قصـة الأرض لا تخـون كـاملة
قصـة الأرض لا تخـون كـاملة
أجبر مراته الحامل على شقى الغيط في عز الشمس.. واللي حفرت ولقيته تحت الأرض غير حياتها للأبد!
يا ولية يا كسلانة.. لو مش هتجيبي قرش للبيت ده يبقى تشتغلي لحد ما عضمك يدوب ونفسك ينقطع.
كانت زينب بتعدل شالها لما محمود رما الكلمة في وشها كأنها حكم بالإعدام. كان بيقولها كل يوم بنفس النبرة الناشفة ومن غير ما يبص في عينيها. زينب اتعلمت توطي راسها وتنكفي على همها قبل ما الكلمات دي تكسر قلبها.
بيتهم كان صغير مبني بالطوب الأحمر ومن غير محارة في قرية متطرفة في الشرقية الشمس فيها مابتسميش على حد. خرجت زينب من غير نقاش.. الكلام مابيوكلش عيش متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
ولا بيرجع الدوا اللي خلص ولا بيخلي محمود يوطي صوته. السكوت في البيت ده كان هو الباب الوحيد اللي مابيتلطش.
على المسمار اللي جنب الباب كانت متعلقة طاقية ليف قديمة بتاعة أبوها. لمستها زينب بصباعها لثواني وكأنها بتستنجد بروحه.
الأرض بتعرف اللي بيصونها يا بنتي ده اللي كان بيقوله عم حسن وهي لسه صبية.
لكن الأرض في إيد محمود مكنتش سكن.. كانت سجن وعقاپ.
من ضل المندرة كانت حماتها أم محمود بتراقبها بعيون زي الصقر. قاعدة لبسها نضيف وفي إيدها كوباية الشاي السخنة.
ومشوفش وشك غير لما تخلصي عزيق الأرض كلها كمل محمود وهو بيحط رجل على رجل البيت ده مابيوكلش ناس عالة.
هزت
زينب راسها.. كانت دايما بتهز راسها.
انفرد الغيط قدامها خطوط ناشفة أرض صلبة وحجارة مستخبية زي الفخاخ. الأرض كانت محتاجة عافية.. وزينب كان عندها صبر أيوب بس عافيتها كانت بتتسحب منها يوم ورا يوم.
على الضهر كانت جلبيتها لزقت على جسمها من العرق. إيديها كانت بتشقق ونفسها بدأ يضيق من تقل الحمل. وكل ما تفرد ضهرها كلمات محمود ترن في ودنها كسلانة.. مامنكيش فايدة.. عبء.
ساعات في عز ڼار الشمس كانت بتفتكر محمود زمان وقت الخطوبة.. كان بيضحك وبيوعدها هنبني حياتنا سوا هخلي الغيط ده جنة عشانك. صدقته لأنها كانت محتاجة تصدق..متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات ولأن الست لما
بتتحب بتفتكر إن الطيبة هي الأمان.
بس مع السنين الضحكة بقت تكشيرة والبيت بقى دين زينب بتدفعه من صحتها وسكوتها.
المغرب لما رجعت البيت وهي بتجر رجليها ريحة الطبيخ كانت زي الۏجع في مناخيرها. محمود وأمه قاعدين على الطبلية بياكلوا بتمهل. التلفزيون شغال والضحك العالي طالع منه.. مشاهد لعيلة مابتعرفش عنهم حاجة.
فاضل لقمة سألت بصوت واطي ومكسور.
بصتلها أم محمود من فوق لتحت ببرود
خلصتي الغيط
خلصت الحوض اللي قولتوا عليه.
ضحك محمود بسخرية
وده تسميه شغل ده
بلعت زينب ريقها بصعوبة
أنا مادوقتش الزاد من مبارح.. ونفسي في أي حاجة تسندني.
حطت أم محمود المعلقة ببطء بكيان كله
جبروت
هتاكلي لما تبقي ست
بيت بجد وتعرفي قيمتنا.
بس أنا بشتغل..
قاطعتها أم محمود الشغل غير الفلوس.. إنتي مابتجيبيش قرش للبيت إنتي بس بتسحبي من الهوا اللي بنتنفسه.
محمود مسكتش بس ده مابصلهاش أصلا. حست زينب ب حجر نزل على صدرها. دخلت أوضتها قعدت على طرف السرير وبصت لشريط دوا الضغط الفاضي.
الصبح لما طلبت منه فلوس للدوا أمه ضحكت وقالت
إنتي مش محتاجة دوا إنتي محتاجة تتربي.
نامت زينب وهي باصة للسقف ووصية أبوها قبل ما ېموت رجعت ترن في ودنها
الأرض يا بنتي.. ماتمضيش لحد عليها الأرض هي عرضك وسندك.
كانت وعدته.. بس بعد الجواز سابت محمود يدير كل حاجة لأن الثقة كانت أسهل.
يا خيبتي قالتها في سرها بس
مسمحتش لنفسها بالبكاء.. الدموع في البيت ده كانت بتتحسب غلطة.
