سكريبت ثمن الغربه كامله
ثمن الغربه
جوزي خلاني أسافر وأتغرب، وكنت ببعتله كل شهر مرتبى عشان أعوضه عن غيـ,ـابي هو والأولاد، كنت فاكرة إني بكده بشيل عنه حمل الحياة وبأمن مستقبل ولادنا. كنت بضغط على نفسي في الغربة، وبوفر من أكلي وشربي عشان القرش يروح ليهم.. لكن اكتشفت الحقيقة المرة اللي هزت كـ,ـياني؛ اكتشفت إنه بياخد المرتب يصرفه على حبيبته.. والوجع الأكبر؟ إنها مش بس حبيبته، دي اللي اتجوزها من ورايا!
الدنيا اسودت في عيني لما عرفت إن تعبي وشقايا، واليالي اللي منمتش فيها من الشوق لولادي، كانت هي “المهر” اللي قدمه لواحدة تانية عشان تاخده مني. كان بيكلمني في التليفون يمثل دور الزوج المشتاق، ياخد الفلوس يشتري بيها هدايا ولبس ليها، ويخرجها بمرتبي اللي مبعوت عشان لبس ومصاريف ولادي.
وقفت قدام المراية في غربتي وسألت نفسي: “أنا كنت ببعت عمري في أظرف، وهو كان بيقطعه ويرميه تحت رجليها؟”. مكنتش متخيلة إن الجحود يوصل للدرجة دي، إنه يستغل الغربة والبعد عشان يبني حياته على أنقـ,ـاضي وبفلوسي!
بس اللحظة اللي عرفت فيها، كانت هي اللحظة اللي “أماني” القديمة ماتت فيها. مسحت دمـ,ـوعي وقلت لنفسي: “اللي عملت القرش تقدر تعمل غيره، بس اللي خان الأمانة ملوش مكان في حياتي”. الغربة اللي كانت وجع، هتبقى هي سـ,ـلاحي عشان أقف على رجلي من جديد، بس المرة دي لنفسي ولولادي وبس.
بدأت أخطط، مش هبين له إني عرفت حاجة دلوقتي. لازم أكون أذكى منه زي ما استغفلني. كل قرش كان بيروح له “عشان يعوضه” هيتحول لمكان تاني خالص، والبيت اللي بناه بفلوسي، ههده فوق دماغه بالقانون وبالحق
فضلت قاعدة في ركن الأوضة والظلمة حواليا، بس النور كان بدأ يظهر في عقلي. افتكرت كل مرة كان بيشتكي فيها إن المصاريف زادت، وإن الأولاد محتاجين دروس خصوصية غالية، وأنا كنت بضـ,ـغط على نفسي أكتر، وأشتغل ساعات إضافية عشان “البيت ميتكشفش”.
أتاري البيت كان مفتوح بفلوسي.. بس مش ليا ولا لولادي.
مسـ,ـكت الموبايل، ودخلت على حساباتي البنكية، وبدأت أجمع كل مليم بعته من يوم ما وطيت رجلي في الغربة. الأرقام كانت بتخوف، مبالغ تعمل ثروة، مبالغ كانت كفيلة تخلينا ملك الملوك في بلدنا. وبدل ما أشوفها في ضحكة ولادي أو تأمين مستقبلهم، شفتها في “الدهب” اللي اشتراه لغيري، وفي “عفش البيت” الجديد اللي اتفرش بشقايا.
قلت لنفسي بصوت عالي: “يا أماني، اللي قدر يخدعك السنين دي كلها، ميتكافأش بدموعك.. يتكافأ بذكاءك.”
مسحت دمـ,ـوعي، وقررت ألعب اللعبة بطريقته. اتصلت بيه بليل، ونبرة صوتي كانت هادية جداً، عكس العاصفة اللي جوايا:
“أيوة يا خالد.. عامل إيه والأولاد عاملين إيه؟”قصص وروايات أمانى سيد
رد بصوته اللي كان بيخدعني: “والله يا حبيبتي تعبانين، والحياة بقت صعبة أوي، والفلوس اللي بعتيها الشهر اللي فات يدوب كفت يدوب..”
ضحكت من جوايا بمرارة وقلت له:
“معلش يا أبو العيال، بس عندي خبر مش هيعجبك.. الشركة هنا عندها أزمة، وقللوا الرواتب النص، وكمان التحويلات اتأخرت. الشهر ده مش هقدر أبعت غير مبلغ بسيط جداً عشان يدوب يمشيك أنت والولاد أكل وشرب.”
سكت فجأة، نبرة صوته اتغيرت، وبدأ يرتكب؛ كان خايف على “المصدر” اللي بيصرف منه على حياته التانية.قصص وروايات أمانى سيد
“إزاي يا أماني؟ والالتزامات اللي علينا؟”
“الالتزامات دي تتأجل يا خالد.. أنا لازم أشيل قرشين هنا للزمن، عشان لو الأزمة كبرت أقدر أرجع وألاقي حاجة تسندنا.”
