سر المرتبة القديمة
سر المرتبة القديمة
هي رمت مرتبة قديمة ومقرفة على الشغالة كأنها زبالة لكن أول ما الخياطة اتقطعت الفلوس نزلت منها زي المطر والمرتبة ما اتمدتش بإيدين ولا اتحطت جنب الباب باحترام لأ اتحدفت من بلكونة الدور التاني في القصر الكبير ووقعت على الأرض قدام رجلي كونسويلو الحافيين بسنتيمترات التراب طلع لفوق وغرق وشها وهدومها وكرامتها ودونيا بيرفكتا صرخت من فوق من غير حتى ما تبص لها في عينيها خديها يا كونسويلو غسلتها مرتين ولسه ريحتها قديمة الجديدة دخلت المخزن ودي مالهاش لازمة عندي ولوحت بإيدها كأنها بتزق دبانة وكونسويلو فضلت واقفة لحظة ساكتة بترمش وسط التراب اتنين وأربعين سنة وهي في البيت ده بتكنس أرض مش بتاعتها بتطبخ أكل مش ليها بتكوي ملايات عمرها ما هتنام عليها والهدية الوحيدة اللي خدتها طول عمرها كانت أي حاجة الست زهقت منها مرتبة مستعملة مترمية من فوق زي الزبالة وكونسويلو عايشة في أوضة صفيح في آخر الأرض مش ملكها عمرها ما كانت ملكها مستلفاها زي ما الأغنيا بيحبوا يقولوا يعني نقدر ناخدها منك في أي وقت وإنتي تشكرينا إنك قاعدة فيها تلات حيطان طين متشققة وسقف صاج يرزع مع المطر وحصيرة على الأرض نامت عليها سنين لا سرير ولا مخدة بس برودة التراب اللي ساعات كانت أحن
من البشر وفي الحر ده هي وحفيدتها لوسيرو جروا المرتبة لحد الأوضة العرق بينزل من جبينهم ولوسيرو قالت بصراحة العيال تيتا ريحتها وحشة قوي فردت كونسويلو من غير ما تبص لها دي ريحة عمري حطوها في الركن والليلة دي لأول مرة من سنين طويلة كونسويلو نامت فوق الأرض على حاجة طرية حتى لو مليانة بقع وإهانة وعيطت مش عياط حزن بس عياط واحدة اتعلمت تفرح بالفتافيت وقالت وهي باصة لسقف الصاج يا رب مش عايزة غنى ولا انتقام بس احفظلي لوسيرو ما تخليهاش تكسر ضهرها زيي وبعد تلات أيام وهي بتغسل هدوم الأسبوع ركبتها خانتها ووقعت فجأة ولوسيرو جريت تمسكها وكتفها خبط في المرتبة خياطة كانت مفكوكة اتفتحت أكتر وطلع صوت خشخشة غريب شدت الخياطة المقطوعة واتسعت الفتحة وفجأة مش قطن اللي بان ولا إسفنج لكن رزم فلوس مربوطة بإحكام متحشية جوه نازلة زي سيل عيني لوسيرو وسعت ووشها اصفر تيتا دي فلوس! وكونسويلو بصت بعينين نص واعيين وفهمت في لحظة إن الأغنيا ما بيرموش حاجة زي دي بالغلط قعدوا طول الليل يعدوا الرزم بإيدين بترتعش مبلغ يكفي يشتري الأرض كلها مش بس الأوضة يكفي يعالجها ويعلم لوسيرو ويخليهم يسيبوا المكان ده للأبد لكن السؤال فضل واقف بينهم زي شبح الفلوس دي كانت لمين وليه جات
لهم وفي اليوم اللي بعده القصر اتقلب صراخ وخناق وشرطة داخلة طالعة اتسرق مخزن دونيا بيرفكتا مبلغ كبير كان مستخبي من سنين فلوس متهربة من شراكات مش قانونية كانت بتخبيها في أماكن محدش يشك فيها في أثاث قديم في حشو مرتبة محدش يتخيل ولما قررت تجدد المخزن أمرت برمي القديم من غير ما تفتحه حتى لأنها نسيت نسيت سرها جوه نسيت إنها كانت بتخبي حياة كاملة في حاجة شايفاها زبالة وبدأوا يفتشوا في بيوت العمال وجم عند أوضة كونسويلو لوسيرو قلبها كان هيقف وكونسويلو كانت قاعدة على الكرسي الصغير بتتنفس بصعوبة الضابط سأل عن أي حاجة غريبة لقوها ساعتها كونسويلو بصت لحفيدتها وبعدين قالت بهدوء عمر طويل من القهر علمها إياه أيوه لقينا لوسيرو شهقت لكن كونسويلو كملت لقينا إن حتى الزبالة اللي بترموها علينا بتبقى كنز بالنسبالنا الضابط ما فهمش ومشي لأن محدش كان يعرف إن الرزم متخبية دلوقتي في حتة تانية كونسويلو طول الليل قبل التفتيش شالت الفلوس وحطتها في شوال دقيق قديم ودفنت نصها تحت أرضية الأوضة الطينية والنص التاني عند جارتها العجوز اللي ما عندهاش غير ربنا ومحدش فتش التراب ومرت الأيام ودونيا بيرفكتا اتورطت في تحقيقات عن تهرب ضريبي وغسيل أموال اسمها اتسحب في الجرائد