بعد كام يوم أم محمود بعتتها البندر تشتري عيش ولوازم.
زينب كانت هتضحك.. عمرهم مابيدوها فلوس في إيدها. المرة دي أمه حطت في إيدها كام ورقة ب العدد وقالتلها
ماتتأخريش.
المشي في البندر كان غريب. الناس بتعدي من غير ما يحسوا بيها. شافت صورتها في فاترينة محل وش شاحب جلد محروق وعيون مقتول فيها اللمعة. كانت كأنها خيال ماشي في جسم إنسانة تانية.
اشترت الطلبات وهي خارجة شافتهم.
محمود كان واقف في شارع جانبي مع نجلاء البنت اللي شغالة في محل الموبايلات. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات كانوا قريبين من بعض لدرجة توجع.
إيده كانت على وسطها كأنها ملكه. ونجلاء ساندة على كتفه وبتضحك بدلع وثقة.
استخبت زينب ورا عربية مركونة وضمت العيش لصدرها. شافت محمود وهو بيمسح على شعرها وبيبوس راسها.. مش بوسة عابرة دي كانت حركة ناس عارفين بعض كويس أوي.
العالم كله اتهد فوق راس زينب. كيس العيش وقع منها على الأرض.
لمته بإيد بتترعش ورجعت البيت كأنها روح ماشية في جنازة.
أول ما دخلت محمود زعق
تأخرتي ليه يا هانم
حطت زينب العيش على الطبلية والمرة دي مانهيتش راسها.
شوفتك.
أم محمود رفعت عينها بحدة
شوفتي إيه يا مقصوفة الرقبة
في البندر.. مع نجلاء. شوفتك وأنت بتبوسها.
محمود رفع حاجب ولثانية بان عليه الخۏف.
. وبعدين ضحك بصوت عالي
إنتي بقيتي بتخرفي يا ولية.
لا مابخرفش.
سند محمود ضهره على الكرسي بجبروت
الشمس لحست دماغك من كتر الشغل.. بقيتي بتألفي قصص.
أمه كملت بلسان زي السم الفراغ بيعمل أكتر من كدة.
زينب بصت لحماتها بذهول إنتي بتكذبيني
أنا بقول إنك ناكرة للجميل ردت أم محمود.
قام محمود من مكانه بكرة هتنزلي الغيط الكبير لوحدك.. عشان الخيالات دي تروح من دماغك.
زينب حست بريقها نشف ده كتير عليا.
قرب منها محمود وهددها يبقى بطلي كڈب.
ليلتها زينب مانامتش. فضلت تسمع دبة الرجلين في البيت.. أنفاسهم الهادية وهي بتتقطع من جوه.
وفجأة صوت أبوها رن في ودنها تاني
ماتسيبيش حد ياخد
حقك.
قبل الفجر قامت زينب لفت شالها وخرجت
للغيط. مش طاعة.. دي كانت خطة للنجاة.
اشتغلت بجسم تعبان وعقل صاحي. كل خبطة فأس كانت سؤال هما عاوزين مني إيه
على الضهر سمعت صوت عربية نص نقل بتقرب. لمحت راجل غريب لابس نضارة سودة نازل منها. محمود قابله عند البيت واتكلموا بصوت واطي.. بس مش واطي كفاية.
قولتلك هسلمهالك محمود كان بينتش الكلام بس محتاج وقت.
الوقت فلوس يا صاحبي الراجل رد والولية
ضحك محمود ضحكة قصيرة
ماتشغلش بالك.. وجودها زي عدمه.
زينب جمدت مكانها.. العربية مشيت.
الفجر اللي بعده والكل نايم قامت زينب براحة وحطت ودنها على الحيطة. محمود كان بيتكلم في التليفون
أيوه الأرض لسه باسم المرحوم.. بس مقدورة عليها. هخليها
تمضي وخلاص.. لو عصلجت هوديها المصحة هلاوس وتعب أعصاب. الناس بتصدق أي حد لابس بالطو أبيض.
ډم زينب بقى تلج في عروقها.
مش بس عاوزين الأرض.. دول عاوزين يمسحوا وجودها.
تاني يوم زينب راحت الجمعية الزراعية بحجة إنها بتسأل على كيماوي. دخلت ورجليها بتخبط في بعض. الموظف كان بيتعامل بملل.. لحد ما قالت اسم أبوها.
ملف عم حسن أيوه موجود.. الأرض لسه ماتنقلتش ملكيتها لحد. وبحكم القانون إنتي الوريثة الوحيدة والأساسية.
زينب حست إنها هتقع من طولها.
خرجت للشمس بحقيقة جديدة وزلزال محمود مايملكش قيراط واحد. هو بس بيملك الخۏف اللي زرعه جواها.
رجعت الغيط ومسكت الفأس كأنها بتاخد قرار. بدأت ټضرب
الأرض بقوة قريبة من متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات الحد اللي كان أبوها بيقول عليه الأرض بتشيل أسرارنا.
وفجأة.. الفأس خبطت في حاجة صوتها مش حجر. صوت معدن مكتوم.
