القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تركتُ مصيدة على الطاولة وخرجت… وكانت تلك أوّل مرّة لا أدفع الثمن

  

تركتُ مصيدة على الطاولة وخرجت… وكانت تلك أوّل مرّة لا أدفع الثمن



تركتُ مصيدة على الطاولة وخرجت… وكانت تلك أوّل مرّة لا أدفع الثمن


تعمدتُ أن أترك بطاقة السحب الآليّ الخاصة بي مقفلة داخل خزنة المنزل قبل أن أخرج مع زوجي، ريان، إلى مأدبة عيد ميلاد والدته الخامس والستين.

كنت أشعر بذلك في أعماقي—كأنّ عظامي نفسها تنبّهني—أنّ هذه الليلة كُتب لها أن تنتهي كما كانت تنتهي دائمًا: بأن أدفع أنا ثمن «الختام الكبير».

في وقتٍ سابق، وأنا في المرآب، عثرتُ على مصيدة فئران معدنيّة قديمة مدفونة تحت بطّانيات وصناديق مغبرّة. كانت ثقيلة، قاسية، بدائيّة. أغلقتُ زنبركها، فانطلقت فرقعة حادّة جعلت القشعريرة تسري في ذراعيّ. ما إن سمعتُ ذلك الصوت حتى أدركتُ تمامًا ما تعنيه.

كانت رسالة.

وكانت خطًّا فاصلًا.



صرخ ريان من غرفة النوم:

«صوفي، هل أنتِ نائمة هناك؟ نحن متأخّرون!»

كانت الحفلة راقية: شموع، موسيقى حيّة، محار، شمبانيا، وأكثر من ثلاثين ضيفًا في نادٍ خاصّ خارج المدينة. خطّط ريان لكلّ شيء من دون أن يسألني. لم يكن بحاجة إلى ذلك. كان يفترض—كما في كلّ مرّة—أنني، في اللحظة المناسبة، سأُخرج بطاقتي وأدفع الفاتورة. كعادتي.

ارتديتُ فستانًا أسود، وأمسكتُ حقيبة أنيقة، ووضعتُ فيها الأساسيات: أحمر الشفاه، مرآة صغيرة… والمصيدة.

أمّا بطاقتي، فبقيت في المنزل.

على مدى خمس سنوات، كنتُ أموّل كلّ شيء تقريبًا: الرهن العقاري، نمط حياة ريان، و«الطوارئ» المتواصلة لوالدته. أدير قسمًا في شركة إنشاءات. أمّا ريان، فيعمل في بيع التأمين، ولا يتقاضى سوى ما يقارب ثلث دخلي—ومع ذلك، كان راتبه يتلاشى في سترات باهظة، ومعدّات هوايات، وأيّ جهاز جديد يلفت نظره.

كان مالي هو من يدير الحياة الحقيقيّة.




كانت والدته، ديان، بارعة في الطلب بطريقة تجعل كلمة «لا» تبدو قسوة.

علاج الأسنان؟ دفعتُ.

منزلها «بارد جدًّا»؟ تكفّلتُ بالعزل.

رحلة إلى المنتجع «لصحتها»؟ اشتريتها لها.

وكان ردّ ريان لا يتغيّر:

«إنها تستحقّ. لقد عملت بجدّ طوال حياتها.»

وفي المقابل، كانت ديان تتباهى أمام الجميع، وبصوتٍ عالٍ:

«ريان ابني قدّيس—يفعل كلّ شيء من أجل أمّه.»

أمّا أنا؟

ففي أحسن الأحوال:

«صوفي هادئة. بسيطة. محظوظة لأنها تزوّجت من عائلتنا.»


تحمّلتُ ذلك لسنوات.

كنتُ أدوّن المصروفات ليلًا بصمت.

وأحمل البناء كلّه على كتفيّ بصمت.

لكن… لكلّ إنسان حدّ.

تلألأت قاعة المأدبة تحت ثريّاتٍ كريستاليّة. جلس حول الطاولات زملاء قدامى، وجيران، وأقارب. وبالطبع، كانت مارلين—العدوّة اللدودة لديان منذ سنوات—حاضرة، تلك التي كانت ديان تحاول دائمًا التفوّق عليها.