قفلت المكالمة وأنا حاسة بانتصار صغير. دي كانت أول خطوة في “خطة الاسترداد”. الفلوس اللي كانت بتروح له، بدأت أحولها لحساب سري باسمي وبس، وبدأت أتواصل مع محامي شاطر من وراه عشان أعرف إزاي أثبت إن الفلوس دي “خيانة أمانة” واستغلال.
مر أسبوع على المكالمة دي، وهو مكنش بيبطل زن. كل يوم “الولاد محتاجين”، “الجمعية ميعادها جه”، “البيت مفيهوش خزين”. وأنا كنت بسمع صوته وبضحك في سري، لأني عارفة إن الزن ده مش عشان البيت، ده عشان “البيت التاني” اللي ميزانيته بدأت تخرم.
أصعب لحظة كانت لما كلمت بنتي (رقية)، سألتها بالراحة: “يا حبيبتي، بابا بيجيب ليكم طلباتكم؟”. ردت ببراءة قطعت قلبي: “يا ماما بابا مش فاضي خالص، ديماً بره، وطنط اللي ساكنة في الشقة اللي ورانا هي اللي ساعات بتجيب لنا أكل”.قصص وروايات أمانى سيد
هنا الدنيا لفت بيا.. “طنط اللي في الشقة اللي ورانا”؟! يعني لسه بجبروته مسـ,ـكنها في ظهري، وبفلوسي؟!
فتحت اللاب توب وبدأت أكتب “إيميل” لمديري في الشغل، طلبت منه إجازة مفاجئة من غير مرتب لمدة أسبوعين، وقلت له: “ظرف عائلي طارئ”. حجزت التذكرة، ومقولتش لمخلوق. كنت عايزة المواجهة تكون “وش لوش”.
ركبت الطيارة وأنا شايلة في شنطتي ملف كامل؛ فيه صور التحويلات، وتوكيل لمحامي بعتهولي صاحبي المخلص، والأهم من ده كله.. كان معايا “قلب ميت”.
وصلت المطار الفجر، روحت على بيت أهلي الأول، رميت نفسي في حـ,ـضن أمي ومن غير ولا كلمة هي فهمت. سبت شنطي، وأخدت مفتاح شقتي، وروحت.
وقفت قدام باب الشقة، كنت سامعة ضحك عالي جاي من جوه.. ضحك غريب مش ضحك ولادي. فتحت الباب بالراحة، ودخلت الصالة اللي كانت مفروشة بطقم صالون جديد “مودرن”، مكنتش أنا اللي منقياه، بس كنت عارفة تمنه بالقرش لأنه اتسحب من فيزتي الشهر اللي فات.
ناديت بصوت عالي وهادي: “يا خالد.. أنا جيت!”.
الضحك انقطع فجأة، وخرج خالد من الأوضة وشكله كأنه شاف عفريت، ووراه واحدة لابسة قميص من اللي كنت شرياه لنفسي وسايباه في الدولاب.قصص وروايات أمانى سيد
بصيت له وبصيت لها، وطلعت الموبايل وفتحت الكاميرا وقلت بكل برود:
“منورين يا جماعة.. يا رب يكون العـ,ـفش اللي بفلوسي مريحكم، عشان ده آخر يوم هتقعدوا فيه هنا.”
خالد وقف مكانه متسمر، ملامحه اتغيرت مية لون، والست اللي معاه وشها بقى زي الأموات، بدأت تشد في طرف القميص -اللي هو أصلاً بتاعي- وتحاول تستخبى وراه.
خالد بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز:
“أماني! إيه اللي جابك فجأة كدة؟ وليه بتصوري؟ إهدي بس وأنا هفهمك..”
ضحكت ضحكة قوية رنت في أركان الشقة اللي كانت ريحتها “غدر”، وقلت له:
“تفهمني إيه يا خالد؟ تفهمني إنك اتجوزت بفلوسي؟ ولا تفهمني إنك مسـ,ـكنها في شقتي وبتاكل من شقايا؟ ولا تفهمني إنك سايب ولادنا “لطنط” تجيب لهم أكل وأنت هنا بتبني حياتك؟”
الست اللي معاه حاولت تفتح بوقها وتقول بتبجح: “يا حبيبتي ده جوزي على سنة الله ورسوله، والبيت ده..”
مخلتهاش تكمل الجملة، رفعت صباعي في وشها وبنظرة خلتها تسكت خالص:
“البيت ده باسمي أنا، والعفش ده مدفوع تمنه من حسابي البنكي “أنا”، والقميص اللي إنتِ لبساه ده برضه بتاعي.. يعني إنتِ هنا “لصّة” مش أكتر. قدامك ٥ دقايق تلمي هدومك وتطلعي بشنطة إيدك بس، وإلا المحضر اللي واقف على باب الشقه دلوقتي هيدخل يخرجك بالكلبشات بتهمة ســ,,ـــــرقة وتعدي.”
خالد حاول يتدخل ويغير نبرته للهجوم عشان يحفظ ماء وجهه:
“إنتِ اتجننتي يا أماني؟ بتطرديني من بيتي؟”
قربت منه وبصيت في عينه بكل القوة اللي اكتسبتها من سنين الغربة:
“ده مش بيتك.. ده فندق إنت استغليته وأنا قفلت الحساب خلاص. المحامي بتاعي معاه كل إيصالات التحويل، ومعاه إثبات إنك كنت بتصرف فلوس الأمانة (مصاريف الولاد) على جوازة تانية، ودي في القانون اسمها خيانة أمانة يا أبو العيال.”
رميت له الملف اللي كان في إيدي على التربيزة:
“دي صور عقود الشقة، ودي كشوف الحساب.. والنهاردة أنا رفعت قضية طـ,ـلاق للضرر وقضية تبديد أموال. لو عايز تخرج بستر الله، خدها واطلعوا من هنا حالاً، وأوعدك إن الحساب بينا لسه مخلصش.. بس في المحكمة.” قصص وروايات أمانى سيد
في اللحظة دي، دخلوا ولادي من باب الشقة بعد ما جابهم أخويا من بيت أهل خالد.. لما شافوني جريوا عليا وهما بيعيطوا. حـ,ـضنتهم بكل قوتي، وكأنني بستمد منهم النفس. بصيت لخالد وهو بيلم لمه وهو مكسور قدام ولاده، وقلت له كلمة واحدة:
“الغربة علمتني إني أقدر أعيش من غيرك، بس علمتني كمان إن حقي ميتسابش.. مبروك عليك الوجع اللي هتعيشه السنين الجـ,ـاية.”
بعد ما قفلت الباب وراهم، مكنتش حاسة بالضعف اللي كنت خايفة منه، بالعكس، كنت حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بصيت لولادي اللي كانوا مبهورين بقـ,ـوة أمهم اللي أول مرة يشوفوها بالثبات ده.
نيمتهم في حـ,ـضني ليلتها، ومن النجمة كنت عند المحامي.
“يا أستاذ، أنا مش عايزة طـ,ـلاق وبس، أنا عايزة كل قرش دخل جيبه من عرقي يرجع، وعايزة حقي في الشقة والعفش، وعايزة نفقة ولادي متتأخرش ثانية.”
المحامي ابتسم وقال لي: “يا مدام أماني، الصور اللي صورتيها ليهم في الشقة، مع إيصالات التحويل، مع شهادة الجيران إنك إنتِ اللي كنتِ بتصرفي.. كل ده في صفنا. هو دلوقتي في موقف “تبديد أمانة”، يعني لو مرجعش الحقوق، السجــ,,ـــــن مستنيه.”
وفعلاً، بدأت “المعركة القانونية”. خالد حاول يبعت لي ناس يتوسطوا، وحاول يكلمني بنبرة المسـ,ـكنة:
“يا أماني إحنا بينا عِشرة، والولاد محتاجين أبوهم، بلاش الفضايح والمحاكم.”
رديت عليه بكلمة واحدة هزت كيانه:
“العشرة إنت اللي بعتها لما قــ,,ـــــبضت تمنها “مهر” لغيري. والولاد محتاجين “راجل” يكون قدوة، مش حد بيســ,,ـــــرق تعب أمهم. المحكمة هي اللي بينا، والكلام اللي عندي قلته في العريضة.”
مرت الشهور، وقدرت بفضل الله وقوة الأوراق اللي معايا إني أثبت حقي في كل مليم. هو خسر كل حاجة؛ الست اللي اتجوزها لما عرفت إنه مابقاش معاه “المنجم” اللي بيصرف عليها، سابته وخلعته، ولقى نفسه وحيد، خـ,ـسران بيته، وولاده، وفلوس مراته اللي كان بيتباهى بيها.
أما أنا، فقررت مكملش غربتي.
رجعت استقريت في بلدي، وفتحت مشروعي الخاص بفلوسي اللي قدرت أنقذها في آخر لحظة. بدأت أكتب “قصتي” وأنشرها للناس، مش عشان أحكي وجعي، لكن عشان أقول لكل ست مغتربة أو بتضحي: “حبك لبيتك ميعميش عينك عن حقك.. الأمان مش في راجل، الأمان في ذكاءك وقوتك وقرشك اللي في جيبك.”
أماني النهاردة مش هي أماني اللي سافرت مكسورة الجناح؛ أنا دلوقتي الكاتبة اللي قصتها بقت “درس” لكل حد فكر يستبيح تعب غيره.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق