القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كان يتلقى هدية مجهولة كل عام… وعندما بحث عن الحقيقة اكتشف سرًا عن والدته أبكاه!

 كان يتلقى هدية مجهولة كل عام… وعندما بحث عن الحقيقة اكتشف سرًا عن والدته أبكاه!



كان يتلقى هدية مجهولة كل عام… وعندما بحث عن الحقيقة اكتشف سرًا عن والدته أبكاه!


في المرة الأولى التي وصل فيها الطرد، كان دانيال في السادسة من عمره، ولم يكن يفهم تمامًا معنى كلمة «الغياب».


كانت والدته قد توفيت قبل ثلاثة أشهر فقط. وكان البيت ما يزال يحمل رائحتها: رائحة صابون اللافندر، والقهوة الطازجة في الصباح، وتلك الرائحة التي تمزج بين الدفء والتعب التي يتركها من يقضون حياتهم في الكفاح دون شكوى.


كانت عمته لورا، التي تولّت رعايته، تحاول أن تُبقي كل شيء منظمًا. منظمًا أكثر مما ينبغي ربما. الأشياء نظيفة دائمًا، والطعام يُقدَّم في الساعة نفسها، والتلفاز يعمل لملء الصمت. لكن كان هناك شيء لم يستطع أحد ترتيبه: الفراغ الذي تركته أمه.


في أحد أيام الثلاثاء، عند الرابعة عصرًا، طُرق الباب.


— هل تنتظرين أحدًا؟ — سأل دانيال من الطاولة، ودفتر الرياضيات مفتوح أمامه.


— لا — أجابت عمته وهي تجفف يديها بقطعة قماش.


عندما فتحت الباب، لم يكن هناك أحد. فقط صندوق صغير ملفوف بعناية بورق بني، بلا اسم مرسل.


— غريب… — تمتمت.


اقترب دانيال بفضول. كان على أعلى الصندوق سطر واحد مكتوب بخط اليد:


«إلى دانيال. افتحه اليوم.»


في الداخل وجدا حقيبة مدرسية جديدة.


ليست أي حقيبة. كانت متينة، بلون أزرق داكن، وبها جيوب كثيرة. تمامًا من النوع الذي طلبته المعلمة ذلك الأسبوع لأن حقيبته القديمة تمزقت، ولم يكن لديهما ما يكفي لشراء أخرى.


— مَن أرسلها؟ — سأل دانيال.


هزّت عمته رأسها.


— لا أعلم يا حبيبي.


ظنّا أن أحد معارف والدته أرسلها. شخص لا يريد أن يذكر اسمه. شخص يريد المساعدة.


لكن لم تصل أخبار أخرى.


حتى العام التالي.


كان دانيال قد نسي تقريبًا ذلك الطرد، عندما، في اليوم نفسه تمامًا، بعد عام كامل، طُرق الباب من جديد.


هذه المرة كان هو من فتح.


صندوق آخر.


دون اسم مرسل.


والخط نفسه:


«إلى دانيال. افتحه اليوم.»


في الداخل حذاء رياضي جديد.


بمقاسه تمامًا.


ولم يكن ذلك فحسب، بل كان الحذاء نفسه الذي ظل ينظر إليه أسابيع في واجهة أحد المتاجر، وهو يعلم أنه لا يستطيع طلبه لأن عمته تفعل من أجله ما يفوق طاقتها.


— لم يعد هذا مصادفة — قالت لورا بصوت منخفض.


وكان دانيال يشعر بالأمر نفسه.


شخص ما كان يعلم.


شخص ما كان يراقب.


لكن ليس بطريقة مخيفة… بل بطريقة حامية.


ومع مرور السنوات، استمرت الطرود في الوصول.


مرة واحدة كل عام.


في اليوم نفسه.


دون توقيع.


في الثامنة من عمره، جاءه قاموس مصوَّر، في الوقت الذي بدأ يعاني فيه من صعوبة في القراءة.


وفي التاسعة، معطف سميك كان بحاجة إليه أكثر مما أراد الاعتراف.


وفي العاشرة، كرة قدم، عندما قرر الانضمام إلى فريق المدرسة، رغم أنه لم يخبر أحدًا بذلك.


كانت كل هدية تستجيب لشيء لم ينطق به حتى بصوت مرتفع.


كأن أحدًا يسمع أفكاره.


— ماذا لو كان ملاكًا؟ — قالت له زميلة يومًا.


ضحك دانيال، لكنه في أعماقه لم يكن يعرف


ماذا يصدق.

لم تكن هناك رسالة تشرح شيئًا.


ولا اتصال.


ولا شخص جاء يطلب الشكر.


فقط الهدايا.


دائمًا في الوقت المناسب.


دائمًا في صمت.


عندما بلغ الثانية عشرة، بدأ يطرح أسئلة أكثر جدية.


— عمتي… هل كانت أمي تساعد الناس كثيرًا؟


نظرت إليه لورا من فوق نظارتها.


— نعم. كثيرًا جدًا.


— إلى حدٍّ يجعل أحدهم يفعل هذا من أجلي؟


تأخرت في الرد.


— كانت أمك من أولئك الذين لا يسألون إن كانوا يستطيعون المساعدة… بل يفعلون ذلك فحسب.


— وهل أنقذت أحدًا؟


تنهدت.


— دانيال… أمك لم تكن تتحدث عن تلك الأمور. كانت تقول إن من يفعل خيرًا لا يحتاج أن يرويه.


لم تهدئه الإجابة.


بل أيقظت داخله شعورًا بقصة ناقصة.


عندما بلغ الخامسة عشرة، كانت الهدية مختلفة.


لم تكن ملابس.


ولا غرضًا ماديًا.


كانت ظرفًا.


في داخله مبلغ من المال يكفي لدفع رسوم دورة دراسية كان يرغب في الالتحاق بها… لكنه لم يذكرها في البيت لأنه يعلم أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفتها.


في تلك الليلة لم يستطع النوم.


لم يعد الأمر مساعدة فحسب.


بل شخص يعرفه.


رافقه طوال حياته دون أن يظهر.


— أريد أن أعرف من هو — قال في اليوم التالي.


— وماذا لو لم يرد أن تعرف؟ — سألت لورا.


أجاب دون تردد:


— لكنني أنا بحاجة إلى أن أعرف.


منذ ذلك اليوم بدأ يحتفظ بكل شيء.


الصناديق.


الأوراق.


التواريخ.


شكل الخط.


نوع الشريط اللاصق.


الورق.


كل شيء.


تحول


الأمر إلى هوس صامت.

ليس لأنه يشك.


بل لأنه يشعر أن وراء تلك الهدايا شيئًا أكبر منه.


شيئًا يتعلق بأمه.


وصل الطرد الأخير عندما بلغ الثامنة عشرة.


كان أثقل من سابقاته.


في داخله وجد ساعة.


أنيقة.


بسيطة.


من النوع الذي لا تبليه الموضة.


وهذه المرة كانت هناك رسالة أطول.


«كانت أمك تقول إن الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يعود. فاستعمله لتعيش كما عاشت هي.»


شعر دانيال بعقدة في حلقه.


للمرة الأولى، كان هناك دليل حقيقي.


تلك العبارة…


لم تكن عامة.


كانت شيئًا كانت أمه تردده دائمًا.


دائمًا أكثر مما ينبغي.


في ذلك المساء نفسه اتخذ قرارًا.


لن يستقبل هدية أخرى دون أن يعرف القصة.


راجع كل التفاصيل من جديد.


كل إرسال كان قد تم من نقاط مختلفة في المدينة، ودُفع ثمنه نقدًا.


لكن الطرد الأخير كان مختلفًا.


خطأ صغير.


ختم موضوع في غير مكانه كشف جزءًا من عنوان.


ليس كاملًا.


لكنه كافٍ.


استغرقه الأمر ثلاثة أيام ليجمع شجاعته ويذهب.


كان المكان في حي قديم، شوارعه ضيقة وبيوته ذات قضبان حديدية عتيقة. لا يشبه العالم المرتب الذي نشأ فيه بعد وفاة أمه.


وقف أمام باب أخضر.


لم يكن يبدو باب شخص غامض.


كان يبدو باب شخص عادي.


عادي أكثر مما ينبغي ليكون حاضرًا في حياته كلها دون أن يعلم.


طرق الباب.


تأخروا في فتحه.


وحين فُتح، ظهر رجل مسن، شعره أشيب ويداه تحملان آثار السنين.


نظر إليه بصمت.


ثم


خفض نظره إلى الساعة التي يضعها دانيال في معصمه.

وأغلق عينيه.


كأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن طويل.


— كنت أعلم أنك ستأتي يومًا — قال أخيرًا.


شعر دانيال أن قلبه ينبض في أذنيه.


— هل أنت… من أرسل الهدايا؟


أومأ الرجل.


لم يبتسم.


لم يبدُ فخورًا.


 بدا… مرتاحًا.


— لم أساعدك أنت — قال بهدوء — بل أوفيت بوعد قطعته لأمك.


لم يستطع دانيال الكلام.


— قبل سنوات طويلة — تابع الرجل — لم أكن شخصًا صالحًا. تورطت في أمور خطيرة. وفي إحدى الليالي انتهى بي الأمر مصابًا، وحيدًا، مقتنعًا أن أحدًا لن يساعدني.


توقف لحظة.


— كانت أمك الوحيدة التي توقفت.


شعر دانيال أن الهواء تغيّر.


— لم تسألني من أكون. لم تسألني ماذا فعلت. أخذتني إلى المستشفى… وبقيت حتى خرجت من الخطر.


— وماذا بعد؟ — همس دانيال.


— ثم اختفت. لم ترد أن أدفع لها شيئًا. قالت فقط…


نظر إليه مباشرة.


— «إذا أردت يومًا أن ترد لي هذا، فافعل خيرًا حقيقيًا لشخص آخر.»


امتلأت عينا دانيال بالدموع.


— وبعد سنوات علمت أنها توفيت… وأنها تركت ابنًا.


تنفس الرجل بعمق.


— عندها فهمت أن فرصتي لم تكن في إنقاذ العالم. بل في التأكد من أن ذلك الطفل لا يشعر أبدًا بأنه وحده.


لم يكن الصمت الذي تلا ذلك محرجًا.


كان عميقًا.


كأن كل القطع أخيرًا وجدت مكانها.


أدرك دانيال أن الهدايا لم تكن صدقة.


كانت امتنانًا انتظر سنوات ليجد طريقه.


وأن أمه…


ما زالت تغيّر حياة الآخرين حتى بعد رحيلها.


— الآن عرفت — قال الرجل — ولم يعد لدي شيء أرسله لك.


هز دانيال رأسه.


— بل لديك.


نظر إليه الرجل متعجبًا.


ابتسم دانيال وعيناه ما تزالان دامعتين.


— عليك أن تخبرني بكل شيء عنها. أظن أنني ما زلت أجهل جزءًا من أمي.


ابتسم الرجل للمرة الأولى.


وهكذا، في ذلك البيت البسيط، بدأت حكاية أخرى.


ليس حكاية الهدايا.


بل حكاية الإرث.


وضع الرجل إبريق القهوة على النار بحركات بطيئة، كأن لكل حركة ذاكرة.


— كانت أمك تحب القهوة شديدة التركيز — قال دون أن يلتفت — وكانت تقول إن ما سيوقظك حقًا يجب أن يفعل ذلك بصدق.


جلس دانيال على كرسي خشبي. البيت متواضع لكنه نظيف. نباتات قرب النافذة، صور قديمة مؤطرة ببساطة، وإحساس غريب بالسكينة… كأن المكان تعلّم الانتظار.


— لماذا لم تخبرني من أنت؟ — سأل أخيرًا.


ابتسم الرجل بخفة.


— لأنني أنا نفسي لم أكن أعرف من أكون بعد.


قدّم له فنجانًا.


— كنت أظن أن المساعدة تعني أن تعطي مما يفيض لديك. مالًا. ملابس. أشياء. لكن أمك… لم تساعدني هكذا. أعطتني وقتًا. ثقة. كرامة. وهذا كان أصعب ما يمكن رده.


نظر دانيال إلى الساعة في معصمه.


— إذن قررت أن ترسل لي الهدايا؟


— ليس فورًا — قال الرجل — احتجت سنوات لأصلح حياتي. حصلت على عمل، وتركت كل ما أدخلني في المتاعب… ومع ذلك ظلّ شعور الدين قائمًا.


جلس أمامه.


— وفي يوم فهمت أنني لا أستطيع رد الجميل لها. لكن يمكنني أن أحمي ما كانت تحبه أكثر.


— أنا…


— أنت.


لم يعد الصمت غريبًا.


— كيف كنت تعرف ما أحتاجه كل عام؟


ضحك الرجل بخفة.


— لم يكن سحرًا. كان انتباهًا.


أحضر صندوقًا معدنيًا قديمًا. بداخله دفاتر.


— عملت سنوات ساعيًا ثم سائقًا. كنت أمرّ بحيّك كثيرًا. لم أقترب. لم أتحدث معك. لكنني كنت أراقب. أسأل بلطف. أحيانًا يتحدث الجيران دون أن يدركوا أنهم يساعدون.


فتح دانيال أحد الدفاتر. كانت هناك تواريخ وملاحظات:


«يصعب عليه


حمل الحقيبة.»

«سأل عن قاموس في المكتبة.»

«ينظر إلى حذاء في الواجهة.»

«يريد دخول فريق الكرة لكنه متردد.»

ابتلع دانيال ريقه.


— كنت هناك… طوال الوقت.


— ليس لأتجسس — قال الرجل بهدوء — بل لأبقي الوعد حيًا.


قلّب دانيال الصفحات ببطء.


لم يكن في الأمر سيطرة.


بل رعاية.


رعاية صامتة لم تطلب شيئًا في المقابل.


— كان بإمكاني أن أعرّف بنفسي — تابع الرجل — لكن الهدايا كانت ستفقد معناها. لم أرد أن تشعر بأنك مدين لي بشيء. كانت لك. كما كانت الفرصة التي منحتني إياها أمك لي.


أغلق دانيال الدفتر.


وأدرك أن الأشياء لم تكن يومًا هي المهمة.


المهم كان الجسر الخفي بين ثلاث حيوات.


حين بدأت الشمس تميل إلى الغروب، خرجا إلى الفناء الصغير خلف البيت. كانت هناك شجرة برتقال.


— زرعتها في السنة التي وُلدت فيها — قال الرجل — لم أكن أعلم إن كنت ستأتي يومًا. لكنني أردت أن أؤمن بذلك.


لمس دانيال الجذع الخشن.


— كانت أمي تفعل ذلك — قال — كانت تزرع أشياء دون أن تعلم إن كانت ستراها تكبر.


— هكذا كانت.


وقفا صامتين، يسمعان ضجيج الشارع البعيد.


— وماذا الآن؟ — سأل دانيال — ماذا يحدث بعدما عرفت كل شيء؟


نظر إليه الرجل بهدوء.


— الآن لا يتغير شيء. أنا أتممت دوري. وعليك أن تقرر ماذا ستفعل بدورك.


— دوري؟


— السلسلة لا تنتهي بي — قال — أمك ساعدتني. وأنا رافقتك. لكن الأمر لم يكن ليبقى بيننا.


شعر دانيال بثقل الكلمات.


— ليس الأمر ردًا — أضاف الرجل — بل استمرار.


في تلك الليلة عاد دانيال إلى بيت عمته لورا


حاملاً صندوق الدفاتر.

نظرت إليه ما إن دخل.


— عرفت، أليس كذلك؟


أومأ.


ابتسمت بعينين دامعتين.


— أمك لم ترد أن ينقصك شيء… لكنها لم ترد أيضًا أن تكبر معتقدًا أن العالم قاسٍ.


— ليس قاسيًا — قال دانيال — فقط… يحتاج وقتًا ليُظهر معناه.


جلسا يتصفحان الدفاتر. كانت لورا تتعرف على حكايات كان يكتشفها لأول مرة.


— لطالما شعرت أن أحدًا يحمينا — اعترفت — لكنني لم أتخيل إلى أي حد.


مرت الشهور.


بدأ دانيال الجامعة.


لم تعد الطرود تصل.


ومع ذلك، كلما نظر إلى الساعة في معصمه شعر أن شيئًا ما ما زال يرافقه.


لا كدين.


ولا كواجب.


بل كاتجاه.


وفي يوم، عند خروجه من الجامعة، رأى طفلًا جالسًا أمام مكتبة قرطاسية، يحدق في واجهة مليئة بالأدوات المدرسية. لم يكن يبكي. ولم يكن يطلب شيئًا. كان ينظر فقط.


توقف دانيال.


كانت الصورة مألوفة أكثر مما ينبغي.


دخل المتجر.


اشترى ما يلزم.


خرج وناوله للطفل دون أسئلة.


نظر الطفل إليه بدهشة.


— لماذا؟


فكر دانيال لحظة ثم قال:


— لأن أحدهم فعل الأمر نفسه من أجلي.


وغادر قبل أن يسمع الشكر.


وأثناء سيره فهم شيئًا كانت أمه تعرفه دائمًا:


الأفعال الصادقة لا تحتاج شهودًا.


بل تحتاج استمرارًا.


ومرت سنوات.


كان دانيال يزور الرجل صاحب شجرة البرتقال بين حين وآخر. لم يعودا يتحدثان كثيرًا عن الماضي. كانا يتحدثان عن أشياء بسيطة: العمل، الطقس، وصفات القهوة شديدة التركيز.


وفي إحدى الأمسيات، وهما يقطفان برتقالًا ناضجًا، قال الرجل:


— أمك ستكون فخورة.


ابتسم دانيال.


— لا أظن أن الأمر يتعلق بالفخر.


— إذن بماذا؟


نظر إلى الشجرة، إلى الأغصان الممتلئة، إلى السماء المفتوحة فوقهما.


— أظن أن الأمر يتعلق بأن يستمر هذا… فقط.


أومأ الرجل.


ولم يقل أي منهما شيئًا آخر.


لأن بعض الوعود لا تُشرح.


بل تُعاش.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close