بدت ديان متألّقة بلا عيب: فستان مرصّع، شعر متقن، وأظافر حديثة العناية. كان ريان يرافقها كأنّها ملكة. أمّا أنا، فسرتُ خلفهما، غير مرئيّة… إلى أن وصلت الفاتورة.



جاءت في ملفٍّ نحيف، وُضع بعناية عند طرف الطاولة. لمحت ديان الملفّ، ثم رفعت ذقنها قليلًا بما يكفي لتنتبه مارلين.


قالت ديان بصوتٍ مسموع لمن حولها:

«حسنًا يا ريان، أظنّ أنّ الوقت قد حان.»

ابتسم ريان—ابتسامة واثقة وآليّة—واستدار نحوي كأنّ ذلك ردّ فعلٍ تلقائيّ.

قال بنبرة متبرّمة:

«صوفي؟»

رفعتُ كأسي، وارتشفتُ رشفة هادئة، ونظرتُ إليه كأنّنا نتحدّث عن الطقس.

قلت:

«ما الأمر؟»

أشار بيده إشارةً غامضة نحو الملفّ:

«الفاتورة. هل يمكنكِ أن…؟»

«أن أدفع؟» أكملتُ عنه.

سقط الصمت على الطاولة كصحنٍ تحطّم. توقّفت ديان في منتصف لقمتها.

قالت بحدّة:

«بالطبع ستدفعين. لن تُحرجي ريان أمام الجميع.»

وضعتُ الكأس، وفتحتُ حقيبتي، وأخرجتُ المرآة، وأصلحتُ أحمر شفاهي—ببطء، ودون استعجال—ثم وضعتُ مصيدة الفئران على الطاولة بجانب الفاتورة.

طَقّ.

شقّت فرقعة معدنيّة جافّة أجواء القاعة. ضحك أحدهم بارتباك. وتنحنح آخر.

شحُب وجه ريان:

«صوفي… ما هذا؟»

قلت بهدوء:

«ليست مزحة. هذا حدّي.»

احمرّ وجه ديان غضبًا:

«كيف تجرؤين؟ أنتِ تُهينيننا!»

أجبت:

«ليس أنا. أنتما تفعلان ذلك منذ خمس سنوات.»




ثم قلتها—بنبرةٍ هادئة بما يكفي لضبطها، وواضحة بما يكفي لتصل:

«منذ خمس سنوات وأنا أدفع ثمن منزلكِ، وعلاجاتكِ، ورحلاتكِ—وصورتكِ. وفي الوقت نفسه، تتباهين بريان كأنّه المعيل، وتعاملينني كأنني ضجيجٌ في الخلفيّة.»

على الجانب الآخر من الطاولة، لم تبتسم مارلين هذه المرّة. اكتفت بالمراقبة.

انحنى ريان نحوي، وصوته مشدود:

«دعينا نتحدّث عن هذا في البيت.»

قلت:

«لا. لأنّ هذا بالضبط هو المكان الذي أردتَ فيه العرض.»

دفعتُ ملفّ الفاتورة نحوه.

قلت:

«لا أحمل بطاقتي. إن أردتَ الدفع، فستدفع أنت. أو والدتك. أو أيّ واحد من الذين يصدّقون أنك ‘تفعل كلّ شيء من أجلها’.»

التفتت ديان إلى مارلين كمن يبحث عن طوق نجاة:

«مارلين—قولي شيئًا!»

عدّلت مارلين منديلها بهدوء:

«ماذا تريدينني أن أقول؟ إنها محقّة.»

سرت همهمات خافتة في القاعة.

وقف ريان، وقد اخترق الذعر كبرياءه:

«أنا… لا أملك هذا المبلغ.»

قلت:

«أعلم. ولهذا أخبرتك منذ سنوات أن تتعلّم كيف تدير المال.»



كان النادل يقف متردّدًا في دائرة الانفجار، وابتسم ابتسامة متكلّفة:

«خذوا وقتكم.»

وقفتُ ببطء، كأنّني أريد لتلك اللحظة أن تُحفر في الذاكرة. أمسكتُ حقيبتي بإحكام، وتركتُ المصيدة على الطاولة دون أن ألتفت خلفي فورًا، كأنّ وجودها هناك صار بيانًا صامتًا لا يحتاج إلى شرح. لم تكن قطعة معدن فحسب، بل خلاصة سنوات من الصمت، والإنفاق، والانكسار المؤجَّل.

حدّقت ديان في أثري بعيونٍ متّسعة، لا غضب فيها بقدر ما فيها دهشة من فقدان السيطرة. كانت تلك المرّة الأولى التي ترى فيها المشهد ينفلت من يدها. أمّا ريان، فقد حاول اللحاق باللحظة قبل أن تفلت

نهائيًا.

قال بصوتٍ بدا فيه التوسّل أكثر ممّا فيه الغضب:

«إلى أين تذهبين؟»

التفتُّ إليه، لا بعصبيّة، ولا بانكسار، بل بهدوء شخصٍ اتّخذ قراره منذ زمن، وانتظر فقط اللحظة المناسبة ليقوله بصوتٍ مسموع.

قلت:



«إلى مكانٍ أستطيع أن أنام فيه دون أن أدفع ثمن أحد، ودون أن أُحاسَب على صمتي.»

كان الصمت الذي تلا كلماتي أثقل من أيّ صراخ. لم يكن في القاعة من يملك الجرأة على مقاطعته. عند الباب، توقّفتُ للحظة، ليس تردّدًا، بل لأنّ بعض الوداع يحتاج نظرة أخيرة.

التفتُّ مرّة واحدة—مرّة واحدة فقط—وكأنّني أُغلق بابًا طويلًا خلفي.

قلت:

«احتفظي بالمصيدة يا ديان. اعتبريها تذكارًا… عن كلّ السنوات التي أبقيتِني فيها محبوسة، وعن اللحظة التي قرّرتُ فيها أخيرًا أن أفتح الباب.»

ثم خرجتُ. خرجتُ مرفوعة الرأس، بخطواتٍ ثابتة، من دون أن يحاول أحد إيقافي. لم يكن ذلك لأنّهم اقتنعوا، بل لأنّهم أدركوا، متأخّرين، أنّ السيطرة انتهت.

في صباح اليوم التالي، رنّ هاتفي مرارًا وتكرارًا. كان اسم ريان يضيء الشاشة ثم ينطفئ، مرّة بعد أخرى. تركتُ الهاتف جانبًا، أحتسي قهوتي ببطء، أراقب ضوء الصباح وهو يتسلّل إلى الغرفة. لم أكن أهرب من الحديث، بل كنت أستعيد نفسي.

عند الظهيرة، أجبتُ أخيرًا.

قال بصوتٍ منهك، خالٍ من النبرة الواثقة التي اعتدتُها:

«نحتاج أن نتحدّث.»

أجبته بهدوءٍ لم أعرفه من قبل:

«سنتحدّث. عن المال، والاحترام، والحدود، وعن ما سيحدث بعد ذلك. لأنّ كلّ شيء لم يعد قابلًا للتأجيل.»



ثم أغلقتُ الهاتف، لا غضبًا، بل لأنّ بعض الأحاديث لا تبدأ عبر الأسلاك، بل وجهًا لوجه، بعد أن يتغيّر ميزان القوّة.

وقفتُ عند النافذة، أنظر إلى المدينة الممتدّة أمامي. الشوارع كما هي. المباني كما هي. الناس يمضون في يومهم كأنّ شيئًا لم يحدث. العالم في الخارج لم يتغيّر.

لكنّني تغيّرت.

لم أعد المرأة التي تدفع ثم تصمت.

ولا تلك التي تُسمّي التحمّل وفاءً.

ولا التي تخاف أن تقول «لا» فتُتّهم بالقسوة.

تغيّرتُ لأنّني أدركتُ أخيرًا أنّ الاستمرار في الخطأ ليس تضحية، وأنّ الرحيل أحيانًا ليس هروبًا، بل بداية حياة تُدار بكرامة، وحدود واضحة، وصوتٍ مسموع.

وفي تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ لم أشعر به منذ سنوات:

راحة لا تُشترى…

وحريّة لا تُموَّل…

ونومٍ يأتي بلا ثمن.


تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close