والناس اللي كانت بتخاف منها بقت تتهامس عليها وكونسويلو لأول مرة مشت في أرض القصر من غير ما تحني راسها وبعد شهور لما العاصفة خلصت راحت لوسيرو بفلوس كفاية لمكتب محامي في البلدة محامي شاطر قدر يشتري الأرض اللي عليها الأوضة باسم لوسيرو من الورثة اللي بدأوا يبيعوا ممتلكات الست عشان تسدد قضاياها ووقعوا عقد رسمي لأول مرة الأوضة بقت ملكهم مش مستلفينها وبعدين بنوا بيت صغير حقيقي بسقف ثابت وأرضية سيراميك واشتروا سرير جديد بمرتبة نظيفة برائحة قطن مش عفن وكونسويلو نامت عليها ليلة الافتتاح وابتسمت من غير دموع لأن المرة دي ما كانتش بتفرح بفتافيت كانت بتاخد حق عمرها ولوسيرو دخلت مدرسة كويسة وبعدين جامعة في المدينة تدرس محاسبة عشان تفهم لغة الفلوس اللي طول عمرها كانت سلاح ضدهم وكل ما حد سألهم الفلوس جات منين كانوا يقولوا رزق لأن أحيانا الرزق بييجي في شكل إهانة وأحيانا ربنا بيحط كنز في قلب الحاجة اللي الناس رمتها ومرت سنين وكونسويلو كبرت أكتر وصحتها ضعفت لكن كل ليلة قبل ما تنام كانت تبص للسماء وتفتكر اللحظة اللي المرتبة اتحدفت فيها من فوق اللحظة
اللي كانت شكلها إهانة خالصة لكنها كانت بداية انقلاب حياة كاملة وفهمت متأخر إن بعض العطايا بتيجي متغلفة
بالذل عشان تختبر قلبك وإن الأغنيا فعلا ما بيرموش حاجة بالغلط لكن الغلطة الوحيدة اللي عملتها دونيا بيرفكتا إنها افتكرت إن اللي عايشين تحت مش بني آدمين ونسيت إن حتى الشغالة اللي محدش شايفها ممكن في لحظة تبقى صاحبة الأرض وصاحبة البيت وصاحبة القرار وإن المرتبة اللي اترمت كزبالة كانت هي المفتاح اللي فتح باب عمر جديد عمر ما فيه حد هيقول للوسيرو خدي يا بنت عمر هيبقى فيه ده بتاعنا من غير خوف ومن غير استئذان.
السنين عدت بس حكاية المرتبة ما انتهتش عند بيت صغير وسرير جديد لأن الفلوس مهما كانت نعمة هي كمان امتحان وكونسويلو كانت عارفة إن الرزق اللي ييجي فجأة ممكن يضيع فجأة لو ما اتعاملتش معاه بحكمة ولوسيرو لما دخلت الجامعة في المدينة كانت كل ما تمشي في شوارعها الواسعة تفتكر الطريق الترابي اللي كانت بتجر فيه المرتبة مع جدتها كانت فاكرة ريحة العفن وخشخشة الورق أول ما الخياطة اتفتحت وفضل السؤال ساكن جواها هل اللي حصل ده عدل ولا كان سرقة من ست فاسدة نست اللي خبته وفي ليلة رجعت فيها من الجامعة لقت جدتها قاعدة قدام البيت الجديد شعرها بقى أبيض أكتر وظهرها أوطى لكن عينيها لسه فيهم نفس الهدوء وقالت لها لوسيرو فجأة تيتا لو كانوا لقوا الفلوس كنا هنرجع زي زمان كونسويلو
ابتسمت وقالت إحنا عمرنا ما كنا زي زمان يا بنتي إحنا بس ما كناش نعرف قيمتنا وبعد شهور قليلة الأخبار رجعت تهز البلدة دونيا بيرفكتا خرجت من القضايا بنفوذها وعلاقاتها خسرت شوية أرض آه لكن ما خسرتش كل حاجة والناس بدأت تقول إنها ناوية ترجع القصر تعيش فيه من تاني بعد ما الأمور هديت والخوف دب في قلب لوسيرو مش خوف من الفقر لكن خوف من الماضي لما يرجع يطالب بحقه وفي يوم عربية سوداء فخمة وقفت قدام بيتهم الجديد ونزلت منها دونيا بنفسها سنين المحاكم كانت باينة على وشها لكن نظرة الاستعلاء لسه ما ماتتش خبطت على الباب بإيد متزينة بخواتم تقيلة وكونسويلو اللي فتحت وقفت قدامها مش منحنية المرة دي الاتنين بصوا لبعض طويل صمت تقيل مليان تاريخ وقالت دونيا بصوت بارد عارفة إن المرتبة اللي اترمت لك كان فيها حاجة مش بتاعتك قلب لوسيرو وقع لكن كونسويلو ما رمشتش حتى وقالت بهدوء كل اللي بيدخل بيتي ويبقى تحت سقفي يبقى بتاعي بالقانون دونيا ضحكت بسخرية قانون إنتي بتكلميني عن قانون فردت لوسيرو لأول مرة قدامها من غير خوف أيوه قانون حضرتك نسيتي فلوسك في حاجة ورميتيها بإرادتك وفي القانون ده اسمه تخلي كانت لوسيرو درست ده كويس درست يعني إيه حيازة بحسن نية ودرست إن اللي يتنازل عن حاجة من غير مطالبة
فورية بيخسر حقه فيها ودونيا حاولت تخوفهم حاولت تلمح إنها تقدر تقلب الدنيا عليهم لكن الحقيقة كانت واضحة مفيش دليل مفيش شهود ومفيش اعتراف والمرتبة نفسها اتحرقت من زمان أول ما شالوا الفلوس منها ما بقاش فيه أثر وقفت دونيا لحظة أطول يمكن كانت مستنية تشوف في عيني كونسويلو ذرة خوف لكنها ما لقتش غير سلام غريب سلام واحدة عاشت أسوأ من أي تهديد وفي الآخر لفت ومشيت العربية السودا اختفت في آخر الشارع ولوسيرو قفلت الباب وهي بتتنفس بسرعة وقالت تيتا أنا كنت خايفة فردت كونسويلو وهي قاعدة على الكنبة الجديدة أنا كمان بس مش عليها كنت خايفة نرجع نبص لنفسنا بعين صغيرة تاني ومن اليوم ده لوسيرو قررت إن الفلوس مش هتفضل مدفونة في أرض البيت بس بدأت تستثمرها فتحت مكتب محاسبة صغير في البلدة يساعد العمال والفلاحين يفهموا حقوقهم الضريبية يساعدهم ما يتنصبش عليهم زي ما حصل مع جدتها سنين والبيت الصغير بقى مقصد ناس كتير جايين يطلبوا نصيحة وكونسويلو كانت تقعد في الركن تسمع وتبتسم لأنها أخيرا شايفة تعب عمرها بيتحول لحاجة بتحمي غيرها وبعد سنوات قليلة القصر الكبير نفسه اتباع ما بقاش رمز للقوة زي زمان وتحول لفندق ريفي للسياح والناس اللي كانت بتمشي قدامه بخوف بقت تاخد صور قدامه وفي يوم من الأيام
لوسيرو خدت جدتها تتمشى قدامه وقفوا قدام البلكونة اللي اترمت منها المرتبة ولوسيرو قالت بابتسامة شايفة يا تيتا من هنا بدأت الحكاية وكونسويلو بصت لفوق نفس المكان نفس السماء لكن هي ما كانتش نفس الست وقالت بهدوء عميق لأ يا بنتي الحكاية ما بدأتش هنا الحكاية بدأت يوم ما صدقنا إننا نستاهل أكتر من اللي كان بيترمي لنا وبعدها بسنة كونسويلو مرضت للمرة الأخيرة وكانت نايمة على سريرها النضيف حوالين رقبتها سلسلة صغيرة اشترتها لوسيرو لها من أول مرتب حقيقي قبضته مسكت إيد حفيدتها وقالت أهم حاجة يا لوسيرو عمرك ما تقبلي الفتافيت تاني حتى لو جات في شكل كنز وابتسمت وعيونها قفلت بهدوء من غير تراب في وشها من غير سقف صاج بيرزع فوق راسها وفضلت لوسيرو بعدها سنين تحكي الحكاية لكل حد يحس إنه قليل
أو مستني حد يرمي له حاجة تحكي عن مرتبة قديمة كانت شكلها إهانة لكنها كانت اختبار وعن ست عاشت اتنين وأربعين سنة ما حدش شايفها وفي الآخر بقت هي اللي شايفة الحقيقة كلها إن الكرامة مش هدية من حد وإن أحيانا ربنا بيخبي أعظم رزق جوه أكتر حاجة الناس شايفاها زبالة عشان بس يوريك إن قيمتك ما كانتش يوما في اللي بيرموه لك لكن في اللحظة اللي تقرر فيها إنك تستاهل حياة كاملة مش بواقي حياة حد تاني.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق