختارني وأنا اخترته.

هز الطبيب رأسه متأثرا لن تعود إلى هناك. سأهتم بك.

ثم سأله هل تريد البقاء هنا

أجاب بعد تردد نعم بشرط أن أبقى مع ترينو.

ابتسم الطبيب هذا مضمون.

تلك الليلة نام أليف مطمئنا للمرة الأولى والرجاء يقظ في قلبه. وفي الصباح دخلت الشمس كلمسة دافئة لا كتهديد.

وجد ترينو أفضل حالا وبدأت حياة جديدة تنسج بينهما.

دخلت المدرسة زار جدته تعافى الحصان وتحول الطفل من منسي إلى صوت من مكسور إلى منقذ.

وفي النهاية

فهم أليف الحقيقة الكبرى

أن الحب الذي يولد من الألم قد يصبح جناحين.

وأن من يجرؤ على الرحمة يغير العالم حتى لو كان طفلا لا يملك سوى قلبه.

النهاية.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close