زينب وقفت مكانها. بصت حواليها.. مفيش حد. غير الهوا وصوت الغربان.
نزلت على ركبها وبدأت تحفر بإيديها. الأرض كانت ناشفة بس الغل أداها قوة. بان طرف صندوق معدن قديم مدفون بعمق ومحمي كويس.
قلبها كان بيدق لدرجة الۏجع.
فتحت الغطاء بصعوبة بحجر تقيل. لما اتفتح شافت ملفات بلاستيك وأوراق وأظرف مقفولة.. وصندوق معدن أصغر. كل حاجة كانت ناشفة ونضيفة كأن حد مجهزها عشان تعيش سنين.
في أول ملف شافت أرقام حسابات عقود.. ورقم خلى نفسها
ينقطع
40 مليون جنيه.
زينب حطت إيدها على بؤها.. أبوها الراجل اللي كان إيده مشققة وعايش بالستر جاب كل ده منين
وبعدين شافت ظرف عليه اسمها بخط أبوها
يا زينب يا بنتي.. لو بتقري الكلام ده يبقى الدنيا ضاقت بيكي. أنا شيلت القرش ده في صمت لأني عرفت إن الطمع عينه وحشة متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات الأرض دي أرضك والفلوس دي فلوسك.. بس الأهم من ده كله كرامتك. ماتبيعيهاش.
عيطت زينب في صمت. مكنتش فلوس.. كانت إيد من الماضي بتقولها إنتي مش لوحدك.
وفي آخر الرسالة أبوها ساب اسم وعنوان
لو احتجتي مساعدة روحي للأستاذة صفاء المنياوي المحامية في الزقازيق.. هي اللي عارفة كل حاجة.
قالت زينب
لنفسها لازم أهدى. غطت الصندوق
تاني بالتراب.. كانت محتارة ومحتاجة وقت.
بس القدر مكنش ناوي يديها وقت.
في ليلتها محمود حس بحاجة. مشي وراها للغيط.. زينب عرفت من صوت خطواته.
كشاف النور ڤضحها. النور نزل على التربة اللي لسه محفورة.
بتعملي إيه هنا محمود سألها بهدوء مرعب.
مانمتش.. قولت أخلص شغل بكرة.
محمود نزل لمس الأرض وضحك ضحكة خبيثة
أيوة كدة.. بدأتي تطلعي المواهب اللي مخبياها.
مسكها من دراعها بقوة
بكرة هتقوليلي كل حاجة.
زينب ماصرختش. شالت الۏجع لبعدين. شالت الڠضب للحظة المناسبة.
الصبح محمود
خدها هناك ومعاه الفأس والجاروف. أم محمود ونجلاء كانوا في البيت بالصدفة مستنيين. زينب شاورت على المكان لأن الإنكار مابقاش هينفع.
محمود حفر زي المچنون لحد ما الصندوق ظهر.
جر الصندوق للبيت وهو بيشر عرق وعينيه بتلمع بالطمع.
لما فتحه وشاف الورق نجلاء شهقت وأم محمود مسكت صدرها. محمود ضحك ضحكة مش فرح دي كانت ضحكة جوع.
شايفة قال لزينب وهو بيقرب منها كل ده.. بقى بتاعي.
زينب خدت نفس طويل.. ولأول مرة رفعت راسها من غير ما تنزل عينيها.
لأ.
محمود جمد في مكانه.
زينب طلعت
تليفون قديم من تحت شالها. مش تليفونها. ده تليفون الأستاذة صفاء. لأن زينب كانت راحتلها قبل الفجر وهي بتسابق الزمن. وصفاء ماطلبتش منها إثبات متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات صدقتها فورا وادتها التليفون ده وفتحت الخط.
يا أستاذة زينب قالت وهي باصة في عين محمود فتحوا الصندوق.
صوت صفاء طلع واضح من السماعة
تمام يا زينب. المكالمة متسجلة والشرطة والنيابة والمحضرين في الطريق. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات الأوراق دي مربوطة باسمك وبصمتك وأي محاولة للتصرف فيها هي
جناية.
وش محمود بقى لونه أصفر زي الكركم. أم محمود قامت بتعرج
دي.. دي خېانة!
بصتلها زينب بحزن يوجع أكتر من الڠضب
الخېانة هي إنكم تجوعوني وتذلوني.. الخېانة هي إنكم كنتم عاوزين تحبسوني عشان تسرقوا ورثي.
نجلاء رجعت لورا وهي خاېفة أنا ماليش دعوة.. أنا مكنتش أعرف
لا كنتي عارفة قاطعتها زينب وكنتي مبسوطة.
صوت السرينة بدأ يقرب من البيت.
محمود حاول يقفل الصندوق ويلم الورق وهو بيترعش من الخۏف.
مش هتعملي فيا كدة! دي ولية مچنونة! زعق في العساكر اللي دخلوا.
زينب متهزتش.
ولا خاڤت.
خلاص يا محمود.. زمن الخۏف راح.


تعليقات
إرسال تعليق